يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ٤٣ .
هنا ينقلنا الحق من الأوامر، من العبادات وعدم الإشراك بالله، من التحذير من النفقة رئاء الناس وأنه سبحانه لا يظلم أحدا وأننا كلنا سنجتمع أمامه يوم لا ظل إلا ظله، بعد ذلك أراد ان يصلنا به وصل العبادية التي تجعلك تعلن ولاءك لله في كل يوم، خمس مرات، وسبحانه يريك أن تقبل عليه بجماع عقلك وفكرك وروحك بحيث لا يغيب منك شيء.
هو سبحانه يقول : ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولم يقل : لا تصلوا وأنتم سكارى ؟ أي لا تقاربوا الصلاة ولا تقوموا إليها واجتنبوها، وفيه إشارة إلى ترك المسكرات، فما معنى " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ؟ معنى ذلك أنهم إذا كانوا لا يقربون الصلاة إذا ما شربوا الخمر، فيكون تحريم المسكرات لم يأت به التشريع بعد، فقد مر هذا الأمر على مراحل ؛ لأن الدين حينما جاء ليواجه أمة كانت على فترة من الرسل أي بعدت صلتها بالرسل، فيجيء إلى أمر العقائد فيتكلم فيها كلاما حاسما باتا لا مرحلية فيه، فالإيمان بإله واحد وعدم الشرك بالله هذه أمور ليس فيها مراحل، ولا هوادة فيها. لكن المسائل التي تتعلق بإلف العادة، فقد جاءت الأوامر فيها مرحلية. فلا نقسر ولا نكره العادة على غير معتادها بل نحاول أن نتدرج في المسائل الخاضعة للعادة مادام هناك شيء يقود إلى التعود.
إن الحق سبحانه وتعالى من رحمته بمن يشرع لهم جعل في مسائل العادة والرتابة مرحليات، فهذه مرحلة من المراحل : ولا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ، والصلاة هي : الأقوال والأفعال المعروفة المبدوءة بالتكبير والمنتهية بالتسليم بشرائطها الخاصة، هذه هي الصلاة، اصطلاحيا في الإسلام وإن كانت الصلاة في المعنى اللغوي العام هي : مطلق الدعاء.
و " سكارى " جمع " سكران " وهو من شرب ما يستر عقله، وأصل المسألة مأخوذة من السكر ما سد به النهر ؛ فالماء حين ينساب يضعون سدا، هذا السد يمنع تدفق الماء، كذلك الخمر ساعة يشربها تمنع تدفق الفكر والعقل فاخذ من هذا المعنى لاتقربوا الصلاة وانتم سكارى المفهوم أن الصلاة تأخذكم خمسة أوقات للقاء الله، والسكر والخمار ؛ وهو ما يمكث من أثر المسكر في النفس، ومادام لن يقرب الصلاة وهو سكران فيمتنع في الأوقات المتقاربة بالنهار. إذن فقد حملهم على أن يخرقوا العادة بأوقات يطول فيها أمد الابتعاد عن السكر. وماداموا قد اعتادوا أن يتركوها طوال النهار وحتى العشاء، فسيصلي الواحد منهم العشاء ثم يشرب وينام. إذن فقد مكث طوال النهار لم يشرب، هذه مرحلة من المراحل، وأوجد الحق سبحانه وتعالى في هذه المسألة مرحليات تتقبلها النفس البشرية. فأول ما جاء ليتكلم عن الخمر قال :
ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ( من الآية ٦٧ سورة النحل ).
ويلاحظ هنا أن " السكر " مقدم، على الرزق الموصوف بالحسن، ففيه سكر وفيه رزق. كأنهم عندما كانوا يأكلون العنب أو البلح فهذا رزق، ووصف الله الرزق بأنه حسن. لكنهم كانوا أيضا يأخذون العنب ويصنعون منه خمرا، فقدم ربنا " السكر "، لأنهم يفعلون ذلك فيه، ولكنه لم يصفه بالحسن، بل قال :" تتخذون منه سكرا "، لكن كلمة رزق وصفت بالحسن.
بالله عندما نسمع " سكرا ورزقا حسنا " ألا نفهم أن كونه سكرا يعني غير حسن، لأن مقابل الحسن : قبيح. وكأنه قال : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا أي شرابا قبيحا ورزقا حسنا، ولاهتمامكم أنتم بالسكر، قدمه، وبعد ذلك ماذا حدث ؟ عندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يأتي بحكم تكون المقدمة له مثل النصيحة ؛ فالنصيحة ليست حكما شرعيا، والنصيحة أن يبين لك وأنت تختار، يقول الحق :
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ( من الآية ٢١٩ سورة البقرة ).
هو سبحانه شرح القضية فقط وأنت حر في أن تختار فقال : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ولكن الإثم أكبر من النفع، فهل قال لنا ماذا نفعل ؟ لا ؛ لأنه يريد أن يستأنس العقول لترجح من نفسها الحكم، وأن يصل الإنسان إلى الحكم بنفسه، فسبحانه قال : وإثمهما أكبر من نفعهما فمادام الإثم أكبر من النفع فما مرجحات البدائل ؟ مرجحات البدائل تظهر لم حين تقارن بين بديلين ثم تعرف أقل البديلين شرا وأكثر البديلين خيرا.
فحين يقول الحق : فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما إذن فهذه نصيحة، ومادامت نصيحة فالخير أن يتبعها الإنسان ويستأمن الله على نصيحته. لكن لا حكم هنا، فظل هناك ناس يشربون وناس لا يشربون، وبعد ذلك حدثت قصة من جاء يصلي وقرأ سورة الكافرون، ولأن عقله قد سد قال : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فوصلت المسألة ذروتها وهنا جاء الحكم فنحن لا نتدخل معك سواء سكرت أم لا، لكن سكرك لا يصح أن تؤدي بك أن تكفر في الصلاة، فلا تقرب الصلاة وأنت مخمور. هذا نهي، وأمر، وتكليف.
لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ومادام لا نقرب الصلاة ونحن سكارى فسنأخذ وقتا نمتنع فيه، إذن ففيه إلف بالترك، وبعد ذلك حدثت الحكاية التي طلبوا فيها أن يفتي الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الخمر، فقالوا للنبي : بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزل قوله الحق :
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ( من الآية ٩٠سورة المائدة ).
إذن فقوله : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، مرحلة من مراحل التلطف في تحريم الخمر، فحرمها زمنا، هذا الزمن هو الوقت الذي يلقى الإنسان فيه ربه، إنه أوضح لك : اعملها بعيدا، لكن عندما تأتيني فعليك أن تأتي بجماع فكرك وجماع عقلك، حتى تعلموا ما تقولون فكأن هذه أعطتنا حكما : أن الذي يسكر لا يعرف ماذا يقول، هذه واحدة، ومادام لا يعرف ما يقوله، إن كان في المسائل العادية فليقل ما يقول، إنما في العبادة وفي القرآن فلا يصح أن يصل إلى هذا الحد، وعندما تصل إلى هذا الحد يتدخل ربنا فيقول : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون .
ثم جاء بحكم آخر. ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ومعروف ما هي الجنابة : إنها الأثر الناتج من التقاء الرجل بالمرأة. ويقال : إنها اللذة التي يغيب فيها الفكر عن خالقه، وهذه لذة يسمونها " جماع اللذات " ؛ لأنها تعمل في البدن تلك الرعشة المخصوصة التي تأخذ خلاصات الجسم ؛ ولذلك قيل : إنه نور عينيك ومخ ساقك فأكثر منه أو أقلل. يعني أنا أعطيك هذه القدرة وأنت حر. ونحن نغتسل لنعيد النشاط إلى النفس البشرية، وليس لأحد شأن بهذه المسائل مادامت تتم في ضوء شريعة الله وشأننا في ذلك أن نأتمر بأمر ربنا ونغتسل من الجنابة سواء فهمنا الحكمة من وراء ذلك أو لم نفهم.
ولا جنبا إلا عابري سبيل إذا كان المراد بالصلاة، فلا تقربوا الصلاة، بالسكر أو الجنابة ولم يقل :" لا تصلوا ". والصلاة مكانها المسجد، فقول : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا ، أي لا تقربوا الصلاة، والقرب عرضة أن يكون ذهابا للمسجد، فكأنه يقول : لا تذهب إلا إذا كان المسجد لا طريق للماء إلا منه.
وإن كنتم مرضى أو على سفر أي كان عندكم عذر يمنع من الماء. أو جاء أحد منكم من الغائط ، و " والغائط " هو : الأرض الوطيئة، الهابطة قليلا، وكانوا يقضون فيها حاجاتهم، وأصبح علما على قضاء الحاجة، وكل واحد منا يكنى عنها بأشياء كثيرة فيقول واحد : أنا أريد أن أذهب إلى " بيت الماء " ويتساءل آخر أين " دورة المياه ؟ " وفي هذا تلطف في الإخبار عن عملية تستقذرها النفس ؛ ولذلك نقول في العبارات الشائعة : أنا ذاهب أعمل زى الناس يعني أنا لست بدعا أن أقضي حاجتي، فكل الناس تعمل هذا.
فربنا سبحانه وتعالى يقول : أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ومن رحمة الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن لطف الحق بها أن التشريع جاء ليقبل عليه الإنسان ؛ لأنه تشريع فلا تقل لي مثلا : أنا أتوضأ لكي أنظف نفسي ولكننا نقول لك : هل تتوضأ لتنظف نفسك وعندما تفقد الماء تأتي بتراب لتضعه على وجهك ؟ فلا تقل لي النظافة أو كذا، إنه استباحة الصلاة بالشيء الذي فرضه الله، فقال لي : توضأ فإن لم تجد ماء فتيمم، أينقلني من الماء الذي ينظف إلى أن أمسح كفي بالتراب ثم ألمس بهما وجهي ؟ ! نعم ؛ لأن المسألة أمر من الله فهمت علته أو لم تفهم ؛ ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا طهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل قبلي وأعطيت الشفاعة وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة )(١).
فتيمموا صعيدا طيبا ، أي أن تكون واثقا أنه ليس عليه نجاسة، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ، المسألة فيها " جنب " وفيها كذا وكذا.. " وتيمم "، إذن فكلمة فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ليس ذلك معناه أن التيمم خلف وبديل عن الوضوء فحسب، ففي الوضوء كنت أتمضمض، وكنت أستنشق، وكنت أغسل الوجه، وكنت أغسل اليدين، وأمسح الرأس والأذنين.. مثلا، وأنا أتكلم عن الأركان والسنن. وفي هذه الآية يوضح الحق : مادامت المسألة بصعيد طيب وتراب فذلك يصح سواء أكانت للحدث الأصغر أم للجنابة، إذن فيكفي أن تمسح بالوجه واليدين.
فامسحوا بوجوهكم وأيديكم وتساءل بعضهم : أهي ضربة واحدة نلمس بها الأرض أم ضربتان ؟ نقول : سبحانه قال : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ، وبعض العلماء قال : ضربة واحدة، وبعضهم قال : ضربتان وكلها تيسير. وهذا التخفيف مناسب لكلمة العفو، فيقول الحق : إن الله كان عفوا غفورا ولكن ماذا حدث هنا ليذكر المغفرة ؟ لأنه غفر وستر علينا المشقة في ضرورة البحث عن الماء ويسر ورخص لنا في التيمم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي