تفسير سورة سورة الرحمن
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي (ت 1412 هـ)
وقوله تعالى :﴿ والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ أي السماء أرساها بالجبال الشامخات، لتستقر بما على وجهها من الأنام، وهم الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم في سائر أقطارها وأرجائها، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : الأنام : الخلق، ﴿ فِيهَا فَاكِهَةٌ ﴾ اي مختلفة الألوان والطعوم والروائح، ﴿ والنخل ذَاتُ الأكمام ﴾ أفرده بالذكر لشرفه ونفعه رطباً ويابساً، والأكمام : قال ابن عباس : هي أوعية الطلع، وهو الذي يطلع فيه القنو، ثم ينشق عن العنقود فيكون بسراً ثم رطباً، ثم ينضج ويتناهى ينعه واستواؤه، وقيل الأكمام رفاتها، وهو الليف الذي على عنق النخلة، وهو قول الحسن وقتادة، ﴿ والحب ذُو العصف والريحان ﴾ قال ابن عباس :﴿ ذُو العصف ﴾ يعني التبن، وعنه : العصف ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فهو يسمى العصف إذا يبس، وكذا قال قتادة والضحاك : عصفة : تبنه، وقال ابن عباس ومجاهد : والريحان يعني الورق، وقال الحسن : هو ريحانكم هذا، ومعنى هذا والله أعلم أن الحب كالقمح والشعير ونحوهما، له ف يحال نباته عصف وهو ما على السنبلة، وريحان وهو الورق الملتف على ساقها، وقيل : العصف الورق أول ما ينبت الزرع بقلا، والريحان الورق يعني إذا أدجن وانعقد فيه الحب، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة :
| من ينبت الحب في الثرى | فيصبح منه البقل يهتز رابيا |
| ويخرج منه حبه في رؤوسه | ففي ذاك آيات لمن كان واعياً |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴾ أي من مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى، كما قال تعالى ﴿ يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾ [ الأنعام : ١٣٠ ] والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن، وقد صح هذا الإطلاق، واللؤلؤ معروف، وأما المرجان فقيل : هو صغار اللؤلؤ، وقيل : كباره وجيده، حكاه ابن جرير عن بعض السلف. وقيل : هو نوع من الجواهر أحمر اللون، قال ابن مسعود : المرجان الخرز الأحمر، وأما قوله :﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ [ فاطر : ١٢ ]، فاللحم من كل من الأجاج والعذب، والحيلة إنما هي من المالح دون العذب، قال ابن عباس : ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر فوقعت في صدفة إالاّ صار منها لؤلؤة، ولما كان اتخاذ هذه الحيلة نعمة على أهل الأرض امتن بها عليهم فقال :﴿ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ؟ وقوله تعالى :﴿ وَلَهُ الجوار المنشئات ﴾ يعني السفن التي تجري ﴿ فِي البحر ﴾ قال مجاهد : ما رفع قلعه من السفن فهي منشآت وما لم يرفع قلعه فليس بمنشآت.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| ألا من مبلغ حسانَ عني | مُغَلْغلة تدب إلى عكاظ |
| أليس أبوك فينا كان قيناً | لدى القينات فَسْلا في الحِفاظ |
| يمانياً يظل يشد كيراً | وينفخ دائباً لهب الشواظ |
| يضيء كضوء سراج السلي | ط لم يجعل الله فيه نحاساً |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام ﴾ أي يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك، وقال ابن عباس : يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور، وقال الضحّاك : يجمع بين ناصيته وقديمه في سلسلة من وراء ظهره، وقال السدي : يجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط ناصيته بقدمه ويفتل ظهره وقوله تعالى :﴿ هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون ﴾ أي هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها، هل هي حاضرة تشاهدونها عياناً، يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً وتحقيراً، وقوله تعالى :﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ أي تارة يعذبون في الجحيم، وتارة يسقون من الحميم، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء والأحشاء، وهذه كقوله تعالى :
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| ما هاج شوقك من هديل حمامة | تدعو على فنن الغصون حماما |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان ﴾ أي ليس لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة كما قال تعالى :﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ [ يونس : ٢٦ ]. روى البغوي، عن أنَس بن مالك قال، « قرأ رسول الله ﷺ :﴿ هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان ﴾ وقال :» هل تدرون ما قال ربكم؟ « قالوا : الله ورسوله أعلم، قال :» يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة « » ولما كان في الذي ذكر نعم عظيمة لا يقاومها عمل، بل مجرد تفضل وامتنان قال بعد ذلك كله :﴿ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ؟.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقال ابن عباس :﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ من دونهما في الدرجة وقال ابن زيد : من دونهما في الفضل؛ ﴿ مُدْهَآمَّتَانِ ﴾ أي سوداوان من شدة الري من الماء، قال أبن عباس ﴿ مُدْهَآمَّتَانِ ﴾ قد اسودتا من الخضرة من شدة الري من الماء، وعنه ﴿ مُدْهَآمَّتَانِ ﴾ قال : خضروان. وقال محمد بن كعب : ممتلئتان من الخضرة، وقال قتادة : خضروان من الري ناعمتان، ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض، وقال هناك :﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ [ الرحمن : ٥٠ ] وقال هاهنا :﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ قال ابن عباس : أي فياضتان والجري أقوى من النضخ، وقال الضحّاك ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ أي ممتلئتان ولا تنقطعان، وقال هناك :﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ [ الرحمن : ٥٢ ] وقال ههنا ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾، ولا شك أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع على ﴿ فَاكِهَةٌ ﴾ وهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم، ولهذا ليس قوله :﴿ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾، من باب عطف الخاص على العام، كما قرره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما، عن عمر بن الخطاب قال :« جاء أناس من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا : يا محمد أفي الجنة فاكهة؟ قال :» نعم فيها فاكهة ونخل ورمان «، قالوا : أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال :» نعم، وأضعاف «، قالوا : فيقضون الحوائج؟ قال :» لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب ما في بطونهم من أذى « » وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :« نخل الجنة سعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم ومنها حللهم، وورقها ذهب أحمر، وجذوعها زمرد أخضر، وتمرها أحلى من العسل وألين من الزبد وليس له عجم » وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال :« نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كالبعير المقتب »، ثم قال :﴿ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ قيل : المراد خيرات كثيرة حسنة في الجنة قاله قتادة، وقيل :﴿ خَيْرَاتٌ ﴾ جمع خيرة وهي المرأة الصالحة الحسنة الخلق الحسنة الوجه قاله الجمهور، وفي الحديث الآخر الذي سنورده في سورة الواقعة إن شاء الله أن الحور العين يغنين :« نحن الخيِّرات الحسان. خلقنا لأزواج كرام » ولهذا قرأ بعضهم :﴿ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ ﴾ بالتشديد ﴿ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾، ثم قال :﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام ﴾، وهناك قال :
وقوله تعالى :﴿ فِي الخيام ﴾ قال البخاري، عن عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قال :« إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون »، ورواه مسلم بلفظ :« إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً للمؤمن فيها أهل يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً » وقال ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء قال : لؤلؤة واحدة فيها سبعون باباً من در. وعن ابن عباس في قوله تعالى :﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام ﴾ قال : خيام اللؤلؤ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة واحدة أربع فراسخ في أربع فراسخ عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، وقال عبد الله بن وهب، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال :« أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء » وقوله تعالى :﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ قد تقدم مثله سواء إلا أنه زاد في صوف الأوائل بقوله :﴿ كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [ الرحمن : ٥٨-٥٩ ]، وقوله تعالى :﴿ مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ قال ابن عباس : الرفرف المحابس، وكذا قال مجاهد وعكرمة هي المجالس، وقال عاصم الجحدري :﴿ مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ يعني الوسائد وهو قول الحسن البصري، وقال سعيد بن جبير : الرفرف رياض الجنة، وقوله تعالى :﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ قال ابن عباس والسدي : العبقري الزرابي، وقال سعيد بن جبير : هي عتاق الزرابي يعني جيادها، وقال مجاهد : العبقري الديباج.
وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى :﴿ حِسَانٍ ﴾ فقال : هي بسط أهل الجنة لا أباً لكم فاطلبوها، وقال أبو العالية : العبقري الطنافس المحملة إلى الرقة ما هي، وقال القيسي : كل ثوب موشّى عند العرب عبقري، وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة، فإنه قد قال هناك :﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [ الرحمن : ٥٤ ]، فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها اكتفاء بما مدح به البطائن وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة :﴿ هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان ﴾ [ الرحمن : ٦٠ ] فوصف أهلها بالإحسان وهو أعلى المراتب والنهايات كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان، فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخيرتين، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
16 مقطع من التفسير