وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( ٢٢٢ ) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( ٢٢٣ ) .
تفسير المفردات :
الحيض : لغة السيلان، يقال حاض السيل وفاض، وشرعا : دم ذو أوصاف خاصة يخرج من الرحم في مدة مخصوصة استعدادا للحمل حين المعاشرة الزوجية إبقاء للنوع البشري، والأذى : الضرر، واعتزال النساء زمن الحيض ترك غشيانهن في هذه المدة، والطهر : انقطاع دم الحيض، والتطهر : هو الاغتسال بالماء إن وجد ولم يمنع منه مانع، أو التيمم خلفا عنه عند الشافعي، وقال أبو حنيفة : إن طهرت لأقل من عشرة أيام فلا تحل له إلا إذا اغتسلت أو مضى وقت صلاة والدم منقطع، وإن طهرت لأكثر مدته وهي العشرة حلت له ولو لم تغتسل.
المعنى الجملي :
هذا السؤال ثالث الأسئلة التي جاءت معطوفة بالواو لاتصالها بما قبلها وما بعدها، إذ كلها في التشريع المختص بالنساء، أما الأسئلة التي وردت قبلها مفصولة فهي مختلفة لموضوعات، فجاءت مفصولة على طريق التعداد والسرد.
كل هذه الأسئلة جاءت والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة والاختلاط على أتمه بين العرب واليهود، وقد كان اليهود يشددون في مسائل الحيض كما جاء في الفصل الخامس عشر من التوراة، وفيه : أن كل من مس الحائض في أيام طمثها يكون نجسا، وكل من مس فراشها يغسل ثيابه بماء ويستحم ويكون نجسا إلى المساء، وكل من مس متاعا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسا إلى المساء، وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسا سبعة أيام، وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسا – إلى نحو ذلك من الأحكام، وللرجل الذي يسيل منه دم نحو هذه الأحكام.
وكان العرب في الجاهلية لا يساكنون الحيض، ولا يؤاكلونهن كما كانت تفعل اليهود والمجوس.
وكانت النصارى تتهاون في أمور الحيض، وكانوا مخالطين للعرب في كثير من المواطن، وقد جرت العادة أن الناس لا يتأثمون في أمور الدين إذا كانت تتعلق بلذاتهم وشهواتهم، وفيها منفعة لهم، ولا يقفون عند حدود الشرائع، فكان هذا الاختلاف الذي يرونه بين أهل الأديان مدعاة للسؤال عن حكم المحيض في هذه الشريعة
الإيضاح :
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي ويسألونك عن حكم مخالطة النساء زمن الحيض.
قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ أي أجبهم وقل لهم : هو ضرر وأذى، فاتركوا غشيانهن في هذه المدة، والسبر في هذا التأكيد كبح جماح الرغبة في ملابسة النساء ولو وصلت إلى حد الإيذاء وقد كان بعض الناس يظن أن الاعتزال ترك القرب الحقيقي، لكن السنة بينت أن المحرم إنما هو الوقاع فحسب، فعن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل :
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( اصنعوا كل شيء إلا الجماع ) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن.
وعن حزام بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال :( لك ما فوق الإزار ) أي ما فوق السرة، رواه أبو داود.
وقد جاءت الآية ببيان سبب المنع أولا، ثم رتبت عليه الحكم وهو المنع، ليؤخذ بالتسليم والقبول، وليعلم أن الأحكام لم تشرع إلا للمصلحة لا للتعبد كما يرى اليهود.
والخلاصة – إنه يجب ترك غشيان النساء مدة الحيض، لأنه سبب للأذى والضرر، وقد أثبت ذلك الطب الحديث، فقالوا : إن الوقاع في زمن الحيض يحدث الأضرار الآتية :
آلام أعضاء التناسل في الأنثى، وربما أحدث التهابات في الرحم في المبيضين أو في الحوض تضر صحتها ضررا بليغا، وربما أدى ذلك إلى تلف المبيضين وأحدث العقم.
أن دخول مواد الحيض في عضو التناسل عند الرجل، قد تحدث التهابا صديديا يشبه السيلان، وربما امتد ذلك إلى الخصيتين فآذاهما، ونشأ من ذلك عقم الرجل، وقد يصاب الرجل ( بالزهري ) إذا كانت جراثيمه في دم المرأة.
وعلى الجملة فقربانها في هذه المدة قد يحدث العقم في الذكر أو في الأنثى، ويؤدي إلى التهاب أعضاء التناسل فتضعف صحتها، وكفى بهذا ضررا، ومن ثم أجمع الأطباء المحدثون في بقاع المعمورة وجوب الابتعاد عن المرأة في هذه المدة كما نطق بذلك القرآن الكريم المنزل من لدن حكيم خبير.
فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ أي فإذا اغتسلن من دم الحيض فأتوهن من المأتى الذي جبلت النفوس على الميل إليه، ومضت سنة الله بحفظ النوع به، وهو موضع النسل.
وفي هذا إيماء إلى أن الشريعة طلبت التزوج وحرمت الرهبانية، فليس لمسلم أن يترك الزواج على نية العبادة والتقرب إلى الله تعالى، لأنه سبحانه قد امتن علينا بالزواج بقوله : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة وطلب إلينا أن ندعوه بالتوفيق للسرور بالزوجة الصالحة والولد البار فقال : ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين .
فالزواج الشرعي وقربان المرأة ابتغاء النسل من أعظم القرب، وتركه مع القدرة عليه وعدم المانع مخالف لناموس الفطرة وسنته تعالى في شريعته.
وحين قال عليه الصلاة والسلام :( وفي بضع أحدكم صدقة ) قالوا يا رسول الله : أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟. قال :( أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر ) ؟.
وقصارى ذلك – إن الإسلام لم يجعل العبادة في تعذيب النفس ومخالفة سنة الفطرة بترك ما أحل الله من لذات الدنيا، توهما بأن ذلك مما يرضي الخالق جل وعلا.
إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ أي إن الله يحب الذين يرجعون إليه تائبين غير مصرين على سيء أفعالهم، بتغليب سلطان الشهوة على سنة الفطرة حين أتوا نساءهم في المحيض أو في غير المأتى الذي أمر به.
وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أي وإنه تعالى يحب كل من نزه نفسه عن الأقذار، وابتعد عن ارتكاب المنكرات، وهؤلاء أحب إلى الله ممن فرطت منهم الزلة ووقعوا في الدنس ثم تابوا.
المعنى الجملي :
هذا السؤال ثالث الأسئلة التي جاءت معطوفة بالواو لاتصالها بما قبلها وما بعدها، إذ كلها في التشريع المختص بالنساء، أما الأسئلة التي وردت قبلها مفصولة فهي مختلفة لموضوعات، فجاءت مفصولة على طريق التعداد والسرد.
كل هذه الأسئلة جاءت والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة والاختلاط على أتمه بين العرب واليهود، وقد كان اليهود يشددون في مسائل الحيض كما جاء في الفصل الخامس عشر من التوراة، وفيه : أن كل من مس الحائض في أيام طمثها يكون نجسا، وكل من مس فراشها يغسل ثيابه بماء ويستحم ويكون نجسا إلى المساء، وكل من مس متاعا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسا إلى المساء، وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسا سبعة أيام، وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسا – إلى نحو ذلك من الأحكام، وللرجل الذي يسيل منه دم نحو هذه الأحكام.
وكان العرب في الجاهلية لا يساكنون الحيض، ولا يؤاكلونهن كما كانت تفعل اليهود والمجوس.
وكانت النصارى تتهاون في أمور الحيض، وكانوا مخالطين للعرب في كثير من المواطن، وقد جرت العادة أن الناس لا يتأثمون في أمور الدين إذا كانت تتعلق بلذاتهم وشهواتهم، وفيها منفعة لهم، ولا يقفون عند حدود الشرائع، فكان هذا الاختلاف الذي يرونه بين أهل الأديان مدعاة للسؤال عن حكم المحيض في هذه الشريعة
تفسير المراغي
المراغي