يظنون أنهم ليسوا بمشركين، وذلك لا يخرجهم عن أن يكونوا قد كذبوا.
[سورة النساء (٤) : آية ٤٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى.
(٢٨٧) روى أبو عبد الرحمن السلمي، عن عليّ بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منّا، وحضرت الصلاة، فقدّموني، فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، فنزلت هذه الآية. وفي رواية أخرى، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ رضي الله عنه أن الذي قدموه، وخلط في هذه السورة، عبد الرحمن بن عوف.
وفي معنى قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ قولان: أحدهما: لا تتعرّضوا بالسكر في أوقات الصلاة. والثاني: لا تدخلوا في الصلاة في حال السكر، والأول أصح، لأن السكران لا يعقل ما يخاطب به. وفي معنى: وَأَنْتُمْ سُكارى قولان: أحدهما: من الخمر، قاله الجمهور. والثاني: من النوم، قاله الضحاك، وفيه بعد. وهذه الآية اقتضت إِباحة السكر في غير أوقات الصلاة، ثم نسخت بتحريم الخمر. قوله تعالى: وَلا جُنُباً قال ابن قتيبة: الجنابة: البعد، قال الزجاج: يقال: رجل جنب، ورجلان جُنب، ورجال جُنب، كما يقال: رجل رضى، وقوم رضى. وفي تسمية الجنب بهذا الاسم قولان: أحدهما: لمجانبة مَائهِ محله. والثاني: لما يلزمه من اجتناب الصلاة، وقراءة القرآن، ومسّ المصحف، ودخول المسجد «١».
__________
(١) قال القرطبي رحمه الله في «تفسيره» ٥/ ١٩٧: والجمهور من الأمة على أن الجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان. وروي عن بعض الصحابة أن لا غسل إلا من إنزال، لقوله عليه السلام: «إنما الماء من الماء».
أخرجه مسلم. وفي البخاري عن أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟ قال «يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي». قال أبو عبد الله: الغسل أحوط، وذلك الآخر إنما بيناه لاختلافهم. وأخرجه مسلم في صحيحه بمعناه وقال في آخر: قال أبو العلاء بن الشّخّير كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينسخ حديثه بعضه بعضا كما ينسخ القرآن بعضه بعضا. قال أبو إسحاق هذا منسوخ. وقال الترمذي: كان هذا الحكم في أول الإسلام ثم نسخ. قلت: على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وأن الغسل يجب بنفس التقاء الختانين. وقد كان فيه خلاف بين الصحابة. قال ابن القصار: وأجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف ما قبلهم على الأخذ بحديث «إذا التقى الختانان» وإذا صح الإجماع بعد الخلاف كان مسقطا للخلاف. قال القاضي عياض: لا نعلم أحدا قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حكي عن الأعمش ثم بعده داود الأصبهاني. وقد روي أن عمر رضي الله عنه حمل الناس على ترك الأخذ بحديث: «الماء من الماء» لما اختلفوا، وتأوله ابن عباس على الاحتلام، أي إنما يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء في الاحتلام.
ومتى لم يكن إنزال وإن رأى أنه يجامع فلا غسل. وهذا ما لا خلاف فيه بين كافة العلماء. وانظر «المغني» ١/ ٢٦٥ باب ما يوجب الغسل ففيه تفصيل وزيادة بيان.
قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إِلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء فتيمّموا، وتصلّوا. وهذا المعنى مروي عن عليّ رضي الله عنه.
ومجاهد، والحكم، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل، والفراء، والزجاج.
والثاني: لا تقربوا مواضع الصلاة- وهي المساجد- وأنتم جنب إِلا مجتازين، ولا تقعدوا. وهذا المعنى مروي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، والحسن، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبي الضحى، وأحمد، والشافعي، وابن قتيبة «١». وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير، كالقولين، فعلى القول الأول: «عابر السبيل» : المسافر، وقربان الصّلاة:
. وروت عائشة، قالت: جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم، وبيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب» رواه أبو داود. ويباح العبور للحاجة من أخذ شيء أو تركه، أو كون الطريق فيه، فأما لغير ذلك فلا يجوز بحال. وممن نقلت عنه الرخصة في العبور: ابن مسعود، وابن عباس، وابن المسيب، وابن جبير، والحسن، ومالك والشافعي. وقال الثوري وإسحاق: لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بدّا، فيتيمم. وهو قول أصحاب الرأي، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب»، ولنا قول الله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ والاستثناء من المنهي عنه إباحة، وعن عائشة، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لها: «ناوليني الخمرة من المسجد». قالت: إني حائض، قال: «إن حيضتك ليست في يدك» رواه مسلم. وعن جابر قال:
كنا نمرّ في المسجد ونحن جنب. رواه ابن المنذر. وعن زيد بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمشون في المسجد وهم جنب. رواه ابن المنذر أيضا. وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعا. وإن خاف الجنب على نفسه أو ماله، أو لم يمكنه الخروج من المسجد، أو لم يجد مكانا غيره، أو لم يمكنه الغسل ولا الوضوء، تيمم، ثم أقام في المسجد، وقال بعض أصحابنا: يلبث بغير تيمم، لأن التيمم لا يرفع الحدث.
وهذا غير صحيح، لأنه يخالف قول من سمينا من الصحابة، ولأن هذا أمر يشترط له الطهارة فوجب التيمم له عند العجز عنها، كالصلاة وسائر ما يشترط له الطهارة. وقولهم: لا يرفع الحدث. قلنا: إلا أنه يقوم مقام ما يرفع الحدث، في إباحة ما يستباح به. إذا توضأ الجنب فله اللبث في المسجد في قول أصحابنا وإسحاق.
وقال أكثر أهل العلم: لا يجوز، للآية والخبر. واحتج أصحابنا بما روي عن زيد بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يتحدثون في المسجد على غير وضوء وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ، ثم يدخل، فيتحدّث. وهذا إشارة إلى جميعهم، فيكون إجماعا يخصّ به العموم، ولأنه إذا توضأ خفّ حكم الحدث فأشبه التيمم عند عدم الماء، ودليل خفته أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم الجنب به إذا أراد النوم، واستحبابه لمن أراد الأكل ومعاوده الوطء. أما الحائض فلا يباح لها اللبث، لأن وضوءها لا يصح. وأما المستحاضة ومن به سلس البول، فلهم اللبث في المسجد والعبور إذا أمنوا تلويث المسجد، لما روي عن عائشة، أن امرأة من أزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اعتكفت معه وهي مستحاضة، فكانت ترى الخمرة والصفرة، وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي. رواه البخاري. ولأنه حدث لا يمنع الصلاة فلم يمنع اللبث، كخروج الدم اليسير من أنفه. فإن خاف تلويث المسجد فليس له العبور، فإن المسجد يصان عن هذا، كما يصان عن البول فيه. ولو خشيت الحائض تلويث المسجد بالعبور فيه لم يكن لها ذلك.
فعلها، وعلى الثاني: «عابر السبيل» : المجتاز في المسجد، وقربان الصلاة: دخول المسجد الذي تفعل فيه الصلاة.
قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى، في سبب نزول هذا الكلام قولان:
(٢٨٨) أحدهما: أن رجلاً من الأنصار كان مريضاً فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكر له ذلك، فنزلت: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ قاله مجاهد.
(٢٨٩) والثاني: أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصابتهم جراحات، ففشت فيهم وابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى الآية كلها، قاله إبراهيم النخعي.
قال القاضي أبو يعلى: وظاهر الآية يقتضي جواز التيمم مع حصول المرض الذي يستضرّ معه باستعمال الماء، سواء كان يخاف التلف، أو لا يخاف، وكذلك السفر يجوز فيه التيمم عند عدم الماء، سواء كان قصيراً، أو طويلاً، وعدم الماء ليس بشرط في جواز التيمم للمريض، وإنما الشرط: حصول الضرر، وأما السفر، فعدم الماء شرط في إِباحة التيمم، وليس السفر بشرط، وإنما ذكر السفر، لأن الماء يُعدم فيه غالبا «١».
ضعيف. أخرجه الطبري ٩٦٣٩ عن إبراهيم النّخعي مرسلا.
__________
(١) قال الإمام الموفق رحمه الله في «المغني» ١/ ٣١٦ و ٣٣٤- ٣٣٦ (وإذا كان به قرح أو مرض مخوف، وأجنب، فخشي على نفسه إن أصابه الماء، غسل الصحيح من جسده، وتيمم لما لم يصبه الماء) فالجريح والمريض إذا خاف على نفسه من استعمال الماء جاز له التيمم، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عباس ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، والنخعي، وقتادة ومالك، والشافعي. ولم يرخّص له عطاء في التيمم إلا عند عدم الماء، لظاهر الآية، ونحوه عن الحسن في المجدور الجنب، قال لا بد من الغسل. ولنا، قول الله تعالى:
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. وحديث عمرو بن العاص حين تيمم من خوف البرد، وحديث ابن عباس، وجابر في الذي أصابته الشجّة ولأنه يباح له التيمم إذا خاف العطش، أو خاف من سبع، فكذلك هاهنا، فإن الخوف لا يختلف، وإنما اختلفت جهاته. واختلف في الخوف المبيح للتيمم، فروي عن أحمد: لا يبيحه إلا خوف التّلف. وهذا أحد قولي الشافعي. وظاهر المذهب: أنه يباح له التيمم إذا خاف زيادة المرض أو تباطؤ البرء، أو خاف شيئا فاحشا، أو ألما غير محتمل. وهذا مذهب أبي حنيفة والقول الثاني للشافعي. وهو الصحيح، لعموم قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ لأنه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شيء من ماله، أو ضررا في نفسه من لص، أو سبع أو لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن مثله كثيرة، فلأن يجوز هاهنا أولى والمرض والجريح الذي لا يخاف الضرر باستعمال الماء، مثل من به الصداع والحمّى الحارة، أو أمكنه استعمال الماء الحار، ولا ضرر عليه فيه، لزمه ذلك. وحكي عن داود ومالك، إباحة التيمم للمريض مطلقا، لظاهر الآية. ولنا، أنه واجد للماء، لا يستضرّ باستعماله فلم يجز له التيمم، كالصحيح، والآية اشترط فيها عدم الماء، فلم يتناول محل النزاع، على أنه لا بد فيها من إضمار الضرورة، والضرورة إنما تكون عند الضرر. ومن كان مريضا لا يقدر على الحركة، ولا يجد من يناوله الماء، فهو كالعادم. قاله ابن أبي موسى.
وهو قول الحسن، لأنه لا سبيل له إلى الماء فأشبه من وجد بئرا ليس له ما يستقي به منها. وإن كان له من يناوله الماء قبل خروج الوقت، فهو كالواجد، لأنه بمنزلة ما يستقى به في الوقت. وإن خاف خروج الوقت قبل مجيئه. قال ابن أبي موسى: له التيمم ولا إعادة عليه. وهو قول الحسن، لأنه عادم في الوقت، فأشبه العادم مطلقا، ويحتمل أن ينتظر مجيء من يناوله، لأنه جاهز ينتظر حصول الماء قريبا، فأشبه المشتغل باستقاء الماء وتحصيله.
قوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ «أو» بمعنى الواو، لأنها لو لم تكن كذلك، لكان وجوب الطّهارة على المريض والمسافر غير متعلق بالحدث. والغائِط: المكان المطمئن من الأرض، فكني عن الحدث بمكانه، قاله ابن قتيبة. وكذلك قالوا للمزادة: راوية، وإنما الرَّاوية للبعير الذي يُسقى عليه، وقالوا للنساء: ظعائن، وإِنما الظعائن: الهوادج، وكنَّ يكن فيها، وسموا الحدث عذرة، لأنهم كانوا يلقون الحدث بأفنية الدّور.
قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «أو لامستم» بألف هاهنا، وفي (المائدة) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف في اختياره، والمفضّل عن عاصم، والوليد بن عتبة، عن ابن عامر «أو لمستم» بغير ألف هاهنا، وفي «المائدة».
وفي المراد بالملامسة قولان: أحدهما: أنها الجماع، قاله علي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنها الملامسة باليد، قاله ابن مسعود، وابن عمر، والشعبي، وعبيدة، وعطاء، وابن سيرين، والنخعي، والنهدي، والحكم، وحماد. قال أبو علي: اللّمس يكون باليد، وقد اتسع فيه، فأوقع على غيره، فمن ذلك وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ «١» أي: عالجنا غيب السماء، ومنا من يسترقه فيلقيه إلى الكهنة، ويخبرهم به. فلما كان اللّمس يقع على غير المباشرة باليد، قال: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ «٢» فخصّ اليد، لئلا يلتبس بالوجه الآخر، كما قال: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ «٣» لأنّ الابن قد يتبنّى وليس من الصّلب «٤».
(٢) سورة الأنعام: ٧.
(٣) سورة النساء: ٣٣. [.....]
(٤) قال الإمام الموفق رحمه الله في «المغني» ١/ ٢٥٦: المشهور من مذهب أحمد، رحمه الله، أن لمس النساء لشهوة ينقض الوضوء ولا ينقضه لغير شهوة وهذا قول علقمة، وأبي عبيدة، والنخعيّ، والحكم، وحمّاد، ومالك، والثوري، وإسحاق، والشعبي، فإنهم قالوا: يجب الوضوء على من قبل لشهوة، ولا يجب على من قبل لرحمة. وممن أوجب الوضوء ابن مسعود وابن عمر، والزهري والشافعي. قال أحمد: المدنيون والكوفيون ما زالوا يرون أن القبلة من اللمس تنقض الوضوء، حتى كان بأخرة وصار فيهم أبو حنيفة، فقالوا:
لا تنقض الوضوء. ويأخذون بحديث عروة ونرى أنه غلط. وعن أحمد، رواية ثانية، لا ينقض اللمس بحال.
وروي ذلك عن علي، وابن عباس وبه قال أبو حنيفة، إلا أن يطأها دون الفرج فينتشر فيها، لما روى حبيب عن عروة، عن عائشة، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل امرأة من نسائه، وخرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ. وهو حديث مشهور. ولأن الوجوب من الشرع ولم يرد بهذا شرع ولا هو في معنى ما ورد الشرع به، وقوله أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ أراد به الجماع، بدليل أن المس أريد به الجماع فكذلك اللمس، ولأنه ذكره بلفظ المفاعلة، والمفاعلة لا تكون من أقل من اثنين. وعن أحمد رواية ثالثة، أن اللمس ينقض بكل حال. وهو مذهب الشافعي، لعموم قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ وحقيقة اللمس ملاقاة البشرتين. وأما حديث القبلة فكل طرقه معلولة، قال يحيى بن سعيد: احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء. واللمس لغير شهوة لا ينقض، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يمس زوجته في الصلاة وتمسّه. ولو كان ناقضا للوضوء لم يفعله، قالت عائشة: إن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليصلّي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يسجد غمزني فقبضت رجلي. متفق عليه.
وفي حديث آخر: فإذا أراد أن يوتر مسني برجله. يحققه أن اللمس ليس بحدث في نفسه، وإنما نقض لأنه يفضي إلى خروج المذي أو المني فاعتبرت الحالة التي تقضي إلى الحدث فيها، وهي حالة الشهوة. ولا فرق بين الأجنبية وذات المحرم، والكبيرة والصغيرة. وقال الشافعي: لا ينقض لمس ذوات المحارم، ولا الصغيرة في أحد القولين، لأن لمسهما لا يفضي إلى خروج خارج، أشبه لمس الرجل الرجل. ولنا عموم النص، واللمس الناقض تعتبر فيه الشهوة، ومتى وجدت الشهوة فلا فرق بين الجميع. وسئل أحمد عن المرأة إذا مست زوجها؟ قال: ما سمعت فيه شيئا، ولكن هي شقيقة الرجل. يعجبني أن تتوضأ لأن المرأة أحد المشتركين في اللمس، فهي كالرجل. وينتقض وضوء الملموس إذا وجدت منه الشهوة، لأن ما ينتقض بالتقاء البشرتين لا فرق فيه بين اللامس والملموس. وفيه رواية أخرى: لا ينتقض وضوء المرأة ولا وضوء الملموس، وللشافعي قولان كالروايتين. ووجه عدم النقض أن النص إنما ورد بالنقض بملامسة النساء، فيتناول اللامس من الرجال، فيختص به النقض، كلمس الفرج. ولأن المرأة والملموس لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص، وإذا امتنع النص والقياس لم يثبت الدليل.
قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماء فَتَيَمَّمُوا.
(٢٩٠) سبب نزولها: أن عائشة رضي الله عنها كانت مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في بعض أسفاره، فانقطع عقد لها، فأقام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على التماسه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت هذه الآية، فقال أسيد بن حُضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. أخرجه البخاري، ومسلم.
(٢٩١) وفي رواية أخرى أخرجها البخاري، ومسلم أيضاً: أن عائشة استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجالاً في طلبها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، وشكوا ذلك إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت آية التيمم.
والتيمم في اللغة: القصد، وقد ذكرناه في قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ. وأمّا الصعيد: فهو التراب، قاله علي، وابن مسعود، والفراء، وأبو عبيد، والزجاج، وابن قتيبة. وقال الشافعي: لا يقع اسم الصعيد إِلا على تراب ذي غبار. وفي الطيّب قولان: أحدهما: أنه الطاهر. والثاني: الحلال.
قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ الوجه الممسوح في التيمم هو المحدود في الوضوء.
صحيح. أخرجه البخاري ٣٣٦ و ٤٥٨٣ و ٥١٦٤ و ٥٨٨٢ ومسلم ٣٦٧ ح ١٠٩، وأبو داود ٣١٧ والنسائي ١/ ١٧٢ وابن ماجة ٥٦٨ والحميدي ١٦٥ وابن حبان ١٧٠٩ وأبو عوانة ١/ ٣٠٣ والطبري ٩٦٤٠ والبيهقي ١/ ٢١٤ من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وانظر الحديث المتقدم.
وفيما يجب مسحه من الأيدي ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه إلى الكوعين حيث يقطع السارق.
(٢٩٢) روى عمّار عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «التيمم ضربة للوجه والكفين»، وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، والأوزاعي، ومكحول، ومالك، وأحمد، وإِسحاق، وداود.
والثاني: أنه إِلى المرفقين.
(٢٩٣) روى ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أنه تيمم، فمسح ذراعيه. وبهذا قال ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، وأبو حنيفة، والشافعي، وعن الشعبي كالقولين.
والثالث: أنه يجب المسح من رؤوس الأنامل إِلى الآباط.
(٢٩٤) روى عمار بن ياسر قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فنزلت الرّخصة في المسح،
وأخرجه البخاري ٣٣٩- ٣٤٣ ومسلم ٣٦٨ ح ١١٢ و ١١٣ وأبو داود ٣٢٦ والنسائي ١/ ١٦٩ و ١٧٠ وابن ماجة ٥٦٩ والطيالسي ١/ ٦٣ وأحمد ٤/ ٢٦٥ و ٣٢٠ وأبو عوانة ١/ ٣٠٦ والطحاوي في «المعاني» ١/ ١١٢ والدارقطني ١/ ١٨٣ وابن الجارود ١٢٥ والبيهقي ١/ ٢٠٩ و ٢١٤ و ٢١٦ من طرق عن شعبه به، وبعضهم رواه مختصرا. وأخرجه أبو داود ٣٢٢ والنسائي ١/ ١٦٨ والطحاوي ١/ ١١٣ والبيهقي ١/ ٢١٠ من طريق أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى به. وأخرجه أبو داود ٣٢٣ وابن أبي شيبة ١/ ١٥٩ وأبو عوانة ١/ ٣٠٥ وابن خزيمة ٢٦٩ والطحاوي ١/ ١١٢ والدارقطني من طرق عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه به. قال عمار: «فضرب النبي صلّى الله عليه وسلّم بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه» لفظ البخاري.
وحديث عمار ورد من طرق كثيرة.
وقد أخرج البخاري ٣٤٧ ومسلم ٣٦٨ ح ١١٠ وأبو داود ٣٢١ والنسائي ١/ ١٧٠ وابن أبي شيبة ١/ ١٥٨ و ١٥٩ وأحمد ٤/ ٣٩٦ و ٢٦٤ وابن حبان ١٣٠٤ و ١٣٠٥ والدارقطني ١/ ١٧٩ و ١٨٠ من طريق الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن الرجل يجنب فلا يجد الماء أيصلي؟ فقال: لا، فقال: أما تذكر قول عمار لعمر: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرّغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا» فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بها وجهه؟. فقال عبد الله: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار.
أخرجه الدارقطني ١/ ١٧٧ وإسناده لين لأجل محمد بن ثابت العبدي. وورد من حديث أبي الجهيم، أخرجه الدارقطني ١/ ١٧٦، وإسناده ضعيف لضعف أبي صالح كاتب الليث، والصحيح في حديث أبي الجهيم ذكر «ويديه» بدل «ذراعيه» كذا رواه البخاري ٣٣٧ ومسلم ٣٦٩ وغيرهما.
أخرجه أبو داود ٣١٨ و ٣١٩ والنسائي ١/ ١٦٨ وابن ماجة ٥٧١ والشافعي ١/ ٤٤ وعبد الرزاق ٨٢٧ وأحمد ٤/ ٣٢٠ و ٣٢١ وابن حبان ١٣١٠ والبيهقي في «السنن» ١/ ٢٠٨ والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١١٠ من طرق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار بن ياسر. قال الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ١٥٥: وهو منقطع، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر. وأخرجه أبو داود ٣٢٠ والطحاوي ١/ ١١١ والبيهقي ١/ ٢٠٨ عن ابن عباس عن عمار، وذكره الطيالسي ١/ ٦٣ من طريق الزهري به.
وقال البغوي في «شرح السنة» ٢/ ١١٤: وما روي عن عمار أنه قال: تيممنا إلى المناكب، فهو حكاية فعله ولم ينقله عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما حكى عن نفسه التمعك في حال الجنابة، فلما سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأمره بالوجه والكفين، انتهى إليه، وأعرض عن فعله. وفي «نصب الراية» ١/ ١٥٦ نقلا عن الأثرم في هذا الحديث: إنما حكى فيه فعلهم دون النبي صلّى الله عليه وسلّم، كما حكى في الآخر أنه أجنب، فعلمه عليه السلام. قال ابن حجر: إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار «الفتح» ١/ ٤٤٤.
فضربنا بأيدينا ضربةً لوجوهنا، وضربةً لأيدينا إِلى المناكب والآباط. وهذا قول الزهري «١».
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قال الخطابي: «العفو» : بناء للمبالغة. و «العفو» : الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء. وقيل: إِنه مأخوذ من عفت الريح الأثر: إِذا درسته، وكأن العافي عن الذنوب يمحوه بصفحه عنه.
زاد المسير في علم التفسير
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
عبد الرزاق المهدي