يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا٤٣ .
قال البقاعي في نظم الدرر : ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة الكبرياء والجلال إلى تمني العدم ومنعت فيه قوة يد القهر والخبر أن يكتم حديثا وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم وصف الوقوف بين يديه في الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم والذي حظرت معاني اللطف والجمال فيه الالتفات إلى غيره وأمر بالطهارة في حال التزين به عن الخبائث فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى الخ وقال بعضهم في وجه الاتصال أنهم لما نهوا عما يؤدي إليه بغير قصد وقيد لما أمروا فيما تقدم بالعبادة أمروا هنا بالإخلاص في رأس العبادة.
الأستاذ الإمام : أمر الله تعالى في الآيات السابقة بعبادته وترك الشرك به وبالإحسان للوالدين وغيرهم وتوعد الذين لا يقومون بهذه الأوامر والنواهي وقد عرفنا من سور أخرى أن الله تعالى يأمر بالاستعانة بالصلاة على القيام بأمور الدين وتكاليفه كما قال : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة [ البقرة : ١٥٣ ] وقال : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [ البقرة : ٢٣٨ ] وقال : إن الإنسان خلق هلوعا* إذا مسه الشر جزوعا* وإذا مسه الخير منوعا* إلا المصلين [ المعارج : ١٨ ٢١ ] وقد كثر في القرآن الأمر بالصلاة لا بالصلاة هكذا مطلقا بل بإقامتها وإنما إقامتها القيام بها على الوجه الأكمل وهو أن ينبعث المؤمن إليها بباعث الشعور بعظمة الله وجلاله ويؤديها بالخشوع له تعالى فهذه الصلاة هي التي تعين على القيام بالأوامر وترك النواهي ولذلك جاء ذكرها ههنا عقب تلك الأوامر والنواهي الجامعة، وقد ذكرت الصلاة في القرآن بأساليب مختلفة وذكرت ههنا في سياق النهي عن الإتيان بها في حال السكر الذي لا يتأتى معه الخشوع والحضور مع الله تعالى بمناجاته بكتابه وذكره ودعائه فالمراد بالصلاة حقيقتها لا موضعها وهو المساجد كما قال الشافعية والنهي عن قربانها دون مطلق الإتيان بها لا يدل على إرادة المسجد إذ النهي عن قربان العمل معروف في الكلام العربي وفي التنزيل خاصة ولا تقربوا الزنا [ الإسراء : ٣٢ ] والنهي عن العمل بهذه الصيغة يتضمن النهي عن مقدماته ومن مقدمات الصلاة الإقامة فقد سنها الله لنا لإعدادنا للدخول في الصلاة.
وقال بعض المفرقين الذين يحملون القرآن على مذاهبهم المستحدثة أن الآية تدل على جواز بل وقوع التكليف بالمحال إذ وجه الأمر إلى السكران وهو لا يعي الخطاب. والجواب عنه من وجوه أحدها : أن الخطاب موجه إلى المسلم قبل السكر بأن يجتنبه إذا ظن أنه ينتهي به إلى التلبس بالصلاة في أثنائه فهو أمر بالاحتياط واجتناب السكر في أكثر الأوقات. أقول سيأتي ما يؤيده من العبارة ولذلك قال العلماء إن هذه الآية تمهيد لتحريم السكر تحريما قطعيا لا هوادة فيه. فإن من يتقي أن يجيء عليه وقت الصلاة وهو سكران يترك الشرب عامة النهار وأول الليل لانتشار الصلوات الخمس في هذه المدة فالوقت الذي يبقى للسكر هو وقت النوم من بعد العشاء إلى السحر فيقلّ الشر فيه لمزاحمته للنوم الذي لابد منه وأما أول النهار من صلاة الفجر إلى وقت الظهيرة فهو وقت العمل والكسب لأكثر الناس ويقل أن يسكر فيه غير المترفين الذين لا عمل لهم وقد ورد أنهم كانوا بعد نزولها يشربون بعد العشاء فلا يصبحون إلا وقد زال السكر وصاروا يعلمون ما يقولون.
قال : ثانيها : أن الأمر موجه إلى جمهور المؤمنين لأنهم متكافلون مأمورون بمنع المنكر فعليهم أن يمنعوا السكران من الدخول في الصلاة فالأمر على حد : فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها [ النساء : ٣٥ ] أي على أحد الأقوال إذ يدخل فيه الزوجان ثالثها : أن السكر الذي يطلبه الغواة لا ينافي فهم الخطاب وهو النشوة والسرور ففي هذه الحالة يفهم السكران ويفهم ويصح أن يوجه إليه الخطاب ولكنه لا يضبط أعماله وأفكاره وأقواله بالتفصيل ولذلك قال تعالى : حتى تعلموا ما تقولون فأما ما ينتهي إليه السكران مما لا يقصد فصاحبه لا يخاطب فيه وهو ما عرف به أبو حنيفة السكران إذ قال إنه من لا يفرق بين الأرض والسماء وهناك قول آخر في معنى هذا القول. وهذا التعليل للنهي يفيد أن العلم بما يقوله الإنسان في الصلاة من تلاوة وذكر واجب أو شرط والعلم به فهمه ولهذا المعنى أجاز أبو حنيفة الصلاة بغير العربية لمن لا يحسنها أي إلى أن يحسنها أو يعجز. هذا هو حاصل المعنى على القول بأن المراد بالصلاة حقيقتها كما هو الظاهر فإن أريد بها موضعها فالمراد تنزيه المساجد وهي بيوت الله عن اللغو والكلام الباطل الذي من شأنه أن يبدر من السكران.
أقول : روى أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن علي كرم الله وجهه قال صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون. فنزلت١. وفي رواية ابن جرير وابن المنذر عن علي أن إمام القوم يومئذ هو عبد الرحمن وكانت الصلاة صلاة المغرب وكان ذلك لما كانت الخمر مباحة. وهذا يدل على أن المراد بالصلاة حقيقتها وروي عن سعيد بن المسيب والضحاك وعكرمة والحسن أن المراد بالصلاة هنا مواضعها وروي عن الشافعي أنه حمل اللفظ على الأمرين معا بناء على تجويزه الجمع بين الحقيقة والمجاز. وروي عن جعفر والضحاك وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس أن المراد بالسكر سكر النعاس وغلبة النوم ولعل من روى عنه ذلك شبه النعاس بالسكر وجعل حكمه كحكمه فظن الراوي أنه فسره به والعلة في قياسه عليه ظاهرة وفي حديث أنس عند البخاري مرفوعا ( إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول ) ٢. وحتى للغاية وفي بعض كلام الأستاذ الإمام ما يشعر بأنها للتعليل والظاهر الأول كحتى في الجملة الآتية وهو يدل على وجوب معرفة اللغة العربية على كل مسلم لفهم ما يقول في الصلاة.
وقوله تعالى : ولا جنبا عطف فيه قوله ولا جنبا على قوله وأنتم سكارى والمعنى لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا فجملة وأنتم سكارى حالية فهي في حيز النصب وفرق عبد القاهر في دلائل الإعجاز بين الحال المفردة والجملة الحالية فمعنى جاء زيد راكبا أن الركوب كان وصفا له حال المجيء فهو تابع للمجيء مقدر بقدره ومعنى جاء وهو راكب أن الركوب وصف ثابت في نفسه وقد جاء هو في حال تلبسه به، وقد تكون الجملة الحالية غير وصف لذي الحال كقولك جاء والشمس طالعة وقد يتقدم مضمونها فعل ذي الحال الذي جعلت قيدا له وقد يتأخر عنه وأما الحال المفردة فيعتبر فيها مقارنة فعل ذي الحال ولهذا قال بعض فقهاء الشافعية من قال لله علي أن أعتكف صائما وجب عليه أن يصوم لأجل الاعتكاف ولا يجزئه أن يعتكف في رمضان، ومن قال لله علي أن أعتكف وأنا صائم لا يلزمه صوم لأجل الاعتكاف بل يجزئه أن يعتكف في رمضان لأن مضمون الجملة الحالية لا يشترط أن يكون مقارنا لفعل ذي الحال كما يشترط ذلك في الحال المفردة.
هذا وإني لا أذكر أني رأيت للمفسرين بيانا لنكتة اختلاف الحالين في هذه الآية فلم لم يقل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا أو لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا وأنتم جنب أو يجعل الأولى مفردة والثانية جملة، هل يقع هذا الاختلاف في تعبير القرآن اتفاقا أو لمجرد التفنن في العبارة ؟ كلا إن النكتة ظاهرة لا تخفى على من كانت اللغة ملكة له وقد تخفى عمن تكون صناعة عنده لا يفهم دقائق نكتها إلا عند تذكر القواعد الصناعية التي تدل عليها وتدبرها، ومن كانت له الملكة والصناعة قد يفهم المراد في الجملة ويغفل عن إيضاحها بالقواعد الصناعية. إن التعبير بجملة " وأنتم سكارى " يتضمن النهي عن السكر الذي يخشى أن يمتد إلى وقت الصلاة فيفضي إلى أدائها في أثنائه فالمعنى احذروا أن يكون السكر وصفا لكم عند حضور الصلاة فتصلوا وأنتم سكارى فامتثال هذا النهي إنما يكون بترك السكر في وقت الصلاة بل وفيما يقرب من وقتها، وليس المعنى لا تصلوا حال كونكم سكارى، وعلى هذا لا يرد الاعتراض الذي أورده الأستاذ الإمام وأجاب عنه بثلاثة أجوبة وإنما كان يرد لو قال تعالى لا تقربوا الصلاة سكارى، أو يقال في دفعه هذا، والجواب الأول من تلك الأجوبة في معنى هذا ولكنه ليس مأخوذا من منطوق الآية ومدلول الجملة الحالية وإنما فهمنا منه أنه مأخوذ من توقف الامتثال على اجتناب السكر قبل الصلاة وصرح بأنه من باب الاحتياط. وأما نهيهم عن الصلاة جنبا فلا يتضمن نهيهم عن الجنابة قبل الصلاة ولهذا لم يقل وأنتم جنب. فيا لله العجب من دقة عبارة القرآن الحكيم وبلاغتها واشتمالها على المعاني الكثيرة باختلاف التعبير فقد دلت الآية باختلاف الحالين على أن الشارع يريد صرف الناس عن السكر وتربيتهم على تركه بالتدريج لما فيه من الإثم والضرر ولا يريد صرفهم عن الجنابة لأنها من سنن الفطرة وإنما ينهاهم عن الصلاة في أثنائها حتى يغتسلوا فهذا النهي تمهيد لفرض الطهارة من الجنابة وكونها شرطا للصلاة وذلك النهي تمهيد لتحريم الخمر ألبتة في سياق إيجاب الفهم والتدبر لما في الصلاة من الأذكار والتلاوة.
والجنب قال الأستاذ الإمام يعرفه كل أحد، يعني من قراء العربية، لأنه مستعمل الآن عند الخاصة والعامة في المعنى الذي جاء به القرآن، ولكنه لم يذكر ما هي صيغته وما معنى أصل مادته. وقد استعملت العرب هذا اللفظ استعمال المصادر في الوصفية فقالوا هو جنب وهي جنب وهما جنب وهم جنب وثناه وجمعه بعضهم فقالوا جنبان وأجناب وجنوب. وقال أبو البقاء : هو مشتق من المجانبة بمعنى المباعدة، وليس بظاهر. وقد قالوا جانبه بمعنى سار إلى جنبه ومنه الصاحب بالجنب لرفيق السفر والأصل فيه أنه يركب بجانب رفيقه في الشقدف على البعير فيكون إشارة إلى المضاجعة التي هي أعم أسباب الجنابة، وعندي أن الجار الجنب هو من كان بيته بجانب بيتك وفاتني ذكرها في موضعه.
إلا عابري سبيل أي لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الأحوال إلا حال كونكم عابري سبيل أي مجتازي طريق، وقيل إن " إلا " هنا صفة بمعنى غير، ولم يلتفت صاحب هذا القول إلى ما اشترطه ابن الحاجب لذلك من تعذر الاستثناء. ومن قال إن المراد بالصلاة هنا حقيقتها فسر عابر السبيل هنا بالمسافر ومن قال إن المراد بالصلاة مواضعها أي المساجد فسره بالمجتاز لحاجة قاله الأستاذ وغيره، وقد استدل الشافعية بالآية على جواز مرور الجنب في المسجد إذا كانت له حاجة وعلى تحريم المكث فيه عليه. وقد علمت أن الشافعي يجيز أن يراد بالصلاة هنا حقيقتها ومكانها معا وحينئذ يجعل استثناء العبور باعتبار المكان وإني لأستبعد التعبير عن السفر بعبور السبيل والسفر مذكور في الآية وفي غيرها من الآيات بلفظ السفر فالمتعين عندي في العبور ما قاله الشافعية وغيرهم من مفسري السلف وهو المرور بالمس
٢ أخرجه البخاري في الوضوء باب٥٣، واللباس باب٢٤..
تفسير المنار
رشيد رضا