يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا .
٢٧٢- لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون قيل : سكارى من كثر الهم وقيل من حب الدنيا. وقال وهب١ : المراد به ظاهره، ففيه تنبيه على سكر الدنيا إذ بين فيه العلة فقال : حتى تعلموا ما تقولون وكم من مصل لم يشرب خمرا وهو لا يعلم ما يقول في صلاته. [ نفسه : ١/١٧٨ ].
٢٧٣- تكليف السكران الذي لا يعقل محال كتكليف الساهي والمجنون، والذي لا يسمع ولا يفهم، بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه، ومن المجنون الذي يفهم كثيرا من الكلام.
وأما نفوذ طلاقه ولزوم الغرم، فذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، وذلك مما لا ينكر، فإن قيل : فقد قال الله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى وهذا خطاب للسكران. قلنا : إذا ثبت بالبرهان استحالة خطابه وجب تأويل الآية ولها تأويلان :
أحدهما : أنه خطاب مع المنتشي الذي ظهر فيه مبادئ النشاط والطرب، ولم يزل عقله، فإنه قد يستحسن من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك، ولكنه عاقل وقوله تعالى : حتى تعلموا ما تقولون معناه : حتى يسكن غضبك فيكمل علمك، وإن كان أصل عقله باقيا، وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة مثل هذا السكران، وقد يعسر عليه تصحيح مخارج وتمام الخشوع.
الثاني : أنه ورد الخطاب به في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، وليس المراد المنع من الصلاة بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كما يقال لا تقرب التهجد وأنت شبعان، ومعناه : لا تشبع فيثقل عليك التهجد. [ المستصفى : ١/ ٨٤-٨٥ ]
٢٧٤- ذهب الفقهاء إلى أنه مخاطب تمسكا بقوله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ... وظاهر الآي لا يصادم المعقولات، ثم هو خطاب مع المنتشي الذي لم يزل عقله، بدليل أنه نزل في شارب خمر أم قوما، فقرأ " الفاتحة "، فتخبطت عليه سورة قل يا أيها الكافرون وكان معه من العقل ما يفهم به.
قلنا : جريان الأحكام عليه تغليظ، لأن السكر متشوف النفوس، وقد تعدى بالتسبب إليه، فلا يتوجه إليه الخطاب في حالة السكر أصلا.
والأحكام جارية، والصلاة تقضى بأمر جديد، ولو أمر به المجنون بعد الإفاقة، أو الحائض بعد الطهر بفعل الصوم لم يبعد، وسببه تعديه بالتسبب إليه مع كونه مجنونا حتى لو ردى نفسه من شاهق، فانخلعت قدماه، لا يجب القضاء، لأن النفس لا تتشوف إليه.
والخلاف آيل إلى عبارة، إن سلموا لنا استحالة تكليف ما لا يطاق، لأننا نسلم الأحكام وجريانها، وذلك لا يدل على التكليف، والسكران لا يفهم، ولا يقال له افهم، وهو شرط خطاب، وكذلك الناسي الذاهل حكمه حكم السكران في التكليف. [ المنخول من تعليقات الأصول : ٢٩-٣٠ ].
٢٧٥- حتى تعلموا ما تقولون تعليل لنهي السكران، وهو مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا. [ الإحياء : ١/ ١٨٥ ].
٢٧٦- ولا جنبا إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا ... تنبيه على أن ما جعل غاية للحكم مؤثر في ارتباط. [ شفاء الغليل : ٤٨ ].
٢٧٧- يحمل قوله تعالى : أو لامستم النساء على الوطء والمس جميعا، قلنا : هذا عندنا كاللفظ المشترك، وإن كان التعميم فيه أقرب قليلا، وقد نقل أن الشافعي رحمه الله قال : أحمل آية اللمس على المس والوطء جميعا، وإنما قلنا : هذا أقرب لأن المس مقدمة الوطء، والنكاح أيضا يراد للوطء، فهو مقدمته، ولأجله استعير للعقد اسم النكاح الذي وضعه للوطء، واستعير للوطء اسم اللمس، فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعا باللفظ المذكور مرة واحدة. لكن الأظهر عندنا أن ذلك أيضا على خلاف عادة العرب. [ المستصفى : ٢/٧٤ ].
٢٧٨- فلم يجدوا ماء فتيمموا فهو تنبيه على إضافة الإباحة إلى العدم، ولكن إلى العدم لعينه حتى يقتصر عليه، أو لمعنى يتضمنه، وهو : العجز الحاصل به، حتى يتعدى إلى من وجد ماء ومنعه منه حائل أو افتقر إليه السقية، أو افتقر في تحصيله إلى تفويت مال كثير وارتكاب خطر وغيره ؟ [ شفاء الغليل : ٦٤ ].
٢٧٩- أن يترتب الحكم على الفعل بفاء التعليل والتسبيب، فهو تنبيه على تعليل الحكم بالفعل الذي رتب عليه... كقوله تعالى : فلم يجدوا ماء فتيمموا فدل ذلك على أن سبب جواز التيمم فقد الماء. [ نفسه : ٢٨ ]
٢٨٠- أو لامستم النساء حمله أبو حنيفة –رضي الله عنه- على المجامعة وحمله الشافعي على الجس باليد. [ الوسيط في المذهب : ١/٤٠٩-٤١٠ ].
٢٨١- يبيح التيمم :... العجز عن استعمال الماء لقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا [ نفسه : ١/٤٣١ ].
٢٨٢- فلم تجدوا ماء فتيمموا فإن ذلك في اللمس والغائط.
ونحن نطرد ذلك في البول والنوم والمذي والمني وجميع الجهات، لأنه فهم بالإيمان أن السبب فقد الماء، فاتبعنا السبب دون المحل. [ شفاء الغليل : ١١٦ ].
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي