يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الغائط أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ( النساء : ٤٣ )
تفسير المفردات : الغائط : المنخفض من الأرض كالوادي وأهل البادية والقرى الصغيرة يقصدونه عند قضاء الحاجة للستر والاستخفاء عن الناس وملامسة النساء : الإفضاء إليهن تيمموا : اقصدوا والصعيد : وجه الأرض والطيب : الطاهر العفو : ذو العفو والعفو عن الذنب : محوه وجعله كأن لم يكن والغفور ؟ : ذو المغفرة والمغفرة : ستر الذنوب بعدم الحساب عليها.
المعنى الجملي : بعد أن وصف سبحانه الوقوف بين يديه يوم العرض والأهوال التي تؤدي إلى تمني الكافر العدم فيقول : يا ليتني كنت ترابا والتي تجعله لا يستطيع أن يكتم الله حديثا وذكر أنه لا ينجو في ذلك اليوم إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة لرسوله – وصف في هذه الآية الوقوف بين يديه في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم وطلب فيه استكمال القوى العقلية وتوجيهها إلى جانب العلي الأعلى بألا تكون مشغولة بذكرى غيره طاهرة من الأنجاس والأخباث لتكون على أتم العدة للوقوف في ذلك الموقف الرهيب مستشعرة تلك العظمة والجلال والكبرياء.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون أي لا تصلوا حال السكر حتى تعلموا قبل الشروع فيها ما ستقرؤونه وما ستعملونه ذاك أن حال السكر لا يتأتى معها الخشوع والخضوع والحضور مع الله بمناجاته بكتابة وذكره ودعائه.
و هذا الخطاب موجه إلى المسلمين قبل السكر بأن يجتنبوه إذا ظنوا أنهم سيصلون ليحتاطوا فيجتنبوه في أكثر الأوقات وقد كان هذا تمهيدا لتحريم السكر تحريما باتا لا هوادة فيه إذ من يتقي أن يجيء عليه وقت الصلاة وهو سكران يترك الشرب عامة النهار وأول الليل لتفرق الصلوات الخمس في هذه المدة فلم يبق للسكر إلا وقت النوم من بعد العشاء إلى السحر فيقل الشراب لمزاحمة النوم له وأول النهار من صلاة الفجر إلى وقت الظهيرة وقت الكسب والعمل لأكثر الناس ويقل أن يسكر فيه إلا أصحاب البطالة والكسل.
و قد ورد أنهم كانوا بعد نزولها يشربون بعد العشاء فلا يصبحون إلا وقد زال السكر وصاروا يعلمون ما يقولون.
روى أبو داود والترمذي عن علي كرم الله وجهه قال :" صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وشقانا من الخمر فأخذت منا وحضرت الصلاة فقدموني فقررت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت الآية.
وروى ابن جرير عن علي أن الإمام كان يومئذ عبد الرحمن وأن الصلاة صلاة المغرب – وكان ذلك قبل أن تحرم الخمر.
و يفترق المعنى بين الأسلوبين لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا تقربوا الصلاة سكارى إذ الأول يتضمن النهي عن السكر الذي يخشى أن يمتد إلى وقت الصلاة فيفضي إلى أدائها في أثنائه وخلاصة المعنى عليه احذروا أن يكون السكر وصفا لكم عند حضور الصلاة فتصلوا وأنتم سكارى فامتثال هذا النهي إنما يكون بترك السكر في وقت الصلاة وفيما يقرب منها والثاني يتضمن النهي عن الصلاة حال السكر فحسب
وأما نهيهم عن الصلاة جنبا فلا يتضمن نهيهم عن الجنابة قبل الصلاة، من سنن الفطرة وإنما ينهاهم عن الصلاة في أثنائها حتى يغتسلوا ولهذا قال جنبا ولم يقل وأنتم جنب.
ولا جنبا إلا عابري سبيل أي ولا تقربوا الصلاة جنبا من أي حال إلا حال كونكم عابري سبيل : أي مجتازين الطريق، وقد روى أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد وكان يصيبهم الجنابة ولا يحدون ممرا إلا فيه فرخص لهم في ذلك ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسد تلك الأبواب والكوى إلا في آخر عمره الشريف ولم يستثن إلا خوخة أبي بكر رضي الله عنه ( الخوخة الكوة والباب الصغير ).
حتى تغتسلوا أي لا تقربوا الصلاة جنبا إلى أن تغتسلوا إلا ما رخص لكم فيه من عبور السبيل في المسجد.
و حكمة الاغتسال من الجنابة أن الجنابة تحدث تهيجا في الأعصاب فيتأثر البدن كله ويحدث فتور وضعف فيه يزيله الاغتسال بالماء ومن ثم ورد في حديث :" إنما الماء من الماء " رواه مسلم.
و الخلاصة : إن الدين طلب الصلاة حال العلم والفهم وتدبر القرآن والذكر وذلك يتوقف على الصحو وترك السكر كما طلب أن يكون الجسم نظيفا نشيطا وذلك لا يكون إلا بإزالة الجنابة.
و لما كانت الصلاة فريضة موقوتة لا هوادة فيها لأنها تذكر المرء ربه وتعده للتقوى وكان الاغتسال من الجنابة يتعسر في بعض الحالات ويتعذر في بعضها الآخر رخص سبحانه لنا في ترك استعمال الماء والاستعاضة عنه بالتيمم فقال :
وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم المراد بالمرض المرض الذي يخاف زيادته باستعمال الماء كبعض الأمراض الجلدية والقروح كالحصبة والجدري أو نحو ذلك والسفر يشمل الطويل والقصير والمراد بالمجيء من الغائط الحدث الأصغر بخروج شيء من أحد السبيلين ( القبل والدبر ) وملامسة النساء : غشيانهن.
ففي هذه الحالات ( المرض. السفر. فقد الماء عقب الحدث الأصغر الموجب للوضوء والحدث الأكبر الموجب للغسل ) اقصدوا صعيدا طيبا : أي وجها طاهرا من الأرض لا قذارة فيه ولا أوساخ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ثم صلوا.
و الخلاصة : إن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثا أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء فعلى كل هؤلاء التيمم فقط قاله الأستاذ الإمام.
لكن المعروف في المذاهب الأربعة أن شرط التيمم في السفر فقد الماء فلا يجوز مع وجوده وهذا بخلاف ظاهر الآية.
و من تأمل في رخص السفر التي منها قصر الصلاة وإباحة الفطر في رمضان لا يستنكر أن يرخص للمسافر في ترك الغسل والوضوء مع وجود الماء وهما دون الصلاة والصيام في نظر الدين فالمشاهد أن الوضوء والغسل يشقان على المسافر الواجد للماء في هذا الزمان الذي سهلت فيه الوسائل السفر في السكك الحديدية والبواخر فكيف تكون المشقة للمسافرين على ظهور الإبل في مفاوز الحجاز وجبالها فأشق ما يشق في السفر الغسل والوضوء وإن كان الماء حاضرا مستغنى عنه ففي البواخر يوجد الماء وتوجد الحمامات للاغتسال بالماء الساخن والماء البارد ولكنها خاصة بالأغنياء الذين يركبون في الدرجة الأولى والثانية ة هؤلاء الأغنياء منهم من يصيبه دوار شديد يتعذر معه الاغتسال أو خفيف يشق معه الاغتسال ولا يتعذر فإذا كانت هذه السفن التي يوجد فيها الماء على هذه الحال يتعسر فيها الاغتسال أو يتعذر فكيف يكون الاغتسال في قطر السكك الحديدية أو في قوافل الحمال والبغال ؟.
روى أن هذه الآية نزلت في بعض أسفار النبي صلى الله عليه وسلم وقد انقطع عقد لعائشة فأقام النبي صلى الله عليه وسلم يلتمسه والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فلما نزلت وصلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة فحعل يقول : ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر وفي رواية : يرحمك الله يا عائشة ما نزل أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجا.
ثم ذكر منشأ السهولة واليسر فقال :
إن الله كان عفوا غفورا العفو هنا التيسير والسهولة ومنه قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ ( الأعراف : ١٩٩ ) وقوله صلى الله عليه وسلم :" قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق " أي أسقطتها تيسيرا عليكم ومن عفوه وتسهيله أن أسقط في حال المرض والسفر وجوب الوضوء والغسل.
و في ذلك إيماء إلى أن ما كان من الخطأ في صلاة السكارى كقولهم : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون – مغفور لهم لا يؤاخذون عليه.
قال السيد الحسن صديق خان في شرحه ( لروضة الندية ) : قد كثر الاختباط في تفسير هذه الآية : وإن كنتم مرضى أو على سفر إلخ والحق أن قيد عدم وجود الماء راجع إلى قوبه أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فتكون الأعذار ثلاثة : السفر والمرض وعدم وجود الماء في الحضر وهذا ظاهر على قول من يقول : إن القيد إذا وقع بعد جمل متصلة كان قيدا لآخرها وأما على قول من يقول إنه يكون قيدا للجميع إلا أن يمنع مانع فكذلك أيضا لأنه قد وجد المانع هنا من تقييد السفر والمرض بعدم وجود الماء –و هو أن كل واحد منهما عذر مستقل طفي غير هذا الباب كالصوم ويؤيد هذا أحاديث التيمم التي وردت مطلقة وغير مقيدة بالحضر أه.
و منه تعلم أن رأيه كرأي الأستاذ الأمام من أن السفر وحده عذر كاف في التيمم وجد الماء أو لم يوجد.
تفسير المراغي
المراغي