قَوْله تَعَالَى: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى يَعْنِي: لَا تقربُوا مَوضِع الصَّلَاة، وَأَنْتُم سكارى فَالْأَصَحّ وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين أَنه أَرَادَ بِهِ: السكر من الشَّرَاب، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الضَّحَّاك: أَرَادَ بِهِ: السكر من النّوم.
وَالسكر من السكر فَهُوَ أَشد، فالسكر يسد الْعقل والمعرفة، وَالصَّحِيح أَنه فِي السكر من الشَّرَاب.
وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف صنع طَعَاما، وَاتخذ شرابًا، ودعا رهطا من أَصْحَاب رَسُول الله، فَأَكَلُوا، وَشَرِبُوا حَتَّى ثَمِلُوا، فَدخل وَقت الْمغرب، فَقَامُوا إِلَى الصَّلَاة، وَقدمُوا وَاحِدًا مِنْهُم، فَقَرَأَ سُورَة قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ وَقَرَأَ: أعبد مَا تَعْبدُونَ، وَأَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد، قَرَأَ هَكَذَا إِلَى آخر السُّورَة بطرح " لَا "؛
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ إِن الله كَانَ عفوا غَفُورًا (٤٣) ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يشْتَرونَ الضَّلَالَة ويريدون أَن تضلوا السَّبِيل (٤٤) وَالله أعلم فَنزل قَوْله: لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ " أَي: حَتَّى تميزوا، وتعرفوا مَا تَقولُونَ.
فَإِن قيل: كَيفَ خَاطب السكارى، والسكران لَا يُخَاطب؟ قيل أَرَادَ بِهِ لَا تتعرضوا للسكر فِي أَوْقَات الصَّلَاة، فَكَانُوا يشربون بعد ذَلِك بعد صَلَاة الصُّبْح، ويصحون عِنْد الظّهْر، وَيَشْرَبُونَ بعد الْعشَاء الْآخِرَة، ويصحون عِنْد الصُّبْح.
وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل يَعْنِي: وَلَا تقربُوا الْمَسْجِد مَوضِع الصَّلَاة جنبا، إِلَّا عابري سَبِيل، اخْتلفُوا فِيهِ: قَالَ جمَاعَة من التَّابِعين وَهُوَ قَول الشَّافِعِي: إِنَّه أَرَادَ بِهِ عبور: الْجنب فِي الْمَسْجِد من غير أَن يجلس؛ فَرخص فِيهِ، وَقَالَ بَعضهم إِنَّه يتَيَمَّم للعبور، ثمَّ يعبر إِذا لم يكن لَهُ بُد من العبور، وَالْآيَة فِي قوم من الْأَنْصَار كَانَت أَبْوَاب بُيُوتهم فِي الْمَسْجِد: فَرخص لَهُم فِي العبور بِالتَّيَمُّمِ، فَهَذَا معنى قَوْله: وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا.
وَإِن كُنْتُم مرضى أَرَادَ بِهِ: المرضى من القروح والجروح، وَفِيه تفاصيل تذكر فِي الْفِقْه، أَو على سفر وحد السّفر: مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة، وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: وَجَاء أحد مِنْكُم من الْغَائِط؛ حَتَّى يَسْتَقِيم الْكَلَام، وَالْغَائِط: اسْم للمطمئن من الأَرْض؛ فَلَمَّا جرت عَادَة الْعَرَب بإتيان الْغَائِط للْحَدَث؛ سمى الْحَدث غائطا باسم الْمَكَان.
أَو لمستم النِّسَاء وَيقْرَأ: " أَو لامستم النِّسَاء " قَالَ عَليّ، وَابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ الْجِمَاع، قَالَ ابْن عَبَّاس: إِن الله حيى كريم، يكنى بالْحسنِ عَن الْقَبِيح؛ فكنى باللمس عَن الْجِمَاع، وَقَالَ ابْن مَسْعُود، وَابْن عمر: هُوَ اللَّمْس بِالْيَدِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، فَمن قَالَ بِالْأولِ قَالَ: إِن التَّيَمُّم للْجنب ثَابت بِنَصّ الْكتاب، وَمن قَالَ
بأعدائكم وَكفى بِاللَّه وليا وَكفى بِاللَّه نَصِيرًا (٤٥) من الَّذين هادوا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه وَيَقُولُونَ سمعنَا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فِي الدّين وَلَو بِالثَّانِي قَالَ: إِن التَّيَمُّم للمحدث ثَابت بِالْكتاب، وللجنب ثَابت بِالسنةِ.
وَقَالَ عمر، وَابْن مَسْعُود: لَيْسَ للْجنب أَن يتَيَمَّم أصلا، وحملوا الْآيَة على اللَّمْس بِالْيَدِ، وتمسكوا بِظَاهِر الْآيَة.
وَالأَصَح أَن اللَّمْس وَالْمُلَامَسَة وَاحِد، وَقَالَ بَعضهم: وَمن قَرَأَ: أَو لامستم فَفِيهِ دَلِيل على انْتِقَاض طَهَارَة اللامس والملموس جَمِيعًا. وَمن قَرَأَ (أَو لمستم) فَفِيهِ دلَالَة على انْتِقَاض طَهَارَة اللامس فَحسب.
فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا أَي: اقصدوا، وتعمدوا، وَالتَّيَمُّم: الْقَصْد، قَالَ الشَّاعِر:
| (تيممت قيسا وَكم دونه | من الأَرْض من مهمة ذِي شزن) |
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم