ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الغائط ( ١ ) أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ( ٢ ) صَعِيدًا( ٣ ) طَيِّبًا( ٤ ) فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ( ٤٣ )
( ١ ) الغائط : المحل المنخفض ولعله أريد بالكلمة ( الحفرة ) أو ( الجورة ) العميقة في الأرض التي كانوا يقضون حاجتهم فيها. وقد ذكرت بعض الروايات أن الناس كانوا يذهبون إلى البراري، ويقضون حاجاتهم في منخفضاتها. وهناك روايات تذكر أنه كان في جانب المساكن أماكن تسمى كنفا ( مفردها كنيف ) لقضاء الحاجة، وهو ما نسميه بيت الماء أو بيت الخلاء. وهذا أو ذاك بمثابته هو المعقول ؛ لأن خروج الناس إلى البراري لقضاء الحاجة من أهل المدن غير معقول. ولا بد من أن يكون لهم أماكن لذلك ( حفرا أو جورا ) قريبة من المساكن.
( ٢ ) تيمموا : معناها اللغوي : اتجهوا نحو الشيء أو تحروا أو اختاروا وكلمة ( التيمم ) التي هي اصطلاح إسلامي، والتي صارت تطلق على عملية المسح من الصعيد الطاهر بدلا من الماء مشتقة منها
( ٣ ) صعيدا : قيل إنه بمعنى الأرض الملساء أو بمعنى الأرض المستوية أو الأرض المرتفعة. وقيل إنها بمعنى وجه الأرض مطلقا ترابا كان أم حجرا أو صخرا.
( ٤ ) طيبا : طاهرا
الخطاب في الآية موجه إلى المسلمين وقد تضمنت :
( ١ ) نهيا عن الصلاة، وهم في حالة السكر حتى يعلموا ما يقولون ؛ لأن السكران لا يدري ما يقول أو يفعل.
( ٢ ) ونهيا آخر عن الصلاة، وهم على جنابة حتى يغتسلوا مع الترخيص لعابري السبيل١.
( ٣ ) وترخيصا لهم إذا كانوا مرضى.
تعليق على الآية
( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى... ) الخ
وما فيها من أحكام التيمم والجنابة والوضوء والاغتسال.
أولا : روى المفسرون٢ روايات عديدة متقاربة المدى مختلفة الصيغ في سبب نزول الشطر الأول من هذه الآية. وقد روى أبو داود والترمذي عن علي صيغة نكتفي بإيرادها ؛ لأنها الأوثق سندا جاء فيها ( صنع لنا عبد الرحمان بن عوف طعاما وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فأنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة٣ وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ٤ وروى المفسرون روايات عديدة متقاربة المدى مختلفة الصيغ في سبب نزول الشطر الثاني من الآية. ومن ذلك حديث رواه البخاري عن عائشة قالت ( هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالا، فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء فصلوا على غير وضوء. فأنزل الله آية التيمم ) ٥ ومن ذلك رواية يرويها الطبري تذكر أنه نال أصحاب رسول الله جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا إلى رسول الله فنزلت وإن كنتم مرضى. ورواية أخرى يرويها الطبري أيضا أنه كان للنبي خادم اسمه : الأسلع فناداه ليلة يا أسلع، قم فارحل لي. فقال : يا رسول الله أصابتني جنابة، فأتاه جبريل بآية الصعيد، فناداه أن قم فتيمم، ووصف له ضربتين للتيمم واحدة للوجه، وواحدة لليدين إلى المرفقين، ثم مروا على ما فأمره أن يغتسل. وهذه الرواية تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر أيضا.
والأحاديث والروايات تفيد أن الآية نزلت مجزأة وفي مناسبات متعددة أنها وحدة تامة كما تبدو. وفيها نقاط أخرى لم ترد في الروايات والأحاديث مثل ملامسة النساء وعبور المساجد. وهذا يسوغ القول : إن الآية نزلت مرة واحدة واحتوت مواضيع متناسبة.
ولا يمنع هذا بطبيعة الحال أن تكون المناسبات المروية صحيحة، فكانت سببا لنزول الآية جامعة لما كان، ولما يفرض أن يكون ليكون الموضوع تاما.
ثانيا : والآية بعد فصل جديد وتام. وهذا النوع من الآيات التشريعية غير نادر في النظم القرآني، وقد مر منه أمثلة في سورة البقرة. وفي هذه السورة. والتناسب قائم بين الآية والآيات السابقة من ناحية كون الجميع فصولا تشريعية. ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الفصل السابق لها فوضعت بعده للمناسبة الظرفية والموضوعية.
ومن المحتمل أن تكون نزلت في ظرف، فوضعت بعده المناسبة الموضوعية.
ثالثا : إن النهي عن الصلاة في حالة السكر في الآية يأتي كخطوة تشريعية ثانية في الخمر. والخطوة الأولى جاء في آية سورة البقرة ( ٢١٩ ) التي ذكرت أن إثم الخمر أكبر من نفعها. وقد عرض القرآن المكي بآثار خمر الدنيا وما تحدثه من أعراض كريهة ضارة أكثر من مرة في سياق وصفه خمر الآخرة وكونها مبرأة من ذلك. وهذه الخطوة الثانية ليست حاسمة أيضا ؛ لأنها إنما تنهى عن الصلاة في حالة السكر التي تنجم عن شرب الخمر. وقد نزل التشريع الحاسم الأمر بالانتهاء من شربها والجامع في الإثم بينها وبين الميسر والأنصاب والأزلام بعد مدة ما من هذه الآية في سورة المائدة. وفي هذا مشهد من مشاهد التطور التشريعي، ودليل على تأصل تعاطي الخمر وشيوعه والانتفاع به اقتصاديا، حتى اقتضت حكمة التنزيل هذا التدرج.
رابعا : إن الأمر بالاغتسال من الجنابة يأتي هنا لأول مرة. وقد تكرر مرة ثانية في سورة المائدة في صيغة ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) ( ٦ ) وهذه وتلك من الآيات المدنية. وليس هناك حديث يمكن وصفه بأنه مكي الصدور عن النبي صلى الله عليه وسلم يوجب الاغتسال من الجنابة. غير أن المفسر القاسمي ينقل عن ابن عبد البر قوله : إن أهل السير متفقون على أن الغسل من الجنابة قد فرض في مكة وإن هذا مما لا يجهله عالم. وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي عن أبي كعب جاء فيه ( إن الفتيا التي يفتون بها إنما الماء من الماء كانت رخصة رخصها النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد ) وجملة إنما الماء من الماء تفيد أن نزول المني هو الذي يكون به الجنابة، ويوجب الاغتسال. والحديث يفيد أن هذا التشريع نبوي مكي. ولعل العلماء الذين يحكي ابن عبد البر اتفاقهم استندوا إلى هذا الحديث.
وشراح الحديث يذكرون أن الحديث يعني أن النبي أوجب في بدء الإسلام الاغتسال إذا ما حدث إنزال في جماع ثم أوجبه في حالة الجماع مطلقا ولو بدون إنزال. وليس هناك ما يمكن الاستناد إليه فيما اطلعنا عليه في ما إذا كان أمر النبي بالاغتسال من الجماع، ولو لم يكن إنزال مكيا. وهناك حديث في ذلك رواه مسلم عن عائشة قالت ( إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل هل عليهما الغسل وعائشة جالسة فقال رسول الله إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل ) ٦ وهذا الحديث مدني يقينا. وصار الاغتسال من الجماع بدون إنزال على كل حال تشريعا.
على أن قول الشراح : إن معنى إنما الماء من الماء هو : إيجاب الغسل إذا نزل مني في الجماع محل نظر في ما نرى. ونرى الأوجه، والله أعلم أن يؤخذ الكلام على ظاهره، فيكون نزول المني في غير حالة الجماع أيضا موجبا للاغتسال. وإذا صح هذا فيكون أيضا تشريعا تبعا لأصل الحديث الذي يذكر أن الفتيا بأن الماء من الماء كان في بدء الإسلام.
وننبه أن هناك أحاديث صريحة باعتبار نزول الماء في الاحتلام حالة جنابة وبإيجاب الاغتسال من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم جاء فيه ( إن أم سليم جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت قال : نعم إذا رأت الماء ) ٧ وحديث رواه أبو داود والترمذي عن عائشة قالت ( سئل النبي عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال : يغتسل. وعن الرجل أنه قد احتلم ولا يجد ماء قال لا غسل عليه. فقالت أم سليم : المرأة ترى ذلك أعليها غسل قال : نعم. إنما النساء شقائق الرجال ) ٨ والأحاديث مدنية الصدور. ولكنها لا تفيد أن التشريع النبوي جديد لأمر لم يكن، ويجوز أن يكون استمرارا للجاري منذ بدء الإسلام الذي أساسه ( إنما الماء من الماء ) ولم نطلع على حديث نبوي في صدد الإنزال في اليقظة نتيجة للتهيج الجنسي. ويقاس هذا على نزول الماء في الاحتلام، بل يكون الأوجب للاغتسال. والله تعالى اعلم.
وهناك أحاديث نبوية توجب الغسل، ولو لم يكن إنزال إذا التقى الختانان. من ذلك حديث رواه الخمسة إلا الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها وجب الغسل وفي رواية وإن لم ينزل وفي رواية ومس الختان بالختان ) ٩ وحديث رواه الترمذي عن عائشة قالت ( إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا ) ١٠ فصار هذا بدوره تشريعا وفي حكم الجنابة. والأحاديث مدنية الصدور، ولا يمكن الجزم بما إذا كان الأمر استمرار لما كان جاريا في العهد المكي.
وهناك أحاديث عن المذي الذي يخرج من ذكر الرجل حين يدنو من أهله. وهو غير المني الذي ينقذف في الجماع أو الاحتلام أو اشتداد الشهوة تسوغ المناسبة إيرادها. منها حديث يرويه الإمام مالك عن المقداد ابن الأسود قال ( سئل رسول الله عنه فقال : إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة ) ١١ وحديث آخر يرويه نفس الإمام عن زيد ابن أسلم عن أبيه أن عمر ابن الخطاب قال ( إني لأجده ينحدر مني مثل الحريرة، فإذا وجد ذلك أحدكم فليغسل ذكره وليتوضأ وضوءه للصلاة يعني المذي ) ١٢. ولقد تكفلت السنة النبوية في بيان كيفية الاغتسال من الجنابة. من ذلك حديث رواه الخمسة عن ميمونة قالت :( وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه وفي رواية ثم غسل رأسه ثلاثا، وفي رواية فأتيته بخرقة فلم يردها فجعل ينفض الماء بيده ) ١٣ وحديث رواه الخمسة عن عائشة قالت ( كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه ) ١٤ وحديث رواه الخمسة عن أم سلمة إلا البخاري قالت ( قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة. قال : لا. إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ) ١٥.
وهناك أحاديث مهمة في صدد السلوك في حالة الجنابة من المفيد إيرادها.
منها حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة قال ( لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة في طريق من طرق المدينة وأنا جنب فاختنست. وفي رواية : فانسللت فذهبت فاغتسلت ثم جئت فقال : أين كنت يا أبا هريرة قلت : إني كنت جنبا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة قال سبحان الله إن المسلم لا ينجس ) ١٦ وحديث رواه الخمسة أيضا عن عائشة قالت ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة ) ١٧ وحد

١ فارغ؟؟؟؟؟.
٢ سيأتي شرح لمدى جملة (عابري سبيل).
٣ انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والقاسمي ورشيد رضا الخ.
٤ انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن.
٥ التاج ج ٤ ص ٨٢ و ٨٣.
٦ التاج ج ١ ص٩٦و ٩٧.
٧ المصدر نفسه.
٨ المصدر نفسه ص ٩٦ و ٩٧.
٩ التاج ج ١ ص ٩٦.
١٠ المصدر نفسه.
١١ الموطأ ج ١ ص ٢١.
١٢ المصدر نفسه.
١٣ التاج ج ١ ص ١٠١.
١٤ المصدر نفسه.
١٥ المصدر نفسه ص ١٠٢ و ١٠٣.
١٦ المصدر نفسه.
١٧ المصدر نفسه.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير