روى أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم عن علي عليه السلام قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر وذلك قبل تحريم الخمر، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا هكذا إلى آخر السورة فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ١ يعني لا تقربوها في حال سكركم حتى تعلموا ما تقولون ذكر هذا القيد لتعيين حدّ السكر الذي يمنع قربان الصلاة. فإن قيل : السكر إذا بلغ حدا لا يعلم الرجل ما يقول فحينئذ لا يصح خطابه فكيف خوطب بالنهي عن اقتراب الصلاة ؟ قلنا : الخطاب توجه بعد الصحو والمراد به النهي عن اقتراب المسكر في أوقات الصلاة ؟ قال البغوي : فكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر في أوقات الصلاة حتى نزل تحريم الخمر يعني آية المائدة، أو يقال هذا نهي ومعناه النفي يعني لا صلاة لكم وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون غاية لنفي الصلاة على التقدير الثاني وعلى التقدير الأول حتى لتعليل النهي بمعنى كي، وقال الضحاك : بن مزاحم أراد به سكر النوم نهي عن الصلاة عند غلبة النوم، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه " ٢ متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وفي هذه الآية تنبيه على أنه يجب على المصلي أن يحضر قلبه حتى يعلم ما يقول ويتعلم معاني القرآن ويتدبر فيه ويتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه والله أعلم.
وأخرج الطبراني عن الأسلع قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحل له فقال لي ذات يوم " يا أسلع قم فارحل " فقلت : يا رسول الله أصابتني جنابة " وكذا روى ابن مردويه بلفظ أصابتني جنابة في ليلة باردة فخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض فأتاه جبرائيل بآية الصعيد فأراني التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، فقمت فتيممت ثم رحلت، وكذا أخرج الغريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي عليه السلام قال هذه الآية قوله : ولا جنبا في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم انتهى، وسنذكر في سورة المائدة إن شاء الله تعالى أن أول آية نزلت لرخصة التيمم آية المائدة وهي أسبق من هذه ولعل نزول هذه الآية لرخصة التيمم لمن خشي المرض أو الموت باستعمال الماء البارد في ليلة باردة كما يدل عليه حديث الأسلع والله أعلم. والجنب الذي أصابته الجنابة ويستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع فصح عطفه على وأنتم سكارى، وفي القاموس الجنابة المني، وقالت الحنفية الجنابة في اللغة خروج المني على وجه الشهوة، يقال أجنب الرجل إذا قضى شهوته من المرأة بالإنزال، وقال بعض العلماء الجنابة يطلق على مجرد الجماع أنزل أو لم ينزل، نقل الحافظ ابن حجر عن الشافعي أن كلام العرب يقتضي أن الجنابة يطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن معه إنزال، قال : فإن كل من خوطب بأن فلانا أجنب من فلانة يفهم أنهم أصابهم وإن لم ينزل، وأصل الجنابة البعد سمى الجماع جنابة لمجانبته الناس وبعده منهم في تلك الحالة، فذهب داود إلى أنه لا يجب الغسل من الجماع ما لم ينزل زعما أن الجنابة هو خروج المني، واحتج على ذلك بحديث أبي بن كعب أنه قال : يا رسول الله إذا جامع الرجل والمرأة فلم ينزل ؟ قال :" يغتسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي " ٣ متفق عليه، وحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى رجل من الأنصار فجاء ورأسه يقطر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لعلنا أعجلناك ؟ قال نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا عجلت أو قحطت فعليك الوضوء " ٤ متفق عليه، وفي لفظ مسلم قصة وفيه " إنما الماء من الماء ".
مسألة : وأجمع الأئمة الأربعة وجمهور المسلمين على وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل فإن كانت الجنابة بمعنى الجماع كما قاله الشافعي وهو المناسب للاشتقاق فالحكم ثابت بإطلاق هذه الآية، وإن كانت بمعنى خروج المني بشهوة فهذا المعنى ثابت في الجماع إما حقيقة وإما حكما لأن الجماع سبب لخروج المني غالبا والذكر عند الجماع يغيب عن النظر والمني قد يرق فلا يدرك خروجه فأقيم السبب مقام السبب كالنوم أقيم مقام الحدث لأنه مظنة خروج الريح غالبا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء " ٥ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني عن علي، وأيضا الحجة على وجوب الغسل بالجماع مطلقا الأحاديث و الإجماع. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهد بها وجب الغسل " ٦ متفق عليه، وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا قعد بين الشعب الأربع وألزق الختان الختان فقد وجب الغسل " ٧ رواه مسلم، وروى الترمذي وصححه بلفظ " إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا " ٨ والحديثان اللذان احتج بهما داود منسوخان. روى أحمد وأصحاب السنن عن سهل بن سعد حدثني أبي بن كعب أن الأنصار كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصها في أول الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعد، صححه ابن خزيمة وابن حبان، وقال الإسماعيلي هو صحيح على شرط البخاري. فإن قيل : جزم ابن هارون والدارقطني أن الزهري لم يسمعه عن سهل، وقال الحافظ ابن حجر وقع عند أبي داود ما يقتضي انقطاعه فقال عن عمرو بن الحرب عن ابن شهاب حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره أن أبي بن كعب أخبره ؟ قلنا : إن سند أبي داود صحيح لأن الثقة إذا قال أخبرني ثقة أو من أرضى يكون الحديث صحيحا وهذا لا يستلزم أن يكون سند أحمد وابن ماجة وغيرهما منقطعا لأنه يمكن أن الزهري سمعه عن ثقة عن سهل ثم لقي سهلا فحدثه.
مسألة : ويجب الغسل بخروج المني أيضا إجماعا غير أن أبا حنيفة ومحمدا ومالكا وأحمد يشترطون أن يكون الخروج بدفق وشهوة عند الانفصال، وقال أبو يوسف بدفق وشهوة عند الانفصال والخروج جميعا، وقال الشافعي : خروج المني موجب للغسل وإن لم يقارن اللذة سواء كان بتدفق أو لا. احتج الشافعي بحديث علي أنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المذي فقال :" فيه الوضوء وفي المني الغسل " رواه الطحاوي، وما مر من قوله صلى الله عليه وسلم " إنما الماء من الماء " وحديث أم سلمة أنها قالت : جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : هل على المرأة غسل إذا احتلمت ؟ قال :" نعم إذا رأت الماء " ٩ متفق عليه، قال الجمهور : اللام في قوله صلى الله عليه وسلم المني والماء للعهد والمعهود ما كان منه بدفق وشهوة، وقول الشافعي أحوط واللام عنده للجنس.
مسألة : رؤية المستيقظ المني أو المذي يوجب الغسل وإن لم يتذكر الاحتلام والشهوة لأن النوم أوان غفلة ومظنة الاحتلام، والمني قد يرق بطول الزمان أو فساد الغذاء فالشك يبلغ إلى درجة الظن في كونه منيا فيوجب الغسل، روى الترمذي عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما، قال : يغتسل، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللا قال :" لا غسل عليه " ١٠ وفيه عبد الله بن عمر يروي عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عنها، قال الترمذي : ضعّفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه.
إلا عابري سبيل حال متداخل من قوله جنبا استثناء من أعم أحواله أو صفة لقوله جنبا، وعلى التقديرين الاستثناء مفرغ أي لا تقربوا الصلاة جنبا، في حال من الأحوال إلا حال كون الجنب مسافرين أو جنبا موصوفا بصفة من الصفات إلا بصفة كونهم مسافرين وذلك إذا لم يجد الماء أو لم يقدر غلى استعماله ويتيمم، ويشهد له ما روينا في شأن نزوله، وتعقيبه بذكر التيمم كأنه عبر عن المتيمم بالمسافر لأن غالب حاله عدم الماء وفيه دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث بل يستره وبه قال جمهور العلماء، وقال داود : التيمم يرفع الحدث وكذا وقع في بعض كتب الحنيفة أن التيمم يرفع الحدث عنده وأن وجدان الماء ناقض للتيمم مثل سائر نواقص الوضوء، والصحيح عندي أنه لا يرفع الحدث ولو كان رافعا للحدث فوجد أن الماء لا يتصور كونه حدثا وكون وجد إن الماء غاية لطهورية الصعيد يقتضي ظهور الحدث السابق المستور لا ورود الحدث الجديد وجه قول داود أنه يرفع الحدث قوله صلى الله عليه وسلم :" الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن يجد الماء عشر سنين " ١١ الحديث رواه أصحاب السنن من حديث أبي ذر وقال الترمذي : حديث صحيح، وقوله صلى الله عليه وسلم :" جعلت لي الأرض كلها مسجدا وتربتها طهورا " ١٢ رواه مسلم وابن خزيمة وغيرهما، قلنا : هذان الحديثان وما في معناهما مبنيان على المجاز يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في آخر حديث أبي ذر المذكور " فإذا وجد الماء فليمس بشرته " فإنه إن كان طهورا على الحقيقة لم يجب عليه استعمال الماء بعد رفع الحدث، وفي الصحيحين عن عمران بن حصين ذكر قصته فيه أمر المجنب عند عدم الماء بالتيمم ثم إذا وجد الماء أمره بالغسل ولو كان التيمم رافعا للجنابة لم يأمره بالغسل.
فائدة : ما ذكرنا من التفسير قول علي وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وقال بعض المفسرين : معنى هذه الآية لا تقربوا مواضع الصلاة يعني المساجد بحذف المضاف جنبا إلا عابري سبيل يعني إلا مجتازين من المسجد بغير مكث، لما روى ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد كانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممرا إلا في المسجد فأنزل الله قوله : ولا جنبا إلا عابري سبيل وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن المسّيب والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري، وبناء على هذا التفسير قال مالك والشافعي : جاز للجنب المرور من المسجد على الإطلاق وهو قول الحسن فإن اللفظ عام وإن كان سبب نزول الآية خاصا يعني ضرورة عدم وجدان الممر إلا في المسجد، وعندنا لا يجوز المرور في المسجد للجنب لأن تأويل الآية على هذا الوجه يتوقف على تقدير المضاف والأصل عدم التقدير، وأيضا لو كان معنى الآية لا تقربوا مواضع الصلاة لزم حرمة دخول مساجد البيوت للجنب ولم يقل به أحد، وأيضا لا معنى لقوله لا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فإن صريح في النهي عن قربان الصلاة، ولا يمكن في المعطوف تقدير غير ما ذكر أو قدر في المعطوف عليه.
مسألة : لا يجوز المكث في المسجد عند مالك والشافعي أيضا، كما لا يجوز عند أبي حنيفة وقال أحمد يجوز. لنا قوله صلى الله عليه وسلم :" وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإن لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " ١٣ رواه أبو داود وابن ماجه والبخاري في التاريخ والطبراني عن أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة، وقال الحافظ : رواه أبو داود من حديث جسرة عن أم سلمة، وقال أبو زرعة الصحيح حديث جسرة عن عائشة. فإن قيل : ضعف الخطابي هذا الحديث فقال أفلت بن خليفة العامري الكوفي مجهول الحال وقال ابن الرفعة متروك، قلنا : قول ابن الرفعة مردود لم يقله أحد من أئمة الحديث بل قال أحمد ما أرى به بأسا وصححه ابن خزيمة وحسنه
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: الوضوء من النوم، ومن لم ير من النعسة والنعستين أو الخفقة وضوءا (٢٠٩). وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (٧٨٦)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الغسل، باب: غسل ما يصيب من فرج المرأة (٢٨٩) وأخرجه مسلم في كتاب: الحيض، باب: إنما الماء من الماء (٣٤٦).
.
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر (١٧٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحيض، باب: إنما الماء من الماء (٣٤٥)..
٥ أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب: في الوضوء من النوم (٢٠٢) وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الطهارة، باب الوضوء من النوم (٤٧٧)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: الغسل، باب: إذا التقى الختانان (٢٨٧) وأخرجه مسلم في كتاب: الحيض، باب: نسخ الماء من الماء (٣٤٨)..
٧ أخرجه مسلم في كتاب: الحيض، باب: فسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين (٣٤٩)..
٨ أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل (١٠٨)...
٩ أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: الحياء في العلم (١٣٠) وأخرجه مسلم في كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها (٣١٣)..
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللا ولا يذكر احتلاما (١١٣)..
١١ أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء التيمم للجنب إذا لم يجد الماء (١٢٤) وأخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب: الجنب يتمم (٣٣١) وأخرجه النسائي في كتاب: الطهارة، باب: الصلوات بتيمم واحد (٣١٧)..
١٢ أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة (٥٢١). .
١٣ أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب: في الكنب يدخل المسجد (٢٣١)..
التفسير المظهري
المظهري