تفسير سورة سورة فصلت
الشعراوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ١
ﭑ
ﭒ
قلنا: (حم) من الحروف المقطعة، وقد حام العلماء حول معاني هذه الحروف وهذه المحاولات إرضاءً لشهوة البحث في العقل، ولكن الإيمان غير ذلك، فالإيمان يأخذ القضية مُسلَّمة، وما دام الله قد قالها فقد انتهت المسألة.
ولذلك سيدنا أبو بكر الصديق ساعةَ قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه فعل كذا وكذا قال: أَو قَاله رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق يعني: هذه مسألة فوق البحث، ولا مجالَ لإعمال العقل فيها لأن لها رصيداً من الصدق يجعلها فوق البحث.
ولقد ذكرنا سابقاً خلاصة القول في هذه الحروف، وهذه الحروف هي التي يذكر الله فيها اسم الحرف، لأن كلَّ حرف له اسم وله مُسمَّى، فالألف مثلاً اسمه الألف ومُسمَّاه أَ - أُ - إِ. الاسم لا يَنطق به إلا المتعلم، فالأمي لا يَعْرف الباء والتاء والثاء، لكنه ينطق بها حين يتكلم.
إذن: ينطق الأُميّ مُسمَّى الحرف، ولا يعرف اسمه بدليل أننا حينما نُعلِّم الأولاد نقول لهم: تهجّ هذه الكلمة، فيقول: ك ت ب. أما الأمي فينطقها كتب دون أنْ يعرفَ حروفها ولا هجاءها. اتفقنا على هذه المسألة.
اذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أُمياً، فما الذي أفهمه أن (ح) اسمها حاء، و (م) اسمها ميم، بدليل أنك تقرأ في أول سورة البقرة (الم) ألف لام ميم. أما في أول الشرح فتقول أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] فلماذا قرأتها في البقرة هكذا، وفي الشرح هكذا؟
أنت قرأت في البقرة اسم الحرف، أما في الشرح فقرأتَ مُسمَّى الحرف، وهذه لا يفرق بينها إلا متعلم، فمَنْ علَّم محمداً هذه المسألة، والحروف هي نفس الحروف بنفس الترتيب؟
شيء آخر: أن الحروف المقطعة في القرآن أخذت نصف حروف الهجاء، حروف الهجاء معروف أنها ثمانية وعشرون حرفاً، أخذتْ منها الحروفُ المقطعة أربعة عشر حرفاً موزَّعة توزيعاً عجيباً، وما زال العلماء حائرين في فهم معانيها.
ففي الحروف التسعة الأولى لم يذكر منها إلا حرفين: الألف والحاء. وفي الحروف التسعة الأخيرة جاء منها سبعة فقط، ولم يأتِ حرفان على عكس الأولى، أما العشرة في الوسط فقد أخذ منها غير المنقوط وترك المنقوط، فأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين، إذن: هي مسألة مدروسة ليست رتابة، إنما هي بنظام وحكمة مثل أسنان المفتاح، فهي دقة مقصودة.
ثم ترى أنه سبحانه مرة يأتي في أول السورة بحرف واحد مثل: ص، ق. ومرة حرفين مثل: حم، ومرة ثلاثة مثل: الم، ومرة أربعة مثل: المر، وخمسة مثل حمعسق، كهيعص. إذن: المسألة حكمة مقصودة ليستْ هكذا دون نظام، لها مقصد، مقصد يضع الله فيه حَدَّ الخلاف بين الحروف وباقي الكلام، كيف؟
قالوا: الحروف المقطعة تنطقها أسماء، ولا بدَّ أنْ تقف فيها فلا تقول مثلاً: ألفٌ لامٌ ميمٌ هكذا بالوصل. إنما تقول: ألف وتسكت. لام وتسكت. ميم وتسكت، مع أن القرآن كله في مُجْمله مَبنيٌّ على الوصل لا على الوقف، تقول في سورة (الرحمن): مُدْهَآمَّتَانِ [الرحمن: ٦٤] هكذا بالكسر ليتم الوصل بما بعدها فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣].
حتى آخر كلمة في القرآن في سورة (الناس) تقول: مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ [الناس: ٦] لتبدأ بعدها وتُوصلها بـ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [الفاتحة: ١-٢].
أما الحروف المقطَّعة فجاءت مبنية على الوقف، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: إذن: في الحروف المقطَّعة مقاصد وحِكَم ما يزال العلماء يحاولون التوصل إلى شيء منها، كلٌّ حسب ما فتح الله عليه منها، أما هي فكنز باقٍ لا ينفد يعطينا منه الحق سبحانه على قدرنا.
يقولون: القرآن جاء معجزةً أسلوبية بلاغية، وأمة العرب مشهورة بالفصاحة والبلاغة، ومع ذلك ما استطاعوا محاكاة القرآن ولا الإتيان بمثله، مع أن الله جاء به بلغتهم وبنفس حروفهم وتعبيراتهم، وتحدَّاهم بهذا كله، فلم يستطيعوا الإتيان ولو بآية واحدة من مثله.
وكأن الله يقول لهم: معكم نفس الحروف ونفس الكلمات، فلماذا لم تنسجوا منها مثل نسجي؟ إذن: وجه الإعجاز هنا أنه سبحانه وتعالى هو المتكلم بالقرآن، هو الذي صاغه وتكلم به.
وأيضاً، والمعنى الذي يجب أنْ يسودَ في هذا كله، أن الحق سبحانه أنزل لنا عقائد وأحكاماً صدرتْ ممن اعتقدته وآمنتَ به، وقرآن يدل على ذلك، هذه ثلاثة: العقائد وهي الإيمان بالوجود الأعلى وواجب الوجود، وأن له صفات الكمال المطلقة: الأول والآخر والظاهر والباطن.. إلخ لأن هذه يُقام عليها دليل عقلي.
فهذا الكون البديع المحكم لا بدَّ له من خالق قادر حكيم عليم.. إلخ.. فالعقل يؤيد هذه العقيدة ويثبتها، لكن ليست هذه كل العقائد، بل هناك سمعيات لا يقوم عليها دليل عقلي لأنها غيبيات كما نقول مثلاً: في الجنة كذا وكذا، وصفتها كذا وكذا.
ومثلها كذلك عذاب القبر، هذه غيبيات، نعم لا يقوم عليها دليل من العقل، إنما هي محمية فيما له دليل عقلي، فما دُمتَ قد آمنتَ بهذا الإله، ودلَّكَ العقل عليه، فخذ ما أخبرك به دون أنْ تناقشها، فقط تقف عند سماعها.
كذلك الأحكام مثل الصلاة، وأنها إدامة الولاء لله تعالى، والزكاة للاستطراق المالي والاقتصادي في المجتمع، كذلك الحج لبيت الله الحرام. وهكذا. فالأحكام أيضاً فيها جانب عقلي وجانب سمعي، فالصلاة كعبادة لله ودليل ولاء للمعبود سبحانه هذا أمر عقليٌّ، أما كيفيتها وعدد ركعاتها فهذا أمر سمعي نأخذه كما هو ولا نناقشه، كذلك كل العبادات.
والأحكام فيها أمر عقلي يُفهم، وأمر سمعي يُؤخذ مُسلَّماً به، فإنْ قلت: كيف نقف عند أمور في الدين لا تُناقش. نقول: نعم لأن هذا الوقوف في أمور الغيبيات هو دليلُ إيمانك بالله، لأن الأمور العقلية يستوي فيها كل الناس.
قلنا: لو عندك مبلغ تخاف عليه السرقة مثلاً، ووضعتَه تحت حجر في الحديقة، وجاء آخر الشهر وأردتَ مثلاً أن تعطي خادمك راتبه من هذا المال. تقول له: يا فلان ارفع هذا الحجر وهاتِ ما تحته، فيقول لك: لا أقدر على رفعه وحدي، وسأنتظر فلاناً يرفعه معي، تقول له: اعلم أن تحته الكيس الذي به النقود التي ستأخذ منها راتبك، عندها يذهب ويرفع الحجر وحده.
أما إنْ قلتَ لشخص آخر: ارفع هذا الحجر فرفعه دون علة. فهل يستوي في طاعتك هذا وهذا؟
كذلك أمر العقائد، فَرْق بين مَنْ يؤمن بالأمور العقلية الحسية، ومَنْ يؤمن ويصدق حتى بالأمر الغيبي الذي تخبر به.
كذلك الحال في العقائد وفي الأحكام وفي القرآن كُلٌّ فيه الأمر العقلي والأمر الغيبي، وعليك أن تحمل الأمور الغيبية على الأمور العقلية. والقرآن الكريم - وهذا هو موضوعنا - فيه كلام عقلي يُفهم بالعقل، وحروف لا يُفهم معناها إلا أن الله قالها، ولذلك نقول فيها: والله أعلم بمراده.
وقوله: حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] أنا أقول أن (حم) هذه هي التي يقول الله عنها تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ٢] وما دامتْ تنزيلاً من الرحمن الرحيم، فإياك أنْ تخوض فيها وتقول: ماذا تعني، أو أنها مبهمة.. إلخ لا بل قف عندها وخُذْها على أن لله فيها مراداً وهو أعلم به.
واعلم أنه سبحانه يقول بعدها: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ.. [فصلت: ٣] ففي القرآن إذن الأمران: الأمر الغيبي الذي ينبغي الوقوف عنده مثل (حم)، وهذه الغيبيات هي مجالُ اختبار الإيمان، ثم يعطيك أيضاً الأمر العقلي المفهوم يُفصِّله لك تفصيلاً.
كلمة تَنزِيلٌ.. [فصلت: ٢] من نزول الشيء، والنزول يكون من مكان عالٍ إلى مكان منخفض عنه، أو من مكانة عليا إلى مكانة أدنى، وهذه المادة جاءت كثيراً تدل على نزول القرآن والمنهج من أعلى، وجاءت بكل الاشتقاقات: تنزيل، نزل، ننزل، نزَّلناه، أنزلنا وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ.. [الإسراء: ١٠٥] وقال: تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤].
لذلك ساعة تسمع كلمة تَنزِيلٌ.. [فصلت: ٢] تعلم أن الذي جاءك من أعلى منك منزلة حتى لو كانت مكانته عندك، وتحت رجليك كما قال في الحديد: وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ.. [الحديد: ٢٥] فالحديد معلوم أنه من الأرض من حيث نشأته وتكوينه، لكنه مُنزَّل من أعلى من حيث خالقه وواهبه لك.
إذن: فكل هذه الاشتقاقات من (نزل) تدل على علو الشيء المنزَّل، ومُنزَّل مِنْ مَنْ؟ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ٢] فيجب أن تتلقى هذا المنزَّل إليك بالتسليم المطلق والقبول، لذلك سيدنا أبو بكر لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه أُسريَ به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء لم يناقش هذه المسألة عقلياً. إنما قال لهم: إنْ كان قال فقد صدق.
فجعل قَوْل الله هو الأساس، فإنْ حدث منه القول فهو صادق، لذلك منذ هذا اليوم لُقِّب بالصدِّيق. مع أن الإسراء آية أرضية وفيه جانب عقلي، لأن المسافة معلومة لهم، وكيفية السفر إلى بيت المقدس معلومة زماناً ومكاناً، ومع ذلك لم يناقش فيها. أما المعراج فهو أمر غيبيٌّ، فكأنه جعل تصديق محمد فيما يعلمون في الأرض وسيلة لتصديقه فيما لا يعلمونه في السماء.
ونفهم أيضاً من قوله تعالى: تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ٢] أن التكليف الذي نزَّله الله لك لم يأتِ ليشقَّ عليك، إنما هو من رحمن بك واسع الرحمة، رحمته وَسِعَتْ كل شيء المؤمن والكافر.
و (الرحيم) يعني: دائمَ الرحمة لأن رحمته تعالى تنسحب وتدوم حتى في الآخرة، فإنْ رأيتَ في التنزيل تكليفاً تظنه يشق عليك، فلا تفهم أنه من قاسٍ عليك، إنما هو من رحمن رحيم.
رحمن بك، لأنه يدلُّك على ما يسعد دنياك ويسعد آخرتك، بدليل أنه سبحانه حين يكلفنا بأمور قد تشقّ على النفس العادية لا يستفيد من هذا التكليف، فسواء أن تكفر أو أن تؤمن، تصلي أو لا تصلي، لأنه سبحانه بصفة القدرة موجود، وإنْ لم تؤمن به وإنْ لم تُصَلِّ.
فعملك إذن لا علاقة له بالله من حيث النفع، العملية لصالحك أنت كما تقول لولدك مثلاً: إذا نجحت هذا العام سأشتري لك كذا وكذا.
ولذلك سيدنا أبو بكر الصديق ساعةَ قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه فعل كذا وكذا قال: أَو قَاله رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق يعني: هذه مسألة فوق البحث، ولا مجالَ لإعمال العقل فيها لأن لها رصيداً من الصدق يجعلها فوق البحث.
ولقد ذكرنا سابقاً خلاصة القول في هذه الحروف، وهذه الحروف هي التي يذكر الله فيها اسم الحرف، لأن كلَّ حرف له اسم وله مُسمَّى، فالألف مثلاً اسمه الألف ومُسمَّاه أَ - أُ - إِ. الاسم لا يَنطق به إلا المتعلم، فالأمي لا يَعْرف الباء والتاء والثاء، لكنه ينطق بها حين يتكلم.
إذن: ينطق الأُميّ مُسمَّى الحرف، ولا يعرف اسمه بدليل أننا حينما نُعلِّم الأولاد نقول لهم: تهجّ هذه الكلمة، فيقول: ك ت ب. أما الأمي فينطقها كتب دون أنْ يعرفَ حروفها ولا هجاءها. اتفقنا على هذه المسألة.
اذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أُمياً، فما الذي أفهمه أن (ح) اسمها حاء، و (م) اسمها ميم، بدليل أنك تقرأ في أول سورة البقرة (الم) ألف لام ميم. أما في أول الشرح فتقول أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] فلماذا قرأتها في البقرة هكذا، وفي الشرح هكذا؟
أنت قرأت في البقرة اسم الحرف، أما في الشرح فقرأتَ مُسمَّى الحرف، وهذه لا يفرق بينها إلا متعلم، فمَنْ علَّم محمداً هذه المسألة، والحروف هي نفس الحروف بنفس الترتيب؟
شيء آخر: أن الحروف المقطعة في القرآن أخذت نصف حروف الهجاء، حروف الهجاء معروف أنها ثمانية وعشرون حرفاً، أخذتْ منها الحروفُ المقطعة أربعة عشر حرفاً موزَّعة توزيعاً عجيباً، وما زال العلماء حائرين في فهم معانيها.
ففي الحروف التسعة الأولى لم يذكر منها إلا حرفين: الألف والحاء. وفي الحروف التسعة الأخيرة جاء منها سبعة فقط، ولم يأتِ حرفان على عكس الأولى، أما العشرة في الوسط فقد أخذ منها غير المنقوط وترك المنقوط، فأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين، إذن: هي مسألة مدروسة ليست رتابة، إنما هي بنظام وحكمة مثل أسنان المفتاح، فهي دقة مقصودة.
ثم ترى أنه سبحانه مرة يأتي في أول السورة بحرف واحد مثل: ص، ق. ومرة حرفين مثل: حم، ومرة ثلاثة مثل: الم، ومرة أربعة مثل: المر، وخمسة مثل حمعسق، كهيعص. إذن: المسألة حكمة مقصودة ليستْ هكذا دون نظام، لها مقصد، مقصد يضع الله فيه حَدَّ الخلاف بين الحروف وباقي الكلام، كيف؟
قالوا: الحروف المقطعة تنطقها أسماء، ولا بدَّ أنْ تقف فيها فلا تقول مثلاً: ألفٌ لامٌ ميمٌ هكذا بالوصل. إنما تقول: ألف وتسكت. لام وتسكت. ميم وتسكت، مع أن القرآن كله في مُجْمله مَبنيٌّ على الوصل لا على الوقف، تقول في سورة (الرحمن): مُدْهَآمَّتَانِ [الرحمن: ٦٤] هكذا بالكسر ليتم الوصل بما بعدها فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣].
حتى آخر كلمة في القرآن في سورة (الناس) تقول: مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ [الناس: ٦] لتبدأ بعدها وتُوصلها بـ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [الفاتحة: ١-٢].
أما الحروف المقطَّعة فجاءت مبنية على الوقف، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: إذن: في الحروف المقطَّعة مقاصد وحِكَم ما يزال العلماء يحاولون التوصل إلى شيء منها، كلٌّ حسب ما فتح الله عليه منها، أما هي فكنز باقٍ لا ينفد يعطينا منه الحق سبحانه على قدرنا.
يقولون: القرآن جاء معجزةً أسلوبية بلاغية، وأمة العرب مشهورة بالفصاحة والبلاغة، ومع ذلك ما استطاعوا محاكاة القرآن ولا الإتيان بمثله، مع أن الله جاء به بلغتهم وبنفس حروفهم وتعبيراتهم، وتحدَّاهم بهذا كله، فلم يستطيعوا الإتيان ولو بآية واحدة من مثله.
وكأن الله يقول لهم: معكم نفس الحروف ونفس الكلمات، فلماذا لم تنسجوا منها مثل نسجي؟ إذن: وجه الإعجاز هنا أنه سبحانه وتعالى هو المتكلم بالقرآن، هو الذي صاغه وتكلم به.
وأيضاً، والمعنى الذي يجب أنْ يسودَ في هذا كله، أن الحق سبحانه أنزل لنا عقائد وأحكاماً صدرتْ ممن اعتقدته وآمنتَ به، وقرآن يدل على ذلك، هذه ثلاثة: العقائد وهي الإيمان بالوجود الأعلى وواجب الوجود، وأن له صفات الكمال المطلقة: الأول والآخر والظاهر والباطن.. إلخ لأن هذه يُقام عليها دليل عقلي.
فهذا الكون البديع المحكم لا بدَّ له من خالق قادر حكيم عليم.. إلخ.. فالعقل يؤيد هذه العقيدة ويثبتها، لكن ليست هذه كل العقائد، بل هناك سمعيات لا يقوم عليها دليل عقلي لأنها غيبيات كما نقول مثلاً: في الجنة كذا وكذا، وصفتها كذا وكذا.
ومثلها كذلك عذاب القبر، هذه غيبيات، نعم لا يقوم عليها دليل من العقل، إنما هي محمية فيما له دليل عقلي، فما دُمتَ قد آمنتَ بهذا الإله، ودلَّكَ العقل عليه، فخذ ما أخبرك به دون أنْ تناقشها، فقط تقف عند سماعها.
كذلك الأحكام مثل الصلاة، وأنها إدامة الولاء لله تعالى، والزكاة للاستطراق المالي والاقتصادي في المجتمع، كذلك الحج لبيت الله الحرام. وهكذا. فالأحكام أيضاً فيها جانب عقلي وجانب سمعي، فالصلاة كعبادة لله ودليل ولاء للمعبود سبحانه هذا أمر عقليٌّ، أما كيفيتها وعدد ركعاتها فهذا أمر سمعي نأخذه كما هو ولا نناقشه، كذلك كل العبادات.
والأحكام فيها أمر عقلي يُفهم، وأمر سمعي يُؤخذ مُسلَّماً به، فإنْ قلت: كيف نقف عند أمور في الدين لا تُناقش. نقول: نعم لأن هذا الوقوف في أمور الغيبيات هو دليلُ إيمانك بالله، لأن الأمور العقلية يستوي فيها كل الناس.
قلنا: لو عندك مبلغ تخاف عليه السرقة مثلاً، ووضعتَه تحت حجر في الحديقة، وجاء آخر الشهر وأردتَ مثلاً أن تعطي خادمك راتبه من هذا المال. تقول له: يا فلان ارفع هذا الحجر وهاتِ ما تحته، فيقول لك: لا أقدر على رفعه وحدي، وسأنتظر فلاناً يرفعه معي، تقول له: اعلم أن تحته الكيس الذي به النقود التي ستأخذ منها راتبك، عندها يذهب ويرفع الحجر وحده.
أما إنْ قلتَ لشخص آخر: ارفع هذا الحجر فرفعه دون علة. فهل يستوي في طاعتك هذا وهذا؟
كذلك أمر العقائد، فَرْق بين مَنْ يؤمن بالأمور العقلية الحسية، ومَنْ يؤمن ويصدق حتى بالأمر الغيبي الذي تخبر به.
كذلك الحال في العقائد وفي الأحكام وفي القرآن كُلٌّ فيه الأمر العقلي والأمر الغيبي، وعليك أن تحمل الأمور الغيبية على الأمور العقلية. والقرآن الكريم - وهذا هو موضوعنا - فيه كلام عقلي يُفهم بالعقل، وحروف لا يُفهم معناها إلا أن الله قالها، ولذلك نقول فيها: والله أعلم بمراده.
وقوله: حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] أنا أقول أن (حم) هذه هي التي يقول الله عنها تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ٢] وما دامتْ تنزيلاً من الرحمن الرحيم، فإياك أنْ تخوض فيها وتقول: ماذا تعني، أو أنها مبهمة.. إلخ لا بل قف عندها وخُذْها على أن لله فيها مراداً وهو أعلم به.
واعلم أنه سبحانه يقول بعدها: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ.. [فصلت: ٣] ففي القرآن إذن الأمران: الأمر الغيبي الذي ينبغي الوقوف عنده مثل (حم)، وهذه الغيبيات هي مجالُ اختبار الإيمان، ثم يعطيك أيضاً الأمر العقلي المفهوم يُفصِّله لك تفصيلاً.
كلمة تَنزِيلٌ.. [فصلت: ٢] من نزول الشيء، والنزول يكون من مكان عالٍ إلى مكان منخفض عنه، أو من مكانة عليا إلى مكانة أدنى، وهذه المادة جاءت كثيراً تدل على نزول القرآن والمنهج من أعلى، وجاءت بكل الاشتقاقات: تنزيل، نزل، ننزل، نزَّلناه، أنزلنا وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ.. [الإسراء: ١٠٥] وقال: تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤].
لذلك ساعة تسمع كلمة تَنزِيلٌ.. [فصلت: ٢] تعلم أن الذي جاءك من أعلى منك منزلة حتى لو كانت مكانته عندك، وتحت رجليك كما قال في الحديد: وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ.. [الحديد: ٢٥] فالحديد معلوم أنه من الأرض من حيث نشأته وتكوينه، لكنه مُنزَّل من أعلى من حيث خالقه وواهبه لك.
إذن: فكل هذه الاشتقاقات من (نزل) تدل على علو الشيء المنزَّل، ومُنزَّل مِنْ مَنْ؟ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ٢] فيجب أن تتلقى هذا المنزَّل إليك بالتسليم المطلق والقبول، لذلك سيدنا أبو بكر لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه أُسريَ به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء لم يناقش هذه المسألة عقلياً. إنما قال لهم: إنْ كان قال فقد صدق.
فجعل قَوْل الله هو الأساس، فإنْ حدث منه القول فهو صادق، لذلك منذ هذا اليوم لُقِّب بالصدِّيق. مع أن الإسراء آية أرضية وفيه جانب عقلي، لأن المسافة معلومة لهم، وكيفية السفر إلى بيت المقدس معلومة زماناً ومكاناً، ومع ذلك لم يناقش فيها. أما المعراج فهو أمر غيبيٌّ، فكأنه جعل تصديق محمد فيما يعلمون في الأرض وسيلة لتصديقه فيما لا يعلمونه في السماء.
ونفهم أيضاً من قوله تعالى: تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ٢] أن التكليف الذي نزَّله الله لك لم يأتِ ليشقَّ عليك، إنما هو من رحمن بك واسع الرحمة، رحمته وَسِعَتْ كل شيء المؤمن والكافر.
و (الرحيم) يعني: دائمَ الرحمة لأن رحمته تعالى تنسحب وتدوم حتى في الآخرة، فإنْ رأيتَ في التنزيل تكليفاً تظنه يشق عليك، فلا تفهم أنه من قاسٍ عليك، إنما هو من رحمن رحيم.
رحمن بك، لأنه يدلُّك على ما يسعد دنياك ويسعد آخرتك، بدليل أنه سبحانه حين يكلفنا بأمور قد تشقّ على النفس العادية لا يستفيد من هذا التكليف، فسواء أن تكفر أو أن تؤمن، تصلي أو لا تصلي، لأنه سبحانه بصفة القدرة موجود، وإنْ لم تؤمن به وإنْ لم تُصَلِّ.
فعملك إذن لا علاقة له بالله من حيث النفع، العملية لصالحك أنت كما تقول لولدك مثلاً: إذا نجحت هذا العام سأشتري لك كذا وكذا.
آية رقم ٢
ﭓﭔﭕﭖ
ﭗ
كلمة تَنزِيلٌ.. [فصلت: ٢] من نزول الشيء، والنزول يكون من مكان عالٍ إلى مكان منخفض عنه، أو من مكانة عليا إلى مكانة أدنى، وهذه المادة جاءت كثيراً تدل على نزول القرآن والمنهج من أعلى، وجاءت بكل الاشتقاقات: تنزيل، نزل، ننزل، نزَّلناه، أنزلنا وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ.. [الإسراء: ١٠٥] وقال: تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤].
لذلك ساعة تسمع كلمة تَنزِيلٌ.. [فصلت: ٢] تعلم أن الذي جاءك من أعلى منك منزلة حتى لو كانت مكانته عندك، وتحت رجليك كما قال في الحديد: وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ.. [الحديد: ٢٥] فالحديد معلوم أنه من الأرض من حيث نشأته وتكوينه، لكنه مُنزَّل من أعلى من حيث خالقه وواهبه لك.
إذن: فكل هذه الاشتقاقات من (نزل) تدل على علو الشيء المنزَّل، ومُنزَّل مِنْ مَنْ؟ مِّنَ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ فيجب أن تتلقى هذا المنزَّل إليك بالتسليم المطلق والقبول...
ونفهم أيضاً من قوله تعالى: تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ أن التكليف الذي نزَّله الله لك لم يأتِ ليشقَّ عليك، إنما هو من رحمن بك واسع الرحمة، رحمته وَسِعَتْ كل شيء المؤمن والكافر.
و (الرحيم) يعني: دائمَ الرحمة لأن رحمته تعالى تنسحب وتدوم حتى في الآخرة، فإنْ رأيتَ في التنزيل تكليفاً تظنه يشق عليك، فلا تفهم أنه من قاسٍ عليك، إنما هو من رحمن رحيم.
رحمن بك، لأنه يدلُّك على ما يسعد دنياك ويسعد آخرتك، بدليل أنه سبحانه حين يكلفنا بأمور قد تشقّ على النفس العادية لا يستفيد من هذا التكليف، فسواء أن تكفر أو أن تؤمن، تصلي أو لا تصلي، لأنه سبحانه بصفة القدرة موجود، وإنْ لم تؤمن به وإنْ لم تُصَلِّ.
فعملك إذن لا علاقة له بالله من حيث النفع، العملية لصالحك أنت كما تقول لولدك مثلاً: إذا نجحت هذا العام سأشتري لك كذا وكذا.
لذلك ساعة تسمع كلمة تَنزِيلٌ.. [فصلت: ٢] تعلم أن الذي جاءك من أعلى منك منزلة حتى لو كانت مكانته عندك، وتحت رجليك كما قال في الحديد: وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ.. [الحديد: ٢٥] فالحديد معلوم أنه من الأرض من حيث نشأته وتكوينه، لكنه مُنزَّل من أعلى من حيث خالقه وواهبه لك.
إذن: فكل هذه الاشتقاقات من (نزل) تدل على علو الشيء المنزَّل، ومُنزَّل مِنْ مَنْ؟ مِّنَ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ فيجب أن تتلقى هذا المنزَّل إليك بالتسليم المطلق والقبول...
ونفهم أيضاً من قوله تعالى: تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ أن التكليف الذي نزَّله الله لك لم يأتِ ليشقَّ عليك، إنما هو من رحمن بك واسع الرحمة، رحمته وَسِعَتْ كل شيء المؤمن والكافر.
و (الرحيم) يعني: دائمَ الرحمة لأن رحمته تعالى تنسحب وتدوم حتى في الآخرة، فإنْ رأيتَ في التنزيل تكليفاً تظنه يشق عليك، فلا تفهم أنه من قاسٍ عليك، إنما هو من رحمن رحيم.
رحمن بك، لأنه يدلُّك على ما يسعد دنياك ويسعد آخرتك، بدليل أنه سبحانه حين يكلفنا بأمور قد تشقّ على النفس العادية لا يستفيد من هذا التكليف، فسواء أن تكفر أو أن تؤمن، تصلي أو لا تصلي، لأنه سبحانه بصفة القدرة موجود، وإنْ لم تؤمن به وإنْ لم تُصَلِّ.
فعملك إذن لا علاقة له بالله من حيث النفع، العملية لصالحك أنت كما تقول لولدك مثلاً: إذا نجحت هذا العام سأشتري لك كذا وكذا.
آية رقم ٣
سماه كِتَابٌ.. لأن الكتاب تعني الجمع. والكتيبة جمع الجنود، فالكتاب تجمع الكلمات إلى بعضها، والكتاب يعني: مجتمع فيه أشياء، وفي القرآن اجتمع كل خير في الدنيا والآخرة، وهو كتاب لأنه مكتوب ومُسجَّل تستطيع أن تقرأه...
ومعنى فُصِّلَتْ آيَاتُهُ.. يقولون في الفعل (فُصِّلت) مبني للمجهول أو لما لم يُسَمَّ فاعله، والمعنى هنا أن الله فصَّلها أولاً ففُصِّلت أي: صارتْ مُفصَّلة، فلما بلَّغها رسول الله للناس أصبحت هي مُفصَّلة لأمورهم ولأحكامهم.
ومعنى فُصِّلَتْ آيَاتُهُ.. لأن القرآن مُقسَّم ومُفصَّل إلى سور، كل سورة قائمة بذاتها، وداخل السُّور آيات، كل آية بذاتها، ففي السُّوَر الطويل والقصير، كذلك في الآيات تجد كلمة واحدة آية، وتجد آية من عدة أسطر، كذلك فصَّل الكلمات من حيث مادتها، كذلك فصَّل الحلال والحرام، وفصَّل الطاعة والمعصية، ألم يفصل بين الوعد والوعيد، بين الثواب والعقاب.
لقد فَصَل القرآن بين كل هذه المسائل، أو فُصلت فيه كل آيات الكون إلى قيام الساعة، لذلك قالوا:"خطبنا رسول الله خطبة بليغة، ما ترك فيها شيئاً، وما ترك من ورقة تسقط إلا حدَّثنا عنها إلى أنْ تقوم الساعة، حفظها مَنْ حفظها ونسيها مَنْ نسيها".
نعم كما قال تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ.. [الأنعام: ٣٨] يعني: أن الأمور التي تحدث في الكون موجودة عندكم في هذا الكتاب...
وقوله: قُرْآناً عَرَبِيّاً.. أي: بلسان عربي وفي أمة عربية، لكن كيف ذلك وهو رسالة عالمية لكل البشر ولكل اللغات؟ ولماذا لم ينزل بكل اللغات؟... فالقرآن نزل على محمد في بيئته العربية، لأن الله تعالى يريد أن يظهر هذا الدين في أمة أمية، وعلى لسان رسول أميٍّ حتى لا يقول أحد: إن القرآن وثبة حضارية.
فالعرب كانوا أمة لا دولةَ لها تحكمها ولا نظام ولا قانون، كانوا مجموعة من القبائل كل قبيلة لها قانونها... ومع ذلك تأتي مثل هذه الأمة وتوحد العالم كله بما فيه من دول متحضرة من فارس في الشرق إلى الروم في الغرب.
فمن أين أتت هذه الأمة بذلك؟ كان عليهم أنْ يفهموا أنه قانونُ السماء جاء من أعلى، وإلا ما كان العرب ليقوموا بهذا الدور لولا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
إذن: لا مجالَ لأنْ نقول عن الإسلام إنه وثبة حضارية، لذلك لما أراد الحق سبحانه إعلاءَ دينه جعل محمداً صلى الله عليه وسلم يجهر بهذا الدين في مكة، لماذا مكة بالذات؟ لأن فيها قريشاً وهي موضع السيادة في الجزيرة كلها، وفيها الصناديد الذين لا يجرؤ أحد على مواجهتهم.
فبين هؤلاء صاح محمد بالإسلام وجهر به، ومع ذلك لم ينصر الدين هؤلاء السادة، إنما نصره المستضعفون والعبيد في المدينة، وقلنا: إن لهذه المسألة حكمة، هي ألاَّ يظهر أحد أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد هو الذي أوجد العصبية لمحمد.
فالقرآن عربي لأنهم أمة الدعوة الذين سيحملون لواءها ويسيحون بها في أنحاء العالم كله، فالعرب أمة تقوم على الترحال ليس لهم بيوت، ولا يسكنون الفيلات والعمارات، إنما هي الخيمة يحملها معه أينما سار، فوطنه إذن العالم كله وبيته على ظهر جمله، كما أنها قبلية يتعصب كُلٌّ لقبيلته، لذلك كثرت بينهم الحروب حتى أن بعضها استمر أربعين سنة.
هذه الحروب درَّبتهم على القتال، وزرعت فيهم الشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المبدأ، لذلك لما أراد رسول الله أنْ يُعدَّ جيشاً لم يفتح له مدرسة حربية، إنما وجد جيلاً من الرجال جاهزاً مُعداً يعلم كل فنون الحرب، كلما سمع أحدهم هيعة طار إليها.
هؤلاء هم الرجال الذين سيتلقوْنَ الدعوة من رسول الله، هم الذين سينشرونها. إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الكلامُ بلسانهم، والدعوة بلغتهم، ليستطيعوا حملها.
لذلك قال تعالى في موضع آخر: وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ.. [إبراهيم: ٤] نعم لأنهم هم الذين سيسمعون منه أولاً.
لكن كيف تكون عالمية الدين؟ قالوا: حين يسمع منه قومه يؤمنون به، ثم يحملون دعوته إلى الناس لا ألفاظاً، لكن يحملونها منهجاً وسلوكاً وقدوةً، ومعلوم أن المناهج لا تختلف فيها اللغات، لذلك غزا المسلمون العالم كله، ليس بالقرآن وآياته إنما بالسلوك وبالمبادئ التي أرساها القرآن.
إذن: نزل القرآن بلسان عربي، لأن العرب هم المعَدُّون لهذه المهمة، القادرون على حملها، والسياحة بها في العالم كله لكونهم أمة بدوية غير متوطنة، وأمة قتال، وهي أمة أمية لا يمكن أن نتهمها باختلاق هذا الدين، أو أنه وثبة حضارية.
وقوله: لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي: يعلمون أساليب العربية، بل ويُجوِّدون فيها، فهم أعلى قمة الفصاحة والبلاغة، بدليل أنك لن تجد أمة في الأرض صنعتْ معارض للأدب وللكلمة كما صنع العرب في عكاظ والمربد وذي المجاز والمجنة، ففيها كانوا يعرضون إنتاجهم الأدبي ويُقيِّمونه، وما استحسنوه منه يكرمونه بأن يضعوه على أستار الكعبة.
إذن: لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ العربية وينبغون فيها نبوغاً، بحيث نزل القرآن المعجز بلسانهم. والإعجاز لا يتأتى لمن لا يجيد مجال الإعجاز، فالذي يجهل شيئاً لا يصح أنْ تقول له: أتحداك في هذا الشيء، إنما يكون الإعجاز للمُجيد في الشيء المتحدَّى به، لأن الجاهل له أن يقول لك: والله لو كنت أعلم الشيء الفلاني لغلبتك فيه. ومن هنا تحدى الله العرب بالقرآن.
ولذلك الحق سبحانه وتعالى لا يُنزل آية مع رسول من رسُله لإثبات صدقه في الدعوة إلا من جنس ما نبغ فيه القوم، فكانت معجزة سيدنا عيسى في الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وسيدنا موسى عليه السلام كانت معجزته العصا، لأن قومه نبغوا في السحر، وجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في البلاغة والبيان، فتحدَّى القوم بالقرآن، وبذلك يتأتَّى الإعجاز.
لذلك نسمع مَنْ يقول: إن العرب انهزموا أمام القرآن، وهذا غير صحيح، لأن العرب لم ينهزموا بل انتصروا أمام القرآن، كيف؟ لأن الله تعالى لا يتحدى إلا قوياً، فتحدي الله لهم دليلٌ على أنهم قوة، لديهم القدرة على البيان ويمتلكون ناصية اللغة.
ومعنى فُصِّلَتْ آيَاتُهُ.. يقولون في الفعل (فُصِّلت) مبني للمجهول أو لما لم يُسَمَّ فاعله، والمعنى هنا أن الله فصَّلها أولاً ففُصِّلت أي: صارتْ مُفصَّلة، فلما بلَّغها رسول الله للناس أصبحت هي مُفصَّلة لأمورهم ولأحكامهم.
ومعنى فُصِّلَتْ آيَاتُهُ.. لأن القرآن مُقسَّم ومُفصَّل إلى سور، كل سورة قائمة بذاتها، وداخل السُّور آيات، كل آية بذاتها، ففي السُّوَر الطويل والقصير، كذلك في الآيات تجد كلمة واحدة آية، وتجد آية من عدة أسطر، كذلك فصَّل الكلمات من حيث مادتها، كذلك فصَّل الحلال والحرام، وفصَّل الطاعة والمعصية، ألم يفصل بين الوعد والوعيد، بين الثواب والعقاب.
لقد فَصَل القرآن بين كل هذه المسائل، أو فُصلت فيه كل آيات الكون إلى قيام الساعة، لذلك قالوا:"خطبنا رسول الله خطبة بليغة، ما ترك فيها شيئاً، وما ترك من ورقة تسقط إلا حدَّثنا عنها إلى أنْ تقوم الساعة، حفظها مَنْ حفظها ونسيها مَنْ نسيها".
نعم كما قال تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ.. [الأنعام: ٣٨] يعني: أن الأمور التي تحدث في الكون موجودة عندكم في هذا الكتاب...
وقوله: قُرْآناً عَرَبِيّاً.. أي: بلسان عربي وفي أمة عربية، لكن كيف ذلك وهو رسالة عالمية لكل البشر ولكل اللغات؟ ولماذا لم ينزل بكل اللغات؟... فالقرآن نزل على محمد في بيئته العربية، لأن الله تعالى يريد أن يظهر هذا الدين في أمة أمية، وعلى لسان رسول أميٍّ حتى لا يقول أحد: إن القرآن وثبة حضارية.
فالعرب كانوا أمة لا دولةَ لها تحكمها ولا نظام ولا قانون، كانوا مجموعة من القبائل كل قبيلة لها قانونها... ومع ذلك تأتي مثل هذه الأمة وتوحد العالم كله بما فيه من دول متحضرة من فارس في الشرق إلى الروم في الغرب.
فمن أين أتت هذه الأمة بذلك؟ كان عليهم أنْ يفهموا أنه قانونُ السماء جاء من أعلى، وإلا ما كان العرب ليقوموا بهذا الدور لولا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
إذن: لا مجالَ لأنْ نقول عن الإسلام إنه وثبة حضارية، لذلك لما أراد الحق سبحانه إعلاءَ دينه جعل محمداً صلى الله عليه وسلم يجهر بهذا الدين في مكة، لماذا مكة بالذات؟ لأن فيها قريشاً وهي موضع السيادة في الجزيرة كلها، وفيها الصناديد الذين لا يجرؤ أحد على مواجهتهم.
فبين هؤلاء صاح محمد بالإسلام وجهر به، ومع ذلك لم ينصر الدين هؤلاء السادة، إنما نصره المستضعفون والعبيد في المدينة، وقلنا: إن لهذه المسألة حكمة، هي ألاَّ يظهر أحد أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد هو الذي أوجد العصبية لمحمد.
فالقرآن عربي لأنهم أمة الدعوة الذين سيحملون لواءها ويسيحون بها في أنحاء العالم كله، فالعرب أمة تقوم على الترحال ليس لهم بيوت، ولا يسكنون الفيلات والعمارات، إنما هي الخيمة يحملها معه أينما سار، فوطنه إذن العالم كله وبيته على ظهر جمله، كما أنها قبلية يتعصب كُلٌّ لقبيلته، لذلك كثرت بينهم الحروب حتى أن بعضها استمر أربعين سنة.
هذه الحروب درَّبتهم على القتال، وزرعت فيهم الشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المبدأ، لذلك لما أراد رسول الله أنْ يُعدَّ جيشاً لم يفتح له مدرسة حربية، إنما وجد جيلاً من الرجال جاهزاً مُعداً يعلم كل فنون الحرب، كلما سمع أحدهم هيعة طار إليها.
هؤلاء هم الرجال الذين سيتلقوْنَ الدعوة من رسول الله، هم الذين سينشرونها. إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الكلامُ بلسانهم، والدعوة بلغتهم، ليستطيعوا حملها.
لذلك قال تعالى في موضع آخر: وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ.. [إبراهيم: ٤] نعم لأنهم هم الذين سيسمعون منه أولاً.
لكن كيف تكون عالمية الدين؟ قالوا: حين يسمع منه قومه يؤمنون به، ثم يحملون دعوته إلى الناس لا ألفاظاً، لكن يحملونها منهجاً وسلوكاً وقدوةً، ومعلوم أن المناهج لا تختلف فيها اللغات، لذلك غزا المسلمون العالم كله، ليس بالقرآن وآياته إنما بالسلوك وبالمبادئ التي أرساها القرآن.
إذن: نزل القرآن بلسان عربي، لأن العرب هم المعَدُّون لهذه المهمة، القادرون على حملها، والسياحة بها في العالم كله لكونهم أمة بدوية غير متوطنة، وأمة قتال، وهي أمة أمية لا يمكن أن نتهمها باختلاق هذا الدين، أو أنه وثبة حضارية.
وقوله: لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي: يعلمون أساليب العربية، بل ويُجوِّدون فيها، فهم أعلى قمة الفصاحة والبلاغة، بدليل أنك لن تجد أمة في الأرض صنعتْ معارض للأدب وللكلمة كما صنع العرب في عكاظ والمربد وذي المجاز والمجنة، ففيها كانوا يعرضون إنتاجهم الأدبي ويُقيِّمونه، وما استحسنوه منه يكرمونه بأن يضعوه على أستار الكعبة.
إذن: لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ العربية وينبغون فيها نبوغاً، بحيث نزل القرآن المعجز بلسانهم. والإعجاز لا يتأتى لمن لا يجيد مجال الإعجاز، فالذي يجهل شيئاً لا يصح أنْ تقول له: أتحداك في هذا الشيء، إنما يكون الإعجاز للمُجيد في الشيء المتحدَّى به، لأن الجاهل له أن يقول لك: والله لو كنت أعلم الشيء الفلاني لغلبتك فيه. ومن هنا تحدى الله العرب بالقرآن.
ولذلك الحق سبحانه وتعالى لا يُنزل آية مع رسول من رسُله لإثبات صدقه في الدعوة إلا من جنس ما نبغ فيه القوم، فكانت معجزة سيدنا عيسى في الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وسيدنا موسى عليه السلام كانت معجزته العصا، لأن قومه نبغوا في السحر، وجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في البلاغة والبيان، فتحدَّى القوم بالقرآن، وبذلك يتأتَّى الإعجاز.
لذلك نسمع مَنْ يقول: إن العرب انهزموا أمام القرآن، وهذا غير صحيح، لأن العرب لم ينهزموا بل انتصروا أمام القرآن، كيف؟ لأن الله تعالى لا يتحدى إلا قوياً، فتحدي الله لهم دليلٌ على أنهم قوة، لديهم القدرة على البيان ويمتلكون ناصية اللغة.
آية رقم ٤
قوله تعالى: بَشِيراً وَنَذِيراً.. [فصلت: ٤] هذا أول شيء في التفصيل، كما قلنا: فصَّل الحق والباطل، والحلال والحرام، هنا بشيراً ونذيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ [فصلت: ٤] إعراض الكثرة يدل على أن القلة هي التي آمنتْ وهي القلة المستضعفة، أما أكثرهم فكانوا أهل السيادة وأهل القوة الذين لم يقبلوا الدعوة الجديدة التي تسويهم بهؤلاء الضعفاء والعبيد.
لذلك سيدنا أبو بكر لما تولى الخلافة، وجاءه جماعة من هؤلاء الصناديد، وكان عنده جماعة من المستضعفين السابقين للإسلام أخّر الصناديد والكبراء حتى يفرغ ممَّنْ عنده فشقَّ ذلك عليهم، ووجدوا في أنفسهم شيئاً، كيف يُقدِّم أبو بكر عليهم العبيد والضعفاء، فقال الصِّدِّيق: ما بال هؤلاء؟ كلهم ورم أنفه أنْ قدَّمتُ عليه فلاناً وفلاناً، فما بالهم إذا قدَّمهم الله عليهم يوم القيامة في الجنة؟
لكن ما وجهة الإعراض في قوله تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ.. [فصلت: ٤] قالوا: وجهة الإعراض أنهم يفهمون مطلوب الدين الجديد بقولهم: لا إله إلا الله.
وأن السيادة لن تكون إلا لهذه الكلمة، ولن تكون سيطرة إلا لهذه الكلمة، وأن العباد سيكونون سواء أمامها، إذن: كيف يقولون لا إله إلا الله، وهم يعرفون مطلوبها؟ لذلك لم يقولوها، ولو كانت مجرد كلمة تُقال لقالوها، لكنهم يعرفون معناها فوقفوا.
وقوله: فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ [فصلت: ٤] أي: لا يسمعون سماعاً نافعاً، وسماعاً واعياً مقبولاً، وإلا فقوله تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ.. [فصلت: ٤] دلَّ على أنهم سمعوا دعوة رسول الله، سمعوها بالآذان فقط، ولم يستفيدوا بهذا السماع، لذلك قال تعالى فيهم: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً.. [محمد: ١٦].
لذلك يختلف الناس في تلقِّي القرآن، فواحد يسمع وينفعل ويسجد لعظمة القرآن، وآخر يسمع ويقول: ماذا قال!! على سبيل الاستهزاء والاستقلال. لأنه لا يسمع بأذن الاعتبار والتأمل، لماذا؟ لأن منافذ القلب من العقل مُضببة بالمطلوب الذي يطلبه الإيمان منهم، فقد ألفوا السيادة، فساعةَ يسمعون ما يعارض سيادتهم وسلطتهم الزمنية يعرضوا.
لذلك قلنا في قصة إسلام سيدنا عمر أنه لما سمع القرآن أولاً عاند وثار، لأنه قلبه لم يكُنْ مُعداً للاستقبال السليم، فلما لطم أخته وسال الدم منها رقَّ قلبه ولاَنَ، وزال عنه الضباب، فلما سمع القرآن تأثر به وانفعل به فآمن.
لذلك سيدنا أبو بكر لما تولى الخلافة، وجاءه جماعة من هؤلاء الصناديد، وكان عنده جماعة من المستضعفين السابقين للإسلام أخّر الصناديد والكبراء حتى يفرغ ممَّنْ عنده فشقَّ ذلك عليهم، ووجدوا في أنفسهم شيئاً، كيف يُقدِّم أبو بكر عليهم العبيد والضعفاء، فقال الصِّدِّيق: ما بال هؤلاء؟ كلهم ورم أنفه أنْ قدَّمتُ عليه فلاناً وفلاناً، فما بالهم إذا قدَّمهم الله عليهم يوم القيامة في الجنة؟
لكن ما وجهة الإعراض في قوله تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ.. [فصلت: ٤] قالوا: وجهة الإعراض أنهم يفهمون مطلوب الدين الجديد بقولهم: لا إله إلا الله.
وأن السيادة لن تكون إلا لهذه الكلمة، ولن تكون سيطرة إلا لهذه الكلمة، وأن العباد سيكونون سواء أمامها، إذن: كيف يقولون لا إله إلا الله، وهم يعرفون مطلوبها؟ لذلك لم يقولوها، ولو كانت مجرد كلمة تُقال لقالوها، لكنهم يعرفون معناها فوقفوا.
وقوله: فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ [فصلت: ٤] أي: لا يسمعون سماعاً نافعاً، وسماعاً واعياً مقبولاً، وإلا فقوله تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ.. [فصلت: ٤] دلَّ على أنهم سمعوا دعوة رسول الله، سمعوها بالآذان فقط، ولم يستفيدوا بهذا السماع، لذلك قال تعالى فيهم: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً.. [محمد: ١٦].
لذلك يختلف الناس في تلقِّي القرآن، فواحد يسمع وينفعل ويسجد لعظمة القرآن، وآخر يسمع ويقول: ماذا قال!! على سبيل الاستهزاء والاستقلال. لأنه لا يسمع بأذن الاعتبار والتأمل، لماذا؟ لأن منافذ القلب من العقل مُضببة بالمطلوب الذي يطلبه الإيمان منهم، فقد ألفوا السيادة، فساعةَ يسمعون ما يعارض سيادتهم وسلطتهم الزمنية يعرضوا.
لذلك قلنا في قصة إسلام سيدنا عمر أنه لما سمع القرآن أولاً عاند وثار، لأنه قلبه لم يكُنْ مُعداً للاستقبال السليم، فلما لطم أخته وسال الدم منها رقَّ قلبه ولاَنَ، وزال عنه الضباب، فلما سمع القرآن تأثر به وانفعل به فآمن.
آية رقم ٥
معنى أَكِنَّةٍ.. يعني: أغطية جمع كنان أي: غطاء. والغطاء يغلف الشيء بحيث لا ينفذ إليه النور، وفي آية أخرى قال سبحانه: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ.. [الكهف: ٥٧] فالأكنة مرة من جَعْل الله ومرة منهم، فأيهما أسبق؟ أجعل الله لهم أكنة أولاً ثم أصابتهم الغفلة، أم أن إعراضهم عن دين الله هو الذي جعل الأكنة على قلوبهم؟
وقلنا: إن الإنسان إذا أَلِفَ الكفر وأَنِس به زاده الله منه وختم على قلبه، بحيث لا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر.
إذن: يأتي منهم الكفر أولاً، وبعد ذلك يختم الله على القلب، كذلك في مسألة الأكنة جاءتْ منهم أولاً، فزادهم الله، وجعل على قلوبهم الأكنة وزادهم مرضاً على مرض.
إذن: المراد بالأكنّة أي الأغطية التي تمنعهم فَهْمَ وتدبُّرَ ما يسمعون، وما يُلقي عليهم وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ.. وقر يعني: صَمَم يمنع السماع. وفي سورة البقرة قال: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.. [البقرة: ١٨].
ومعلوم أن البكم ينشأ عن الصمم، لأن الأصم الذي لا يسمع كيف يتكلم؟ لأن اللغة ظاهرة اجتماعية وهي بنت المحاكاة، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فإذا لم تسمع الأذن شيئاً لا ينطق اللسان بشيء، فاللغة ليست جنساً، اللغة سماع ومحاكاة، بدليل أنك تأتي بالطفل الإنجليزي مثلاً في بيئة عربية ينطق العربية.
والأصم عنده القدرة على الكلام، بدليل أنه ينطق ببعض الأصوات غير المفهومة كما نسمع من الأخرس مثلاً، حتى الإنسان السَّوي الفصيح لا يستطيع أنْ يتكلم بكلمة لا يعرفها من لغته هو، من أين يأتي بها؟ من السماع أولاً.
ولذلك أخذنا من هذه المسألة أدلة مادية على وجود الخالق الأعلى سبحانه، نقول: أنت كيف تتكلم؟ يقول: أتكلم لأنني سمعتُ في صِغَري أبي وأمي ومَنْ حولي يتكلمون، فقلت كما يقولون، إذن: لا تنشأ لغة إلا بالسماع.
وكذلك الحال في الآباء وفي الأجداد، وارْتَقِ بهذه السلسلة إلى آدم عليه السلام وقُلْ: كيف تكلم آدم وليس قبله أحدٌ يسمع منه؟ لا بُدَّ أنه سمع، سمع من مَنْ؟ سمع من الله تعالى حين علَّمه الأسماء كلها.
منافذ الخواطر التي ترد الآذان، ومنافذ الخواطر التي تصدر من اللسان، ولأن هؤلاء صُمٌّ لا يسمعون لم يأخذوا شيئاً، وبالتالي لم يُخْرجوا شيئاً، لذلك قال سبحانه: قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ.. يعني: أغطية تمنع عنهم الاستفادة وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ.. يعني: صمم، ولم يأتِ هنا بذكر اللسان لماذا؟ لأنهم لن يتكلموا في الدين لأنهم لم يسمعوه، فكوْنه لم يأت بالكلام هنا دلَّ على أنهم لن يسمعوا ولن يتكلموا، تأمل هنا الدقة لأنه كلامُ ربٍّ.
وقولهم: وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ.. أي: ستر غليظ يحجبك، فأنت تكون مع جليسك تُحدِّثه ويُحدِّثك، تسمعه ويسمعك، تراه ويراك، تأنس به ويأنس بك.. إلخ لكن إنْ كان بينك وبينه حجاب امتنع ذلك كله.
هذا الحجاب قد يكون معنوياً، تقول: بين فلان وفلان جفوة أي: جفوة صغيرة سرعان ما تزول. لكن إنْ قلتَ: بين فلان وبين فلان جفوة، وكررتَ ظرف المكان دلَّ ذلك على أنها جفوة كبيرة ليس من السهل إزالتها.
كذلك قالوا: وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ.. يعني كثيف غليظ يستر كل شيء، من هنا إلى هنا، يعني: يملأ كل ما بيننا من مسافة. قالوا: لما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم القوم، ويعرض عليهم دين الله كان أبو جهل يأخذ ثوبه ويضعه على وجهه حتى لا يرى رسول الله.
وما دام أن بيننا وبينك حجاباً، فلن نتفق وكُلٌّ منا في طريق، وما دام أن لكل طريقه فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ وهذه القضية أوضحها الحق سبحان في سورة الكافرون: قُلْ يٰأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ١-٦] هذه هي النتيجة الطبيعية للحجاب بينهما.
بعض الناس حين يقرأون هذه السورة يظنون بها تكراراً، وهذا ليس تكراراً، بل في السورة قَطْع علاقات، وقطع العلاقات له ظرف يحكمه، ألم تر إلى الدول تقطع إحداها علاقتها بالأخرى، ثم تصفو الأجواء مرة أخرى، وتعود العلاقات أحسن مما كانت، ففرْقٌ في الدبلوماسية بين الماضي والحاضر.
لكن في مسألة الكفر والإيمان الأمر مختلف فهما ضدان لا يلتقيان، مهما حدث في المستقبل. فلن تعود العلاقاتُ بينهما، لذلك قال سبحانه: لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ [الكافرون: ٢-٣] أي: في الزمن الحاضر الآن
وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ [الكافرون: ٤-٥] أي: في المستقبل، فلا تظنوا أن العلاقات بيننا قد تتحسن وتعود بيننا علاقة، لا.. لا التقاء بيننا.. لا في الحاضر ولا في المستقبل.
هذه هي قطع العلاقات، وما دام بيننا حجاب وحاجز، فكُلٌّ منا في طريقه (والحَمْرة في خيله يركبها).
فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ اعمل ما يروق لك، وما يأتيك من إلهك وإسلامك، ونحن نعمل على قدر آلهتنا وديننا وعبادتنا، اعمل لإلهك الذي أرسلك، ونحن نعمل لآلهتنا التي نعبدها، أو اعمل لآخرتك ونحن نعمل لدنيانا، فالمسألة من الرسول إصرار، ومنهم معاداة، إلى أن يستقيم الميسم، ويأبى الله إلا أن يُتمَّ نوره.
لذلك نرى تدرُّج الإسلام وانتشاره في بطء، أمر أتباعه بالهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، تدرج بهم إلى أنْ تقوى شوكتهم، بدأ ضعيفاً بالضعفاء، ثم قوي حتى دخل الأقوياء، كان منحصراً في مكة ثم اتسعتْ دائرته، وكانت تزيد كل يوم بحيث تزيد أرض الإسلام وتنقص أرض الكفر.
لذلك لما رأى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص انتشار الإسلام على هذه الصورة قال خالد لعمرو: والله لقد استقام الميسم، يعني: استقام أمر هذا الدين فهيا بنا نسلم، وأخذ صناديد الكفر يعودون إلى الجادة، ويدخلون في دين الله...
وقلنا: إن الإنسان إذا أَلِفَ الكفر وأَنِس به زاده الله منه وختم على قلبه، بحيث لا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر.
إذن: يأتي منهم الكفر أولاً، وبعد ذلك يختم الله على القلب، كذلك في مسألة الأكنة جاءتْ منهم أولاً، فزادهم الله، وجعل على قلوبهم الأكنة وزادهم مرضاً على مرض.
إذن: المراد بالأكنّة أي الأغطية التي تمنعهم فَهْمَ وتدبُّرَ ما يسمعون، وما يُلقي عليهم وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ.. وقر يعني: صَمَم يمنع السماع. وفي سورة البقرة قال: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.. [البقرة: ١٨].
ومعلوم أن البكم ينشأ عن الصمم، لأن الأصم الذي لا يسمع كيف يتكلم؟ لأن اللغة ظاهرة اجتماعية وهي بنت المحاكاة، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فإذا لم تسمع الأذن شيئاً لا ينطق اللسان بشيء، فاللغة ليست جنساً، اللغة سماع ومحاكاة، بدليل أنك تأتي بالطفل الإنجليزي مثلاً في بيئة عربية ينطق العربية.
والأصم عنده القدرة على الكلام، بدليل أنه ينطق ببعض الأصوات غير المفهومة كما نسمع من الأخرس مثلاً، حتى الإنسان السَّوي الفصيح لا يستطيع أنْ يتكلم بكلمة لا يعرفها من لغته هو، من أين يأتي بها؟ من السماع أولاً.
ولذلك أخذنا من هذه المسألة أدلة مادية على وجود الخالق الأعلى سبحانه، نقول: أنت كيف تتكلم؟ يقول: أتكلم لأنني سمعتُ في صِغَري أبي وأمي ومَنْ حولي يتكلمون، فقلت كما يقولون، إذن: لا تنشأ لغة إلا بالسماع.
وكذلك الحال في الآباء وفي الأجداد، وارْتَقِ بهذه السلسلة إلى آدم عليه السلام وقُلْ: كيف تكلم آدم وليس قبله أحدٌ يسمع منه؟ لا بُدَّ أنه سمع، سمع من مَنْ؟ سمع من الله تعالى حين علَّمه الأسماء كلها.
منافذ الخواطر التي ترد الآذان، ومنافذ الخواطر التي تصدر من اللسان، ولأن هؤلاء صُمٌّ لا يسمعون لم يأخذوا شيئاً، وبالتالي لم يُخْرجوا شيئاً، لذلك قال سبحانه: قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ.. يعني: أغطية تمنع عنهم الاستفادة وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ.. يعني: صمم، ولم يأتِ هنا بذكر اللسان لماذا؟ لأنهم لن يتكلموا في الدين لأنهم لم يسمعوه، فكوْنه لم يأت بالكلام هنا دلَّ على أنهم لن يسمعوا ولن يتكلموا، تأمل هنا الدقة لأنه كلامُ ربٍّ.
وقولهم: وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ.. أي: ستر غليظ يحجبك، فأنت تكون مع جليسك تُحدِّثه ويُحدِّثك، تسمعه ويسمعك، تراه ويراك، تأنس به ويأنس بك.. إلخ لكن إنْ كان بينك وبينه حجاب امتنع ذلك كله.
هذا الحجاب قد يكون معنوياً، تقول: بين فلان وفلان جفوة أي: جفوة صغيرة سرعان ما تزول. لكن إنْ قلتَ: بين فلان وبين فلان جفوة، وكررتَ ظرف المكان دلَّ ذلك على أنها جفوة كبيرة ليس من السهل إزالتها.
كذلك قالوا: وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ.. يعني كثيف غليظ يستر كل شيء، من هنا إلى هنا، يعني: يملأ كل ما بيننا من مسافة. قالوا: لما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم القوم، ويعرض عليهم دين الله كان أبو جهل يأخذ ثوبه ويضعه على وجهه حتى لا يرى رسول الله.
وما دام أن بيننا وبينك حجاباً، فلن نتفق وكُلٌّ منا في طريق، وما دام أن لكل طريقه فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ وهذه القضية أوضحها الحق سبحان في سورة الكافرون: قُلْ يٰأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ١-٦] هذه هي النتيجة الطبيعية للحجاب بينهما.
بعض الناس حين يقرأون هذه السورة يظنون بها تكراراً، وهذا ليس تكراراً، بل في السورة قَطْع علاقات، وقطع العلاقات له ظرف يحكمه، ألم تر إلى الدول تقطع إحداها علاقتها بالأخرى، ثم تصفو الأجواء مرة أخرى، وتعود العلاقات أحسن مما كانت، ففرْقٌ في الدبلوماسية بين الماضي والحاضر.
لكن في مسألة الكفر والإيمان الأمر مختلف فهما ضدان لا يلتقيان، مهما حدث في المستقبل. فلن تعود العلاقاتُ بينهما، لذلك قال سبحانه: لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ [الكافرون: ٢-٣] أي: في الزمن الحاضر الآن
وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ [الكافرون: ٤-٥] أي: في المستقبل، فلا تظنوا أن العلاقات بيننا قد تتحسن وتعود بيننا علاقة، لا.. لا التقاء بيننا.. لا في الحاضر ولا في المستقبل.
هذه هي قطع العلاقات، وما دام بيننا حجاب وحاجز، فكُلٌّ منا في طريقه (والحَمْرة في خيله يركبها).
فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ اعمل ما يروق لك، وما يأتيك من إلهك وإسلامك، ونحن نعمل على قدر آلهتنا وديننا وعبادتنا، اعمل لإلهك الذي أرسلك، ونحن نعمل لآلهتنا التي نعبدها، أو اعمل لآخرتك ونحن نعمل لدنيانا، فالمسألة من الرسول إصرار، ومنهم معاداة، إلى أن يستقيم الميسم، ويأبى الله إلا أن يُتمَّ نوره.
لذلك نرى تدرُّج الإسلام وانتشاره في بطء، أمر أتباعه بالهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، تدرج بهم إلى أنْ تقوى شوكتهم، بدأ ضعيفاً بالضعفاء، ثم قوي حتى دخل الأقوياء، كان منحصراً في مكة ثم اتسعتْ دائرته، وكانت تزيد كل يوم بحيث تزيد أرض الإسلام وتنقص أرض الكفر.
لذلك لما رأى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص انتشار الإسلام على هذه الصورة قال خالد لعمرو: والله لقد استقام الميسم، يعني: استقام أمر هذا الدين فهيا بنا نسلم، وأخذ صناديد الكفر يعودون إلى الجادة، ويدخلون في دين الله...
آية رقم ٦
(قل) أي: في الرد عليهم إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ.. يعني: لماذا تقفون مني ومن دعوتي هذا الموقف المعاند؟ لماذا تجعلون بيني وبينكم الحُجُب، وأنا واحد منكم عربي مثلكم تعرفون صِدْقي وتاريخي قبل ذلك بين ظهرانيكم.
ومن رحمة الله بكم أنْ أرسلني إليكم بشراً من جنسكم، ولم يرسل إليكم مَلكاً: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩]، وتعلمون سوابقه في الصدق والأمانة والعفة. ثم لو جاءكم مَلَكٌ، أكنتم تقتدون به على مَلَكيته؟ إن الأسوة لا تكون من المَلَك للبشر.
وتأمل الأدب والتواضع من رسول الله في قوله: إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ.. يعني: لا كبرياء ولا تعالٍ، لكن فضلني الله عنكم بأنه يُوحَىٰ إِلَيَّ.. ومضمون هذا الوحي أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. وما دام يُوحى إليَّ فأنا مُبلِّغ لا ذنبَ لي تؤاخذونني عليه، أنا بشر مثلكم ومن أنفسكم لا أمتاز عليكم إلا بما ميَّزني الله به من الوحي.
لذلك نجد الحق سبحانه كثيراً ما يصحح لرسول الله ويُعدِّل له الحكم ويعاتبه، ورسول الله هو نفسه الذي يخبرنا بذلك، وهذا دليلٌ على أنه أمين في البلاغ عن ربه، لذلك يقول تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤-٤٦].
وقال: أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ.. ولم يقل ربكم لأنهم يؤمنون بوجود الله الخالق الرازق، المشكلة عندهم في الإله المعبود، فالإله المعبود له أوامر ومطلوبات الإله يقتضي الطاعة في الأمر وفي النهي، فهم مسلمون بالربوبية مشركون في الألوهية، فأراد أنْ يبين لهم: أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. ليس متعدداً، مرة يقول إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. وفي سورة الإخلاص قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] واحد يعني ليس له ثانٍ، وأحد يعني أحد في ذاته غير مركّب من أشياء فهي تنفي التجزؤ.
وقد اتخذ الكفارُ آلهةً متعددة ليُرضوا ما في أنفسهم من عاطفة التديُّن، وليكون لهم إله معبود بلا منهج وبلا تكاليف، لذلك قلنا: إن من الوسطية في ديننا أنه يؤمن بإله واحد، في حين يوجد مَنْ يؤمن بآلهة متعددة، ويوجد مَنْ ينكر الإله بالمرة، فجاء الدين الإسلامي وبيَّن أن الإله واحد.
وما دام هو إله واحد فَاسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ.. استقم يعني: سِرْ على حدّ الاستقامة لا تميل هنا ولا هناك. قالوا: كان رجل من طيء، اسمه ابن بندر رأى شاباً بيته هنا، لكن لا يذهب إليه من الطريق المعتاد المستقيم، إنما يدور في طرقات القرية ليذهب إلى بيته.
فعرف من ذلك أن الشاب يقصد بدورانه في الطرقات شيئاً مريباً، فقال له: يا هذا استقم إلى بيتك يعني: اذهب إليه من الطريق المستقيم، عندها عرف الشاب أن الرجل عرف قصده غير الشريف فارتدع.
كذلك قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ.. يعني: اقصدوه من طريق الاستقامة، وسمَّى طريقه الصراط المستقيم، وقد أثبت العلم أن الطريق المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، ثم إن الطريق المستقيم قد يكون ضيقاً يجبرك على الاستقامة عليه، وقد يكون واسعاً يسمح بالميل يميناً ويساراً، فإنْ كان واسعاً فاستقم فيه أيضاً لتقصر على نفسك مسافة الوصول، لأنك حين تميل تزيد المسافة، لذلك قال: سَوَآءَ السَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨] يعني: في وسطه دون ميل، بحيث يكون ما على يمينك مثل ما على شمالك، فمرة قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] ومرة قال: سَوَآءَ السَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨].
فقوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ.. أي: بدايةً، فإنْ أصابتكم غفلة عن المنهج واقترفتم شيئاً وَاسْتَغْفِرُوهُ.. أي: اطلبوا منه المغفرة.
وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ.. لأن الاستغفار طلب مَحْو الشيء السابق، والقاعدة الشرعية تقول: إن درء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة. ومثَّلنا لذلك بواحد يريد أنْ يرمي لك تفاحة، وواحد يريد أن يرميك بحجر فأيهما أَوْلى، الأَوْلَى دَفْع الحجر، فقال وَاسْتَغْفِرُوهُ.. ليتم لكم مسْح الذنوب، ولُتنشئوا مع الله علاقة جديدة قائمة على الطاعة والاستقامة.
كلمة وَوَيْلٌ.. يعني: هلاك لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ.. وهل فُرضَتْ الزكاةُ على مشرك؟ الزكاة لم تكُنْ فُرضت حتى على المؤمنين في هذا الوقت. قالوا: المراد بالزكاة هنا تطهير المال في حالة نموه، وكان المشركون يفعلون ذلك بالفعل، لكن يفعلونه من منطق الكرم والسمعة الطيبة، ولم يكُنْ الله في بالهم...
وقوله سبحانه: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ يعني: كفروا في البداية حين أشركوا بالإله الواحد، وكفروا في النهاية بالآخرة، كفروا في المنبع والمصب.
ومن رحمة الله بكم أنْ أرسلني إليكم بشراً من جنسكم، ولم يرسل إليكم مَلكاً: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩]، وتعلمون سوابقه في الصدق والأمانة والعفة. ثم لو جاءكم مَلَكٌ، أكنتم تقتدون به على مَلَكيته؟ إن الأسوة لا تكون من المَلَك للبشر.
وتأمل الأدب والتواضع من رسول الله في قوله: إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ.. يعني: لا كبرياء ولا تعالٍ، لكن فضلني الله عنكم بأنه يُوحَىٰ إِلَيَّ.. ومضمون هذا الوحي أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. وما دام يُوحى إليَّ فأنا مُبلِّغ لا ذنبَ لي تؤاخذونني عليه، أنا بشر مثلكم ومن أنفسكم لا أمتاز عليكم إلا بما ميَّزني الله به من الوحي.
لذلك نجد الحق سبحانه كثيراً ما يصحح لرسول الله ويُعدِّل له الحكم ويعاتبه، ورسول الله هو نفسه الذي يخبرنا بذلك، وهذا دليلٌ على أنه أمين في البلاغ عن ربه، لذلك يقول تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤-٤٦].
وقال: أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ.. ولم يقل ربكم لأنهم يؤمنون بوجود الله الخالق الرازق، المشكلة عندهم في الإله المعبود، فالإله المعبود له أوامر ومطلوبات الإله يقتضي الطاعة في الأمر وفي النهي، فهم مسلمون بالربوبية مشركون في الألوهية، فأراد أنْ يبين لهم: أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. ليس متعدداً، مرة يقول إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. وفي سورة الإخلاص قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] واحد يعني ليس له ثانٍ، وأحد يعني أحد في ذاته غير مركّب من أشياء فهي تنفي التجزؤ.
وقد اتخذ الكفارُ آلهةً متعددة ليُرضوا ما في أنفسهم من عاطفة التديُّن، وليكون لهم إله معبود بلا منهج وبلا تكاليف، لذلك قلنا: إن من الوسطية في ديننا أنه يؤمن بإله واحد، في حين يوجد مَنْ يؤمن بآلهة متعددة، ويوجد مَنْ ينكر الإله بالمرة، فجاء الدين الإسلامي وبيَّن أن الإله واحد.
وما دام هو إله واحد فَاسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ.. استقم يعني: سِرْ على حدّ الاستقامة لا تميل هنا ولا هناك. قالوا: كان رجل من طيء، اسمه ابن بندر رأى شاباً بيته هنا، لكن لا يذهب إليه من الطريق المعتاد المستقيم، إنما يدور في طرقات القرية ليذهب إلى بيته.
فعرف من ذلك أن الشاب يقصد بدورانه في الطرقات شيئاً مريباً، فقال له: يا هذا استقم إلى بيتك يعني: اذهب إليه من الطريق المستقيم، عندها عرف الشاب أن الرجل عرف قصده غير الشريف فارتدع.
كذلك قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ.. يعني: اقصدوه من طريق الاستقامة، وسمَّى طريقه الصراط المستقيم، وقد أثبت العلم أن الطريق المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، ثم إن الطريق المستقيم قد يكون ضيقاً يجبرك على الاستقامة عليه، وقد يكون واسعاً يسمح بالميل يميناً ويساراً، فإنْ كان واسعاً فاستقم فيه أيضاً لتقصر على نفسك مسافة الوصول، لأنك حين تميل تزيد المسافة، لذلك قال: سَوَآءَ السَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨] يعني: في وسطه دون ميل، بحيث يكون ما على يمينك مثل ما على شمالك، فمرة قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] ومرة قال: سَوَآءَ السَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨].
فقوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ.. أي: بدايةً، فإنْ أصابتكم غفلة عن المنهج واقترفتم شيئاً وَاسْتَغْفِرُوهُ.. أي: اطلبوا منه المغفرة.
وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ.. لأن الاستغفار طلب مَحْو الشيء السابق، والقاعدة الشرعية تقول: إن درء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة. ومثَّلنا لذلك بواحد يريد أنْ يرمي لك تفاحة، وواحد يريد أن يرميك بحجر فأيهما أَوْلى، الأَوْلَى دَفْع الحجر، فقال وَاسْتَغْفِرُوهُ.. ليتم لكم مسْح الذنوب، ولُتنشئوا مع الله علاقة جديدة قائمة على الطاعة والاستقامة.
كلمة وَوَيْلٌ.. يعني: هلاك لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ.. وهل فُرضَتْ الزكاةُ على مشرك؟ الزكاة لم تكُنْ فُرضت حتى على المؤمنين في هذا الوقت. قالوا: المراد بالزكاة هنا تطهير المال في حالة نموه، وكان المشركون يفعلون ذلك بالفعل، لكن يفعلونه من منطق الكرم والسمعة الطيبة، ولم يكُنْ الله في بالهم...
وقوله سبحانه: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ يعني: كفروا في البداية حين أشركوا بالإله الواحد، وكفروا في النهاية بالآخرة، كفروا في المنبع والمصب.
آية رقم ٧
(قل) أي: في الرد عليهم إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ.. [فصلت: ٦] يعني: لماذا تقفون مني ومن دعوتي هذا الموقف المعاند؟ لماذا تجعلون بيني وبينكم الحُجُب، وأنا واحد منكم عربي مثلكم تعرفون صِدْقي وتاريخي قبل ذلك بين ظهرانيكم.
ومن رحمة الله بكم أنْ أرسلني إليكم بشراً من جنسكم، ولم يرسل إليكم مَلكاً: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩]، وتعلمون سوابقه في الصدق والأمانة والعفة. ثم لو جاءكم مَلَكٌ، أكنتم تقتدون به على مَلَكيته؟ إن الأسوة لا تكون من المَلَك للبشر.
وتأمل الأدب والتواضع من رسول الله في قوله: إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ.. [فصلت: ٦] يعني: لا كبرياء ولا تعالٍ، لكن فضلني الله عنكم بأنه يُوحَىٰ إِلَيَّ.. [فصلت: ٦] ومضمون هذا الوحي أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. [فصلت: ٦] وما دام يُوحى إليَّ فأنا مُبلِّغ لا ذنبَ لي تؤاخذونني عليه، أنا بشر مثلكم ومن أنفسكم لا أمتاز عليكم إلا بما ميَّزني الله به من الوحي.
لذلك نجد الحق سبحانه كثيراً ما يصحح لرسول الله ويُعدِّل له الحكم ويعاتبه، ورسول الله هو نفسه الذي يخبرنا بذلك، وهذا دليلٌ على أنه أمين في البلاغ عن ربه، لذلك يقول تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤-٤٦].
وقال: أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ.. [فصلت: ٦] ولم يقل ربكم لأنهم يؤمنون بوجود الله الخالق الرازق، المشكلة عندهم في الإله المعبود، فالإله المعبود له أوامر ومطلوبات الإله يقتضي الطاعة في الأمر وفي النهي، فهم مسلمون بالربوبية مشركون في الألوهية، فأراد أنْ يبين لهم: أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. [فصلت: ٦] ليس متعدداً، مرة يقول إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. [فصلت: ٦] وفي سورة الإخلاص قال: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] واحد يعني ليس له ثانٍ، وأحد يعني أحد في ذاته غير مركّب من أشياء فهي تنفي التجزؤ.
وقد اتخذ الكفارُ آلهةً متعددة ليُرضوا ما في أنفسهم من عاطفة التديُّن، وليكون لهم إله معبود بلا منهج وبلا تكاليف، لذلك قلنا: إن من الوسطية في ديننا أنه يؤمن بإله واحد، في حين يوجد مَنْ يؤمن بآلهة متعددة، ويوجد مَنْ ينكر الإله بالمرة، فجاء الدين الإسلامي وبيَّن أن الإله واحد.
وما دام هو إله واحد فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ.. [فصلت: ٦] استقم يعني: سِرْ على حدّ الاستقامة لا تميل هنا ولا هناك. قالوا: كان رجل من طيء، اسمه ابن بندر رأى شاباً بيته هنا، لكن لا يذهب إليه من الطريق المعتاد المستقيم، إنما يدور في طرقات القرية ليذهب إلى بيته.
فعرف من ذلك أن الشاب يقصد بدورانه في الطرقات شيئاً مريباً، فقال له: يا هذا استقم إلى بيتك يعني: اذهب إليه من الطريق المستقيم، عندها عرف الشاب أن الرجل (فقسه) وعرف قصده غير الشريف فارتدع.
كذلك قوله تعالى: فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ.. [فصلت: ٦] يعني: اقصدوه من طريق الاستقامة، وسمَّى طريقه الصراط المستقيم، وقد أثبت العلم أن الطريق المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، ثم إن الطريق المستقيم قد يكون ضيقاً يجبرك على الاستقامة عليه، وقد يكون واسعاً يسمح بالميل يميناً ويساراً (أوتوستراد).
فإنْ كان واسعاً فاستقم فيه أيضاً لتقصر على نفسك مسافة الوصول، لأنك حين تميل تزيد المسافة، لذلك قال: سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨] يعني: في وسطه دون ميل، بحيث يكون ما على يمينك مثل ما على شمالك، فمرة قال ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] ومرة قال سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨].
فقوله تعالى: فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ.. [فصلت: ٦] أي: بدايةً، فإنْ أصابتكم غفلة عن المنهج واقترفتم شيئاً وَٱسْتَغْفِرُوهُ.. [فصلت: ٦] أي: اطلبوا منه المغفرة.
وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ.. [فصلت: ٦-٧] لأن الاستغفار طلب مَحْو الشيء السابق، والقاعدة الشرعية تقول: إن درء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة. ومثَّلنا لذلك بواحد يريد أنْ يرمي لك تفاحة، وواحد يريد أن يرميك بحجر فأيهما أَوْلى، الأَوْلَى دَفْع الحجر، فقال وَٱسْتَغْفِرُوهُ.. [فصلت: ٦] ليتم لكم مسْح الذنوب، ولُتنشئوا مع الله علاقة جديدة قائمة على الطاعة والاستقامة.
كلمة وَوَيْلٌ.. [فصلت: ٦] يعني: هلاك لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ.. [فصلت: ٦-٧] وهل فُرضَتْ الزكاةُ على مشرك؟ الزكاة لم تكُنْ فُرضت حتى على المؤمنين في هذا الوقت. قالوا: المراد بالزكاة هنا تطهير المال في حالة نموه، وكان المشركون يفعلون ذلك بالفعل، لكن يفعلونه من منطق الكرم والسمعة الطيبة، ولم يكُنْ الله في بالهم.
لذلك حُكِي أن المطعم بن عدي كان له قِدْرٌ يطعم فيه كذا وكذا، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ومثله حاتم الطائي وغيرهم من كرماء العرب، لكنه قال: ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ [فصلت: ٧] لأن الإنسان عادة يحب ماله، والحق سبحانه يقول: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩] لأن للإنسان مطالبَ كثيرة في الحياة.
كان البيع والشراء تبادلاً عينياً. يعني: تعطيني سلعة، وأعطيك مقابلها سلعة
أخرى، وقت لم يوجد النقد بَعْد تعطيني قمحاً، وأعطيك تمراً مثلاً، فكل شيء من هذه الأشياء ثمن وسلعة، فالقمح عندك سلعة، والتمر عندي ثمن. فكل واحد منا بائع ومُشْتَرٍ.
لذلك قال تعالى في قصة سيدنا يوسف: وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ.. [يوسف: ٢١] فقال: اشتراه يعني أخذه وقال عن الآخرين: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ.. [يوسف: ٢٠] يعني: باعوه. إذن هذه مبادلة، كل واحد منهم بائع ومشتر في نفس الوقت.
ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت: ٧] أم أن هذه كلمة عامة، فبإِشراكهم لم يأخذوا حكم الله في الزكاة، فلم يَعُدْ فيهم خير لبيئاتهم ولا لمواطنيهم، لأن الله تعالى يريد من الإيمان أنْ ينشر الاستطراق العبودي في البشر، بأن يعين القوي الضعيف، والصحيح يعين المريض، والغني يعين الفقير، والعالِم يعين الجاهل.
ولكن أهم زاوية من زوايا الحياة هي زاوية استبقاء الحياة بالقوت، والقوت يحتاج إلى المال، لذلك الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم في هذه المسألة عن المؤلَّفة قلوبهم، وهم قوم نريد أن نُرقق قلوبهم ناحية دين الله، ونجذبهم إليه ليُحسنوا التمعن والاختيار، لا أن نشتريهم للدين كما يدعي البعض.
ومن الطرق إلى هذه الغاية أنْ نحسن إليهم، لذلك جعلهم الله تعالى مصرفاً من مصارف الزكاة، وأعطاهم من مال الله لانتْ قلوبهم.
وحين تُحسن إلى شخص ماذا فعلتَ به؟ أولاً نفضت عنه البغض، وما دُمْتَ نفضتَ عنه البغض، فلا ينظر إليك وهو كاره لك ولا حاقد عليك، وعلى الأقل يسمع منك، وهذا ما حدث للمؤلَّفة قلوبهم.
لذلك لما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد جماعة من العرب عن دين الله، لماذا؟ أول شيء ارتدوا من أجله فريضة الزكاة، ومن أجلها كانت حروب الردة، لذلك سمعنا أن سجاح مدعية النبوة ومسيلمة أول ما قالوا في دعواهم قالوا: نسقط عنكم الزكاة. لينالوا بذلك الرضا عن نبوتهم المزعومة، يريدون بذلك تخفيف التكاليف التي تشق على النفس.
وبعضهم قال: نسقط عنكم نصف الصلاة، وكل مُخفف لشرع الله باطل وفيه إيذاء، لأنه ينزل من منهج الله إلى منهج التخفيف، والله سبحانه حين يريد التخفيف والتيسير يأتي بالتيسير من عنده سبحانه، ومنهج الله لا يُستدرك عليه.
وفي شرع الله أحكام كثيرة تدل على هذا التخفيف، كصيام المريض والمسافر، وصلاة المريض والمسافر، وغير ذلك كثير في الشرع، فالله المشرِّع لك هو الذي يحدد لك التخفيف، لا أنت، وهو سبحانه أعلم بمدى المشقة التي تحتاج إلى تخفيف الحكم.
لذلك نسمع مَنْ يقول: نريد أنْ نُجدد الإسلام، نقول: سبحان الله، يا قوم اتقوا الله كيف نُجدد الإسلام؟ وكيف نستدرك على أحكام الله، ونقول: يا شيخ جدِّد ما شئتَ فلن يلبس مسلم جديدك، والعلة أن لباسَ التقوى من الخالق لا يَخْلَقُ حتى يُجدده مخلوق، أريحوا أنفسكم.
لكن لماذا جعل الله تعالى من الناس الغنيَّ والفقير المحتاج؟ لماذا لم يجعلهم جميعاً في سَعَة ولا داعي للزكاة إذن؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أنْ يُشيع بين خَلْقه التراحم والتوادّ، وحين يجد الفقير الغني لا يتكبر عليه بغناه، بل يأتي إليه ويطرق عليه بابه، ويعطيه حقه في مال الله، ساعتها يحبه ويحب له الخير والمزيد ولا يحقد عليه، ولا يتمنى زوال النعمة من بين يديه.
إذن: حين تعطي إنما تستل الغضب والحقد من النفوس، فتجعل مالك عُرْضة للمزيد. والحق سبحانه قادر على أنْ يجعل الناس جميعاً أغنياء، إنما الحكمة في أن يوجد الغني الفقير، وأن تتداول هذه المسألة، فقد لا يدوم للغني غِنَاه، ولا يدوم للفقير فقره، فالأحوال تتقلب، بحيث يرتبط كُل بكُلٍّ ارتباطَ محبة ومودة، والارتباط هنا ليس ارتباطَ تفضل، إنما ارتباط حاجة.
إننا لو تخرَّجنا جميعاً في الجامعة، فمَنْ يكنس الشارع، ومَنْ يقود السيارة، ومَنْ يصنع لنا كذا وكذا؟ تقول: يمكن أنْ نتفق على أن يقوم كلٌّ منا بعمل في يوم محدد.
نقول: نعم لكن يكون العمل هنا تفضُّلاً، والتفضل لا يلزم أحداً إنما تلزمه الحاجة، والله يريد أن ترتبط مصالح الناس بالحاجة، ولذلك تجد الرجل يعمل العمل الشاقّ، وربما فيه أذى، قد لا تتحمله أنت، وقد ترى هذا العمل حقيراً، فما الذي حمله عليه؟ حملته الحاجة، وألجأته إليه ضروريات الحياة، وأكْل العيش ومسئولية الأسرة والأولاد، وإلا ما أهان نفسه هكذا.
ووالله لقد شاهدنا في بيت واحد رجلاً يعمل (صرماتي)، وأخاه يبيع العطور، وتأمل ماذا يشم كل واحد منهما.
وكان سيدنا الشيخ موسى رضي الله عنه كثيراً ما يدعو ويقول: اللهم أفقر الصنَّاع وأغْنِ العلماء، وكنا نغضب من هذا الدعاء ونقول له: ماذا تقول يا سيدنا؟ كيف ذلك؟ فيقول: والله لو افتقر العلماء لزلُّوا في الفتوى، ولو اغتنى الصناع لما انتفعنا منهم بشيء.
نعم رأينا فعلاً العامل إنْ كان في جيبه عشرة جنيهات قعد عن العمل حتى يصرفها. إذن: لا بدَّ من الحاجة لتُقضَى مصالح الخَلْق.
الحق سبحانه وتعالى جعل استطراق المال في المجتمع أهمَّ قضية في الإسلام، لذلك جعلها من أركان الإسلام، فالحق سبحانه لم يعْفِ أحداً من أن يمدَّ يد الاستطراق الاقتصادي للغير، إنْ كان واجداً يبذل، وإنْ كان غير واجد مالاً فليجد مقالاً ينصح به مَنْ يجد.
قال تعالى: لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ.. [التوبة: ٩١].
فإذا لم يكُنْ لديه المال ولا المقال الذي يُرقِّق به القلوب، فلا أقلَّ من أنْ يفعل ذلك في ذاته: وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ.. [التوبة: ٩٢] أي في الجهاد قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢].
وهذه هي المرحلة الثالثة: إنْ كان واجداً فليبذل، وإنْ كان غير واجد فليبذل المقال الذي يُرقِّق به قلوب الواجدين، وأخيراً إذا لم يجد هذا ولا هذا يحزن في نفسه أنه لا يجد، فنفسه تتوق للبذل لكنه لا يجد، ويصل به الوَجْد في هذه المسـألة إلى أنه يبكي ألماً وحزناً لشوقه إلى العطاء.
هذا كله لاستطراق المال والاقتصاد في المجتمع الإسلامي لأنه عَصَبُ الحياة وبه تُسْتبقى الحياة، وبه يكون القوت.
وقوله سبحانه: وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت: ٧] يعني: كفروا في البداية حين أشركوا بالإله الواحد، وكفروا في النهاية بالآخرة، كفروا في المنبع والمصب.
ومن رحمة الله بكم أنْ أرسلني إليكم بشراً من جنسكم، ولم يرسل إليكم مَلكاً: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩]، وتعلمون سوابقه في الصدق والأمانة والعفة. ثم لو جاءكم مَلَكٌ، أكنتم تقتدون به على مَلَكيته؟ إن الأسوة لا تكون من المَلَك للبشر.
وتأمل الأدب والتواضع من رسول الله في قوله: إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ.. [فصلت: ٦] يعني: لا كبرياء ولا تعالٍ، لكن فضلني الله عنكم بأنه يُوحَىٰ إِلَيَّ.. [فصلت: ٦] ومضمون هذا الوحي أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. [فصلت: ٦] وما دام يُوحى إليَّ فأنا مُبلِّغ لا ذنبَ لي تؤاخذونني عليه، أنا بشر مثلكم ومن أنفسكم لا أمتاز عليكم إلا بما ميَّزني الله به من الوحي.
لذلك نجد الحق سبحانه كثيراً ما يصحح لرسول الله ويُعدِّل له الحكم ويعاتبه، ورسول الله هو نفسه الذي يخبرنا بذلك، وهذا دليلٌ على أنه أمين في البلاغ عن ربه، لذلك يقول تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤-٤٦].
وقال: أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ.. [فصلت: ٦] ولم يقل ربكم لأنهم يؤمنون بوجود الله الخالق الرازق، المشكلة عندهم في الإله المعبود، فالإله المعبود له أوامر ومطلوبات الإله يقتضي الطاعة في الأمر وفي النهي، فهم مسلمون بالربوبية مشركون في الألوهية، فأراد أنْ يبين لهم: أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. [فصلت: ٦] ليس متعدداً، مرة يقول إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ.. [فصلت: ٦] وفي سورة الإخلاص قال: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] واحد يعني ليس له ثانٍ، وأحد يعني أحد في ذاته غير مركّب من أشياء فهي تنفي التجزؤ.
وقد اتخذ الكفارُ آلهةً متعددة ليُرضوا ما في أنفسهم من عاطفة التديُّن، وليكون لهم إله معبود بلا منهج وبلا تكاليف، لذلك قلنا: إن من الوسطية في ديننا أنه يؤمن بإله واحد، في حين يوجد مَنْ يؤمن بآلهة متعددة، ويوجد مَنْ ينكر الإله بالمرة، فجاء الدين الإسلامي وبيَّن أن الإله واحد.
وما دام هو إله واحد فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ.. [فصلت: ٦] استقم يعني: سِرْ على حدّ الاستقامة لا تميل هنا ولا هناك. قالوا: كان رجل من طيء، اسمه ابن بندر رأى شاباً بيته هنا، لكن لا يذهب إليه من الطريق المعتاد المستقيم، إنما يدور في طرقات القرية ليذهب إلى بيته.
فعرف من ذلك أن الشاب يقصد بدورانه في الطرقات شيئاً مريباً، فقال له: يا هذا استقم إلى بيتك يعني: اذهب إليه من الطريق المستقيم، عندها عرف الشاب أن الرجل (فقسه) وعرف قصده غير الشريف فارتدع.
كذلك قوله تعالى: فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ.. [فصلت: ٦] يعني: اقصدوه من طريق الاستقامة، وسمَّى طريقه الصراط المستقيم، وقد أثبت العلم أن الطريق المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، ثم إن الطريق المستقيم قد يكون ضيقاً يجبرك على الاستقامة عليه، وقد يكون واسعاً يسمح بالميل يميناً ويساراً (أوتوستراد).
فإنْ كان واسعاً فاستقم فيه أيضاً لتقصر على نفسك مسافة الوصول، لأنك حين تميل تزيد المسافة، لذلك قال: سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨] يعني: في وسطه دون ميل، بحيث يكون ما على يمينك مثل ما على شمالك، فمرة قال ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] ومرة قال سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨].
فقوله تعالى: فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ.. [فصلت: ٦] أي: بدايةً، فإنْ أصابتكم غفلة عن المنهج واقترفتم شيئاً وَٱسْتَغْفِرُوهُ.. [فصلت: ٦] أي: اطلبوا منه المغفرة.
وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ.. [فصلت: ٦-٧] لأن الاستغفار طلب مَحْو الشيء السابق، والقاعدة الشرعية تقول: إن درء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة. ومثَّلنا لذلك بواحد يريد أنْ يرمي لك تفاحة، وواحد يريد أن يرميك بحجر فأيهما أَوْلى، الأَوْلَى دَفْع الحجر، فقال وَٱسْتَغْفِرُوهُ.. [فصلت: ٦] ليتم لكم مسْح الذنوب، ولُتنشئوا مع الله علاقة جديدة قائمة على الطاعة والاستقامة.
كلمة وَوَيْلٌ.. [فصلت: ٦] يعني: هلاك لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ.. [فصلت: ٦-٧] وهل فُرضَتْ الزكاةُ على مشرك؟ الزكاة لم تكُنْ فُرضت حتى على المؤمنين في هذا الوقت. قالوا: المراد بالزكاة هنا تطهير المال في حالة نموه، وكان المشركون يفعلون ذلك بالفعل، لكن يفعلونه من منطق الكرم والسمعة الطيبة، ولم يكُنْ الله في بالهم.
لذلك حُكِي أن المطعم بن عدي كان له قِدْرٌ يطعم فيه كذا وكذا، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ومثله حاتم الطائي وغيرهم من كرماء العرب، لكنه قال: ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ [فصلت: ٧] لأن الإنسان عادة يحب ماله، والحق سبحانه يقول: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩] لأن للإنسان مطالبَ كثيرة في الحياة.
كان البيع والشراء تبادلاً عينياً. يعني: تعطيني سلعة، وأعطيك مقابلها سلعة
أخرى، وقت لم يوجد النقد بَعْد تعطيني قمحاً، وأعطيك تمراً مثلاً، فكل شيء من هذه الأشياء ثمن وسلعة، فالقمح عندك سلعة، والتمر عندي ثمن. فكل واحد منا بائع ومُشْتَرٍ.
لذلك قال تعالى في قصة سيدنا يوسف: وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ.. [يوسف: ٢١] فقال: اشتراه يعني أخذه وقال عن الآخرين: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ.. [يوسف: ٢٠] يعني: باعوه. إذن هذه مبادلة، كل واحد منهم بائع ومشتر في نفس الوقت.
ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت: ٧] أم أن هذه كلمة عامة، فبإِشراكهم لم يأخذوا حكم الله في الزكاة، فلم يَعُدْ فيهم خير لبيئاتهم ولا لمواطنيهم، لأن الله تعالى يريد من الإيمان أنْ ينشر الاستطراق العبودي في البشر، بأن يعين القوي الضعيف، والصحيح يعين المريض، والغني يعين الفقير، والعالِم يعين الجاهل.
ولكن أهم زاوية من زوايا الحياة هي زاوية استبقاء الحياة بالقوت، والقوت يحتاج إلى المال، لذلك الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم في هذه المسألة عن المؤلَّفة قلوبهم، وهم قوم نريد أن نُرقق قلوبهم ناحية دين الله، ونجذبهم إليه ليُحسنوا التمعن والاختيار، لا أن نشتريهم للدين كما يدعي البعض.
ومن الطرق إلى هذه الغاية أنْ نحسن إليهم، لذلك جعلهم الله تعالى مصرفاً من مصارف الزكاة، وأعطاهم من مال الله لانتْ قلوبهم.
وحين تُحسن إلى شخص ماذا فعلتَ به؟ أولاً نفضت عنه البغض، وما دُمْتَ نفضتَ عنه البغض، فلا ينظر إليك وهو كاره لك ولا حاقد عليك، وعلى الأقل يسمع منك، وهذا ما حدث للمؤلَّفة قلوبهم.
لذلك لما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد جماعة من العرب عن دين الله، لماذا؟ أول شيء ارتدوا من أجله فريضة الزكاة، ومن أجلها كانت حروب الردة، لذلك سمعنا أن سجاح مدعية النبوة ومسيلمة أول ما قالوا في دعواهم قالوا: نسقط عنكم الزكاة. لينالوا بذلك الرضا عن نبوتهم المزعومة، يريدون بذلك تخفيف التكاليف التي تشق على النفس.
وبعضهم قال: نسقط عنكم نصف الصلاة، وكل مُخفف لشرع الله باطل وفيه إيذاء، لأنه ينزل من منهج الله إلى منهج التخفيف، والله سبحانه حين يريد التخفيف والتيسير يأتي بالتيسير من عنده سبحانه، ومنهج الله لا يُستدرك عليه.
وفي شرع الله أحكام كثيرة تدل على هذا التخفيف، كصيام المريض والمسافر، وصلاة المريض والمسافر، وغير ذلك كثير في الشرع، فالله المشرِّع لك هو الذي يحدد لك التخفيف، لا أنت، وهو سبحانه أعلم بمدى المشقة التي تحتاج إلى تخفيف الحكم.
لذلك نسمع مَنْ يقول: نريد أنْ نُجدد الإسلام، نقول: سبحان الله، يا قوم اتقوا الله كيف نُجدد الإسلام؟ وكيف نستدرك على أحكام الله، ونقول: يا شيخ جدِّد ما شئتَ فلن يلبس مسلم جديدك، والعلة أن لباسَ التقوى من الخالق لا يَخْلَقُ حتى يُجدده مخلوق، أريحوا أنفسكم.
لكن لماذا جعل الله تعالى من الناس الغنيَّ والفقير المحتاج؟ لماذا لم يجعلهم جميعاً في سَعَة ولا داعي للزكاة إذن؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أنْ يُشيع بين خَلْقه التراحم والتوادّ، وحين يجد الفقير الغني لا يتكبر عليه بغناه، بل يأتي إليه ويطرق عليه بابه، ويعطيه حقه في مال الله، ساعتها يحبه ويحب له الخير والمزيد ولا يحقد عليه، ولا يتمنى زوال النعمة من بين يديه.
إذن: حين تعطي إنما تستل الغضب والحقد من النفوس، فتجعل مالك عُرْضة للمزيد. والحق سبحانه قادر على أنْ يجعل الناس جميعاً أغنياء، إنما الحكمة في أن يوجد الغني الفقير، وأن تتداول هذه المسألة، فقد لا يدوم للغني غِنَاه، ولا يدوم للفقير فقره، فالأحوال تتقلب، بحيث يرتبط كُل بكُلٍّ ارتباطَ محبة ومودة، والارتباط هنا ليس ارتباطَ تفضل، إنما ارتباط حاجة.
إننا لو تخرَّجنا جميعاً في الجامعة، فمَنْ يكنس الشارع، ومَنْ يقود السيارة، ومَنْ يصنع لنا كذا وكذا؟ تقول: يمكن أنْ نتفق على أن يقوم كلٌّ منا بعمل في يوم محدد.
نقول: نعم لكن يكون العمل هنا تفضُّلاً، والتفضل لا يلزم أحداً إنما تلزمه الحاجة، والله يريد أن ترتبط مصالح الناس بالحاجة، ولذلك تجد الرجل يعمل العمل الشاقّ، وربما فيه أذى، قد لا تتحمله أنت، وقد ترى هذا العمل حقيراً، فما الذي حمله عليه؟ حملته الحاجة، وألجأته إليه ضروريات الحياة، وأكْل العيش ومسئولية الأسرة والأولاد، وإلا ما أهان نفسه هكذا.
ووالله لقد شاهدنا في بيت واحد رجلاً يعمل (صرماتي)، وأخاه يبيع العطور، وتأمل ماذا يشم كل واحد منهما.
وكان سيدنا الشيخ موسى رضي الله عنه كثيراً ما يدعو ويقول: اللهم أفقر الصنَّاع وأغْنِ العلماء، وكنا نغضب من هذا الدعاء ونقول له: ماذا تقول يا سيدنا؟ كيف ذلك؟ فيقول: والله لو افتقر العلماء لزلُّوا في الفتوى، ولو اغتنى الصناع لما انتفعنا منهم بشيء.
نعم رأينا فعلاً العامل إنْ كان في جيبه عشرة جنيهات قعد عن العمل حتى يصرفها. إذن: لا بدَّ من الحاجة لتُقضَى مصالح الخَلْق.
الحق سبحانه وتعالى جعل استطراق المال في المجتمع أهمَّ قضية في الإسلام، لذلك جعلها من أركان الإسلام، فالحق سبحانه لم يعْفِ أحداً من أن يمدَّ يد الاستطراق الاقتصادي للغير، إنْ كان واجداً يبذل، وإنْ كان غير واجد مالاً فليجد مقالاً ينصح به مَنْ يجد.
قال تعالى: لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ.. [التوبة: ٩١].
فإذا لم يكُنْ لديه المال ولا المقال الذي يُرقِّق به القلوب، فلا أقلَّ من أنْ يفعل ذلك في ذاته: وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ.. [التوبة: ٩٢] أي في الجهاد قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢].
وهذه هي المرحلة الثالثة: إنْ كان واجداً فليبذل، وإنْ كان غير واجد فليبذل المقال الذي يُرقِّق به قلوب الواجدين، وأخيراً إذا لم يجد هذا ولا هذا يحزن في نفسه أنه لا يجد، فنفسه تتوق للبذل لكنه لا يجد، ويصل به الوَجْد في هذه المسـألة إلى أنه يبكي ألماً وحزناً لشوقه إلى العطاء.
هذا كله لاستطراق المال والاقتصاد في المجتمع الإسلامي لأنه عَصَبُ الحياة وبه تُسْتبقى الحياة، وبه يكون القوت.
وقوله سبحانه: وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت: ٧] يعني: كفروا في البداية حين أشركوا بالإله الواحد، وكفروا في النهاية بالآخرة، كفروا في المنبع والمصب.
آية رقم ٨
ذِكْر المقابل سِمَة من سمات الأسلوب القرآني، فبعد أنْ ذكر المشركين ذكر بعدهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلم يترك المسألة هكذا عائمة، بل وضع أمامك الصورتين لتقارن أنت وتحكم كما في: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٣-١٤].
وقال فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً.. [التوبة: ٨٢].
ذلك لتتم المقارنة في وقتها.
معنى مَمْنُونٍ [فصلت: ٨] أي: غير منقطع، أو (ممنون) يعني: لا يمتن به عليهم، كما في وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ [القلم: ٣] وفيها ملحظ آخر أن الذي يعمل عملاً صالحاً، ثم تُعجزه أموره عن عمله يقول الله له: العجز فيك مني، ولذلك سأعطيك أجر ما كنت تعمله أولاً، ويظل لك أجره إلى يوم القيامة، هذا معنى غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت: ٨].
وقال فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً.. [التوبة: ٨٢].
ذلك لتتم المقارنة في وقتها.
معنى مَمْنُونٍ [فصلت: ٨] أي: غير منقطع، أو (ممنون) يعني: لا يمتن به عليهم، كما في وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ [القلم: ٣] وفيها ملحظ آخر أن الذي يعمل عملاً صالحاً، ثم تُعجزه أموره عن عمله يقول الله له: العجز فيك مني، ولذلك سأعطيك أجر ما كنت تعمله أولاً، ويظل لك أجره إلى يوم القيامة، هذا معنى غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت: ٨].
آية رقم ٩
انتقل السياق هنا إلى النظر في آيات الكون، لأنها هي الوسيلة للإيمان بالمكوِّن سبحانه، فالكون كَوْن عجيب بديع مُتقن في نظامه وفي هندسته، هذا النظام مُستقر لا يتخلف ولا يطرأ عليه ما يُخرجه عن هذا الإتقان، فإنْ أردتَ أنْ تُرقِّق قلوب الناس فذكِّرهم بالآيات الكونية الطبيعية التي لا دخْلَ للإنسان فيها.
لذلك نجد كثيراً في القرآن: وَمِنْ آيَاتِهِ.. [الشورى: ٣٢].
وهنا يحدثنا عن الخلق الأول وبداية نشأة هذه الأرض قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ.. والهمزة هنا أفادتْ الاستفهام الإنكاري الذي ينكر عليهم كفرهم بالخالق سبحانه، وكأنه يقول لهم: إن هذا العمل منكم معلوم لنا وهو لا يجوز، فيريد سبحانه أنْ يلفتهم إلى المقابل.
ثم لم يكتفُوا بالكفر بالخالق بل وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً.. يعني: شركاء. مع أنهم يعلمون أنه سبحانه الخالق وحده: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧] وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [لقمان: ٢٥].
لذلك نجد كثيراً في القرآن: وَمِنْ آيَاتِهِ.. [الشورى: ٣٢].
وهنا يحدثنا عن الخلق الأول وبداية نشأة هذه الأرض قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ.. والهمزة هنا أفادتْ الاستفهام الإنكاري الذي ينكر عليهم كفرهم بالخالق سبحانه، وكأنه يقول لهم: إن هذا العمل منكم معلوم لنا وهو لا يجوز، فيريد سبحانه أنْ يلفتهم إلى المقابل.
ثم لم يكتفُوا بالكفر بالخالق بل وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً.. يعني: شركاء. مع أنهم يعلمون أنه سبحانه الخالق وحده: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧] وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [لقمان: ٢٥].
آية رقم ١٠
تكلم الحق سبحانه عن خَلْق الأرض، وأخبر أنه خلقها في يومين، فهل معنى هذا أن خَلْق الأرض استغرق مُدَّة يومين بيومنا نحن؟ لا، إياك أنْ تظنَّ أن خَلْق الأرض استغرق يومين، أو أنه كان معالجة تحتاج إلى وقت.
فالمسألة كما تقول مثلاً: أريد أنْ أصنع الزبادي عندي في البيت، فأقول لك: هات اللبن وضَعْ عليه المادة المعروفة لعمل الزبادي، ثم اتركه في درجة حرارة معينة بمدة معينة، وبعدها يصير اللبن زبادي بعد عدة ساعات مثلاً، فهل يعني هذا أن صناعة الزبادي استغرقتْ منك عدة ساعات؟ لا بل دقائق أعددتَ فيها المادة وتركتها تتفاعل لتصبح زبادي.
مثلاً حين تذهب للخياط ليخيط لك ثوباً، يقول لك: تعالَ خُذْه بعد أسبوع، فهل استغرق الثوب في يده أسبوعاً؟ كذلك مسألة الخَلْق هذه.
وبعد أنْ خلق اللهُ الأرض جعل فيها الرواسي، وهي الجبال الراسية الثابتة المستقرة، والتي بها تستقر الأرض، كما قال سبحانه: وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً [النبأ: ٧] ولو أن الأرضَ مستقرةٌ بطبيعتها ما احتاجتْ إلى الجبال، إذن: دلَّتْ الرواسي على أن الأرض تدور، فهذا دليل على دوران الأرض.
وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] قلنا: البركة أنَّ الشيء يعطي من الخير فوق مظنَّة حجمه وفوق المنتظر منه، كأن تجدَ الطعام مثلاً الذي تظنه يكفي خمسة يكفي لعشرة فتقول: فيه بركة.
وقوله وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] في أي شيء؟ في الأرض حيثُ ذُكِرت أولاً؟ أم في الجبال وهي آخر مذكور؟ قالوا وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الرواسي وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الجبال أيضاً.
وقد أثبت الواقع ذلك، وأثبت العلم أن الجبال هي مصدر الخير لباقي الأرض، ومنها عناصر الخصوبة والغذاء الذي لا بدَّ منه لبقاء حياة الكائن الحي، ومعلوم أن العناصر في التربة تنقص وتحتاج إلى مَدَد وتجدُّد من حين لآخر.
وهذا ما يحدث فعلاً، حين يسقط المطر على الجبال فيفتت قشرتها، ويحمل السيل هذا الفتات ويسير به ليوزعه على الأرض المسطحة المنزرعة، كما في طمي النيل زمان وقبل بناء السد العالي، هذا الطمي من أين جاء؟ من منابع النيل في أعلى الجبال.
وكنا نرى ماء النيل مثل الطحينة، ويظل كذلك إلى المصبِّ في البحر المتوسط، ومن هذا الطمي نشأت الدلتا، فالبحر كان يمتد حتى دمياط، والآن انظر لما بين دمياط ورأس البر مثلاً.
كذلك الحال في الوديان حول الجبال، حيث تؤثر عوامل التعرية في القشرة الخارجية من الجبال، ويجرفها السيل إلى الوديان، فتجدد التربة وتزداد خصوبتها، فكأن الجبال بالفعل مخازن قوت البشر، لذلك قال عنها وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠].
وتأمل أيضاً الحكمة والهندسة الكونية العالية، فالجبل قاعدته أسفل وقمته أعلى على عكس الوادي بين الجبلين، فرأس المثلث فيه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى، وكلّ عام يأتي المطر ليأخذ من قمة الجبل ويعطي لقاعدة الوادي، وكأنه تجدد واتساع للوادي يناسب الزيادة البشرية.
فالله تعالى يعطي من نعمه على قدر الزيادة التي تخيفنا الآن، يعني: اطمئنْ فالرزق عند الله مضمون؛ لذلك قال بعدها وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠].
هذه المراحل: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] جاءت في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] هذه الأربعة أيام سَوَآءً.. [فصلت: ١٠] أي: أيام متساوية لِّلسَّآئِلِينَ [فصلت: ١٠] أي: الطالبين للرزق.
أو فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] يعني: في تتمة أربعة أيام سَوَآءً.. [فصلت: ١٠] أي: استوت وتمتْ. وحين نضيف هذه الأربعة أيام، إلى اليومين السابقين تعطينا ستة أيام هي مجمل خلق السماوات والأرض في ستة أيام، كما قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. [الأعراف: ٥٤].
بعد ذلك يتكلم سبحانه عن خَلْق السماوات على وجه التفصيل، فيقول: ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
كلمة ٱسْتَوَىٰ.. [فصلت: ١١] عملت معارك بين العلماء، ولما حصرنا مادة استوى في القرآن الكريم وجدنا أنها وردتْ اثنتا عشرة مرة، سبعة منها في الاستواء على العرش واثنتان للسماء وللأرض، هذه الآية التي معنا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت: ١١] وواحدة في البقرة: فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ.. [البقرة: ٢٩].
هذه تسعة، ويبقى ثلاثة مواضع، واحد خاص بالوحي في قوله تعالى عن جبريل: ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] يعني: بلغ مداه.
وواحدة في موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤] يعني: بلغ سنِّ الرشد.
وواحدة في التمثيل لهذه الأمة في الإنجيل، قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ.. [الفتح: ٢٩].
هذه صورة أمة محمد في التوراة، فهم قوم أشدَّاء على الكفار رحماءُ على المؤمنين، وهم رُكَّع سُجَّد لهم سيمة وعلامة يُعرفون بها، وهذه كلها قِيَمٌ معنوية لم يأتِ فيها شيء مادي، ذلك لأن اليهود كانوا يؤمنون بالماديات، حتى أنهم أرادوا أنْ يخلعوا الماديات على الخالق الأعلى، لذلك قالوا لموسى عليه السلام: أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً.. [النساء: ١٥٣].
أما مثلُهم في الإنجيل فلم يأتِ بقيم ولا روحانيات، إنما جعله مثلاً مادياً بحتاً، لماذا؟ لأن المسيحية كلها مواجيدُ دينية روحية، ليس فيها شيء من مادة الأرض، لذلك سُئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث. فقال: لم أُرسَل مُورِّثاً.
لذلك جاء مثل أمة محمد عنده مثلاً مادياً، فالمثل عند اليهود جاء روحانياً لأنها مفقودةٌ عند اليهود، وجاء مادياً لأن المادية مفقودة عند النصارى، فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ.. [الفتح: ٢٩] هذا مثَلٌ مادي صِرْف، فالمثل المادي مفقود في المسيحية، والعنصر الروحي مفقود فيما اتخذه اليهود، فجاء الإسلام ليجمع بين العنصرين معاً في دين واحد.
هذه اثنتا عشرة موضعاً ذُكرتْ فيها مادة الاستواء، وكان الخلاف بين العلماء في المواضع السبعة التي تتكلم عن الاستواء على العرش، وهذه المواضع السبع في سبع سور جمعها الناظم في قوله:
فَفِي سُورَةِ الأعْرَافِ ثمَّةَ يُونُسٌ وَفِي الرعْدِ مَعْ طَهَ فَللعدِّ أكِّدْ
وَفِي سُورَةِ الفُرْقان ثُمةَ سَجدةٌ كَذَا فِي الحدِيدِ فَافهَمُوا فَهْمَ مُؤيِّد
كلمة ٱسْتَوَىٰ.. [فصلت: ١١] إنْ كانت للعرش يقول: استوى على، وإنْ كانت للسماء قال: استوى إلى، البعض فَهِمَ استوى على أنه كاستواء المخلوق على الكرسي فوقعوا في التشبيه والتجسيم، أما استوى إلى السماء يعنيك قصدها وتوجَّه إليها بإرادته سبحانه.
ذلك لأن العرش في الموجودات سمة التمكُّن من الحكم واستتباب الأمر للحاكم، فالحاكم إنْ كان عليه مشاغبات لا يستقر على العرش ولا يستتب له أمر الملْك إلا إذا دَانَ له الجميع وخضعوا.
لذلك قال في بلقيس: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] يعني: استتبَّ لها الأمر، فكلمة (استوى على العرش) دلتْ على أن الكون كله استجاب له وانقاد لأمره دون منازع؛ لذلك قال هنا عن السماء والأرض قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
وللعلماء في الاستواء عدة مقالات جمعها الناظم في قوله:
وَلَهُمْ مَقالاَتٌ عَليْهَا أرْبَع قَدْ حُصِّلَتْ للفَارسِ الطّعَّانْ
وَهْيَ اسْتَقرَّ وَقَدْ عَلاَ وكَذاكَ قَدْ صَعَد الذِي هُوَ رابِعْ
فالمعنى هنا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ.. [فصلت: ١١] أي: قصدها وتوجَّه إليها بإرادته تعالى، واستوى على العرش يعني: استقر له الأمر واستتبَّ، لأن كل الوجود استجاب له وانقاد، فلما قال للأرض وللسماء: ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
لذلك قلنا: إن الحق سبحانه لم يُقبل على قوله (كَنْ) إلا لعلمه تعالى أن شيئاً من مُلْكه لن يتخلف عن الاستجابة لأمره؛ لذلك قال وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] يعني: فقط تسمع النداء فتستجيب فوراً، لذلك شهد الله لذاته بذلك: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] وبشهادته سبحانه لنفسه أنه لا إله إلا هو قال لكل شيء: كُنْ فكان. وبعد ذلك شهدتْ الملائكة، وشهد أولو العلم.
وقوله: وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت: ١١] أي: على هيئة الدخان الذي يسميه العلماء السَّديم، والمراد أن الكون كان على هيئة غازية، ومن هذه المادة الغازية تكوَّنت الأرض والصخور والجبال. وبعد أنْ تكوَّنتْ السماء والأرض أمرهما الخالق سبحانه ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.. [فصلت: ١١] فكان الردّ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
وهذا الرد دَلَّ على سرعة الاستجابة للأمر، وعلى انقياد الكون كُلِّه لخالقه تعالى أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] وهل نملك المخالفة، ولماذا نأتي كارهين؟ هذا يعطيك دليلاً على انقياد الكون لله، لأنه ليس له هَوًى في نفسه يُغير الموقف وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤].
أما الإنسان فكلٌّ له هَوًى، لذلك جاء في الحديث الشريف: وما دام سيكون هواك تبعاً لما جاء به النبي، وأنا هواي تبعٌ لما جاء به النبي، فالهوى إذن واحد وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ.. [المؤمنون: ٧١].
أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] هذا كلام السماء والأرض، وكان القياس أنْ يقول: طائعينِ بالمثنى إنما قال طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] بصيغة الجمع. والسماء والأرض مؤنَّث، فكان القياس أنْ يقول: طائعات. إذن: خالف في أمرين، لماذا؟ قالوا: لأن الشيء يكون مفرداً لكنه تحته. فإذا نظرتَ إلى المفرد جئتَ بالمفرد، وإذا نظرتَ إلى ما تحته جئتَ بالجمع.
قال تعالى: وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا.. [الحجرات: ٩] فلم يقل: اقتتلتا بالمثنى المؤنث، إنما ٱقْتَتَلُواْ.. [الحجرات: ٩] لأن أمر القتال راجعٌ إلى رؤساء كل طائفة، هم الذين يقررون القتال أو عدم القتال، وساعةَ القتال لا يمسك كل فريق بسيف واحد يقاتل به الفريق الآخر، إنما يمسك كلُّ فرد بسيفه.
فالطائفة هنا مفرد تحته جمع، فقال في القتال ٱقْتَتَلُواْ.. [الحجرات: ٩] لكن عند الصلح قال: فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا.. [الحجرات: ٩] لأن أمر الصلح لا يكون مع أفراد الجيش، إنما يكون مع القادة لكل طائفة الذين يُصرِّفون الأمر حرباً أو سِلْماً.
فالمسألة كما تقول مثلاً: أريد أنْ أصنع الزبادي عندي في البيت، فأقول لك: هات اللبن وضَعْ عليه المادة المعروفة لعمل الزبادي، ثم اتركه في درجة حرارة معينة بمدة معينة، وبعدها يصير اللبن زبادي بعد عدة ساعات مثلاً، فهل يعني هذا أن صناعة الزبادي استغرقتْ منك عدة ساعات؟ لا بل دقائق أعددتَ فيها المادة وتركتها تتفاعل لتصبح زبادي.
مثلاً حين تذهب للخياط ليخيط لك ثوباً، يقول لك: تعالَ خُذْه بعد أسبوع، فهل استغرق الثوب في يده أسبوعاً؟ كذلك مسألة الخَلْق هذه.
وبعد أنْ خلق اللهُ الأرض جعل فيها الرواسي، وهي الجبال الراسية الثابتة المستقرة، والتي بها تستقر الأرض، كما قال سبحانه: وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً [النبأ: ٧] ولو أن الأرضَ مستقرةٌ بطبيعتها ما احتاجتْ إلى الجبال، إذن: دلَّتْ الرواسي على أن الأرض تدور، فهذا دليل على دوران الأرض.
وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] قلنا: البركة أنَّ الشيء يعطي من الخير فوق مظنَّة حجمه وفوق المنتظر منه، كأن تجدَ الطعام مثلاً الذي تظنه يكفي خمسة يكفي لعشرة فتقول: فيه بركة.
وقوله وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] في أي شيء؟ في الأرض حيثُ ذُكِرت أولاً؟ أم في الجبال وهي آخر مذكور؟ قالوا وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الرواسي وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الجبال أيضاً.
وقد أثبت الواقع ذلك، وأثبت العلم أن الجبال هي مصدر الخير لباقي الأرض، ومنها عناصر الخصوبة والغذاء الذي لا بدَّ منه لبقاء حياة الكائن الحي، ومعلوم أن العناصر في التربة تنقص وتحتاج إلى مَدَد وتجدُّد من حين لآخر.
وهذا ما يحدث فعلاً، حين يسقط المطر على الجبال فيفتت قشرتها، ويحمل السيل هذا الفتات ويسير به ليوزعه على الأرض المسطحة المنزرعة، كما في طمي النيل زمان وقبل بناء السد العالي، هذا الطمي من أين جاء؟ من منابع النيل في أعلى الجبال.
وكنا نرى ماء النيل مثل الطحينة، ويظل كذلك إلى المصبِّ في البحر المتوسط، ومن هذا الطمي نشأت الدلتا، فالبحر كان يمتد حتى دمياط، والآن انظر لما بين دمياط ورأس البر مثلاً.
كذلك الحال في الوديان حول الجبال، حيث تؤثر عوامل التعرية في القشرة الخارجية من الجبال، ويجرفها السيل إلى الوديان، فتجدد التربة وتزداد خصوبتها، فكأن الجبال بالفعل مخازن قوت البشر، لذلك قال عنها وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠].
وتأمل أيضاً الحكمة والهندسة الكونية العالية، فالجبل قاعدته أسفل وقمته أعلى على عكس الوادي بين الجبلين، فرأس المثلث فيه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى، وكلّ عام يأتي المطر ليأخذ من قمة الجبل ويعطي لقاعدة الوادي، وكأنه تجدد واتساع للوادي يناسب الزيادة البشرية.
فالله تعالى يعطي من نعمه على قدر الزيادة التي تخيفنا الآن، يعني: اطمئنْ فالرزق عند الله مضمون؛ لذلك قال بعدها وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠].
هذه المراحل: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] جاءت في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] هذه الأربعة أيام سَوَآءً.. [فصلت: ١٠] أي: أيام متساوية لِّلسَّآئِلِينَ [فصلت: ١٠] أي: الطالبين للرزق.
أو فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] يعني: في تتمة أربعة أيام سَوَآءً.. [فصلت: ١٠] أي: استوت وتمتْ. وحين نضيف هذه الأربعة أيام، إلى اليومين السابقين تعطينا ستة أيام هي مجمل خلق السماوات والأرض في ستة أيام، كما قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. [الأعراف: ٥٤].
بعد ذلك يتكلم سبحانه عن خَلْق السماوات على وجه التفصيل، فيقول: ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
كلمة ٱسْتَوَىٰ.. [فصلت: ١١] عملت معارك بين العلماء، ولما حصرنا مادة استوى في القرآن الكريم وجدنا أنها وردتْ اثنتا عشرة مرة، سبعة منها في الاستواء على العرش واثنتان للسماء وللأرض، هذه الآية التي معنا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت: ١١] وواحدة في البقرة: فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ.. [البقرة: ٢٩].
هذه تسعة، ويبقى ثلاثة مواضع، واحد خاص بالوحي في قوله تعالى عن جبريل: ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] يعني: بلغ مداه.
وواحدة في موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤] يعني: بلغ سنِّ الرشد.
وواحدة في التمثيل لهذه الأمة في الإنجيل، قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ.. [الفتح: ٢٩].
هذه صورة أمة محمد في التوراة، فهم قوم أشدَّاء على الكفار رحماءُ على المؤمنين، وهم رُكَّع سُجَّد لهم سيمة وعلامة يُعرفون بها، وهذه كلها قِيَمٌ معنوية لم يأتِ فيها شيء مادي، ذلك لأن اليهود كانوا يؤمنون بالماديات، حتى أنهم أرادوا أنْ يخلعوا الماديات على الخالق الأعلى، لذلك قالوا لموسى عليه السلام: أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً.. [النساء: ١٥٣].
أما مثلُهم في الإنجيل فلم يأتِ بقيم ولا روحانيات، إنما جعله مثلاً مادياً بحتاً، لماذا؟ لأن المسيحية كلها مواجيدُ دينية روحية، ليس فيها شيء من مادة الأرض، لذلك سُئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث. فقال: لم أُرسَل مُورِّثاً.
لذلك جاء مثل أمة محمد عنده مثلاً مادياً، فالمثل عند اليهود جاء روحانياً لأنها مفقودةٌ عند اليهود، وجاء مادياً لأن المادية مفقودة عند النصارى، فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ.. [الفتح: ٢٩] هذا مثَلٌ مادي صِرْف، فالمثل المادي مفقود في المسيحية، والعنصر الروحي مفقود فيما اتخذه اليهود، فجاء الإسلام ليجمع بين العنصرين معاً في دين واحد.
هذه اثنتا عشرة موضعاً ذُكرتْ فيها مادة الاستواء، وكان الخلاف بين العلماء في المواضع السبعة التي تتكلم عن الاستواء على العرش، وهذه المواضع السبع في سبع سور جمعها الناظم في قوله:
فَفِي سُورَةِ الأعْرَافِ ثمَّةَ يُونُسٌ وَفِي الرعْدِ مَعْ طَهَ فَللعدِّ أكِّدْ
وَفِي سُورَةِ الفُرْقان ثُمةَ سَجدةٌ كَذَا فِي الحدِيدِ فَافهَمُوا فَهْمَ مُؤيِّد
كلمة ٱسْتَوَىٰ.. [فصلت: ١١] إنْ كانت للعرش يقول: استوى على، وإنْ كانت للسماء قال: استوى إلى، البعض فَهِمَ استوى على أنه كاستواء المخلوق على الكرسي فوقعوا في التشبيه والتجسيم، أما استوى إلى السماء يعنيك قصدها وتوجَّه إليها بإرادته سبحانه.
ذلك لأن العرش في الموجودات سمة التمكُّن من الحكم واستتباب الأمر للحاكم، فالحاكم إنْ كان عليه مشاغبات لا يستقر على العرش ولا يستتب له أمر الملْك إلا إذا دَانَ له الجميع وخضعوا.
لذلك قال في بلقيس: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] يعني: استتبَّ لها الأمر، فكلمة (استوى على العرش) دلتْ على أن الكون كله استجاب له وانقاد لأمره دون منازع؛ لذلك قال هنا عن السماء والأرض قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
وللعلماء في الاستواء عدة مقالات جمعها الناظم في قوله:
وَلَهُمْ مَقالاَتٌ عَليْهَا أرْبَع قَدْ حُصِّلَتْ للفَارسِ الطّعَّانْ
وَهْيَ اسْتَقرَّ وَقَدْ عَلاَ وكَذاكَ قَدْ صَعَد الذِي هُوَ رابِعْ
فالمعنى هنا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ.. [فصلت: ١١] أي: قصدها وتوجَّه إليها بإرادته تعالى، واستوى على العرش يعني: استقر له الأمر واستتبَّ، لأن كل الوجود استجاب له وانقاد، فلما قال للأرض وللسماء: ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
لذلك قلنا: إن الحق سبحانه لم يُقبل على قوله (كَنْ) إلا لعلمه تعالى أن شيئاً من مُلْكه لن يتخلف عن الاستجابة لأمره؛ لذلك قال وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] يعني: فقط تسمع النداء فتستجيب فوراً، لذلك شهد الله لذاته بذلك: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] وبشهادته سبحانه لنفسه أنه لا إله إلا هو قال لكل شيء: كُنْ فكان. وبعد ذلك شهدتْ الملائكة، وشهد أولو العلم.
وقوله: وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت: ١١] أي: على هيئة الدخان الذي يسميه العلماء السَّديم، والمراد أن الكون كان على هيئة غازية، ومن هذه المادة الغازية تكوَّنت الأرض والصخور والجبال. وبعد أنْ تكوَّنتْ السماء والأرض أمرهما الخالق سبحانه ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.. [فصلت: ١١] فكان الردّ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
وهذا الرد دَلَّ على سرعة الاستجابة للأمر، وعلى انقياد الكون كُلِّه لخالقه تعالى أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] وهل نملك المخالفة، ولماذا نأتي كارهين؟ هذا يعطيك دليلاً على انقياد الكون لله، لأنه ليس له هَوًى في نفسه يُغير الموقف وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤].
أما الإنسان فكلٌّ له هَوًى، لذلك جاء في الحديث الشريف: وما دام سيكون هواك تبعاً لما جاء به النبي، وأنا هواي تبعٌ لما جاء به النبي، فالهوى إذن واحد وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ.. [المؤمنون: ٧١].
أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] هذا كلام السماء والأرض، وكان القياس أنْ يقول: طائعينِ بالمثنى إنما قال طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] بصيغة الجمع. والسماء والأرض مؤنَّث، فكان القياس أنْ يقول: طائعات. إذن: خالف في أمرين، لماذا؟ قالوا: لأن الشيء يكون مفرداً لكنه تحته. فإذا نظرتَ إلى المفرد جئتَ بالمفرد، وإذا نظرتَ إلى ما تحته جئتَ بالجمع.
قال تعالى: وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا.. [الحجرات: ٩] فلم يقل: اقتتلتا بالمثنى المؤنث، إنما ٱقْتَتَلُواْ.. [الحجرات: ٩] لأن أمر القتال راجعٌ إلى رؤساء كل طائفة، هم الذين يقررون القتال أو عدم القتال، وساعةَ القتال لا يمسك كل فريق بسيف واحد يقاتل به الفريق الآخر، إنما يمسك كلُّ فرد بسيفه.
فالطائفة هنا مفرد تحته جمع، فقال في القتال ٱقْتَتَلُواْ.. [الحجرات: ٩] لكن عند الصلح قال: فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا.. [الحجرات: ٩] لأن أمر الصلح لا يكون مع أفراد الجيش، إنما يكون مع القادة لكل طائفة الذين يُصرِّفون الأمر حرباً أو سِلْماً.
آية رقم ١١
تكلم الحق سبحانه عن خَلْق الأرض، وأخبر أنه خلقها في يومين، فهل معنى هذا أن خَلْق الأرض استغرق مُدَّة يومين بيومنا نحن؟ لا، إياك أنْ تظنَّ أن خَلْق الأرض استغرق يومين، أو أنه كان معالجة تحتاج إلى وقت.
فالمسألة كما تقول مثلاً: أريد أنْ أصنع الزبادي عندي في البيت، فأقول لك: هات اللبن وضَعْ عليه المادة المعروفة لعمل الزبادي، ثم اتركه في درجة حرارة معينة بمدة معينة، وبعدها يصير اللبن زبادي بعد عدة ساعات مثلاً، فهل يعني هذا أن صناعة الزبادي استغرقتْ منك عدة ساعات؟ لا بل دقائق أعددتَ فيها المادة وتركتها تتفاعل لتصبح زبادي.
مثلاً حين تذهب للخياط ليخيط لك ثوباً، يقول لك: تعالَ خُذْه بعد أسبوع، فهل استغرق الثوب في يده أسبوعاً؟ كذلك مسألة الخَلْق هذه.
وبعد أنْ خلق اللهُ الأرض جعل فيها الرواسي، وهي الجبال الراسية الثابتة المستقرة، والتي بها تستقر الأرض، كما قال سبحانه: وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً [النبأ: ٧] ولو أن الأرضَ مستقرةٌ بطبيعتها ما احتاجتْ إلى الجبال، إذن: دلَّتْ الرواسي على أن الأرض تدور، فهذا دليل على دوران الأرض.
وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] قلنا: البركة أنَّ الشيء يعطي من الخير فوق مظنَّة حجمه وفوق المنتظر منه، كأن تجدَ الطعام مثلاً الذي تظنه يكفي خمسة يكفي لعشرة فتقول: فيه بركة.
وقوله وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] في أي شيء؟ في الأرض حيثُ ذُكِرت أولاً؟ أم في الجبال وهي آخر مذكور؟ قالوا وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الرواسي وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الجبال أيضاً.
وقد أثبت الواقع ذلك، وأثبت العلم أن الجبال هي مصدر الخير لباقي الأرض، ومنها عناصر الخصوبة والغذاء الذي لا بدَّ منه لبقاء حياة الكائن الحي، ومعلوم أن العناصر في التربة تنقص وتحتاج إلى مَدَد وتجدُّد من حين لآخر.
وهذا ما يحدث فعلاً، حين يسقط المطر على الجبال فيفتت قشرتها، ويحمل السيل هذا الفتات ويسير به ليوزعه على الأرض المسطحة المنزرعة، كما في طمي النيل زمان وقبل بناء السد العالي، هذا الطمي من أين جاء؟ من منابع النيل في أعلى الجبال.
وكنا نرى ماء النيل مثل الطحينة، ويظل كذلك إلى المصبِّ في البحر المتوسط، ومن هذا الطمي نشأت الدلتا، فالبحر كان يمتد حتى دمياط، والآن انظر لما بين دمياط ورأس البر مثلاً.
كذلك الحال في الوديان حول الجبال، حيث تؤثر عوامل التعرية في القشرة الخارجية من الجبال، ويجرفها السيل إلى الوديان، فتجدد التربة وتزداد خصوبتها، فكأن الجبال بالفعل مخازن قوت البشر، لذلك قال عنها وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠].
وتأمل أيضاً الحكمة والهندسة الكونية العالية، فالجبل قاعدته أسفل وقمته أعلى على عكس الوادي بين الجبلين، فرأس المثلث فيه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى، وكلّ عام يأتي المطر ليأخذ من قمة الجبل ويعطي لقاعدة الوادي، وكأنه تجدد واتساع للوادي يناسب الزيادة البشرية.
فالله تعالى يعطي من نعمه على قدر الزيادة التي تخيفنا الآن، يعني: اطمئنْ فالرزق عند الله مضمون؛ لذلك قال بعدها وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠].
هذه المراحل: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] جاءت في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] هذه الأربعة أيام سَوَآءً.. [فصلت: ١٠] أي: أيام متساوية لِّلسَّآئِلِينَ [فصلت: ١٠] أي: الطالبين للرزق.
أو فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] يعني: في تتمة أربعة أيام سَوَآءً.. [فصلت: ١٠] أي: استوت وتمتْ. وحين نضيف هذه الأربعة أيام، إلى اليومين السابقين تعطينا ستة أيام هي مجمل خلق السماوات والأرض في ستة أيام، كما قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. [الأعراف: ٥٤].
بعد ذلك يتكلم سبحانه عن خَلْق السماوات على وجه التفصيل، فيقول: ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
كلمة ٱسْتَوَىٰ.. [فصلت: ١١] عملت معارك بين العلماء، ولما حصرنا مادة استوى في القرآن الكريم وجدنا أنها وردتْ اثنتا عشرة مرة، سبعة منها في الاستواء على العرش واثنتان للسماء وللأرض، هذه الآية التي معنا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت: ١١] وواحدة في البقرة: فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ.. [البقرة: ٢٩].
هذه تسعة، ويبقى ثلاثة مواضع، واحد خاص بالوحي في قوله تعالى عن جبريل: ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] يعني: بلغ مداه.
وواحدة في موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤] يعني: بلغ سنِّ الرشد.
وواحدة في التمثيل لهذه الأمة في الإنجيل، قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ.. [الفتح: ٢٩].
هذه صورة أمة محمد في التوراة، فهم قوم أشدَّاء على الكفار رحماءُ على المؤمنين، وهم رُكَّع سُجَّد لهم سيمة وعلامة يُعرفون بها، وهذه كلها قِيَمٌ معنوية لم يأتِ فيها شيء مادي، ذلك لأن اليهود كانوا يؤمنون بالماديات، حتى أنهم أرادوا أنْ يخلعوا الماديات على الخالق الأعلى، لذلك قالوا لموسى عليه السلام: أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً.. [النساء: ١٥٣].
أما مثلُهم في الإنجيل فلم يأتِ بقيم ولا روحانيات، إنما جعله مثلاً مادياً بحتاً، لماذا؟ لأن المسيحية كلها مواجيدُ دينية روحية، ليس فيها شيء من مادة الأرض، لذلك سُئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث. فقال: لم أُرسَل مُورِّثاً.
لذلك جاء مثل أمة محمد عنده مثلاً مادياً، فالمثل عند اليهود جاء روحانياً لأنها مفقودةٌ عند اليهود، وجاء مادياً لأن المادية مفقودة عند النصارى، فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ.. [الفتح: ٢٩] هذا مثَلٌ مادي صِرْف، فالمثل المادي مفقود في المسيحية، والعنصر الروحي مفقود فيما اتخذه اليهود، فجاء الإسلام ليجمع بين العنصرين معاً في دين واحد.
هذه اثنتا عشرة موضعاً ذُكرتْ فيها مادة الاستواء، وكان الخلاف بين العلماء في المواضع السبعة التي تتكلم عن الاستواء على العرش، وهذه المواضع السبع في سبع سور جمعها الناظم في قوله:
فَفِي سُورَةِ الأعْرَافِ ثمَّةَ يُونُسٌ وَفِي الرعْدِ مَعْ طَهَ فَللعدِّ أكِّدْ
وَفِي سُورَةِ الفُرْقان ثُمةَ سَجدةٌ كَذَا فِي الحدِيدِ فَافهَمُوا فَهْمَ مُؤيِّد
كلمة ٱسْتَوَىٰ.. [فصلت: ١١] إنْ كانت للعرش يقول: استوى على، وإنْ كانت للسماء قال: استوى إلى، البعض فَهِمَ استوى على أنه كاستواء المخلوق على الكرسي فوقعوا في التشبيه والتجسيم، أما استوى إلى السماء يعنيك قصدها وتوجَّه إليها بإرادته سبحانه.
ذلك لأن العرش في الموجودات سمة التمكُّن من الحكم واستتباب الأمر للحاكم، فالحاكم إنْ كان عليه مشاغبات لا يستقر على العرش ولا يستتب له أمر الملْك إلا إذا دَانَ له الجميع وخضعوا.
لذلك قال في بلقيس: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] يعني: استتبَّ لها الأمر، فكلمة (استوى على العرش) دلتْ على أن الكون كله استجاب له وانقاد لأمره دون منازع؛ لذلك قال هنا عن السماء والأرض قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
وللعلماء في الاستواء عدة مقالات جمعها الناظم في قوله:
وَلَهُمْ مَقالاَتٌ عَليْهَا أرْبَع قَدْ حُصِّلَتْ للفَارسِ الطّعَّانْ
وَهْيَ اسْتَقرَّ وَقَدْ عَلاَ وكَذاكَ قَدْ صَعَد الذِي هُوَ رابِعْ
فالمعنى هنا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ.. [فصلت: ١١] أي: قصدها وتوجَّه إليها بإرادته تعالى، واستوى على العرش يعني: استقر له الأمر واستتبَّ، لأن كل الوجود استجاب له وانقاد، فلما قال للأرض وللسماء: ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
لذلك قلنا: إن الحق سبحانه لم يُقبل على قوله (كَنْ) إلا لعلمه تعالى أن شيئاً من مُلْكه لن يتخلف عن الاستجابة لأمره؛ لذلك قال وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] يعني: فقط تسمع النداء فتستجيب فوراً، لذلك شهد الله لذاته بذلك: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] وبشهادته سبحانه لنفسه أنه لا إله إلا هو قال لكل شيء: كُنْ فكان. وبعد ذلك شهدتْ الملائكة، وشهد أولو العلم.
وقوله: وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت: ١١] أي: على هيئة الدخان الذي يسميه العلماء السَّديم، والمراد أن الكون كان على هيئة غازية، ومن هذه المادة الغازية تكوَّنت الأرض والصخور والجبال. وبعد أنْ تكوَّنتْ السماء والأرض أمرهما الخالق سبحانه ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.. [فصلت: ١١] فكان الردّ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
وهذا الرد دَلَّ على سرعة الاستجابة للأمر، وعلى انقياد الكون كُلِّه لخالقه تعالى أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] وهل نملك المخالفة، ولماذا نأتي كارهين؟ هذا يعطيك دليلاً على انقياد الكون لله، لأنه ليس له هَوًى في نفسه يُغير الموقف وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤].
أما الإنسان فكلٌّ له هَوًى، لذلك جاء في الحديث الشريف: وما دام سيكون هواك تبعاً لما جاء به النبي، وأنا هواي تبعٌ لما جاء به النبي، فالهوى إذن واحد وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ.. [المؤمنون: ٧١].
أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] هذا كلام السماء والأرض، وكان القياس أنْ يقول: طائعينِ بالمثنى إنما قال طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] بصيغة الجمع. والسماء والأرض مؤنَّث، فكان القياس أنْ يقول: طائعات. إذن: خالف في أمرين، لماذا؟ قالوا: لأن الشيء يكون مفرداً لكنه تحته. فإذا نظرتَ إلى المفرد جئتَ بالمفرد، وإذا نظرتَ إلى ما تحته جئتَ بالجمع.
قال تعالى: وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا.. [الحجرات: ٩] فلم يقل: اقتتلتا بالمثنى المؤنث، إنما ٱقْتَتَلُواْ.. [الحجرات: ٩] لأن أمر القتال راجعٌ إلى رؤساء كل طائفة، هم الذين يقررون القتال أو عدم القتال، وساعةَ القتال لا يمسك كل فريق بسيف واحد يقاتل به الفريق الآخر، إنما يمسك كلُّ فرد بسيفه.
فالطائفة هنا مفرد تحته جمع، فقال في القتال ٱقْتَتَلُواْ.. [الحجرات: ٩] لكن عند الصلح قال: فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا.. [الحجرات: ٩] لأن أمر الصلح لا يكون مع أفراد الجيش، إنما يكون مع القادة لكل طائفة الذين يُصرِّفون الأمر حرباً أو سِلْماً.
فالمسألة كما تقول مثلاً: أريد أنْ أصنع الزبادي عندي في البيت، فأقول لك: هات اللبن وضَعْ عليه المادة المعروفة لعمل الزبادي، ثم اتركه في درجة حرارة معينة بمدة معينة، وبعدها يصير اللبن زبادي بعد عدة ساعات مثلاً، فهل يعني هذا أن صناعة الزبادي استغرقتْ منك عدة ساعات؟ لا بل دقائق أعددتَ فيها المادة وتركتها تتفاعل لتصبح زبادي.
مثلاً حين تذهب للخياط ليخيط لك ثوباً، يقول لك: تعالَ خُذْه بعد أسبوع، فهل استغرق الثوب في يده أسبوعاً؟ كذلك مسألة الخَلْق هذه.
وبعد أنْ خلق اللهُ الأرض جعل فيها الرواسي، وهي الجبال الراسية الثابتة المستقرة، والتي بها تستقر الأرض، كما قال سبحانه: وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً [النبأ: ٧] ولو أن الأرضَ مستقرةٌ بطبيعتها ما احتاجتْ إلى الجبال، إذن: دلَّتْ الرواسي على أن الأرض تدور، فهذا دليل على دوران الأرض.
وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] قلنا: البركة أنَّ الشيء يعطي من الخير فوق مظنَّة حجمه وفوق المنتظر منه، كأن تجدَ الطعام مثلاً الذي تظنه يكفي خمسة يكفي لعشرة فتقول: فيه بركة.
وقوله وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] في أي شيء؟ في الأرض حيثُ ذُكِرت أولاً؟ أم في الجبال وهي آخر مذكور؟ قالوا وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الرواسي وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الجبال أيضاً.
وقد أثبت الواقع ذلك، وأثبت العلم أن الجبال هي مصدر الخير لباقي الأرض، ومنها عناصر الخصوبة والغذاء الذي لا بدَّ منه لبقاء حياة الكائن الحي، ومعلوم أن العناصر في التربة تنقص وتحتاج إلى مَدَد وتجدُّد من حين لآخر.
وهذا ما يحدث فعلاً، حين يسقط المطر على الجبال فيفتت قشرتها، ويحمل السيل هذا الفتات ويسير به ليوزعه على الأرض المسطحة المنزرعة، كما في طمي النيل زمان وقبل بناء السد العالي، هذا الطمي من أين جاء؟ من منابع النيل في أعلى الجبال.
وكنا نرى ماء النيل مثل الطحينة، ويظل كذلك إلى المصبِّ في البحر المتوسط، ومن هذا الطمي نشأت الدلتا، فالبحر كان يمتد حتى دمياط، والآن انظر لما بين دمياط ورأس البر مثلاً.
كذلك الحال في الوديان حول الجبال، حيث تؤثر عوامل التعرية في القشرة الخارجية من الجبال، ويجرفها السيل إلى الوديان، فتجدد التربة وتزداد خصوبتها، فكأن الجبال بالفعل مخازن قوت البشر، لذلك قال عنها وَبَارَكَ فِيهَا.. [فصلت: ١٠].
وتأمل أيضاً الحكمة والهندسة الكونية العالية، فالجبل قاعدته أسفل وقمته أعلى على عكس الوادي بين الجبلين، فرأس المثلث فيه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى، وكلّ عام يأتي المطر ليأخذ من قمة الجبل ويعطي لقاعدة الوادي، وكأنه تجدد واتساع للوادي يناسب الزيادة البشرية.
فالله تعالى يعطي من نعمه على قدر الزيادة التي تخيفنا الآن، يعني: اطمئنْ فالرزق عند الله مضمون؛ لذلك قال بعدها وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠].
هذه المراحل: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] جاءت في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] هذه الأربعة أيام سَوَآءً.. [فصلت: ١٠] أي: أيام متساوية لِّلسَّآئِلِينَ [فصلت: ١٠] أي: الطالبين للرزق.
أو فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] يعني: في تتمة أربعة أيام سَوَآءً.. [فصلت: ١٠] أي: استوت وتمتْ. وحين نضيف هذه الأربعة أيام، إلى اليومين السابقين تعطينا ستة أيام هي مجمل خلق السماوات والأرض في ستة أيام، كما قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. [الأعراف: ٥٤].
بعد ذلك يتكلم سبحانه عن خَلْق السماوات على وجه التفصيل، فيقول: ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
كلمة ٱسْتَوَىٰ.. [فصلت: ١١] عملت معارك بين العلماء، ولما حصرنا مادة استوى في القرآن الكريم وجدنا أنها وردتْ اثنتا عشرة مرة، سبعة منها في الاستواء على العرش واثنتان للسماء وللأرض، هذه الآية التي معنا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت: ١١] وواحدة في البقرة: فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ.. [البقرة: ٢٩].
هذه تسعة، ويبقى ثلاثة مواضع، واحد خاص بالوحي في قوله تعالى عن جبريل: ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] يعني: بلغ مداه.
وواحدة في موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤] يعني: بلغ سنِّ الرشد.
وواحدة في التمثيل لهذه الأمة في الإنجيل، قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ.. [الفتح: ٢٩].
هذه صورة أمة محمد في التوراة، فهم قوم أشدَّاء على الكفار رحماءُ على المؤمنين، وهم رُكَّع سُجَّد لهم سيمة وعلامة يُعرفون بها، وهذه كلها قِيَمٌ معنوية لم يأتِ فيها شيء مادي، ذلك لأن اليهود كانوا يؤمنون بالماديات، حتى أنهم أرادوا أنْ يخلعوا الماديات على الخالق الأعلى، لذلك قالوا لموسى عليه السلام: أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً.. [النساء: ١٥٣].
أما مثلُهم في الإنجيل فلم يأتِ بقيم ولا روحانيات، إنما جعله مثلاً مادياً بحتاً، لماذا؟ لأن المسيحية كلها مواجيدُ دينية روحية، ليس فيها شيء من مادة الأرض، لذلك سُئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث. فقال: لم أُرسَل مُورِّثاً.
لذلك جاء مثل أمة محمد عنده مثلاً مادياً، فالمثل عند اليهود جاء روحانياً لأنها مفقودةٌ عند اليهود، وجاء مادياً لأن المادية مفقودة عند النصارى، فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ.. [الفتح: ٢٩] هذا مثَلٌ مادي صِرْف، فالمثل المادي مفقود في المسيحية، والعنصر الروحي مفقود فيما اتخذه اليهود، فجاء الإسلام ليجمع بين العنصرين معاً في دين واحد.
هذه اثنتا عشرة موضعاً ذُكرتْ فيها مادة الاستواء، وكان الخلاف بين العلماء في المواضع السبعة التي تتكلم عن الاستواء على العرش، وهذه المواضع السبع في سبع سور جمعها الناظم في قوله:
فَفِي سُورَةِ الأعْرَافِ ثمَّةَ يُونُسٌ وَفِي الرعْدِ مَعْ طَهَ فَللعدِّ أكِّدْ
وَفِي سُورَةِ الفُرْقان ثُمةَ سَجدةٌ كَذَا فِي الحدِيدِ فَافهَمُوا فَهْمَ مُؤيِّد
كلمة ٱسْتَوَىٰ.. [فصلت: ١١] إنْ كانت للعرش يقول: استوى على، وإنْ كانت للسماء قال: استوى إلى، البعض فَهِمَ استوى على أنه كاستواء المخلوق على الكرسي فوقعوا في التشبيه والتجسيم، أما استوى إلى السماء يعنيك قصدها وتوجَّه إليها بإرادته سبحانه.
ذلك لأن العرش في الموجودات سمة التمكُّن من الحكم واستتباب الأمر للحاكم، فالحاكم إنْ كان عليه مشاغبات لا يستقر على العرش ولا يستتب له أمر الملْك إلا إذا دَانَ له الجميع وخضعوا.
لذلك قال في بلقيس: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] يعني: استتبَّ لها الأمر، فكلمة (استوى على العرش) دلتْ على أن الكون كله استجاب له وانقاد لأمره دون منازع؛ لذلك قال هنا عن السماء والأرض قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
وللعلماء في الاستواء عدة مقالات جمعها الناظم في قوله:
وَلَهُمْ مَقالاَتٌ عَليْهَا أرْبَع قَدْ حُصِّلَتْ للفَارسِ الطّعَّانْ
وَهْيَ اسْتَقرَّ وَقَدْ عَلاَ وكَذاكَ قَدْ صَعَد الذِي هُوَ رابِعْ
فالمعنى هنا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ.. [فصلت: ١١] أي: قصدها وتوجَّه إليها بإرادته تعالى، واستوى على العرش يعني: استقر له الأمر واستتبَّ، لأن كل الوجود استجاب له وانقاد، فلما قال للأرض وللسماء: ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
لذلك قلنا: إن الحق سبحانه لم يُقبل على قوله (كَنْ) إلا لعلمه تعالى أن شيئاً من مُلْكه لن يتخلف عن الاستجابة لأمره؛ لذلك قال وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] يعني: فقط تسمع النداء فتستجيب فوراً، لذلك شهد الله لذاته بذلك: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] وبشهادته سبحانه لنفسه أنه لا إله إلا هو قال لكل شيء: كُنْ فكان. وبعد ذلك شهدتْ الملائكة، وشهد أولو العلم.
وقوله: وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت: ١١] أي: على هيئة الدخان الذي يسميه العلماء السَّديم، والمراد أن الكون كان على هيئة غازية، ومن هذه المادة الغازية تكوَّنت الأرض والصخور والجبال. وبعد أنْ تكوَّنتْ السماء والأرض أمرهما الخالق سبحانه ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.. [فصلت: ١١] فكان الردّ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
وهذا الرد دَلَّ على سرعة الاستجابة للأمر، وعلى انقياد الكون كُلِّه لخالقه تعالى أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] وهل نملك المخالفة، ولماذا نأتي كارهين؟ هذا يعطيك دليلاً على انقياد الكون لله، لأنه ليس له هَوًى في نفسه يُغير الموقف وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤].
أما الإنسان فكلٌّ له هَوًى، لذلك جاء في الحديث الشريف: وما دام سيكون هواك تبعاً لما جاء به النبي، وأنا هواي تبعٌ لما جاء به النبي، فالهوى إذن واحد وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ.. [المؤمنون: ٧١].
أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] هذا كلام السماء والأرض، وكان القياس أنْ يقول: طائعينِ بالمثنى إنما قال طَآئِعِينَ [فصلت: ١١] بصيغة الجمع. والسماء والأرض مؤنَّث، فكان القياس أنْ يقول: طائعات. إذن: خالف في أمرين، لماذا؟ قالوا: لأن الشيء يكون مفرداً لكنه تحته. فإذا نظرتَ إلى المفرد جئتَ بالمفرد، وإذا نظرتَ إلى ما تحته جئتَ بالجمع.
قال تعالى: وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا.. [الحجرات: ٩] فلم يقل: اقتتلتا بالمثنى المؤنث، إنما ٱقْتَتَلُواْ.. [الحجرات: ٩] لأن أمر القتال راجعٌ إلى رؤساء كل طائفة، هم الذين يقررون القتال أو عدم القتال، وساعةَ القتال لا يمسك كل فريق بسيف واحد يقاتل به الفريق الآخر، إنما يمسك كلُّ فرد بسيفه.
فالطائفة هنا مفرد تحته جمع، فقال في القتال ٱقْتَتَلُواْ.. [الحجرات: ٩] لكن عند الصلح قال: فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا.. [الحجرات: ٩] لأن أمر الصلح لا يكون مع أفراد الجيش، إنما يكون مع القادة لكل طائفة الذين يُصرِّفون الأمر حرباً أو سِلْماً.
آية رقم ١٢
قوله فَقَضَٰهُنَّ.. [فصلت: ١٢] أي: جعل السماء وأبدعها وخلقها سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ.. [فصلت: ١٢] في مدة (يومين) حين نجمع هذين اليومين إلى الستة أيام السابقة تعطينا ثمانية أيام، إذن: خَلْق السماء والأرض كان في ثمانية أيام، لا في ستة كما قالت الآية.
هذا جعل بعض المستشرقين يظنون هنا مأخذاً وتناقضاً في كلام الله، ولكن حاشا لله أن يكون في كلامه تناقض، لأن الإجمال ستة والتفصيل ثمانية، وحين تجد إجمالاً وتفصيلاً، فالتفصيل حجة على الإجمال لأنها أيام متداخلة، كيف؟
قالوا: لأن الله تعالى خلق الأرض في يومين، ثم جعل فيها رواسيَ، والرواسي من الأرض، وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها، هذا كله في الأرض، فحين يقول فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] أي: في تتمة أربعة أيام.
فمُجمل خَلْق الأرض في أربعة أيام، فاليومان الأولان داخلان في الأربعة أيام. كما تقول مثلاً: سِرْتُ إلى طنطا في ساعتين، وإلى الإسكندرية في أربع ساعات، فالساعتان الأوليان داخلتان في الأربع.
إذن: خلق الله تعالى الأرض بما فيها من الرواسي في أربعة أيام، فإذا أضفنا يومين في خَلْق السماء كان المجموع فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. [الأعراف: ٥٤].
وقوله: وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا.. [فصلت: ١٢] أي: جعل فيها ودبَّر فيها أمرها. يعني: بيَّن مهمتها وما فيها من وجوه الخير، ومَنِ الرسول الذي سيكون فيها.. إلخ وبيَِّن مهمتها التي تقوم عليها في هداية حركة الحياة.
وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ.. [فصلت: ١٢] وهي الكواكب والنجوم التي تضيء في السماء كالمصابيح ومنها الشمس والقمر، وتجد أن نور الشمس غير نور القمر، نور الشمس يُسمَّى ضياءً. يعني: نور مع حرارة أما القمر فَلَه نور فقط، لذلك يُسمُّونه النور الحليم، لأنه خَال من الحرارة، لذلك قال تعالى: هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً.. [يونس: ٥].
وقال: سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً [الفرقان: ٦١].
وقوله: وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظاً.. [فصلت: ١٢] السماء الدنيا هي السماء التي نباشرها نحن ونرى فيها النجوم، والمصباح يُقاد من ضوء الشمس حين ينعكس، فيعطي ضوءاً هادئاً نسميه (ضوء حليم) يعني: لا حرارة فيه.
والحق سبحانه الذي خلق الخَلْق وهو أعلم بما يُصلحه علم أن له زمنين: زمناً للكدح والحركة، وزمناً للراحة والسكون، فالليل للسكون، والنهار للحركة، ولا يمكن أنْ تتحرك حركة قوية رشيدة إلا إذا كنتَ قد استوفيتَ أولاً نوماً هادئاً، وإلا من لم ينم ويسترح لا يقدر على العمل في الصباح، لكن بعض الحركات لا تكون إلا ليلاً.
لذلك جعل لنا الخالق سبحانه ضوءاً يهدينا في ظلمة الليل مثل الونَّاسة كما نقول، فلا يمكن أن يتركنا في ظلمة نتخبط فيها، فنحطم الأضعف منا، أو يُحطمنا الأقوى.
لذلك قال سبحانه عن النجوم: وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦] الحق سبحانه صنع ذلك لتصويب حركة الحياة، لأن الله خلق الخليفة آدم، وأمره أنْ يعمر الأرض، يعمرها بما أعطاه الله من مادة وعقل يختار بين البدائل، وبما أعطاه الله من جوارح تنفذ مرادات العقل، فأراد سبحانه أن يضمن سلامة الكون مع نفسه، هذا في المادة.
وللنجوم مهمة أخرى في القيم، قبل بعثة رسول الله.
وقال تعالى: وَحِفْظاً.. [فصلت: ١٢] وفي موضع آخر قال: وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [الصافات: ٧] فقد كان الجنُّ يتسمَّع إلى الملأ الأعلى في السماء، فيأخذ شيئاً من أمور الخَلْق يسمعها من الملائكة وينزل بها إلى الكهنة، فيخبرون الناس بها على أنهم يعلمون الغيب، وفعلاً تصدُق هذه الأخبار فيظن الناس أنهم يعلمون الغيب، ويأتي الكاهن بالشيء الصادق صدفة، ومعه أشياء كثيرة كذب.
كان هذا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، لكن لما جاء سيدنا رسول الله حفظ الله السماء من استراق السمع، لذلك قال: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩].
لذلك رأينا أن العرب كانوا يحتكمون إلى الكهَّان ويُصدِّقونهم، يُرْوَى أن هنداً امرأة أبي سفيان كانت قد تزوجتْ رجلاً اسمه الفاكه بن المغيرة وكان سيداً من سادات قريش، وبيته مفتوح للقوم يأتيه كل محتاج لشيء، يقولون: اذهبوا إلى الفاكه، لأن بيته كان قريباً من نادي القوم.
وفي يوم من الأيام نزلتْ هندٌ تباشر أمورَ بيتها، فوجدتْ رجلاً نائماً في ساحة البيت فرجعتْ، وفي هذه اللحظة دخل الفاكه ورأى الرجل النائم فداخله الشَّكّ في امرأته، فقال لها: الزمي بيت أبيك فذهبت إلى أبيها عتبة، وشاع عند العرب أن الفاكه اتهم امرأته بكذا وكذا.
جاء أبوها عتبة وقال للفاكه: يا فاكه لقد جُنَّت ابنتي، يعني: رُميت بشيء، ولا أرى إلا أنْ نحتكم إلى الكاهن ليقضي لنا في هذه المسألة، فاجمع من رجالك ومن نسائك مَنْ شئتَ، وتكون ابنتي في وسطهم، ونذهب إلى الكاهن ونسأله.
كانت هند امرأة عاقلة، فقالت: يا أبي إنك تأتي إلى بشر يخطئ ويصيب، وربما رماني بشيء ليس فيَّ، فتضل سُبَّة لي وسُبَّة لك، فقال لها: اطمئني فأبُوك ليس أحمقَ إلى هذا الحدِّ، ولن أعرض أمركِ عليه إلا إذا أخبرني بالخبيء الذي خبَّأته له، وقبل أن يصلَ إلى الكاهن، وكان يركب مُهْراً فنزل في خلاء وصفر للمهر فأدلى المهر متاع مائه، ففتح عتبة فتحة متاع المهر ووضع فيها حبة قمح، ثم ركبه إلى الكاهن.
ثم قال له: لن أعرض عليك أمري حتى تخبرني بخبء خبأته لك. قال له الكاهن: حبة بُرٍّ في إحليل مُهْر. قال: أعد، قال: بُرَّة في كمرة، فأخبره عتبة بأمر ابنته وهي في وسط النساء فمرَّ الكاهن يمسك برؤوس النساء واحدة بعد الأخرى حتى وصل إلى هند وتوقَّف عندها، ولم يكلم الأخريات، وعند هند قال لها: قومي غير رسحاء ولا زانية، وستلدين ملكاً اسمه معاوية.
هذ أخبار صَحَّت، وهي من استراق السمع لا تدلُّ أبداً على معرفة الكاهن للغيب. فلما برئتْ هندٌ وارتفعتْ رأسها بين القوم أراد الفاكه أنْ يتمحك فيها، يعني: عفا الله عما سلف، وهيا بنا إلى البيت، فقالت له: والله لقد غرَّك مُلْك معاوية، ولأحرصنَّ أن يكون من غيرك.. اذهبْ عني، وبعدها تزوجتْ أبا سفيان وولدتْ له معاوية.
أنهى الله هذه المسألة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أنْ يسترقَ شيطانٌ سمعاً بعد بعثته صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ.. [الجن: ٩] يعني: قبل البعثة فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩] وبذلك حمى اللهُ منهجَ السماء أنْ تدنِّسه شهوات الشياطين.
ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ [فصلت: ١٢] العزيز الذي لا يُغلَب، وما دام لا يُغلَب، فلن يستطيع شيطانٌ أن يسترق السمع، ويأخذ شيئاً من الأخبار، وهو سبحانه عليم بمصالح الخلق.
هذا جعل بعض المستشرقين يظنون هنا مأخذاً وتناقضاً في كلام الله، ولكن حاشا لله أن يكون في كلامه تناقض، لأن الإجمال ستة والتفصيل ثمانية، وحين تجد إجمالاً وتفصيلاً، فالتفصيل حجة على الإجمال لأنها أيام متداخلة، كيف؟
قالوا: لأن الله تعالى خلق الأرض في يومين، ثم جعل فيها رواسيَ، والرواسي من الأرض، وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها، هذا كله في الأرض، فحين يقول فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.. [فصلت: ١٠] أي: في تتمة أربعة أيام.
فمُجمل خَلْق الأرض في أربعة أيام، فاليومان الأولان داخلان في الأربعة أيام. كما تقول مثلاً: سِرْتُ إلى طنطا في ساعتين، وإلى الإسكندرية في أربع ساعات، فالساعتان الأوليان داخلتان في الأربع.
إذن: خلق الله تعالى الأرض بما فيها من الرواسي في أربعة أيام، فإذا أضفنا يومين في خَلْق السماء كان المجموع فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. [الأعراف: ٥٤].
وقوله: وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا.. [فصلت: ١٢] أي: جعل فيها ودبَّر فيها أمرها. يعني: بيَّن مهمتها وما فيها من وجوه الخير، ومَنِ الرسول الذي سيكون فيها.. إلخ وبيَِّن مهمتها التي تقوم عليها في هداية حركة الحياة.
وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ.. [فصلت: ١٢] وهي الكواكب والنجوم التي تضيء في السماء كالمصابيح ومنها الشمس والقمر، وتجد أن نور الشمس غير نور القمر، نور الشمس يُسمَّى ضياءً. يعني: نور مع حرارة أما القمر فَلَه نور فقط، لذلك يُسمُّونه النور الحليم، لأنه خَال من الحرارة، لذلك قال تعالى: هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً.. [يونس: ٥].
وقال: سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً [الفرقان: ٦١].
وقوله: وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظاً.. [فصلت: ١٢] السماء الدنيا هي السماء التي نباشرها نحن ونرى فيها النجوم، والمصباح يُقاد من ضوء الشمس حين ينعكس، فيعطي ضوءاً هادئاً نسميه (ضوء حليم) يعني: لا حرارة فيه.
والحق سبحانه الذي خلق الخَلْق وهو أعلم بما يُصلحه علم أن له زمنين: زمناً للكدح والحركة، وزمناً للراحة والسكون، فالليل للسكون، والنهار للحركة، ولا يمكن أنْ تتحرك حركة قوية رشيدة إلا إذا كنتَ قد استوفيتَ أولاً نوماً هادئاً، وإلا من لم ينم ويسترح لا يقدر على العمل في الصباح، لكن بعض الحركات لا تكون إلا ليلاً.
لذلك جعل لنا الخالق سبحانه ضوءاً يهدينا في ظلمة الليل مثل الونَّاسة كما نقول، فلا يمكن أن يتركنا في ظلمة نتخبط فيها، فنحطم الأضعف منا، أو يُحطمنا الأقوى.
لذلك قال سبحانه عن النجوم: وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦] الحق سبحانه صنع ذلك لتصويب حركة الحياة، لأن الله خلق الخليفة آدم، وأمره أنْ يعمر الأرض، يعمرها بما أعطاه الله من مادة وعقل يختار بين البدائل، وبما أعطاه الله من جوارح تنفذ مرادات العقل، فأراد سبحانه أن يضمن سلامة الكون مع نفسه، هذا في المادة.
وللنجوم مهمة أخرى في القيم، قبل بعثة رسول الله.
وقال تعالى: وَحِفْظاً.. [فصلت: ١٢] وفي موضع آخر قال: وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [الصافات: ٧] فقد كان الجنُّ يتسمَّع إلى الملأ الأعلى في السماء، فيأخذ شيئاً من أمور الخَلْق يسمعها من الملائكة وينزل بها إلى الكهنة، فيخبرون الناس بها على أنهم يعلمون الغيب، وفعلاً تصدُق هذه الأخبار فيظن الناس أنهم يعلمون الغيب، ويأتي الكاهن بالشيء الصادق صدفة، ومعه أشياء كثيرة كذب.
كان هذا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، لكن لما جاء سيدنا رسول الله حفظ الله السماء من استراق السمع، لذلك قال: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩].
لذلك رأينا أن العرب كانوا يحتكمون إلى الكهَّان ويُصدِّقونهم، يُرْوَى أن هنداً امرأة أبي سفيان كانت قد تزوجتْ رجلاً اسمه الفاكه بن المغيرة وكان سيداً من سادات قريش، وبيته مفتوح للقوم يأتيه كل محتاج لشيء، يقولون: اذهبوا إلى الفاكه، لأن بيته كان قريباً من نادي القوم.
وفي يوم من الأيام نزلتْ هندٌ تباشر أمورَ بيتها، فوجدتْ رجلاً نائماً في ساحة البيت فرجعتْ، وفي هذه اللحظة دخل الفاكه ورأى الرجل النائم فداخله الشَّكّ في امرأته، فقال لها: الزمي بيت أبيك فذهبت إلى أبيها عتبة، وشاع عند العرب أن الفاكه اتهم امرأته بكذا وكذا.
جاء أبوها عتبة وقال للفاكه: يا فاكه لقد جُنَّت ابنتي، يعني: رُميت بشيء، ولا أرى إلا أنْ نحتكم إلى الكاهن ليقضي لنا في هذه المسألة، فاجمع من رجالك ومن نسائك مَنْ شئتَ، وتكون ابنتي في وسطهم، ونذهب إلى الكاهن ونسأله.
كانت هند امرأة عاقلة، فقالت: يا أبي إنك تأتي إلى بشر يخطئ ويصيب، وربما رماني بشيء ليس فيَّ، فتضل سُبَّة لي وسُبَّة لك، فقال لها: اطمئني فأبُوك ليس أحمقَ إلى هذا الحدِّ، ولن أعرض أمركِ عليه إلا إذا أخبرني بالخبيء الذي خبَّأته له، وقبل أن يصلَ إلى الكاهن، وكان يركب مُهْراً فنزل في خلاء وصفر للمهر فأدلى المهر متاع مائه، ففتح عتبة فتحة متاع المهر ووضع فيها حبة قمح، ثم ركبه إلى الكاهن.
ثم قال له: لن أعرض عليك أمري حتى تخبرني بخبء خبأته لك. قال له الكاهن: حبة بُرٍّ في إحليل مُهْر. قال: أعد، قال: بُرَّة في كمرة، فأخبره عتبة بأمر ابنته وهي في وسط النساء فمرَّ الكاهن يمسك برؤوس النساء واحدة بعد الأخرى حتى وصل إلى هند وتوقَّف عندها، ولم يكلم الأخريات، وعند هند قال لها: قومي غير رسحاء ولا زانية، وستلدين ملكاً اسمه معاوية.
هذ أخبار صَحَّت، وهي من استراق السمع لا تدلُّ أبداً على معرفة الكاهن للغيب. فلما برئتْ هندٌ وارتفعتْ رأسها بين القوم أراد الفاكه أنْ يتمحك فيها، يعني: عفا الله عما سلف، وهيا بنا إلى البيت، فقالت له: والله لقد غرَّك مُلْك معاوية، ولأحرصنَّ أن يكون من غيرك.. اذهبْ عني، وبعدها تزوجتْ أبا سفيان وولدتْ له معاوية.
أنهى الله هذه المسألة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أنْ يسترقَ شيطانٌ سمعاً بعد بعثته صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ.. [الجن: ٩] يعني: قبل البعثة فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩] وبذلك حمى اللهُ منهجَ السماء أنْ تدنِّسه شهوات الشياطين.
ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ [فصلت: ١٢] العزيز الذي لا يُغلَب، وما دام لا يُغلَب، فلن يستطيع شيطانٌ أن يسترق السمع، ويأخذ شيئاً من الأخبار، وهو سبحانه عليم بمصالح الخلق.
آية رقم ١٣
أعرضوا، يعني بعد كل هذه الآيات، وبعد أنْ أقرُّوا هم بأنه سبحانه خالقهم وخالق السماوات والأرض، خاصة وهذه مسألة لم يدَّعها أحدٌ لنفسه، فما دام أن مسألة الخَلْق هذه لم يدَّعها أحد فقد سَلَمتْ لله وحده، لذلك قال تعالى: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] شهد الله لنفسه وأعلنها، فهل اعترض أحد عليها؟ لم يعترض أحد.
فَإِنْ أَعْرَضُواْ.. [فصلت: ١٣] بعد هذه الآيات الواضحات فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣] الإنذار يكون بشيء مخيف مُروِّع قبل حدوثه، لا بعد أن يكون حدوث المُنذَر به ليُجِدي الإنذار ونحتاط له، فلو وقع الأمر المروّع لم يُجْدِ الإنذار به.
كذلك قلنا في البشارة بالأمر السَّارّ قبل أوانه لنقبل عليه، إذن: البشارة والنذارة لا بدَّ أنْ يكون كل منها قبل الحدث المبشَّر به أو المنذَر به.
فقل يا محمد للذين كذَّبوا بآياتنا: أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣] أنذرتكم أي الحق سبحانه هو المنذر، وهو سبحانه عزيز لا يُغلب، وما دام أنذر بشيء فلا بدّ أنْ يقع وأنْ يتحقق.
وقوله: صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣] يعني: المسألة ليستْ كلاماً، إنما واقع حدث بالفعل وسوابق، كما حدث مع عاد وثمود وأنتم على علم بها وتشاهدون آثار هؤلاء.
هنا كان عتبة بن ربيعة، وهو سيد من سادات قريش حينما أسلم سيدنا عمر وأسلم حمزة والعباس، قال صناديد الكفر: إن أمر محمد في اتساع، فلا بدَّ أنْ نتدارك الأمر ونحدد موقفنا منه لنمنع هذا الاتساع، فعلينا أن نختار واحداً منا على علم واسع باللغة والشعر، وكاهناً يجيد أساليب الكهان، وكذلك يكون ساحراً، يعني: يجيد كل ما نتهم محمداً به.
فقال عتبة: أنا أعلم الناس بكل ذلك فدَعُوني أذهب إلى محمد، فلما ذهب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا محمد أنت خير أم جدُّك هاشم؟ أنت خير أم جدّك قصي؟ أنت خير أم جدّك عبد المطلب؟ هؤلاء لم يُسفِّهونا في عبادتنا، فهل أنت خير منهم لتأتي بدين جديد غير دين آبائنا؟
إن كنت يا محمد تريد مالاً جمعنا لك المال، وإن كنتَ تريد مُلْكاً ملَّكناك علينا ونجعلك سيدنا، وإن كنتَ تريد الزواج زوّجناك بأفضل نسائنا، واسكت عن هذا الأمر الذي تدعو إليه، وانْتَهِ، عن سَبِّ آلهتنا.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتسمع؟ قال: نعم أسمع فقرأ عليه من أول سورة فُصِّلت إلى أن وصل فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣].
وعندها قام عتبة ووضع يده على فم رسول الله، وقال: سألتُكَ بالرحم ألاَّ تكمل ما قرأتَ، لماذا؟ لأنه علم أن محمداً لا يقول شيئاً إلا وقع، وبعدها اعتزل عتبة قومه حتى قالوا: لقد صبأ عتبة، لقد طمع فيما عند محمد من الخير، يعني: افتقر إلى ما عند محمد من المال، وسمع عتبة هذا الكلام لكنه لم يُجِبْ.
وبعد ذلك قال لهم: لا والله ما صبأت ولكني خِفْتُ على قومي إنذارَ محمد بصاعقة تحلّ بهم مثل صاعقة عاد وثمود، لأنني أعلم أن كل شيء يقوله محمد لا بد أنْ يقع، فأنا أنجيكم من هذا بأنْ أجعله لا يكمل هذه الآية.. وظل رسول الله يقرأ السورة إلى السجدة.
الحق سبحانه وتعالى حينما يعطي كلاماً نظرياً يُؤيده بواقع، وقريش تعلم قصة عاد وثمود، لكن ما هي الصاعقة؟ الصاعقة هي الشيء الذي يصعق ما تحته، قد يكون ريحاً مدمرة، وقد يصطحب معه ناراً محرقة، والقرآن قال: صاعقة، وسمَّاها صيحة وقال: ريحاً صرصراً عاتية.
فَإِنْ أَعْرَضُواْ.. [فصلت: ١٣] بعد هذه الآيات الواضحات فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣] الإنذار يكون بشيء مخيف مُروِّع قبل حدوثه، لا بعد أن يكون حدوث المُنذَر به ليُجِدي الإنذار ونحتاط له، فلو وقع الأمر المروّع لم يُجْدِ الإنذار به.
كذلك قلنا في البشارة بالأمر السَّارّ قبل أوانه لنقبل عليه، إذن: البشارة والنذارة لا بدَّ أنْ يكون كل منها قبل الحدث المبشَّر به أو المنذَر به.
فقل يا محمد للذين كذَّبوا بآياتنا: أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣] أنذرتكم أي الحق سبحانه هو المنذر، وهو سبحانه عزيز لا يُغلب، وما دام أنذر بشيء فلا بدّ أنْ يقع وأنْ يتحقق.
وقوله: صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣] يعني: المسألة ليستْ كلاماً، إنما واقع حدث بالفعل وسوابق، كما حدث مع عاد وثمود وأنتم على علم بها وتشاهدون آثار هؤلاء.
هنا كان عتبة بن ربيعة، وهو سيد من سادات قريش حينما أسلم سيدنا عمر وأسلم حمزة والعباس، قال صناديد الكفر: إن أمر محمد في اتساع، فلا بدَّ أنْ نتدارك الأمر ونحدد موقفنا منه لنمنع هذا الاتساع، فعلينا أن نختار واحداً منا على علم واسع باللغة والشعر، وكاهناً يجيد أساليب الكهان، وكذلك يكون ساحراً، يعني: يجيد كل ما نتهم محمداً به.
فقال عتبة: أنا أعلم الناس بكل ذلك فدَعُوني أذهب إلى محمد، فلما ذهب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا محمد أنت خير أم جدُّك هاشم؟ أنت خير أم جدّك قصي؟ أنت خير أم جدّك عبد المطلب؟ هؤلاء لم يُسفِّهونا في عبادتنا، فهل أنت خير منهم لتأتي بدين جديد غير دين آبائنا؟
إن كنت يا محمد تريد مالاً جمعنا لك المال، وإن كنتَ تريد مُلْكاً ملَّكناك علينا ونجعلك سيدنا، وإن كنتَ تريد الزواج زوّجناك بأفضل نسائنا، واسكت عن هذا الأمر الذي تدعو إليه، وانْتَهِ، عن سَبِّ آلهتنا.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتسمع؟ قال: نعم أسمع فقرأ عليه من أول سورة فُصِّلت إلى أن وصل فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣].
وعندها قام عتبة ووضع يده على فم رسول الله، وقال: سألتُكَ بالرحم ألاَّ تكمل ما قرأتَ، لماذا؟ لأنه علم أن محمداً لا يقول شيئاً إلا وقع، وبعدها اعتزل عتبة قومه حتى قالوا: لقد صبأ عتبة، لقد طمع فيما عند محمد من الخير، يعني: افتقر إلى ما عند محمد من المال، وسمع عتبة هذا الكلام لكنه لم يُجِبْ.
وبعد ذلك قال لهم: لا والله ما صبأت ولكني خِفْتُ على قومي إنذارَ محمد بصاعقة تحلّ بهم مثل صاعقة عاد وثمود، لأنني أعلم أن كل شيء يقوله محمد لا بد أنْ يقع، فأنا أنجيكم من هذا بأنْ أجعله لا يكمل هذه الآية.. وظل رسول الله يقرأ السورة إلى السجدة.
الحق سبحانه وتعالى حينما يعطي كلاماً نظرياً يُؤيده بواقع، وقريش تعلم قصة عاد وثمود، لكن ما هي الصاعقة؟ الصاعقة هي الشيء الذي يصعق ما تحته، قد يكون ريحاً مدمرة، وقد يصطحب معه ناراً محرقة، والقرآن قال: صاعقة، وسمَّاها صيحة وقال: ريحاً صرصراً عاتية.
آية رقم ١٤
قوله: جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ.. [فصلت: ١٤] هكذا بالجمع مع أن الكلام عن عاد وثمود ولكل منهما رسول الله واحد، فلماذا جمع وقال الرسل؟ قالوا: لأن كل رسول يأتي يُؤمر من الله أنْ يأمر قومه بأنْ يؤمنوا بالرسل السابقين، وأنْ يؤمنوا كذلك بمَنْ يأتي من الرسل بعده، فكأن عاداً وثمود حينما يؤمنون برسولهم يؤمنون كذلك بكل الرسل، أو أنهم كانوا متفرقين في المواقع، بحيث يكون لكل موقع رسول خاص، فتعدد الرسل بتعدّد المواقع.
وقوله أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ.. [فصلت: ١٤] هذا ملخص دعوة كل الرسل وقضية كل رسول من عند الله قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [فصلت: ١٤] يعني: أنتم بشر مثلنا، وإنْ أراد الله هدايتنا لأرسل لنا رسولاً من الملائكة. وهذا دليل غبائهم؛ لأن الرسول جاء مبلِّغَ منهج وأُسْوة سلوك، فلو كان الرسول ملكاً ما تحققتْ فيه مسألة القدوة والأسوة، وما استطاع أنْ يأمر قومه بما يقوم هو به، ولَقالَ له قومه: كيف نفعل وأنت ملَك ونحن بشر؟
فالأسْوة هنا غير موجودة أًصلاً. إذن: فلا بدّ أن يكون الرسول من جنس المرسَل إليهم، حتى لو جئنا به ملَكاً كما تريدون لجاءكم في صورة بشر، لأنكم لا تروْنه على هيئته الملائكية، ولا تستطيعون الاستقبال منه على هذه الهيئة؛ لذلك قال تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩] ولظلتْ الشبهة كما هي، إذن: لا بدّ أنْ يكونَ الرسولُ رجلاً من جنس القوم.
وقولهم: فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [فصلت: ١٤] تأمل، إنهم يعترفون برسالة الرسل، ويُقرون بذلك، ونحن لا نريد منكم أكثر من هذا أنْ تعترفوا بأنهم مُرْسَلُون، وعجيب بعد ذلك أنْ يكفروا، قالوا: ويجوز أنْ يكون المعنى فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ.. [فصلت: ١٤] أي: كما تقولون أنتم بأفواهكم، أو أرسلتم على سبيل الاستهزاء بهم، كما في قوله تعالى في المنافقين: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ٧] وقالها فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: ٢٧].
مجنون؟ والله أنت المجنون، فما دام أنه أُرسِل فلم تعاند؟ إذن: المسألة كلها كفر وعناد، والكفر هو الجنون بعينه، جنون على جنون.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُفصِّل القول في أمر عاد وثمود، فقال سبحانه:
فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي... .
وقوله أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ.. [فصلت: ١٤] هذا ملخص دعوة كل الرسل وقضية كل رسول من عند الله قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [فصلت: ١٤] يعني: أنتم بشر مثلنا، وإنْ أراد الله هدايتنا لأرسل لنا رسولاً من الملائكة. وهذا دليل غبائهم؛ لأن الرسول جاء مبلِّغَ منهج وأُسْوة سلوك، فلو كان الرسول ملكاً ما تحققتْ فيه مسألة القدوة والأسوة، وما استطاع أنْ يأمر قومه بما يقوم هو به، ولَقالَ له قومه: كيف نفعل وأنت ملَك ونحن بشر؟
فالأسْوة هنا غير موجودة أًصلاً. إذن: فلا بدّ أن يكون الرسول من جنس المرسَل إليهم، حتى لو جئنا به ملَكاً كما تريدون لجاءكم في صورة بشر، لأنكم لا تروْنه على هيئته الملائكية، ولا تستطيعون الاستقبال منه على هذه الهيئة؛ لذلك قال تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩] ولظلتْ الشبهة كما هي، إذن: لا بدّ أنْ يكونَ الرسولُ رجلاً من جنس القوم.
وقولهم: فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [فصلت: ١٤] تأمل، إنهم يعترفون برسالة الرسل، ويُقرون بذلك، ونحن لا نريد منكم أكثر من هذا أنْ تعترفوا بأنهم مُرْسَلُون، وعجيب بعد ذلك أنْ يكفروا، قالوا: ويجوز أنْ يكون المعنى فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ.. [فصلت: ١٤] أي: كما تقولون أنتم بأفواهكم، أو أرسلتم على سبيل الاستهزاء بهم، كما في قوله تعالى في المنافقين: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ٧] وقالها فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: ٢٧].
مجنون؟ والله أنت المجنون، فما دام أنه أُرسِل فلم تعاند؟ إذن: المسألة كلها كفر وعناد، والكفر هو الجنون بعينه، جنون على جنون.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُفصِّل القول في أمر عاد وثمود، فقال سبحانه:
فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي... .
آية رقم ١٥
قوله عن عاد: فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ.. [فصلت: ١٥] هل يعني أن هناك استكباراً بالحق؟ قالوا: نعم تستكبر في قومك ليكونَ لهم كبير يردعهم إنْ مالوا، لأن عادة الناس إنْ لم يكُنْ لهم كبير يُهَاب ويُرْجَع إليه اختلطتْ عندهم الأمور وماجوا في بعض وتعدّوْا.
وهذا استكبار بحق، لأنه يُصوِّب حركة الأفراد، ولا بدّ أنْ يكون من كبير كما يقولون عندنا في الريف (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) لماذا؟ لتعتدلَ الأمور، ولا تكون فوضى، وصدق القائل:
لاَ يَصْلُح النّاسُ فوضى لا سَراة لهُمْ وَلاَ سَراةَ إذَا جُهَّالُهمْ سَادُوا
هذا استكبار بالحق، لأن له رصيداً يسمح له بالاستكبار، أما الاستكبار بغير الحق فهو الاستكبار بلا رصيد وبلا داعٍ كالذي يستكبر بقوته أو سلطانه أو غير ذلك من العوارض التي تنزع من الإنسان.
وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً.. [فصلت: ١٥] وكذبوا في هذه أيضاً، وظهر جهلهم لأن الله تعالى أشدّ منهم قوة أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً.. [فصلت: ١٥] قولهم: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً.. [فصلت: ١٥] استفهام إنكاري يعني: لا أحدَ أشدّ منا يأمرنا فنطيعه لأننا الأقوى.
نعم، لكم حق في هذه، لكن ما قولكم في أن الله الذي خلقكم هو أشدّ منكم قوة، أليس ذلك دليلاً على وجوب طاعتكم له؟ إذن: المنطق كان يقتضي أنْ تتصاغروا لمن أرسله الله إليكم، وأنْ تطيعوه طاعة لله الذي أرسله.
نعم لا يصح للقويِّ أنْ يرضخ لطاعة الضعيف، لكن نسألكم: أنتم أقوى أم الله؟ لا بدَّ أنْ يقولوا الله لأنهم معترفون له بالخَلْق، فلماذا عاندتموه وصادمتم رسله؟ أنتم صحيح أقوى على بعض الخَلْق، لكنكم ضعافٌ أمام مَنْ خلق الخَلْق.
وقوله: وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: ١٥] الجحود هو إنكار الشيء لجاجةً وعناداً كما قال تعالى: وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً.. [النمل: ١٤] ففي حين يستيقنون بالآيات ويؤمنون بها في أنفسهم يجحدونها بظاهرهم، فما الجزاء؟
وهذا استكبار بحق، لأنه يُصوِّب حركة الأفراد، ولا بدّ أنْ يكون من كبير كما يقولون عندنا في الريف (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) لماذا؟ لتعتدلَ الأمور، ولا تكون فوضى، وصدق القائل:
لاَ يَصْلُح النّاسُ فوضى لا سَراة لهُمْ وَلاَ سَراةَ إذَا جُهَّالُهمْ سَادُوا
هذا استكبار بالحق، لأن له رصيداً يسمح له بالاستكبار، أما الاستكبار بغير الحق فهو الاستكبار بلا رصيد وبلا داعٍ كالذي يستكبر بقوته أو سلطانه أو غير ذلك من العوارض التي تنزع من الإنسان.
وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً.. [فصلت: ١٥] وكذبوا في هذه أيضاً، وظهر جهلهم لأن الله تعالى أشدّ منهم قوة أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً.. [فصلت: ١٥] قولهم: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً.. [فصلت: ١٥] استفهام إنكاري يعني: لا أحدَ أشدّ منا يأمرنا فنطيعه لأننا الأقوى.
نعم، لكم حق في هذه، لكن ما قولكم في أن الله الذي خلقكم هو أشدّ منكم قوة، أليس ذلك دليلاً على وجوب طاعتكم له؟ إذن: المنطق كان يقتضي أنْ تتصاغروا لمن أرسله الله إليكم، وأنْ تطيعوه طاعة لله الذي أرسله.
نعم لا يصح للقويِّ أنْ يرضخ لطاعة الضعيف، لكن نسألكم: أنتم أقوى أم الله؟ لا بدَّ أنْ يقولوا الله لأنهم معترفون له بالخَلْق، فلماذا عاندتموه وصادمتم رسله؟ أنتم صحيح أقوى على بعض الخَلْق، لكنكم ضعافٌ أمام مَنْ خلق الخَلْق.
وقوله: وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: ١٥] الجحود هو إنكار الشيء لجاجةً وعناداً كما قال تعالى: وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً.. [النمل: ١٤] ففي حين يستيقنون بالآيات ويؤمنون بها في أنفسهم يجحدونها بظاهرهم، فما الجزاء؟
آية رقم ١٦
وُصِفَت ريح العذاب هنا بأنها (صرصر) هكذا من مقطعين صرصر، وهناك صِرّ مقطع واحد. وهي الريح الشديد المزعج الذي يهدد ويكون فيه برودة شديدة، والبرودة من شأنها شدة الرطوبة التي تُجفف إلى درجة الإحراق.
وهذه الظاهرة يعرفها الفلاحون في فصل الشتاء عندما يشتد البرد لدرجة أنه يحرق الزرع.
وهكذا يجمع اللهُ فعلَ النار في الماء لأن الحق سبحانه لم يخلق الكون بحركة ميكانيكية ثابتة، إنما خلقه بصفة القيومية التي تجمع بين الأضداد، أرأيتم لموسى عليه السلام حينما ضرب بعصاه الماء، فصار كل فِرْقٍ كالطوْد العظيم، وجمع الله بين الشيء ونقيضه في وقت واحد، كذلك ضرب الجبل فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عيناً، وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ألقاه القوم في النار، فجعلها عليه برداً وسلاماً، وعطَّل فيها قانون الإحراق.
فالصّر هي الريح الشديد المزعج، لكن يهبُّ لمرة واحدة، فإنْ تكرر فهو صرصر فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ.. [فصلت: ١٦] النحس: هو الشؤم، وحينما يأتي اليوم بشيء من الشر يتشاءمون منه، وكما قال في موضع آخر: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً.. [الحاقة: ٧] يعني: حاسمة تستأصلهم، وتنتهي منهم. أي: سبع ليالٍ وثمانية أيام حاسمة، حسمتْ الجدل بين الرسل وبين المكابرين المعاندين.
وفي الشعر العربي قال الشاعر:
أَوْقِدْ فَإنَّ الليلَ ليْلُ قَرّ والريح يا غُلامُ رِيحٌ صرُّ
عَلَّ يَرَى نَارَكَ مَنْ يمُرُّ إنْ جَلَبْتَ ضَيْفاً فَأنتَ حُرّ
لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا.. [فصلت: ١٦] هناك عذاب يؤلم، وعذاب يخزي ويهين المتكبر، ليس الغرض منه الإيلام، إنما الإهانة والخزي والذلة، لأنه تكبَّر بلا رصيد ذاتي عنده، ولو عذَّبناه عذاباً يؤلم ربما تحمّل الألم، لذلك نعذبه عذاباً يخزيه ويُرغم أنفه ويهدم كبرياءه، فالخزي في تأديب النفس أقوى من الإيلام في الحسِّ.
ومعلوم أن من الناس مَنْ يؤذيه الاستهزاء به والسخرية منه أكثر مما يؤلمه الضرب الحسي. وهذا الخزي وهذه الإهانة فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا.. [فصلت: ١٦] أمَّا الآخرة فلها شأنٌ آخر في الآخرة أخزى، لأن الخزي في الدنيا له وقت ينتهي فيه.
أمَّا في الآخرة فخزيٌ دائمٌ باقٍ فهو مُعذَّب وخزيان وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ.. [فصلت: ١٦] لأنه دائم مستمرٌّ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ [فصلت: ١٦] يعني: لن يأخذ أحد بأيديهم، ولن ينجيهم من العذاب شيء، فلا أملَ لهم في النصرة، فهم لا ينصرون ولا يردُّون.
لذلك قلنا في الحشر: إن الحق سبحانه يحشر الناسَ جميعاً مرة واحدة، لا يكونون على هيئة طابور مثلاً، كلٌّ ينتظر دوره، إنما يُحشرون جميعاً بعضهم مع بعض، الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع، وهو يقطع أملَ الكافرين في النجاة، فربما انتظروا قادتهم لينقذوهم؛ لذلك قال تعالى في شأن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ.. [هود: ٩٨] أي: يتقدمهم ويسبقهم إلى النار.
وهذه الظاهرة يعرفها الفلاحون في فصل الشتاء عندما يشتد البرد لدرجة أنه يحرق الزرع.
وهكذا يجمع اللهُ فعلَ النار في الماء لأن الحق سبحانه لم يخلق الكون بحركة ميكانيكية ثابتة، إنما خلقه بصفة القيومية التي تجمع بين الأضداد، أرأيتم لموسى عليه السلام حينما ضرب بعصاه الماء، فصار كل فِرْقٍ كالطوْد العظيم، وجمع الله بين الشيء ونقيضه في وقت واحد، كذلك ضرب الجبل فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عيناً، وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ألقاه القوم في النار، فجعلها عليه برداً وسلاماً، وعطَّل فيها قانون الإحراق.
فالصّر هي الريح الشديد المزعج، لكن يهبُّ لمرة واحدة، فإنْ تكرر فهو صرصر فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ.. [فصلت: ١٦] النحس: هو الشؤم، وحينما يأتي اليوم بشيء من الشر يتشاءمون منه، وكما قال في موضع آخر: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً.. [الحاقة: ٧] يعني: حاسمة تستأصلهم، وتنتهي منهم. أي: سبع ليالٍ وثمانية أيام حاسمة، حسمتْ الجدل بين الرسل وبين المكابرين المعاندين.
وفي الشعر العربي قال الشاعر:
أَوْقِدْ فَإنَّ الليلَ ليْلُ قَرّ والريح يا غُلامُ رِيحٌ صرُّ
عَلَّ يَرَى نَارَكَ مَنْ يمُرُّ إنْ جَلَبْتَ ضَيْفاً فَأنتَ حُرّ
لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا.. [فصلت: ١٦] هناك عذاب يؤلم، وعذاب يخزي ويهين المتكبر، ليس الغرض منه الإيلام، إنما الإهانة والخزي والذلة، لأنه تكبَّر بلا رصيد ذاتي عنده، ولو عذَّبناه عذاباً يؤلم ربما تحمّل الألم، لذلك نعذبه عذاباً يخزيه ويُرغم أنفه ويهدم كبرياءه، فالخزي في تأديب النفس أقوى من الإيلام في الحسِّ.
ومعلوم أن من الناس مَنْ يؤذيه الاستهزاء به والسخرية منه أكثر مما يؤلمه الضرب الحسي. وهذا الخزي وهذه الإهانة فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا.. [فصلت: ١٦] أمَّا الآخرة فلها شأنٌ آخر في الآخرة أخزى، لأن الخزي في الدنيا له وقت ينتهي فيه.
أمَّا في الآخرة فخزيٌ دائمٌ باقٍ فهو مُعذَّب وخزيان وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ.. [فصلت: ١٦] لأنه دائم مستمرٌّ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ [فصلت: ١٦] يعني: لن يأخذ أحد بأيديهم، ولن ينجيهم من العذاب شيء، فلا أملَ لهم في النصرة، فهم لا ينصرون ولا يردُّون.
لذلك قلنا في الحشر: إن الحق سبحانه يحشر الناسَ جميعاً مرة واحدة، لا يكونون على هيئة طابور مثلاً، كلٌّ ينتظر دوره، إنما يُحشرون جميعاً بعضهم مع بعض، الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع، وهو يقطع أملَ الكافرين في النجاة، فربما انتظروا قادتهم لينقذوهم؛ لذلك قال تعالى في شأن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ.. [هود: ٩٨] أي: يتقدمهم ويسبقهم إلى النار.
آية رقم ١٧
هنا وقفة لعلماء الكلام وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ.. الهُدَى هو الدلالة على طريق الخير الموصِّل إلى غاية خير، نقول دلَّه على الطريق، وحين تدل الناس منهم مَنْ يستمع لك ويطيعك، ومنهم مَنْ لا يستمع إليك، فالأول تزيده هداية وإرشاداً حتى يصل إلى غايته، والآخر تتخلى عنه.
لذلك قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] أي: اهتدوا لطريق الدلالة. زادهم هدىً. أي: بالمعونة والتوفيق للعمل الصالح وكراهية عمل الشر، إذن: هناك هداية للدلالة، وهداية للتوفيق والمعونة. وهل تعين إلا مَنْ أطاعك وآمن بك؟
وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً برجل المرور الذي يقف على مفترق الطرق، وتحتاج إلى أن تسأله عن الطريق الذي تقصده، يقول لك: الطريق من هنا، فإن شكرته على صنيعه وتوجهتَ إلى الطريق الذي دلَّك عليه زادك إرشاداً وبيَّن لك ما في الطريق من عقبات أو مصاعب. وربما صحبك حتى تمرَّ من هذه الصعاب.
فأنت سألته فدلَّكَ فاتبعْتَ دلالته وشكرته فقال: أنت أهلٌ لمعونتي وإرشادي، أما إنْ خالفتَ رأيه وسِرْتَ في طريق آخر غير طريق دلالته فلا بُدَّ أنْ يتخلى عنك، وأنْ يدعك وشأنك.
كذلك الحق سبحانه وتعالى يدل الجميع على طريق الخير، كل الخلق دلَّهم الله، فمَنْ أطاع في هداية الدلالة كان أهلاً للزيادة، وأهلاً لهداية المعونة والتوفيق، ومَنْ عصى وخالف في هداية الدلالة لم يكُنْ أهلاً لهداية المعونة.
كذلك كان شأن ثمود فَهَدَيْنَاهُمْ.. هداية دلالة فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ.. أي: استحبُّوا العمى عن فعل الخير، لأنهم ارتاحوا للمخالفة وأرادوا الخروج من قيود التكاليف الشرعية، وإلا لماذا عبدوا الأصنام وهم يعلمون ما هي، وصنعوها بأيديهم؟
عبدوها لأن في عبادتها إرضاءً للنفس بأنْ يكون لها إله تعبده، وما أجملَ أنْ يكون هذا الإله بلا تكاليف وبلا منهج بافعل ولا تفعل، إذن: مشقة تكاليف الطاعة وحلاوة إتيان المعصية تأتي من التكليف، فإن وُجدَ إله بلا تكاليف مالتْ إليه النفس وأحبته، لأن ذلك يُرضِي غريزة الفطرة الإيمانية في الإنسان، وهو أن كلَّ إنسان آمن بالعهدة الأول في مرحلة الذر أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. [الأعراف: ١٧٢].
إذن: فبضعة الإيمان في كل إنسان موجودة فيه من عهد الذر، ولكن يختلف الناسُ في قبول التكاليف والمنهج، فمن الناس مَنْ يرى في المنهج قيْداً لشهواته، فلا يرتاح إليه ويسعى إلى التديّن الخالي من التكليف كهؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى، ومن الناس مَنْ يحب الهداية والطاعة ويرتاح إلى المنهج ويأنس به.
وتأمل قوله تعالى: فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَىٰ.. استحبَّ غير أحب. استحبَّ يعني: تكلّف حبه، وهذا دليل أنه شيء لا يُحبّ أصلاً وطبيعة، لكنه تكلف حبه ليحقق مراده من الشهوة، ولك أنْ تنظر إلى أيِّ سيئة نهاك الله عنها وهَبْهَا أنها واقعة عليك، هل تحبها؟ لا تحبها، إذن: هي لا تُحَبُّ.
وفي موضع آخر، لما تكلَّم الحق سبحانه عن المؤمنين قال عنهم: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥] وعلى تدل على الاستعلاء، فكأنهم مستوون على الهدى، وكأنه دابة يركبونها توصِّلهم إلى غايتهم، فالهدى لم يأتِ ليشق عليكم، إنما جاء ليحملكم ويُوصِّلكم إلى غاية الخير، فالمؤمنون على الهدى فوقه يوصلهم، ليس الهدى فوقهم يشق عليهم أو يكلفهم ما لا يطيقون، فالهدى إذن خدمة لكم وفي مصلحتكم...
ثم يقول سبحانه: فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ الصاعقة قلنا: هي كلُّ ما يصعق ويدمر، سواء كان بالريح أو النار، أو الصيحة المدمرة، والعذاب الهون أي: المصحوب بالإهانة والخزي بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يعني: وقع لهم هذا بسبب ما كسبوا، وما اقترفته أيديهم. يعني: جزاءً وفاقاً، لا ظلماً وعدواناً.
لذلك قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] أي: اهتدوا لطريق الدلالة. زادهم هدىً. أي: بالمعونة والتوفيق للعمل الصالح وكراهية عمل الشر، إذن: هناك هداية للدلالة، وهداية للتوفيق والمعونة. وهل تعين إلا مَنْ أطاعك وآمن بك؟
وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً برجل المرور الذي يقف على مفترق الطرق، وتحتاج إلى أن تسأله عن الطريق الذي تقصده، يقول لك: الطريق من هنا، فإن شكرته على صنيعه وتوجهتَ إلى الطريق الذي دلَّك عليه زادك إرشاداً وبيَّن لك ما في الطريق من عقبات أو مصاعب. وربما صحبك حتى تمرَّ من هذه الصعاب.
فأنت سألته فدلَّكَ فاتبعْتَ دلالته وشكرته فقال: أنت أهلٌ لمعونتي وإرشادي، أما إنْ خالفتَ رأيه وسِرْتَ في طريق آخر غير طريق دلالته فلا بُدَّ أنْ يتخلى عنك، وأنْ يدعك وشأنك.
كذلك الحق سبحانه وتعالى يدل الجميع على طريق الخير، كل الخلق دلَّهم الله، فمَنْ أطاع في هداية الدلالة كان أهلاً للزيادة، وأهلاً لهداية المعونة والتوفيق، ومَنْ عصى وخالف في هداية الدلالة لم يكُنْ أهلاً لهداية المعونة.
كذلك كان شأن ثمود فَهَدَيْنَاهُمْ.. هداية دلالة فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ.. أي: استحبُّوا العمى عن فعل الخير، لأنهم ارتاحوا للمخالفة وأرادوا الخروج من قيود التكاليف الشرعية، وإلا لماذا عبدوا الأصنام وهم يعلمون ما هي، وصنعوها بأيديهم؟
عبدوها لأن في عبادتها إرضاءً للنفس بأنْ يكون لها إله تعبده، وما أجملَ أنْ يكون هذا الإله بلا تكاليف وبلا منهج بافعل ولا تفعل، إذن: مشقة تكاليف الطاعة وحلاوة إتيان المعصية تأتي من التكليف، فإن وُجدَ إله بلا تكاليف مالتْ إليه النفس وأحبته، لأن ذلك يُرضِي غريزة الفطرة الإيمانية في الإنسان، وهو أن كلَّ إنسان آمن بالعهدة الأول في مرحلة الذر أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. [الأعراف: ١٧٢].
إذن: فبضعة الإيمان في كل إنسان موجودة فيه من عهد الذر، ولكن يختلف الناسُ في قبول التكاليف والمنهج، فمن الناس مَنْ يرى في المنهج قيْداً لشهواته، فلا يرتاح إليه ويسعى إلى التديّن الخالي من التكليف كهؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى، ومن الناس مَنْ يحب الهداية والطاعة ويرتاح إلى المنهج ويأنس به.
وتأمل قوله تعالى: فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَىٰ.. استحبَّ غير أحب. استحبَّ يعني: تكلّف حبه، وهذا دليل أنه شيء لا يُحبّ أصلاً وطبيعة، لكنه تكلف حبه ليحقق مراده من الشهوة، ولك أنْ تنظر إلى أيِّ سيئة نهاك الله عنها وهَبْهَا أنها واقعة عليك، هل تحبها؟ لا تحبها، إذن: هي لا تُحَبُّ.
وفي موضع آخر، لما تكلَّم الحق سبحانه عن المؤمنين قال عنهم: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥] وعلى تدل على الاستعلاء، فكأنهم مستوون على الهدى، وكأنه دابة يركبونها توصِّلهم إلى غايتهم، فالهدى لم يأتِ ليشق عليكم، إنما جاء ليحملكم ويُوصِّلكم إلى غاية الخير، فالمؤمنون على الهدى فوقه يوصلهم، ليس الهدى فوقهم يشق عليهم أو يكلفهم ما لا يطيقون، فالهدى إذن خدمة لكم وفي مصلحتكم...
ثم يقول سبحانه: فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ الصاعقة قلنا: هي كلُّ ما يصعق ويدمر، سواء كان بالريح أو النار، أو الصيحة المدمرة، والعذاب الهون أي: المصحوب بالإهانة والخزي بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يعني: وقع لهم هذا بسبب ما كسبوا، وما اقترفته أيديهم. يعني: جزاءً وفاقاً، لا ظلماً وعدواناً.
آية رقم ١٨
ﯬﯭﯮﯯﯰ
ﯱ
كثيراً ما نجد أسلوب القرآن الكريم يجمع بين الشيء ونقيضه ليبرز المعنى وبضدها تتميز الأشياء، يقول تعالى: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٣-١٤] هذه مقابلة يوضح فيها كلّ معنى المعنى المقابل، كذلك هنا بعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن بعض المكذِّبين المعاندين أردف ذلك بالكلام عن المؤمنين المتقين، وما آلوا إليه من الفوز والنجاة، فقال سبحانه: وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ [فصلت: ١٨].
آية رقم ١٩
الحشر: يعني جمع المختلفين، والمختلفون كان فيهم التابع والمتبوع، ضالِّين ومضلين، لا بدَّ أنْ يجمعهم الله جميعاً في وقت واحد يتقدمهم الزعماء ورؤوس الكفر. ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً [مريم: ٦٩] يعني: نأتي بالفتوات ونقدمهم إلى النار قبل الضعفاء، وكأن الله يقول لهم: هؤلاء قادتكم يسبقونكم إلى النار، يعني: لا أملَ لكم في النجاة، حتى الوحوش يجمعها الله ويجمع المختلفين منها. وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥] والوحوش هي الحيوانات غير المستأنسة كالأسد والنمر وغيره، وكأن الحق سبحانه يريد أن يقول لنا: أنا الذي أذلل لك الخلق، ولولا أنني ذللته لك ما استطعتَ أنت تذليله، نعم ذلَّل لك الجمل رغم حجمه الكبير، لكن لم يذلل لك الثعبان الصغير أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧١-٧٢].
والله لولا أن الله ذلَّل لنا هذه المخلوقات ما انتفعنا منها بشيء، لذلك نقول على غير المذلل: حيوان متوحش، ألاَ ترى الطفل والولد الصغير يقود الجمل الكبير ويحمله ويُنيخه ويُسيِّره حيث يريد، وأنت يزعجك البرغوث الصغير في الفراش ويمنعك النوم، إنها رسالة من الخالق سبحانه بأن الأمر أمرُ تذليل من الله.
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩] في الدنيا الوحوش تفر من الإنسان، ونحن نفرُّ من الوحوش، أما في القيامة فيجمع الله الجميع معاً في موقف واحد، كيف؟ لأنه لم يَعُدْ لأحد منا قوة تصرُّف لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ [غافر: ١٦] فلما صار الملك لله لم يَبْق فينا نحن المخلوقين تفاوت قوة تستضعف.
وقوله فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩] يعني: يُساقون ويُقادون جميعاً إلى النار من أولهم إلى آخرهم حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٠].
الله.. السمع وظيفة الأذن، والإبصار وظيفة العين، والأنف للشم، والكف للمس، فكل جارحة من جوارح الإنسان لها مهمة في حياته، لكن لم يذكر الحق منها هنا إلا ثلاثة فقط: السمع، والأبصار والجلود. ولم يذكر اليد ولا الأنف.
قالوا: لأن التكليف في أمر الأنف نادر وقليل، كأنْ تشمّ رائحة الخمر مثلاً، والعياذ بالله، أو تشم رائحة امرأة متعطرة، إذن: فالأنف دوره محدود، أما السمع فهو أهم الحواس، لأنك تستقبل به الدعوة إلى الله، والبصر هو الذي تبصر به آيات الله في كونه وعجائبه في خَلْقه.
أما الجلود فعامة في السمع والبصر وفي كل الحواس، فكأن الجلد أعمّ شيء في الحس، ولذلك لم بحثوا في وظائف الأعضاء ليعرفوا مهمة كل عضو في الإنسان وجدوا أهمها الجلد، لأنه وسيلة الإحساس بالألم خاصة في الطبقة الخارجية منه، ألاَ ترى أنك مثلاً حين تأخذ حقنة تشعر بألم الإبرة حين تدخل جسمك وتخترق الجلد، تؤلمك بقدر نفاذها في الجلد كأنَّ الجلد هو محلُّ الإذاقة، وما دام هو محل الإذاقة فهو إذن مستوعب لجميع الحواس.
ولذلك يقول الحق سبحانه: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ.. [النساء: ٥٦] إذن: فالجلد محلّ إذاقة العذاب والعياذ بالله، وهو المستوعب لكلِّ الحواس.
والله لولا أن الله ذلَّل لنا هذه المخلوقات ما انتفعنا منها بشيء، لذلك نقول على غير المذلل: حيوان متوحش، ألاَ ترى الطفل والولد الصغير يقود الجمل الكبير ويحمله ويُنيخه ويُسيِّره حيث يريد، وأنت يزعجك البرغوث الصغير في الفراش ويمنعك النوم، إنها رسالة من الخالق سبحانه بأن الأمر أمرُ تذليل من الله.
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩] في الدنيا الوحوش تفر من الإنسان، ونحن نفرُّ من الوحوش، أما في القيامة فيجمع الله الجميع معاً في موقف واحد، كيف؟ لأنه لم يَعُدْ لأحد منا قوة تصرُّف لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ [غافر: ١٦] فلما صار الملك لله لم يَبْق فينا نحن المخلوقين تفاوت قوة تستضعف.
وقوله فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩] يعني: يُساقون ويُقادون جميعاً إلى النار من أولهم إلى آخرهم حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٠].
الله.. السمع وظيفة الأذن، والإبصار وظيفة العين، والأنف للشم، والكف للمس، فكل جارحة من جوارح الإنسان لها مهمة في حياته، لكن لم يذكر الحق منها هنا إلا ثلاثة فقط: السمع، والأبصار والجلود. ولم يذكر اليد ولا الأنف.
قالوا: لأن التكليف في أمر الأنف نادر وقليل، كأنْ تشمّ رائحة الخمر مثلاً، والعياذ بالله، أو تشم رائحة امرأة متعطرة، إذن: فالأنف دوره محدود، أما السمع فهو أهم الحواس، لأنك تستقبل به الدعوة إلى الله، والبصر هو الذي تبصر به آيات الله في كونه وعجائبه في خَلْقه.
أما الجلود فعامة في السمع والبصر وفي كل الحواس، فكأن الجلد أعمّ شيء في الحس، ولذلك لم بحثوا في وظائف الأعضاء ليعرفوا مهمة كل عضو في الإنسان وجدوا أهمها الجلد، لأنه وسيلة الإحساس بالألم خاصة في الطبقة الخارجية منه، ألاَ ترى أنك مثلاً حين تأخذ حقنة تشعر بألم الإبرة حين تدخل جسمك وتخترق الجلد، تؤلمك بقدر نفاذها في الجلد كأنَّ الجلد هو محلُّ الإذاقة، وما دام هو محل الإذاقة فهو إذن مستوعب لجميع الحواس.
ولذلك يقول الحق سبحانه: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ.. [النساء: ٥٦] إذن: فالجلد محلّ إذاقة العذاب والعياذ بالله، وهو المستوعب لكلِّ الحواس.
آية رقم ٢٠
الحشر: يعني جمع المختلفين، والمختلفون كان فيهم التابع والمتبوع، ضالِّين ومضلين، لا بدَّ أنْ يجمعهم الله جميعاً في وقت واحد يتقدمهم الزعماء ورؤوس الكفر. ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً [مريم: ٦٩] يعني: نأتي بالفتوات ونقدمهم إلى النار قبل الضعفاء، وكأن الله يقول لهم: هؤلاء قادتكم يسبقونكم إلى النار، يعني: لا أملَ لكم في النجاة، حتى الوحوش يجمعها الله ويجمع المختلفين منها. وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥] والوحوش هي الحيوانات غير المستأنسة كالأسد والنمر وغيره، وكأن الحق سبحانه يريد أن يقول لنا: أنا الذي أذلل لك الخلق، ولولا أنني ذللته لك ما استطعتَ أنت تذليله، نعم ذلَّل لك الجمل رغم حجمه الكبير، لكن لم يذلل لك الثعبان الصغير أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧١-٧٢].
والله لولا أن الله ذلَّل لنا هذه المخلوقات ما انتفعنا منها بشيء، لذلك نقول على غير المذلل: حيوان متوحش، ألاَ ترى الطفل والولد الصغير يقود الجمل الكبير ويحمله ويُنيخه ويُسيِّره حيث يريد، وأنت يزعجك البرغوث الصغير في الفراش ويمنعك النوم، إنها رسالة من الخالق سبحانه بأن الأمر أمرُ تذليل من الله.
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩] في الدنيا الوحوش تفر من الإنسان، ونحن نفرُّ من الوحوش، أما في القيامة فيجمع الله الجميع معاً في موقف واحد، كيف؟ لأنه لم يَعُدْ لأحد منا قوة تصرُّف لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ [غافر: ١٦] فلما صار الملك لله لم يَبْق فينا نحن المخلوقين تفاوت قوة تستضعف.
وقوله فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩] يعني: يُساقون ويُقادون جميعاً إلى النار من أولهم إلى آخرهم حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٠].
الله.. السمع وظيفة الأذن، والإبصار وظيفة العين، والأنف للشم، والكف للمس، فكل جارحة من جوارح الإنسان لها مهمة في حياته، لكن لم يذكر الحق منها هنا إلا ثلاثة فقط: السمع، والأبصار والجلود. ولم يذكر اليد ولا الأنف.
قالوا: لأن التكليف في أمر الأنف نادر وقليل، كأنْ تشمّ رائحة الخمر مثلاً، والعياذ بالله، أو تشم رائحة امرأة متعطرة، إذن: فالأنف دوره محدود، أما السمع فهو أهم الحواس، لأنك تستقبل به الدعوة إلى الله، والبصر هو الذي تبصر به آيات الله في كونه وعجائبه في خَلْقه.
أما الجلود فعامة في السمع والبصر وفي كل الحواس، فكأن الجلد أعمّ شيء في الحس، ولذلك لم بحثوا في وظائف الأعضاء ليعرفوا مهمة كل عضو في الإنسان وجدوا أهمها الجلد، لأنه وسيلة الإحساس بالألم خاصة في الطبقة الخارجية منه، ألاَ ترى أنك مثلاً حين تأخذ حقنة تشعر بألم الإبرة حين تدخل جسمك وتخترق الجلد، تؤلمك بقدر نفاذها في الجلد كأنَّ الجلد هو محلُّ الإذاقة، وما دام هو محل الإذاقة فهو إذن مستوعب لجميع الحواس.
ولذلك يقول الحق سبحانه: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ.. [النساء: ٥٦] إذن: فالجلد محلّ إذاقة العذاب والعياذ بالله، وهو المستوعب لكلِّ الحواس.
والله لولا أن الله ذلَّل لنا هذه المخلوقات ما انتفعنا منها بشيء، لذلك نقول على غير المذلل: حيوان متوحش، ألاَ ترى الطفل والولد الصغير يقود الجمل الكبير ويحمله ويُنيخه ويُسيِّره حيث يريد، وأنت يزعجك البرغوث الصغير في الفراش ويمنعك النوم، إنها رسالة من الخالق سبحانه بأن الأمر أمرُ تذليل من الله.
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩] في الدنيا الوحوش تفر من الإنسان، ونحن نفرُّ من الوحوش، أما في القيامة فيجمع الله الجميع معاً في موقف واحد، كيف؟ لأنه لم يَعُدْ لأحد منا قوة تصرُّف لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ [غافر: ١٦] فلما صار الملك لله لم يَبْق فينا نحن المخلوقين تفاوت قوة تستضعف.
وقوله فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩] يعني: يُساقون ويُقادون جميعاً إلى النار من أولهم إلى آخرهم حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٠].
الله.. السمع وظيفة الأذن، والإبصار وظيفة العين، والأنف للشم، والكف للمس، فكل جارحة من جوارح الإنسان لها مهمة في حياته، لكن لم يذكر الحق منها هنا إلا ثلاثة فقط: السمع، والأبصار والجلود. ولم يذكر اليد ولا الأنف.
قالوا: لأن التكليف في أمر الأنف نادر وقليل، كأنْ تشمّ رائحة الخمر مثلاً، والعياذ بالله، أو تشم رائحة امرأة متعطرة، إذن: فالأنف دوره محدود، أما السمع فهو أهم الحواس، لأنك تستقبل به الدعوة إلى الله، والبصر هو الذي تبصر به آيات الله في كونه وعجائبه في خَلْقه.
أما الجلود فعامة في السمع والبصر وفي كل الحواس، فكأن الجلد أعمّ شيء في الحس، ولذلك لم بحثوا في وظائف الأعضاء ليعرفوا مهمة كل عضو في الإنسان وجدوا أهمها الجلد، لأنه وسيلة الإحساس بالألم خاصة في الطبقة الخارجية منه، ألاَ ترى أنك مثلاً حين تأخذ حقنة تشعر بألم الإبرة حين تدخل جسمك وتخترق الجلد، تؤلمك بقدر نفاذها في الجلد كأنَّ الجلد هو محلُّ الإذاقة، وما دام هو محل الإذاقة فهو إذن مستوعب لجميع الحواس.
ولذلك يقول الحق سبحانه: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ.. [النساء: ٥٦] إذن: فالجلد محلّ إذاقة العذاب والعياذ بالله، وهو المستوعب لكلِّ الحواس.
آية رقم ٢١
هم يتعجبون كيف تشهد عليهم جلودهم وهي منهم، والسؤال هنا كان ينبغي أنْ يكون عن الكيفية: كيف شهدتم علينا لا عن السبب، فالسؤال بهذه الصيغة غير وارد ليدل هذا على التضارب في الكلام.
وكان الجواب قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ.. [فصلت: ٢١] فالسؤال عن شيء والجواب عن شيء آخر، فلو أجابوا عن السؤال: لم شهدتم علينا؟ لقالوا: شهدنا عليكم لأننا أقوى حارس عليك في جميع الأوقات قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.. [فصلت: ٢١] يعني: الأمر ليس بملكنا، نحن لم نشهد من عندنا، إنما أنطقنا الحقُّ بالحق، ولا حيلة لنا في هذا.
ومعنى ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.. [فصلت: ٢١] أن كل شيء في الوجود له لغة خاصة به، لغة يتكلم بها، لغة تدل وتُفهم، كما رأينا في قصة سيدنا سليمان لما تكلمتْ نملة وحذَّرتْ قومها، وقالت: ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨].
ودَلّ قول النملة على أن للنمل لغة يتفاهمون بها، ودلَّ على يقظتها وعلى عدالتها في الحكم حين قالت: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨].
كذلك حديث الهدهد في نفس القصة حين قال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل: ٢٢] ثم يتكلم بكلام في صُلْب العقيدة وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ.. [النمل: ٢٤] فالهدهد ليس مجرد متكلم بلغة، إنما فاهم لأهمّ قضايا الإيمان ومسائل التوحيد.
إذن: لكل شيء لغة، لكن لا يعرفها إلا مَنْ علَّمه الله وأطلعه على هذه اللغة، وهذا فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء، لذلك قال سيدنا سليمان عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ.. [النمل: ١٦] ولولا أن الله علّمه ما فهم عن الهدهد.
كذلك في الجماد له لغة، كما قال تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨].
لذلك يقول تعالى في إجمال هذه المسألة: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤].
وورد أن الحصى سبَّح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن هذه معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وقلنا في تصويب هذه المسألة: أن الحصى مُسبِّح في يد رسول الله كما هو مُسبِّح في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أنْ نقول: سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده، هكذا يكون الكلام.
بعض العلماء يقول عن هذا التسبيح أنه تسبيحُ دلالة على خالقها لا تسبيحٌ على الحقيقة، وهذا كلام مخالف لنصِّ القرآن الكريم لأنه لو كان تسبيحَ دلالة كما تقول فقد فهمته والله يقول: وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] إذن: فهو تسبيح على الحقيقة، تسبيح بلغة لا يعلمها إلا خالقها، أو مَنْ علَّمه الله واختصَّه بمزيد من فضله.
والعجيب في مسألة الهدهد أنه ذكر سبباً واحداً لوجوب الإيمان بالله وتوحيده تعالى، فقال: أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٥] فذكر الأمر الخاص به وهو إخراج خبأ الأرض، ومعلوم أن للهدهد منقاراً طويلاً، يُخرج به الدود من تحت سطح التربة ويتغذى عليه.
وقوله: وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت: ٢١] يعني: لا تظنوا أن الله خلقكم وترككم هملاً، إنما خلقكم لغاية ولا بدّ لكم من الرجوع إليه، والمثول بين يديه يحاسبكم على النقير والقطمير، والقليل والكثير، ويجازيكم بأعمالكم فلن تنفلتوا منه سبحانه، ستقفون بين يديه للحساب يُعدِّد عليكم نعمه، ويرى مَنْ شكرها ومَنْ كفرها.
وكان الجواب قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ.. [فصلت: ٢١] فالسؤال عن شيء والجواب عن شيء آخر، فلو أجابوا عن السؤال: لم شهدتم علينا؟ لقالوا: شهدنا عليكم لأننا أقوى حارس عليك في جميع الأوقات قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.. [فصلت: ٢١] يعني: الأمر ليس بملكنا، نحن لم نشهد من عندنا، إنما أنطقنا الحقُّ بالحق، ولا حيلة لنا في هذا.
ومعنى ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.. [فصلت: ٢١] أن كل شيء في الوجود له لغة خاصة به، لغة يتكلم بها، لغة تدل وتُفهم، كما رأينا في قصة سيدنا سليمان لما تكلمتْ نملة وحذَّرتْ قومها، وقالت: ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨].
ودَلّ قول النملة على أن للنمل لغة يتفاهمون بها، ودلَّ على يقظتها وعلى عدالتها في الحكم حين قالت: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨].
كذلك حديث الهدهد في نفس القصة حين قال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل: ٢٢] ثم يتكلم بكلام في صُلْب العقيدة وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ.. [النمل: ٢٤] فالهدهد ليس مجرد متكلم بلغة، إنما فاهم لأهمّ قضايا الإيمان ومسائل التوحيد.
إذن: لكل شيء لغة، لكن لا يعرفها إلا مَنْ علَّمه الله وأطلعه على هذه اللغة، وهذا فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء، لذلك قال سيدنا سليمان عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ.. [النمل: ١٦] ولولا أن الله علّمه ما فهم عن الهدهد.
كذلك في الجماد له لغة، كما قال تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨].
لذلك يقول تعالى في إجمال هذه المسألة: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤].
وورد أن الحصى سبَّح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن هذه معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وقلنا في تصويب هذه المسألة: أن الحصى مُسبِّح في يد رسول الله كما هو مُسبِّح في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أنْ نقول: سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده، هكذا يكون الكلام.
بعض العلماء يقول عن هذا التسبيح أنه تسبيحُ دلالة على خالقها لا تسبيحٌ على الحقيقة، وهذا كلام مخالف لنصِّ القرآن الكريم لأنه لو كان تسبيحَ دلالة كما تقول فقد فهمته والله يقول: وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] إذن: فهو تسبيح على الحقيقة، تسبيح بلغة لا يعلمها إلا خالقها، أو مَنْ علَّمه الله واختصَّه بمزيد من فضله.
والعجيب في مسألة الهدهد أنه ذكر سبباً واحداً لوجوب الإيمان بالله وتوحيده تعالى، فقال: أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٥] فذكر الأمر الخاص به وهو إخراج خبأ الأرض، ومعلوم أن للهدهد منقاراً طويلاً، يُخرج به الدود من تحت سطح التربة ويتغذى عليه.
وقوله: وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت: ٢١] يعني: لا تظنوا أن الله خلقكم وترككم هملاً، إنما خلقكم لغاية ولا بدّ لكم من الرجوع إليه، والمثول بين يديه يحاسبكم على النقير والقطمير، والقليل والكثير، ويجازيكم بأعمالكم فلن تنفلتوا منه سبحانه، ستقفون بين يديه للحساب يُعدِّد عليكم نعمه، ويرى مَنْ شكرها ومَنْ كفرها.
آية رقم ٢٢
يعني: لقد فاتكم شيء هام ما تنبهتم إليه، وهو أنكم كنتم تستترون عن الخَلْق أنْ يراك أحد حال المعصية، ونسيتم أن الله مُطَّلع عليكم يراكم ويرقب أفعالكم وما كنتم تستترون عن أنفسكم وجوارحكم، وغاب عنكم أن الجوارح شاهدة عليكم يوم القيامة.
فاليد التي ضربتَ بها، والرِّجْل التي سعيتَ بها، واللسان والأذن والعين، كل الجوارح ستأتي شاهدة عليك يوم القيامة، هذه الجوارح التي أمرها الله أنْ تنفعل لمراداتك في الدنيا وتطيعك في كل ما تريد ستتحرر من هذا القيد يوم القيامة، فلا يكون لك سلطان عليها، ساعتها ستشهد عليك.
فإنْ أطاعتك في المعاصي في الدنيا، لأن الله سخرها لك فقد أطاعتك وهي كارهة لفعلك بريئة منه، أما وقد عاد الجميع إلى الله، وصار الملْك كله لله لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ [غافر: ١٦] فلا عجبَ إذن أنْ تشهد عليكم جوارحكم، وأنْ تكون خصماً لكم أمام خالقها عز وجل.
وسبق أنْ مثَّلْنا لهذه المسألة بقائد الكتيبة في الجيش يأمر جنوده فيأتمرون بأمره ينفذون الأوامر حتى لو كانت خاطئة، حتى إذا ما جاءوا إلى القائد الأعلى شكوْا إليه تعسُّف القائد المباشر، وقالوا: فعل بنا كذا وكذا.
كذلك جوارح الإنسان أمرها الله أنْ تطيعه حتى في المعصية، وأنْ تنفعل لمراداته، فجوارحك تطيعك في كل شيء تريده، في الخير وفي الشر.
وقوله: وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٢] الحق سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: إذا كنتَ لا تستطيع أنْ تفعل في إنسان مثلك عملاً يسوؤه على مرأى ومسمع منه عيني عينك هكذا، فكيف تفعلها مع الله عز وجل؟
فاليد التي ضربتَ بها، والرِّجْل التي سعيتَ بها، واللسان والأذن والعين، كل الجوارح ستأتي شاهدة عليك يوم القيامة، هذه الجوارح التي أمرها الله أنْ تنفعل لمراداتك في الدنيا وتطيعك في كل ما تريد ستتحرر من هذا القيد يوم القيامة، فلا يكون لك سلطان عليها، ساعتها ستشهد عليك.
فإنْ أطاعتك في المعاصي في الدنيا، لأن الله سخرها لك فقد أطاعتك وهي كارهة لفعلك بريئة منه، أما وقد عاد الجميع إلى الله، وصار الملْك كله لله لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ [غافر: ١٦] فلا عجبَ إذن أنْ تشهد عليكم جوارحكم، وأنْ تكون خصماً لكم أمام خالقها عز وجل.
وسبق أنْ مثَّلْنا لهذه المسألة بقائد الكتيبة في الجيش يأمر جنوده فيأتمرون بأمره ينفذون الأوامر حتى لو كانت خاطئة، حتى إذا ما جاءوا إلى القائد الأعلى شكوْا إليه تعسُّف القائد المباشر، وقالوا: فعل بنا كذا وكذا.
كذلك جوارح الإنسان أمرها الله أنْ تطيعه حتى في المعصية، وأنْ تنفعل لمراداته، فجوارحك تطيعك في كل شيء تريده، في الخير وفي الشر.
وقوله: وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٢] الحق سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: إذا كنتَ لا تستطيع أنْ تفعل في إنسان مثلك عملاً يسوؤه على مرأى ومسمع منه عيني عينك هكذا، فكيف تفعلها مع الله عز وجل؟
آية رقم ٢٣
قوله: وَذَلِكُمْ.. [فصلت: ٢٣] أي: أفعالكم التي فعلتموها ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ.. [فصلت: ٢٣] يعني: ظننتم أنه سبحانه لا يعلم ما تفعلون أَرْدَاكُمْ.. [فصلت: ٢٣] يعني: أهلككم هذا الظن فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ [فصلت: ٢٣].
آية رقم ٢٤
أي: فإنْ يصبروا على ما هم عليه ويصروا على الكفران والجدل مع الرسل، ماذا يحدث فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ أمر من اثنين. الإنسان حين يخالف أوامر خالقه ويأتيه رسول يقول له، لا تفعل فإنْ كفّ فهو خير له، وإنْ أصرَّ وتمادى فالنار مثوىً له.
ومعنى يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ يستعتبوا يطلبون العتبى. يقال: عتب فلان على فلان. يعني: لامه على أمر ما كان يصح أنْ يكون منه، يقول: مثلاً أنا مرضتُ فلم تزرني، هذا عتاب، فيقول: معذرة فقد كنت مشغولاً بكذا وكذا فساعة يُبيِّن له العذر فقد أعتبه يعني أزال عتبه، وهذا لا يكون لهم في الآخرة فإن طلبوا العتاب لم يعتبوا.
لذلك جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الطائف بعد أن آذاه قومها، قال فيما قال صلى الله عليه وسلم وهو يناجي ربه:"لك العُتْبى حتى ترضى" يعني: إنْ كان بدر مني شيء يغضبك فأنا أزيله وأعترف أنني ضعيف أطلب قبول العتاب...
إذن: أنت لا تعاتب إلا إذا كنتَ محباً لمن تعاتبه، حريصاً على علاقتك به. نقول: عتبت عليه فأعتبني يعني: أزال عَتْبي، أما هؤلاء في الآخرة فلن يقبل اللهُ منهم عتاباً ولن يزيل عتبهم، والهمزة في أعتب تسمَّى همزة الإزالة...
ومعنى يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ يستعتبوا يطلبون العتبى. يقال: عتب فلان على فلان. يعني: لامه على أمر ما كان يصح أنْ يكون منه، يقول: مثلاً أنا مرضتُ فلم تزرني، هذا عتاب، فيقول: معذرة فقد كنت مشغولاً بكذا وكذا فساعة يُبيِّن له العذر فقد أعتبه يعني أزال عتبه، وهذا لا يكون لهم في الآخرة فإن طلبوا العتاب لم يعتبوا.
لذلك جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الطائف بعد أن آذاه قومها، قال فيما قال صلى الله عليه وسلم وهو يناجي ربه:"لك العُتْبى حتى ترضى" يعني: إنْ كان بدر مني شيء يغضبك فأنا أزيله وأعترف أنني ضعيف أطلب قبول العتاب...
إذن: أنت لا تعاتب إلا إذا كنتَ محباً لمن تعاتبه، حريصاً على علاقتك به. نقول: عتبت عليه فأعتبني يعني: أزال عَتْبي، أما هؤلاء في الآخرة فلن يقبل اللهُ منهم عتاباً ولن يزيل عتبهم، والهمزة في أعتب تسمَّى همزة الإزالة...
آية رقم ٢٥
معنى وَقَيَّضْنَا لَهُمْ.. يعني: أعددنا لهم وهيّأنا لهم قُرَنَآءَ.. أصحاباً يلازمونهم، وأصل المقايضة في البيع والشراء كأنْ تدفع الثمن وتأخذ السلعة؛ لأن الله تعالى يريد للعبد أنْ يسير على طريق الخير الذي رسمه الله له، وطريق الخير المرسوم لك من الله يريد منه أنْ يؤكد صدقك في التوجه إليه، فيأتي بقرناء يعترضون طريقك ويحاولون صَرْفك عنه.
فإنْ أطعتَ هؤلاء القرناء ملْتَ معهم وضللتَ طريقك الذي اختاره الله لك، وإنْ عصيتهم فقد نجوْتَ وخابت معك حيل الشيطان الذي يُزيِّن لك سواء من شياطين الإنس أو من شياطين الجن.
فكأن الشيطان ما جاء إلا ليختبر إيمان المؤمن فهو يُوسوس للجميع، ويُزيِّن الشر للجميع، لكن قويّ الإيمان يقف أمام هذه الوسوسة ويعرف مصدرها فلا يطيع، أما ضعيف الإيمان فينقاد ويقع في المخالفة، ولولا وجود الشيطان لكان الإيمانُ رتابةً لا معارضَ لها، لكن وُجِد المعارض، ومع ذلك ثبت أهل الإيمان على إيمانهم.
قوله: فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ.. ما بين أيديهم: الموجود الحالي من الشهوات، وما خلفهم: أي: ما ينتظرهم من أمر القيامة والحساب وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ.
فإنْ أطعتَ هؤلاء القرناء ملْتَ معهم وضللتَ طريقك الذي اختاره الله لك، وإنْ عصيتهم فقد نجوْتَ وخابت معك حيل الشيطان الذي يُزيِّن لك سواء من شياطين الإنس أو من شياطين الجن.
فكأن الشيطان ما جاء إلا ليختبر إيمان المؤمن فهو يُوسوس للجميع، ويُزيِّن الشر للجميع، لكن قويّ الإيمان يقف أمام هذه الوسوسة ويعرف مصدرها فلا يطيع، أما ضعيف الإيمان فينقاد ويقع في المخالفة، ولولا وجود الشيطان لكان الإيمانُ رتابةً لا معارضَ لها، لكن وُجِد المعارض، ومع ذلك ثبت أهل الإيمان على إيمانهم.
قوله: فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ.. ما بين أيديهم: الموجود الحالي من الشهوات، وما خلفهم: أي: ما ينتظرهم من أمر القيامة والحساب وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ.
آية رقم ٢٦
تميَّز العربُ قديماً بمَلَكة عربية تتذوَّق اللغة وتجيد أساليبها وفنونها، بدليل أنهم جعلوا للكلمة مؤتمرات وأسواقاً، ففي حين كانت البلاد الأخرى تقيم المعارض والأسواق لترويج بضاعتهم، لم يكُنْ عند العرب بضاعة غير الكلام والفصاحة، فجعلوا لها سوقاً ينشد فيها أجود أشعارهم ثم يختارون أفضله، ويُعلقونه على أستار الكعبة، وهو أشرف مكان على الأرض، وهذا أمر لم يحدث في أي أمة أخرى.
لذلك اختار الحق سبحانه أمة العرب لتتلقى منهجه، وتبلغ دعوته سبحانه إلى خَلْقه ونزل عليها القرآن لأنها الأمة الوحيدة التي ستفهم لغته وتتذوقها.
إذن: جاء القرآن على أمة لها نبوغٌ في اللغة والبيان لتكون مجالاً للتحدي، وحين تعجز أمام تحدِّي القرآن فعَجْز غيرها من باب أَوْلَى، وأيضاً فلم يجعل الله لهم تقدُّماً في شيء غير تقدمهم اللغوي والبياني؛ لأن مفتاح الدين ومعجزة الرسالة ستكون هي القرآن.
ولو كانت هذه الأمة أمةَ تقدُّم وحضارة في أيِّ مجال من المجالات غير اللغة لقالوا عن الإسلام ثورة حضارية، لا ليست أمة حضارية بل أمة أمية ورسولها أيضاً أُمِّي.
ومن هنا كانت الأمية ميْزةً وشرفاً لرسول الله، لكنها ليستْ شرفاً فينا نحن لأنَّ أمية رسول الله تعني أنه لم تدخل عليه معلومة من البشر، وإنما كلّ معلوماته من الله، فمَنْ إذن ربَّاهُ، ومَنْ أدَّبه، ومَنْ علّمه؟ الله.
فإذا كانت الأمة أُميّة، ورسولها أمياً، فهذا دليلٌ على أن كلَّ منافذ الخير في هذه الأمة ليستْ من عند البشر.
وأيضاً تميزتْ هذه الأمة بأنها أمة ليس لها وطن، فالعربي موطنه خيمته يضعها حيث وُجد الماء والعشب ويحملها على بعيره إلى أيِّ مكان آخر حين يجفّ الماء أو ينتهي الكلأ، ليس له وطن ولا بناء يعزّ عليه أن يفارقه، فبيته على ظهر جمله، لذلك قال تعالى: مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ.. [النحل ٨٠].
شيء آخر، وهو الأهمّ أن العرب كانوا دائماً في محلِّ قتال، وتظل الحربُ دائرةً بين القبائل إلى أربعين سنة، هذه الحروب جعلتهم كلهم أهل خبرة في فنون الحروب والقتال؛ لذلك ساعة احتاج رسولُ الله إلى جنود لنشر دعوته لم يُدرِّب أحداً على القتال، إنما وجد جنوداً جاهزين على أُهْبة الاستعداد للقتال، لذلك لم يكُنْ هناك مدارس حربية ولا معسكرات للتدريب.
فإذا أخذنا في الاعتبار أن العربي لم يكُنْ له وطن يرتبط به، وأنه ذو قدرة وكفاءة في فنون القتال، علماً أنه من السهل تكوين الجيش، ومن السهل إرسال جماعة هنا وجماعة هناك يحملون راية الإسلام، وقد أرسلهم رسول الله بالفعل إلى فارس وإلى الروم وإلى الحبشة.. إلخ فسَهُلَ ذلك عليهم.
لذلك لم يكُنْ لرسول الله جيشٌ مُعَدٌّ وموقوف للقتال، لأنه ليس في حاجة إلى هذا الجيش، فإنْ أراد القتال نادى فقط (حيَّ على الجهاد) فيجتمع عليه الصحابة خاصة الشباب منهم يتسابقون إلى الخروج مع رسول الله، لدرجة أن رسول الله كان يختار منهم فيقول: هذا يخرج وهذا لا يخرج، فكان الذي لا يقع عليه اختيار رسول الله يغضب وربما بكى لأنه لم يخرج للجهاد مع رسول الله.
إذن: تميَّزَتْ هذه الأمة بعدة خصال أهَّلتْهَا لأنْ تكون محلاً لمنهج الله وتبليغ رسالته، أولاً: كانت أمة بلاغة وفصاحة. ثانياً: كانت أمة ترحال لا توطن لهم. الثالث: أنهم كانوا على دراية بفنون الحرب والقتال ولم يحتاجوا إلى تدريب في معسكرات، بل كانوا على استعداد تام، كلما سمعوا هَيْعة طاروا إليها، وبذلك كانوا بطبيعتهم مُعدَّين لحَمْل هذه المهمة.
قوله تعالى حكاية عن كفار قريش: وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ.. [فصلت: ٢٦] جاء نتيجة تمكُّن العربي من اللغة، وتذوّقه لها، وفَهْمه لمعانيها، فلو تركوا القوم يستمعون لمحمد وهو يقرأ القرآن لا بدَّ أنْ يتأثروا به، ولا بدَّ أنْ يميلوا وينجذبوا إليه، فما الحل؟
الحل عندهم لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ.. [فصلت: ٢٦] لأنهم علموا علمَ اليقين أنهم لو سمعوا لأخذهم القرآن بجمال أسلوبه، وجلال معانيه، وقوة أدائه، ولو كانوا يعلمون خلافَ ذلك ما نَهَوْا قومهم عن سماعه.
ولم يقف الأمر عند النهي عن السماع، بل وشوَّشوا عليه حين يقرأ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] إذن وسيلة الغلبة ألاَّ تسمعوا للقرآن، وأنْ تُشوِّشوا عليه حين يقرأ حتى لا تُعْطوا فرصة لمَنْ يسمع أن يتدبر وقولهم لَعَلَّكُمْ.. [فصلت: ٢٦] يعني: احتمال تكُون لكم الغلبة، إنْ فعلتم ذلك فهو أمر غير مؤكد عندهم.
والدليل على ذلك على أنهم آمنوا ببلاغة القرآن وإعجاز القرآن، وآخر المطاف لما ضاقتْ بهم الحِيَل قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه مجنون وردَّ الله عليهم، فقال لرسوله: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] وهل للمجنون خلق، وخلق عظيم؟
قالوا ذلك وهم يعلمون صدق رسول الله وأمانته وحُسْن سيرته فيهم، فقالوا: ساحر والرد على هذا سهل، فلو أن محمداً سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يَسْحركم كما سحرهم، وتنتهي المسـألة؟ وقال: شاعر وكذبوا أيضاً، لأنهم أمة كلام وبيانٍ، ويعلمون جيداً ما الشعر، وما جرَّبوا على محمد شيئاً من هذا.
وفي نهاية الأمر اعترفوا بصدق القرآن وبلاغته وإعجازه، لكن اعترضوا على أنْ ينزل على محمد بالذات، فقالوا: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
فالآفة ليستْ في القرآن، فالقرآن لا غبار عليه، الآفة في نزوله على محمد وهو فقير من عامة القوم، ليس سيِّداً من ساداتهم من عتبة وشيبة وغيرهما، وبذلك أقروا وشهدوا للقرآن بأنه كتاب كامل يستوعب كلَّ وجوه الخير وكمالات الخلْق اللازمة لصلاح الدنيا والآخرة، فاعتراضهم إذن على شخص رسول الله لا على القرآن.
لكنهم لم ينتبهوا إلى أنَّ شهادتهم للقرآن وإقرارهم بإعجازه أَوْلى عند رسول الله من شهادتكم له هو؛ لأن الذين آمنوا بالله وآمنوا بوحي الله كانوا أقربَ لرسول الله ممَّنْ أنكروه.
فالرومان لم يُصدِّقوا محمداً، لكنهم يؤمنون بكتاب ويؤمنون بوحي وبرسل، وفارس لم يكُنْ عندها هذا الإيمان الذين عند الرومان، فكانت قلوبُ رسول الله والمؤمنين تميل إلى الرومان، لأنهم أهلُ كتاب ويؤمنون بالله؛ لأن عصبية رسول الله لربه فوق عصبيته لنفسه، ألاَ ترى أن المسلمين حزنوا لما غُلِبَتْ الروم وفرحوا لما انتصروا بعد ذلك؟
لذلك اختار الحق سبحانه أمة العرب لتتلقى منهجه، وتبلغ دعوته سبحانه إلى خَلْقه ونزل عليها القرآن لأنها الأمة الوحيدة التي ستفهم لغته وتتذوقها.
إذن: جاء القرآن على أمة لها نبوغٌ في اللغة والبيان لتكون مجالاً للتحدي، وحين تعجز أمام تحدِّي القرآن فعَجْز غيرها من باب أَوْلَى، وأيضاً فلم يجعل الله لهم تقدُّماً في شيء غير تقدمهم اللغوي والبياني؛ لأن مفتاح الدين ومعجزة الرسالة ستكون هي القرآن.
ولو كانت هذه الأمة أمةَ تقدُّم وحضارة في أيِّ مجال من المجالات غير اللغة لقالوا عن الإسلام ثورة حضارية، لا ليست أمة حضارية بل أمة أمية ورسولها أيضاً أُمِّي.
ومن هنا كانت الأمية ميْزةً وشرفاً لرسول الله، لكنها ليستْ شرفاً فينا نحن لأنَّ أمية رسول الله تعني أنه لم تدخل عليه معلومة من البشر، وإنما كلّ معلوماته من الله، فمَنْ إذن ربَّاهُ، ومَنْ أدَّبه، ومَنْ علّمه؟ الله.
فإذا كانت الأمة أُميّة، ورسولها أمياً، فهذا دليلٌ على أن كلَّ منافذ الخير في هذه الأمة ليستْ من عند البشر.
وأيضاً تميزتْ هذه الأمة بأنها أمة ليس لها وطن، فالعربي موطنه خيمته يضعها حيث وُجد الماء والعشب ويحملها على بعيره إلى أيِّ مكان آخر حين يجفّ الماء أو ينتهي الكلأ، ليس له وطن ولا بناء يعزّ عليه أن يفارقه، فبيته على ظهر جمله، لذلك قال تعالى: مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ.. [النحل ٨٠].
شيء آخر، وهو الأهمّ أن العرب كانوا دائماً في محلِّ قتال، وتظل الحربُ دائرةً بين القبائل إلى أربعين سنة، هذه الحروب جعلتهم كلهم أهل خبرة في فنون الحروب والقتال؛ لذلك ساعة احتاج رسولُ الله إلى جنود لنشر دعوته لم يُدرِّب أحداً على القتال، إنما وجد جنوداً جاهزين على أُهْبة الاستعداد للقتال، لذلك لم يكُنْ هناك مدارس حربية ولا معسكرات للتدريب.
فإذا أخذنا في الاعتبار أن العربي لم يكُنْ له وطن يرتبط به، وأنه ذو قدرة وكفاءة في فنون القتال، علماً أنه من السهل تكوين الجيش، ومن السهل إرسال جماعة هنا وجماعة هناك يحملون راية الإسلام، وقد أرسلهم رسول الله بالفعل إلى فارس وإلى الروم وإلى الحبشة.. إلخ فسَهُلَ ذلك عليهم.
لذلك لم يكُنْ لرسول الله جيشٌ مُعَدٌّ وموقوف للقتال، لأنه ليس في حاجة إلى هذا الجيش، فإنْ أراد القتال نادى فقط (حيَّ على الجهاد) فيجتمع عليه الصحابة خاصة الشباب منهم يتسابقون إلى الخروج مع رسول الله، لدرجة أن رسول الله كان يختار منهم فيقول: هذا يخرج وهذا لا يخرج، فكان الذي لا يقع عليه اختيار رسول الله يغضب وربما بكى لأنه لم يخرج للجهاد مع رسول الله.
إذن: تميَّزَتْ هذه الأمة بعدة خصال أهَّلتْهَا لأنْ تكون محلاً لمنهج الله وتبليغ رسالته، أولاً: كانت أمة بلاغة وفصاحة. ثانياً: كانت أمة ترحال لا توطن لهم. الثالث: أنهم كانوا على دراية بفنون الحرب والقتال ولم يحتاجوا إلى تدريب في معسكرات، بل كانوا على استعداد تام، كلما سمعوا هَيْعة طاروا إليها، وبذلك كانوا بطبيعتهم مُعدَّين لحَمْل هذه المهمة.
قوله تعالى حكاية عن كفار قريش: وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ.. [فصلت: ٢٦] جاء نتيجة تمكُّن العربي من اللغة، وتذوّقه لها، وفَهْمه لمعانيها، فلو تركوا القوم يستمعون لمحمد وهو يقرأ القرآن لا بدَّ أنْ يتأثروا به، ولا بدَّ أنْ يميلوا وينجذبوا إليه، فما الحل؟
الحل عندهم لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ.. [فصلت: ٢٦] لأنهم علموا علمَ اليقين أنهم لو سمعوا لأخذهم القرآن بجمال أسلوبه، وجلال معانيه، وقوة أدائه، ولو كانوا يعلمون خلافَ ذلك ما نَهَوْا قومهم عن سماعه.
ولم يقف الأمر عند النهي عن السماع، بل وشوَّشوا عليه حين يقرأ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] إذن وسيلة الغلبة ألاَّ تسمعوا للقرآن، وأنْ تُشوِّشوا عليه حين يقرأ حتى لا تُعْطوا فرصة لمَنْ يسمع أن يتدبر وقولهم لَعَلَّكُمْ.. [فصلت: ٢٦] يعني: احتمال تكُون لكم الغلبة، إنْ فعلتم ذلك فهو أمر غير مؤكد عندهم.
والدليل على ذلك على أنهم آمنوا ببلاغة القرآن وإعجاز القرآن، وآخر المطاف لما ضاقتْ بهم الحِيَل قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه مجنون وردَّ الله عليهم، فقال لرسوله: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] وهل للمجنون خلق، وخلق عظيم؟
قالوا ذلك وهم يعلمون صدق رسول الله وأمانته وحُسْن سيرته فيهم، فقالوا: ساحر والرد على هذا سهل، فلو أن محمداً سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يَسْحركم كما سحرهم، وتنتهي المسـألة؟ وقال: شاعر وكذبوا أيضاً، لأنهم أمة كلام وبيانٍ، ويعلمون جيداً ما الشعر، وما جرَّبوا على محمد شيئاً من هذا.
وفي نهاية الأمر اعترفوا بصدق القرآن وبلاغته وإعجازه، لكن اعترضوا على أنْ ينزل على محمد بالذات، فقالوا: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
فالآفة ليستْ في القرآن، فالقرآن لا غبار عليه، الآفة في نزوله على محمد وهو فقير من عامة القوم، ليس سيِّداً من ساداتهم من عتبة وشيبة وغيرهما، وبذلك أقروا وشهدوا للقرآن بأنه كتاب كامل يستوعب كلَّ وجوه الخير وكمالات الخلْق اللازمة لصلاح الدنيا والآخرة، فاعتراضهم إذن على شخص رسول الله لا على القرآن.
لكنهم لم ينتبهوا إلى أنَّ شهادتهم للقرآن وإقرارهم بإعجازه أَوْلى عند رسول الله من شهادتكم له هو؛ لأن الذين آمنوا بالله وآمنوا بوحي الله كانوا أقربَ لرسول الله ممَّنْ أنكروه.
فالرومان لم يُصدِّقوا محمداً، لكنهم يؤمنون بكتاب ويؤمنون بوحي وبرسل، وفارس لم يكُنْ عندها هذا الإيمان الذين عند الرومان، فكانت قلوبُ رسول الله والمؤمنين تميل إلى الرومان، لأنهم أهلُ كتاب ويؤمنون بالله؛ لأن عصبية رسول الله لربه فوق عصبيته لنفسه، ألاَ ترى أن المسلمين حزنوا لما غُلِبَتْ الروم وفرحوا لما انتصروا بعد ذلك؟
آية رقم ٢٧
الحق سبحانه وتعالى لم يترك عذاب الذنوب إلى الآخرة حتى لا يستشري أهلُ الباطل في باطلهم، لكن يُعجِّل الله لأهل الباطل لوناً من العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة، وعذاب الآخرة أشد؛ لذلك قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
ثم يقول الحق سبحانه:
ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ... .
ثم يقول الحق سبحانه:
ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ... .
آية رقم ٢٨
ذَلِكَ يعني ما سبق ذكره من العذاب، والجحود هو الإنكار الشديد، فالذين كفروا حينما وقفوا موقفهم من الإسلام، وتبيَّن لهم كذب مَنْ دعوهم إلى الضلال وأضلوهم أصبح لهم ثأر ليس عند المؤمنين، إنما عند الكافرين الذين أضلوهم وأبعدوهم عن الإيمان؛ لذلك يوم القيامة يبحثون عنهم لينتقموا منهم، وليجعلوهم تحت أقدامهم، وتقوم معركة وجدال بين الفريقين التابعين والمتبوعين:
وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا... .
وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا... .
آية رقم ٢٩
الحق سبحانه وتعالى في أكثر من موضع من القرآن يُصوِّر لنا هذه المعركة الكلامية التي تدور بين الضالِّين والمضلِّين، وكيف أن كلَّ واحد منهما يُلقي باللائمة على الآخر ويتنصل هو من المسئولية.
لذلك إبليس سيغلب مَن اتبعه في الضلال، وستكون له الحجة الأقوى، كما قال تعالى حكاية عنه: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
يعني: لا سلطانَ حجة تقنعكم، ولا سلطانَ قوة تُرغمكم على الفعل، وعجيبٌ أن يقول الكافرون هنا في موقف القيامة رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا.. [فصلت: ٢٩] الآن يقولون ربنا، ويعترفون له سبحانه بالربوبية، ومعنى نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٩] يعني: نعذبهم نحن أولاً قبل أنْ تعذبهم أنت يا رب. وقولهم تَحْتَ أَقْدَامِنَا.. [فصلت: ٢٩] يعني: عذاب إهانة لا عذابَ إيلام.
ثم يقول سبحانه:
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا... .
لذلك إبليس سيغلب مَن اتبعه في الضلال، وستكون له الحجة الأقوى، كما قال تعالى حكاية عنه: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
يعني: لا سلطانَ حجة تقنعكم، ولا سلطانَ قوة تُرغمكم على الفعل، وعجيبٌ أن يقول الكافرون هنا في موقف القيامة رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا.. [فصلت: ٢٩] الآن يقولون ربنا، ويعترفون له سبحانه بالربوبية، ومعنى نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٩] يعني: نعذبهم نحن أولاً قبل أنْ تعذبهم أنت يا رب. وقولهم تَحْتَ أَقْدَامِنَا.. [فصلت: ٢٩] يعني: عذاب إهانة لا عذابَ إيلام.
ثم يقول سبحانه:
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا... .
آية رقم ٣٠
قالوا: ربنا الله، هناك لَفْظا رب وإله، ولكل لفظ منهما مجالٌ ومعنىً: فالربُّ هو الذي يربِّي ويخلق ويتعهَّدنا بالنعم والأفضال، ومنه قولنا: نربيه، يعني: نعطيه ما يُؤهله لمهمته، فالله ربٌّ خلق من عدم وأمدَّ من عُدم، وظل يأخذنا بحنان يُوضع لبعضنا في بعض، إلى أنْ نقوى ويشتد ساعدنا، ثم يكلفنا بعد ذلك تكليف الألوهية.
إذن: فعطاء الربوبية عطاء عام يعمُّ المؤمنَ والكافرَ، والطائعَ والعاصي. فالله رَبُّ الجميع وَسِع فضله كلَّ خَلْقه، خلقك وخلق لك مقومات حياتك قبل أنْ يخلقك، وجعل لك عقلاً تُميِّز به وتختار بين البدائل، فإنْ أحسنتَ التصرف بعقلك فيما أعطاك من مقومات تأخذ ثمرتها، وإنْ لم تحسن فأنت الخاسر، إذن: عطاء الربوبية للجميع، والأسباب مُتاحة للجميع تعطي مَنْ يستحق العطاء حتى لو كان كافراً...
لذلك كثيراً ما نتعجَّب من عطاء الله الواسع لغير المؤمنين، وأن في أيديهم كلَّ نعيم الدنيا وزخرفها في حين يُحرم منها المؤمن، ولا عجبَ في ذلك لأن هذا عطاءُ الربوبية، وهؤلاء أحسنوا استغلالَ الأسباب فأعطتْهم، ولو أحسنتم أنتم كذلك لأعطتكُمُ الأسباب...
فقوله: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ.. يعني: اعترفوا له سبحانه بالربوبية، وأقرُّوا أنه سبحانه هو الذي خلقنا وربَّانا وأعطانا وأنعم علينا، ومن العجيب أنه لم يُكلِّفنا إلا بعد أنْ بلغنا أشدّنا، يعني: تركني أربع في الدنيا وأنعم بنعمه خمسة عشر عاماً دون أنْ يُكلِّفني بشيء، لماذا؟
لأنه لا يكلفك إلا بعد تمام تكوينك واكتمال قوتك... إذن: التكليف لا يكون إلا بعد سِنِّ البلوغ واكتمال الرجولة، والذي يُكلِّفنا هو الله، فالربُّ خلق ورزق وربَّى، والله كلَّف وأمر بالعبادة، فالله هو المعبود يعني: مُطاع في أمره ونَهْيه، وقبل أنْ يكون مُطاعاً في أمره ونهيه أعطاك عطاءَ ربوبية، فكأنه قدَّم الخير لك أولاً قبل أنْ يأمرك بعبادته، فلا أقلَّ من أنْ تقدم الخير بأنْ تطيع مَنْ رباك...
إذن: نقول الربوبية عطاء، والألوهية تكليف، لكنه تكليف يعطيك أولاً لأنك في الدنيا، وعمر الدنيا هو مقدار وجودك أنت فيها، ولا دخْلَ لك في عمر الدنيا من لدُنْ آدم حتى قيام الساعة، لأن هذا الزمن كله لا يعنيك وهذه محكومة من الله طولاً، هذا يعيش عشرة أعوام، وهذا خمسين، وهذا مائة، فَطُول الأجل لا دخلَ لأحد فيه.
فبعد أن ذكر الحق سبحانه لنا طرفاً من الأمم المكذبة المعاندة للرسل وما آل إليه أمرهم من العذاب، يذكر سبحانه المقابل وهم أهل الإيمان والاستقامة على الجادة، فيقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ.. قلنا: العمل قول وفعل. فالقول عمل اللسان ويقابله الفعل، وهو عمل باقي الجوارح: فالرؤية للعين، والسمع للأذن، واللمس لليدين، والسعي للقدمين.. إلخ وكلٌّ من القول والفعل يُسمى عملاً.
فما عمل القلب؟ القلب من الناحية المادية هو الوعاء المسئول عن ضخ الدم، وهو سائل الحياة إلى باقي أجزاء الجسم، وهو وعاء الإيمان والاعتقاد، فإذا ما عمر باليقين والإيمان أشاع ذلك في كل ذرة من ذرات الجسم، لذلك نقول: عمل القلب الاعتقاد، والعقيدة هي الشيء المعقود الذي لا يُحَلُّ، الشيء الذي استقر في القلب فلا يخرج ليناقشه العقل من جديد.
قنا: إن الفكرة تُعرض أولاً على العقل ليبحثها ويناقشها، فإن اطمأن إليها ألقاها إلى القلب لتستقرّ فيه عقيدة راسخة، فالقلب إذن لا يستقبل إلا عقائدَ ثابتة، وهذه العقائد هي التي ستكون مبدأ لك في حركات حياتك.
ومن هنا نعلم أهمية دور اللسان وخطورته، فله نصف العمل، ولباقي الجوارح النصف الآخر، ثم هو المعبِّر عنك المصفح عَمَّا بداخلك، والجوارح كلها ينبغي أنْ تتفاعل مع الكون تفاعلاً إيجابياً، فالأذن تسمع، والعين ترى، والأنف يشم، واليد تلمس، فالجوارح تعطيني مادة الفكر وبها يصل المؤمن إلى آيات الله في الكون، بها يُعرف النافع ويُعرف الضار فيأخذ منها النافع ويبتعد عن الضار، فالأذن تسمع كل شيء، وعليك أن توجهها لسماع الخير وتبتعد بها عن سماع الشر وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان: ٧٢].
والعين تنظر بها إلى بديع صُنْع الله في كونه، وتغضُّها عن محارمه، وها هو الكون أمامك كتاب مفتوح، وما عليك إلا أن تقرأ ما فيه من آيات ومعجزات، والسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وأجرام ومجرَّات كلها تسير بنظام دقيق محكم، والأرض وما فيها من عناصر وما تنبته لنا من خيرات...
فإذا أُشْرِبَ الإنسان العقيدة الإيمانية أعلنها بلسانه فرحاً بها. وهنا يأتي دور اللسان المعبِّر عما في القلب والقائد لباقي الجوارح، لذلك ورد في الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من يوم إلا وتنادي الجوارحُ اللسانَ تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإذا استقمتَ استقمنا، وإذا اعوججتَ اعوججنا".
فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ دلَّ على قول المؤمنين الذي رسخ الإيمانُ في قلوبهم، فعبَّرت عنه الألسنة رَبُّنَا اللَّهُ مُوجدنا ومربِّينا الذي خلقنا من عدم، وأمدنا من عُدْم، وأعطانا الأمن والأمان، لأنه القائل: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥].
فالإنسان إنْ أراد حارساً استأجر له حارساً، فكيف به إذا نام حارسه، أما أنت أيها المؤمن ففي حراسة الله فنَمْ مطمئن القلب، لأن حارسك لا تأخذه سِنَة ولا نوم.
فالمؤمن حين يباشر كل هذا النعيم، وحين يرى مقومات حياته في متناول يده من طعام وشراب، وأمن وسلام، هواء يتنفسه وأرض تعطيه كل ما يشتهي، يفرح بعطاء الله له ولا يملك إلا أنْ يقول (رَبُّنَا اللهُ) لأنها أًصبحت عقيدة ثابتة في القلب.
وما دام ربك الله، فلا تحزن ولا تهتم لأمر الدنيا فاللهُ مُتولِّي أمرك، إنك ترى الولد في حياة أبيه لا يحمل هَمَّ شيء، ولا يفكر في غلاء الأسعار، ولا في توفير القوت والسلع والملابس.. إلخ لأن والده موجود، فما بالك إنْ كان الله هو الذي يتولاك؟ والله إن المؤمن الحق ليستحي أنْ يحمل همَّ الرزق أو العيش، وهو يعلم أن ربه الله.
وما دام رَبُّنَا اللَّهُ فلا كَرْبَ وأنت رَبٌّ. ربك سيتولاك، ويبعد عنك كل سوء، ويكفيك كل ما أهمك.
تذكرون قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون، فلما اتبعه فرعون بجنوده
قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] هكذا يقول واقع الأحداث، فأمامهم البحر وخلفهم جنود فرعون ولا مفرّ، لكن ماذا قال موسى؟ قال: (كلا) يعني: لن يدركونا ولن ينالوا منا. قالها من رصيده الإيماني وثقته في ربه وحمايته له، فما كان الله ليرسل رسولاً ثم يُسلمه لعدوه.
قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] لذلك جاءه الفرج من ربه في التو: فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: ٦٣].
تأمل هنا حراسة الله لأوليائه، وتأمل هذه المعجزة، وهذه الربوبية، فما أنْ قال موسى قولته بصدق الإيمان إلا وجاءه الردُّ، فسلب الله من الماء خاصية السيولة وتجمد الماء فسار على الجانبين، كل فِرق كالطود العظيم، وفي الوسط طريق جاف يابس عبر منه موسى وجنوده.
حتى إذا ما وصل الشاطئ الآخر أراد أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى سيولته ويغلق الطريق في وجه فرعون. فأرشده ربه وصحَّح له وجهة نظره فلله تدبير آخر، والموقف لم ينته بعد، فقال الله لموسى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ [الدخان: ٢٤].
بعد أن نجَّى الله موسى وقومه وذهب بهم إلى الصحراء جعل لنفس العصا دوراً آخر: وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً.. [البقرة: ٦٠] فالعصا واحدة يضرب بها الماء فيصير جبلاً، ويضرب بها الجبل فيتفجر بالماء، فالأثر مختلف لأن الفاعل هو الله القادر.
فقوله تعالى: رَبُّنَا اللَّهُ تعطينا فكرة إجمالية عن عطاء الربوبية للمادة وللقيم، فربُّك الذي أمدك بمقومات المادة ما كان ليتركك بدون مقومات الروح والقيم، فكما أخذتَ نِعَمه في المطعم والمشرب والمسكن فخُذْ نعمه في التكليف، لأنه بالتكليف يربي فيك الروح والقيم.
وهذا ينبغي أن نتأمل مثلاً قوله تعالى: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ٢٦].
فالله تعالى أعطاك الضروري من اللباس وهو ما يستر عورتك، ثم زادك الرياش وهو ترف اللباس والزينة التي يتباهى بها الإنسان.
لكن لا تنسَ أن لباس التقوى ذلك خير، يعني: أفضل من اللباس الأول، فلباس المادة يستر عورتك في الدنيا، أما لباس التقوى فيسترك في الدنيا وينجيك في الآخرة.
إذن: فهو عطاء ممتدّ باق خالد في الآخرة. فهو إذن خير لباس لمن وعى وفهم. فربُّك بربوبيته لنا أعطانا ما يقيم مادتنا وما يسعد دنيانا، وما كان سبحانه ليترك قلوبنا خالية من الأخلاق والقيم الروحية التي تُسعدنا في الآخرة...
وتأمل هذا الإقرار من المؤمنين حين قالوا رَبُّنَا اللَّهُ إقرار يجمع بين عطاء الربوبية والاعتراف به وعطاء الألوهية، فالرب هو نفسه الإله المعطي هو نفسه سبحانه المكلف، ومَنْ قَبلَ من ربه عطاء الربوبية وأخذ نعمه إيجاداً من عدم وإمداداً من عُدْم لا يليق به أنْ يترك تكاليفه، خاصة وهي تكاليف تسعد الإنسان في الدنيا والآخرة، ما جاءت لتضيق عليه أو تشق عليه.
فعطاء الربوبية موجود أيضاً في عطاء الألوهية، ومعلوم أن التكاليف جاءتْ فافعل ولا تفعل، وعليك أن تفعل في الأمر، وأنْ تنتهي عند النهي، وما لم يردْ فيه نصّ فأنت فيه حُرٌّ وتفعل أو لا تفعل.
ثم يقول تعالى حكايةً عن المؤمنين بعد أنْ قالوا ربنا الله وأقروا لله تعالى بالربوبية والألوهية، واستقرتْ عندهم هذه العقيدة راسخة ثابتة يقول: ثُمَّ اسْتَقَامُواْ يعني: بعد القول جاء العمل.
وتأمل هنا حرف العطف ثم، فهو يفيد في اللغة الترتيب والتراخي، ولم يقلْ سبحانه فاستقاموا لحكمة، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يعطيك فرصة لتتأمل فيها هذه العقيدة وتبحثها وتقتنع بها، أعطاك فرصة لتراجع هذه العقيدة في نفسك لتؤمن بها عن رضاً، وتعمل بها عن اقتناع، لتقبل عليها في حب قد يصل بك إلى درجة العشق لهذه الاستقامة.
ومعنى الاستقامة: أخْذ الشيء على قوامه، وهي تتطلب سَيْراً على خط مستقيم، الذي سمَّاه الله الصراط المستقيم، فالله يريد منك أيها المؤمن أنْ تجعل الوسيلة إلى الغاية من عمل التكليف مثل الصراط لا تميل عنه قيد شعرة، ولا تنحرف عن جادته.
فأنت حين تسير في شارع متسع يمكن في السير أن تذهب هنا مرة وهنا مرة، نعم يجوز لك ذلك، لكن لا تنْسَ أنه يطيل عليك المسافة ويزيد المشقة.
لذلك سمَّى الله طريقه الموصِّل إلى جنته الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] وفي موضع آخر قال سَوَآءَ السَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨] يعني: في وسطه دون انحراف.
فإذا كانت الغاية بعيدة احتاجت منك للوصول إليها إلى الإسراع في الحركة لتدرك ما تريد، فما بالك بمن كانت غايته الجنة؟ لا شكّ أنه يسرع إليها ولا يدخر في سبيل الوصول إليها وُسْعاً.
لذلك نقول: لا ينبغي للمؤمن أنْ يكره الموت لأنه سيُوصِّله إلى غايته، إنما يكرهه إنْ كان عمله غير صالح، نعم يكره أنْ يلقى الله وهو على غير الصلاح. فعند ظهور النتيجة مثلاً ترى الطالب المجتهد يُسرع إليها، لماذا؟ لأنه مطمئن إليها، أما الكسول فتراه بطيئاً غير مهتم.
لذلك ربنا تبارك وتعالى يُعلِّمنا: وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَٰوَٰتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣].
وقال في وصف المؤمنين: إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء: ٩٠] والمعنى: إياك أنْ تشغلك دنياك، أو تقيد حركتك إلى الآخرة، بل سارع اجِرْ في اتجاهها، لأنك لا تعرف كم تقطع من الطريق قبل أنْ يدركك الموت.
ومن عدالته سبحانه مع عبده أنْ أخذ لنفسه عمر العبد طولاً، لكن ترك له بُعدين آخرين هما العرض والعمق، كيف؟ قالوا: عمرك من حيث الزمن طولاً لا يعلمه إلا الله، ولا يملك نهايته إلا الله وحده، لكن ترك لك أنْ تمد في العرض كما شئتَ، فيمكنك أنْ تستثمر اللحظة التي تعيشها وتُوسِّع دائرة الخير فيها، وبذلك يكون العرضُ أكبر من الطول فليستْ العبرةُ بطول العمر، ولكن بقدر العمل الصالح فيه.
فمن الناس مَنْ يعمل في العمر القصير أعمالاً جليلة لا يعملها صاحب العمر الطويل، لذلك لما وصف الله لنا الجنة قال: وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَٰوَٰتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣].
فذكر العرض، وإذا كان عرضها السماوات والأرض، فما بالك بطولها؟
ثم أعطاك بُعداً آخر هو العمق، والعمق في العمر يكون للإنسان بعد موته وانقطاع عمله في الدنيا، وذلك بأن يبقى أثره خيره من بعده ممتداً في عمق الزمان.
والحق سبحانه حين يأمرنا بالسير على الصراط المستقيم، وحين يأمرنا بالمسارعة في الخيرات إنما يريد لنا أيسرَ السُّبل التي تُوصِّلنا إلى أشرف الغايات بأقلِّ مجهود، ومعلوم عند علماء الهندسة أن الخطَّ المستقيم هو أقربُ طريق وأقصر مسافة بين نقطتين...
إذن: فعطاء الربوبية عطاء عام يعمُّ المؤمنَ والكافرَ، والطائعَ والعاصي. فالله رَبُّ الجميع وَسِع فضله كلَّ خَلْقه، خلقك وخلق لك مقومات حياتك قبل أنْ يخلقك، وجعل لك عقلاً تُميِّز به وتختار بين البدائل، فإنْ أحسنتَ التصرف بعقلك فيما أعطاك من مقومات تأخذ ثمرتها، وإنْ لم تحسن فأنت الخاسر، إذن: عطاء الربوبية للجميع، والأسباب مُتاحة للجميع تعطي مَنْ يستحق العطاء حتى لو كان كافراً...
لذلك كثيراً ما نتعجَّب من عطاء الله الواسع لغير المؤمنين، وأن في أيديهم كلَّ نعيم الدنيا وزخرفها في حين يُحرم منها المؤمن، ولا عجبَ في ذلك لأن هذا عطاءُ الربوبية، وهؤلاء أحسنوا استغلالَ الأسباب فأعطتْهم، ولو أحسنتم أنتم كذلك لأعطتكُمُ الأسباب...
فقوله: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ.. يعني: اعترفوا له سبحانه بالربوبية، وأقرُّوا أنه سبحانه هو الذي خلقنا وربَّانا وأعطانا وأنعم علينا، ومن العجيب أنه لم يُكلِّفنا إلا بعد أنْ بلغنا أشدّنا، يعني: تركني أربع في الدنيا وأنعم بنعمه خمسة عشر عاماً دون أنْ يُكلِّفني بشيء، لماذا؟
لأنه لا يكلفك إلا بعد تمام تكوينك واكتمال قوتك... إذن: التكليف لا يكون إلا بعد سِنِّ البلوغ واكتمال الرجولة، والذي يُكلِّفنا هو الله، فالربُّ خلق ورزق وربَّى، والله كلَّف وأمر بالعبادة، فالله هو المعبود يعني: مُطاع في أمره ونَهْيه، وقبل أنْ يكون مُطاعاً في أمره ونهيه أعطاك عطاءَ ربوبية، فكأنه قدَّم الخير لك أولاً قبل أنْ يأمرك بعبادته، فلا أقلَّ من أنْ تقدم الخير بأنْ تطيع مَنْ رباك...
إذن: نقول الربوبية عطاء، والألوهية تكليف، لكنه تكليف يعطيك أولاً لأنك في الدنيا، وعمر الدنيا هو مقدار وجودك أنت فيها، ولا دخْلَ لك في عمر الدنيا من لدُنْ آدم حتى قيام الساعة، لأن هذا الزمن كله لا يعنيك وهذه محكومة من الله طولاً، هذا يعيش عشرة أعوام، وهذا خمسين، وهذا مائة، فَطُول الأجل لا دخلَ لأحد فيه.
فبعد أن ذكر الحق سبحانه لنا طرفاً من الأمم المكذبة المعاندة للرسل وما آل إليه أمرهم من العذاب، يذكر سبحانه المقابل وهم أهل الإيمان والاستقامة على الجادة، فيقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ.. قلنا: العمل قول وفعل. فالقول عمل اللسان ويقابله الفعل، وهو عمل باقي الجوارح: فالرؤية للعين، والسمع للأذن، واللمس لليدين، والسعي للقدمين.. إلخ وكلٌّ من القول والفعل يُسمى عملاً.
فما عمل القلب؟ القلب من الناحية المادية هو الوعاء المسئول عن ضخ الدم، وهو سائل الحياة إلى باقي أجزاء الجسم، وهو وعاء الإيمان والاعتقاد، فإذا ما عمر باليقين والإيمان أشاع ذلك في كل ذرة من ذرات الجسم، لذلك نقول: عمل القلب الاعتقاد، والعقيدة هي الشيء المعقود الذي لا يُحَلُّ، الشيء الذي استقر في القلب فلا يخرج ليناقشه العقل من جديد.
قنا: إن الفكرة تُعرض أولاً على العقل ليبحثها ويناقشها، فإن اطمأن إليها ألقاها إلى القلب لتستقرّ فيه عقيدة راسخة، فالقلب إذن لا يستقبل إلا عقائدَ ثابتة، وهذه العقائد هي التي ستكون مبدأ لك في حركات حياتك.
ومن هنا نعلم أهمية دور اللسان وخطورته، فله نصف العمل، ولباقي الجوارح النصف الآخر، ثم هو المعبِّر عنك المصفح عَمَّا بداخلك، والجوارح كلها ينبغي أنْ تتفاعل مع الكون تفاعلاً إيجابياً، فالأذن تسمع، والعين ترى، والأنف يشم، واليد تلمس، فالجوارح تعطيني مادة الفكر وبها يصل المؤمن إلى آيات الله في الكون، بها يُعرف النافع ويُعرف الضار فيأخذ منها النافع ويبتعد عن الضار، فالأذن تسمع كل شيء، وعليك أن توجهها لسماع الخير وتبتعد بها عن سماع الشر وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان: ٧٢].
والعين تنظر بها إلى بديع صُنْع الله في كونه، وتغضُّها عن محارمه، وها هو الكون أمامك كتاب مفتوح، وما عليك إلا أن تقرأ ما فيه من آيات ومعجزات، والسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وأجرام ومجرَّات كلها تسير بنظام دقيق محكم، والأرض وما فيها من عناصر وما تنبته لنا من خيرات...
فإذا أُشْرِبَ الإنسان العقيدة الإيمانية أعلنها بلسانه فرحاً بها. وهنا يأتي دور اللسان المعبِّر عما في القلب والقائد لباقي الجوارح، لذلك ورد في الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من يوم إلا وتنادي الجوارحُ اللسانَ تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإذا استقمتَ استقمنا، وإذا اعوججتَ اعوججنا".
فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ دلَّ على قول المؤمنين الذي رسخ الإيمانُ في قلوبهم، فعبَّرت عنه الألسنة رَبُّنَا اللَّهُ مُوجدنا ومربِّينا الذي خلقنا من عدم، وأمدنا من عُدْم، وأعطانا الأمن والأمان، لأنه القائل: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥].
فالإنسان إنْ أراد حارساً استأجر له حارساً، فكيف به إذا نام حارسه، أما أنت أيها المؤمن ففي حراسة الله فنَمْ مطمئن القلب، لأن حارسك لا تأخذه سِنَة ولا نوم.
فالمؤمن حين يباشر كل هذا النعيم، وحين يرى مقومات حياته في متناول يده من طعام وشراب، وأمن وسلام، هواء يتنفسه وأرض تعطيه كل ما يشتهي، يفرح بعطاء الله له ولا يملك إلا أنْ يقول (رَبُّنَا اللهُ) لأنها أًصبحت عقيدة ثابتة في القلب.
وما دام ربك الله، فلا تحزن ولا تهتم لأمر الدنيا فاللهُ مُتولِّي أمرك، إنك ترى الولد في حياة أبيه لا يحمل هَمَّ شيء، ولا يفكر في غلاء الأسعار، ولا في توفير القوت والسلع والملابس.. إلخ لأن والده موجود، فما بالك إنْ كان الله هو الذي يتولاك؟ والله إن المؤمن الحق ليستحي أنْ يحمل همَّ الرزق أو العيش، وهو يعلم أن ربه الله.
وما دام رَبُّنَا اللَّهُ فلا كَرْبَ وأنت رَبٌّ. ربك سيتولاك، ويبعد عنك كل سوء، ويكفيك كل ما أهمك.
تذكرون قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون، فلما اتبعه فرعون بجنوده
قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] هكذا يقول واقع الأحداث، فأمامهم البحر وخلفهم جنود فرعون ولا مفرّ، لكن ماذا قال موسى؟ قال: (كلا) يعني: لن يدركونا ولن ينالوا منا. قالها من رصيده الإيماني وثقته في ربه وحمايته له، فما كان الله ليرسل رسولاً ثم يُسلمه لعدوه.
قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] لذلك جاءه الفرج من ربه في التو: فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: ٦٣].
تأمل هنا حراسة الله لأوليائه، وتأمل هذه المعجزة، وهذه الربوبية، فما أنْ قال موسى قولته بصدق الإيمان إلا وجاءه الردُّ، فسلب الله من الماء خاصية السيولة وتجمد الماء فسار على الجانبين، كل فِرق كالطود العظيم، وفي الوسط طريق جاف يابس عبر منه موسى وجنوده.
حتى إذا ما وصل الشاطئ الآخر أراد أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى سيولته ويغلق الطريق في وجه فرعون. فأرشده ربه وصحَّح له وجهة نظره فلله تدبير آخر، والموقف لم ينته بعد، فقال الله لموسى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ [الدخان: ٢٤].
بعد أن نجَّى الله موسى وقومه وذهب بهم إلى الصحراء جعل لنفس العصا دوراً آخر: وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً.. [البقرة: ٦٠] فالعصا واحدة يضرب بها الماء فيصير جبلاً، ويضرب بها الجبل فيتفجر بالماء، فالأثر مختلف لأن الفاعل هو الله القادر.
فقوله تعالى: رَبُّنَا اللَّهُ تعطينا فكرة إجمالية عن عطاء الربوبية للمادة وللقيم، فربُّك الذي أمدك بمقومات المادة ما كان ليتركك بدون مقومات الروح والقيم، فكما أخذتَ نِعَمه في المطعم والمشرب والمسكن فخُذْ نعمه في التكليف، لأنه بالتكليف يربي فيك الروح والقيم.
وهذا ينبغي أن نتأمل مثلاً قوله تعالى: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ٢٦].
فالله تعالى أعطاك الضروري من اللباس وهو ما يستر عورتك، ثم زادك الرياش وهو ترف اللباس والزينة التي يتباهى بها الإنسان.
لكن لا تنسَ أن لباس التقوى ذلك خير، يعني: أفضل من اللباس الأول، فلباس المادة يستر عورتك في الدنيا، أما لباس التقوى فيسترك في الدنيا وينجيك في الآخرة.
إذن: فهو عطاء ممتدّ باق خالد في الآخرة. فهو إذن خير لباس لمن وعى وفهم. فربُّك بربوبيته لنا أعطانا ما يقيم مادتنا وما يسعد دنيانا، وما كان سبحانه ليترك قلوبنا خالية من الأخلاق والقيم الروحية التي تُسعدنا في الآخرة...
وتأمل هذا الإقرار من المؤمنين حين قالوا رَبُّنَا اللَّهُ إقرار يجمع بين عطاء الربوبية والاعتراف به وعطاء الألوهية، فالرب هو نفسه الإله المعطي هو نفسه سبحانه المكلف، ومَنْ قَبلَ من ربه عطاء الربوبية وأخذ نعمه إيجاداً من عدم وإمداداً من عُدْم لا يليق به أنْ يترك تكاليفه، خاصة وهي تكاليف تسعد الإنسان في الدنيا والآخرة، ما جاءت لتضيق عليه أو تشق عليه.
فعطاء الربوبية موجود أيضاً في عطاء الألوهية، ومعلوم أن التكاليف جاءتْ فافعل ولا تفعل، وعليك أن تفعل في الأمر، وأنْ تنتهي عند النهي، وما لم يردْ فيه نصّ فأنت فيه حُرٌّ وتفعل أو لا تفعل.
ثم يقول تعالى حكايةً عن المؤمنين بعد أنْ قالوا ربنا الله وأقروا لله تعالى بالربوبية والألوهية، واستقرتْ عندهم هذه العقيدة راسخة ثابتة يقول: ثُمَّ اسْتَقَامُواْ يعني: بعد القول جاء العمل.
وتأمل هنا حرف العطف ثم، فهو يفيد في اللغة الترتيب والتراخي، ولم يقلْ سبحانه فاستقاموا لحكمة، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يعطيك فرصة لتتأمل فيها هذه العقيدة وتبحثها وتقتنع بها، أعطاك فرصة لتراجع هذه العقيدة في نفسك لتؤمن بها عن رضاً، وتعمل بها عن اقتناع، لتقبل عليها في حب قد يصل بك إلى درجة العشق لهذه الاستقامة.
ومعنى الاستقامة: أخْذ الشيء على قوامه، وهي تتطلب سَيْراً على خط مستقيم، الذي سمَّاه الله الصراط المستقيم، فالله يريد منك أيها المؤمن أنْ تجعل الوسيلة إلى الغاية من عمل التكليف مثل الصراط لا تميل عنه قيد شعرة، ولا تنحرف عن جادته.
فأنت حين تسير في شارع متسع يمكن في السير أن تذهب هنا مرة وهنا مرة، نعم يجوز لك ذلك، لكن لا تنْسَ أنه يطيل عليك المسافة ويزيد المشقة.
لذلك سمَّى الله طريقه الموصِّل إلى جنته الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] وفي موضع آخر قال سَوَآءَ السَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨] يعني: في وسطه دون انحراف.
فإذا كانت الغاية بعيدة احتاجت منك للوصول إليها إلى الإسراع في الحركة لتدرك ما تريد، فما بالك بمن كانت غايته الجنة؟ لا شكّ أنه يسرع إليها ولا يدخر في سبيل الوصول إليها وُسْعاً.
لذلك نقول: لا ينبغي للمؤمن أنْ يكره الموت لأنه سيُوصِّله إلى غايته، إنما يكرهه إنْ كان عمله غير صالح، نعم يكره أنْ يلقى الله وهو على غير الصلاح. فعند ظهور النتيجة مثلاً ترى الطالب المجتهد يُسرع إليها، لماذا؟ لأنه مطمئن إليها، أما الكسول فتراه بطيئاً غير مهتم.
لذلك ربنا تبارك وتعالى يُعلِّمنا: وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَٰوَٰتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣].
وقال في وصف المؤمنين: إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء: ٩٠] والمعنى: إياك أنْ تشغلك دنياك، أو تقيد حركتك إلى الآخرة، بل سارع اجِرْ في اتجاهها، لأنك لا تعرف كم تقطع من الطريق قبل أنْ يدركك الموت.
ومن عدالته سبحانه مع عبده أنْ أخذ لنفسه عمر العبد طولاً، لكن ترك له بُعدين آخرين هما العرض والعمق، كيف؟ قالوا: عمرك من حيث الزمن طولاً لا يعلمه إلا الله، ولا يملك نهايته إلا الله وحده، لكن ترك لك أنْ تمد في العرض كما شئتَ، فيمكنك أنْ تستثمر اللحظة التي تعيشها وتُوسِّع دائرة الخير فيها، وبذلك يكون العرضُ أكبر من الطول فليستْ العبرةُ بطول العمر، ولكن بقدر العمل الصالح فيه.
فمن الناس مَنْ يعمل في العمر القصير أعمالاً جليلة لا يعملها صاحب العمر الطويل، لذلك لما وصف الله لنا الجنة قال: وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَٰوَٰتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣].
فذكر العرض، وإذا كان عرضها السماوات والأرض، فما بالك بطولها؟
ثم أعطاك بُعداً آخر هو العمق، والعمق في العمر يكون للإنسان بعد موته وانقطاع عمله في الدنيا، وذلك بأن يبقى أثره خيره من بعده ممتداً في عمق الزمان.
والحق سبحانه حين يأمرنا بالسير على الصراط المستقيم، وحين يأمرنا بالمسارعة في الخيرات إنما يريد لنا أيسرَ السُّبل التي تُوصِّلنا إلى أشرف الغايات بأقلِّ مجهود، ومعلوم عند علماء الهندسة أن الخطَّ المستقيم هو أقربُ طريق وأقصر مسافة بين نقطتين...
آية رقم ٣١
يعني: أنصاركم المقربين منكم والمؤيدين لكم في الدنيا وفي الآخرة، قالوا: لأن الملائكة جُبِلَتْ على الطاعة؛ لذلك عند خَلْق آدم قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: ٣٠] ردَّ الله عليهم قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠].
يعني: خلقتُ الملائكة مجبولين على الطاعة لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] والذي أريده طائعاً لا يملك أنْ يعصي، لكني أريد خَلْقاً آخر لا يأتُون إليِّ بالإكراه، إنما يأتونني طواعيةً ويُقبلون عليَّ محبة وهم يملكون أنْ يعصوا، يأتون أليَّ بالاختيار لا بالقهر والإجبار.
وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً قلنا: هَبْ أنَّ لك عبدين تربط أحدهما وتشدُّه إليك بسلسلة، والآخر حر طليق، وتنادي عليهما فيسرعان إليك. أيهما يكون أطوعَ لك من الآخر؟
فقوله: نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ [فصلت: ٣١] يعني: نأتيكم في الشدة فننصركم، وفي البلاء فنصبِّركم.
لذلك ورد في الحديث الشريف أن واحداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يقرأ القرآن وبجواره خَيْلٌ فسمع لها صياحاً وهمهمة، ورأى منها حركة غريبة، ورأى فوق رأسه نوراً، فذهب إلى سيدنا رسول الله وحكى له ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا من ولاية الملائكة لنا في الدنيا، أنا في الآخرة فهم أولياء لأنهم سيكونون مندوبين عن الله في البعث وفي الحساب، وفي استقبال أهل الجنة بالسلام كما حكى الحق سبحانه: سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣].
وقال: سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ [الرعد: ٢٤] هذا سلام الملائكة، ثم يُسلِّم الله عليهم كذلك، كما في سورة (يس): سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يس: ٥٨].
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١] قالوا: ما تطلبه النفس من النعيم تجده أمامك بمجرد أن يخطر على بالك، فأيُّ رفاهية هذه؟ لقد ذهبنا إلى دول كثيرة ودخلنا أكبر الفنادق هناك، فكان قصارى ما وصلوا إليه أنك تضغط على زر معين يعطيك قهوة مثلاً، وعلى زر آخر يعطيك شاياً، فهل هناك أعظم مما أعدَّه الله لك في الجنة؟ مجرد أنْ يخطر ببالك الشيء تجده بين يديك، ثم إن فيها من النعيم "ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر".
لذلك لما أراد سبحانه أن يُصوِّر لنا الجنة لم يصفها صراحة، إنما قال سبحانه: مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ [محمد: ١٥] مثلها، ليستْ هي، لماذا؟ قالوا: لأن ألفاظ اللغة توضع لمَعانٍ ومُسمَّيات، ولا بُدَّ أنْ يُوجد المعنى أولاً ثم نضع له اللفظ الدالَّ عليه، فالمعدوم ليس له لفظ يدل عليه، (فالتليفزيون) مثلاً قبل أنْ يخترعوه ماذا كان اسمه؟ لم يكُنْ له اسم، كان معدوماً.
كذلك نعيم الجنة لا توجد في اللغة ألفاظ تدل عليه الآن، لأننا لا نعرفه ولا نعرف أسماء هذه الأشياء، فهي أشياء لم تَرَها عينٌ، ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على قلب بشر، فمن أين الألفاظ الدَّالة عليها؟
وقوله: وَلَكُمْ فِيهَا [فصلت: ٣١] أي: في الجنة مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ [فصلت: ٣١] المراد النفوس الإيمانية التي استقامت على طريق الله، فليس في الجنة محرَّم، وليس في الجنة مَنْ يشتهي المحرَّمات، فالنفس تشتهي الحلال، حتى محرَّمات الدنيا إنْ وُجدت في الآخرة فهي شيء آخر نُزِع منه سببُ التحريم.
فالخمر في الدنيا معروف أنها تُذهب العقلَ، وأنه لا لذةَ في شربها، أمَّا خمر الآخرة فقال الله عنها: وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [محمد: ١٥.]
وأنت تشاهد في (الأفلام) مثلاً مَنْ يشرب الخمر كيف يشربها؟ يصبُّها في فمه هكذا مرة واحدة، لماذا؟ لأن طعمها كريه يريد أنْ يُمرره من منطقة الذوق بسرعة، أما الذي يشرب كوباً من عصير المانجو مثلاً تراه يرشفه رشفةً رشفةً نقول (يمزمز) فيها، لأن طعمها لذة ورائحتها لذة.
كذلك في كل نعيم الجنة الذي له مثيل في الدنيا تجد الحق سبحانه يُنقِّيه من الشوائب ويُخلِّصه من الأضرار التي نعرفها في الدنيا، تأمل قوله تعالى عن ماء الآخرة: أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ [محمد: ١٥] يعني: لا يتغير ولا يصيبه عَطَن كماء الدنيا، وفي اللبن قال: وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد: ١٥] وقال عن العسل: وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى [محمد: ١٥].
إذن: لا تقُلْ: خمر كخمر الدنيا، ولا ماء كماء الدنيا، ولا لبن كاللبن الذي تشربه، لا إنما هي نعيم من نوع آخر نقّاه الخالق سبحانه، وصفّاه من شوائبه.
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١] يعني: لكم في الجنة كل ما تتمنونه، وكل ما تطلبونه.
يعني: خلقتُ الملائكة مجبولين على الطاعة لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] والذي أريده طائعاً لا يملك أنْ يعصي، لكني أريد خَلْقاً آخر لا يأتُون إليِّ بالإكراه، إنما يأتونني طواعيةً ويُقبلون عليَّ محبة وهم يملكون أنْ يعصوا، يأتون أليَّ بالاختيار لا بالقهر والإجبار.
وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً قلنا: هَبْ أنَّ لك عبدين تربط أحدهما وتشدُّه إليك بسلسلة، والآخر حر طليق، وتنادي عليهما فيسرعان إليك. أيهما يكون أطوعَ لك من الآخر؟
فقوله: نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ [فصلت: ٣١] يعني: نأتيكم في الشدة فننصركم، وفي البلاء فنصبِّركم.
لذلك ورد في الحديث الشريف أن واحداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يقرأ القرآن وبجواره خَيْلٌ فسمع لها صياحاً وهمهمة، ورأى منها حركة غريبة، ورأى فوق رأسه نوراً، فذهب إلى سيدنا رسول الله وحكى له ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا من ولاية الملائكة لنا في الدنيا، أنا في الآخرة فهم أولياء لأنهم سيكونون مندوبين عن الله في البعث وفي الحساب، وفي استقبال أهل الجنة بالسلام كما حكى الحق سبحانه: سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣].
وقال: سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ [الرعد: ٢٤] هذا سلام الملائكة، ثم يُسلِّم الله عليهم كذلك، كما في سورة (يس): سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يس: ٥٨].
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١] قالوا: ما تطلبه النفس من النعيم تجده أمامك بمجرد أن يخطر على بالك، فأيُّ رفاهية هذه؟ لقد ذهبنا إلى دول كثيرة ودخلنا أكبر الفنادق هناك، فكان قصارى ما وصلوا إليه أنك تضغط على زر معين يعطيك قهوة مثلاً، وعلى زر آخر يعطيك شاياً، فهل هناك أعظم مما أعدَّه الله لك في الجنة؟ مجرد أنْ يخطر ببالك الشيء تجده بين يديك، ثم إن فيها من النعيم "ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر".
لذلك لما أراد سبحانه أن يُصوِّر لنا الجنة لم يصفها صراحة، إنما قال سبحانه: مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ [محمد: ١٥] مثلها، ليستْ هي، لماذا؟ قالوا: لأن ألفاظ اللغة توضع لمَعانٍ ومُسمَّيات، ولا بُدَّ أنْ يُوجد المعنى أولاً ثم نضع له اللفظ الدالَّ عليه، فالمعدوم ليس له لفظ يدل عليه، (فالتليفزيون) مثلاً قبل أنْ يخترعوه ماذا كان اسمه؟ لم يكُنْ له اسم، كان معدوماً.
كذلك نعيم الجنة لا توجد في اللغة ألفاظ تدل عليه الآن، لأننا لا نعرفه ولا نعرف أسماء هذه الأشياء، فهي أشياء لم تَرَها عينٌ، ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على قلب بشر، فمن أين الألفاظ الدَّالة عليها؟
وقوله: وَلَكُمْ فِيهَا [فصلت: ٣١] أي: في الجنة مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ [فصلت: ٣١] المراد النفوس الإيمانية التي استقامت على طريق الله، فليس في الجنة محرَّم، وليس في الجنة مَنْ يشتهي المحرَّمات، فالنفس تشتهي الحلال، حتى محرَّمات الدنيا إنْ وُجدت في الآخرة فهي شيء آخر نُزِع منه سببُ التحريم.
فالخمر في الدنيا معروف أنها تُذهب العقلَ، وأنه لا لذةَ في شربها، أمَّا خمر الآخرة فقال الله عنها: وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [محمد: ١٥.]
وأنت تشاهد في (الأفلام) مثلاً مَنْ يشرب الخمر كيف يشربها؟ يصبُّها في فمه هكذا مرة واحدة، لماذا؟ لأن طعمها كريه يريد أنْ يُمرره من منطقة الذوق بسرعة، أما الذي يشرب كوباً من عصير المانجو مثلاً تراه يرشفه رشفةً رشفةً نقول (يمزمز) فيها، لأن طعمها لذة ورائحتها لذة.
كذلك في كل نعيم الجنة الذي له مثيل في الدنيا تجد الحق سبحانه يُنقِّيه من الشوائب ويُخلِّصه من الأضرار التي نعرفها في الدنيا، تأمل قوله تعالى عن ماء الآخرة: أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ [محمد: ١٥] يعني: لا يتغير ولا يصيبه عَطَن كماء الدنيا، وفي اللبن قال: وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد: ١٥] وقال عن العسل: وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى [محمد: ١٥].
إذن: لا تقُلْ: خمر كخمر الدنيا، ولا ماء كماء الدنيا، ولا لبن كاللبن الذي تشربه، لا إنما هي نعيم من نوع آخر نقّاه الخالق سبحانه، وصفّاه من شوائبه.
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١] يعني: لكم في الجنة كل ما تتمنونه، وكل ما تطلبونه.
آية رقم ٣٢
ﭷﭸﭹﭺ
ﭻ
النُّزُل هو المكان الذي أُعِدَّ للضيف ينزل فيه، ولا بُدَّ أنْ يعد هذا المكان بحيث يجد فيه الضيفَ كل ما يريد، فهو موطن الكرم، لذلك نسمي الفندق نُزُل، نعم نُزُل أعدَّه البشر للبشر، لكن الجنةَ نُزُل أعدَّه ربُّ البشر وخالقهم، أعدَّه لهم الغفور الرحيم بهم.
لذلك قلنا: إننا لما ذهبنا إلى (سان فرانسيسكو) وجدنا هناك فنادق على درجة عالية من الرقي وجودة الخدمة، ورأيت الإعجاب بها في أعين زملائي فأردتُ أنْ ألفتهم لفتةً إيمانية، فقلت لهم: تعجبون مما ترونه، انظروا إليه نظرةَ تأمل، فهذا ما أعدَّه البشر للبشر، فكيف بما أعدَّه الله ربُّ البشر للبشر؟...
وقوله: نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ دل على أن هذا النُّزل وهذا النعيم لا يناله العبد بعمله، إنما يناله بمغفرة الله ورحمته، وهذا يُفسِّر لنا الحديث النبوي الشريف:"لا يدخل أحد الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته".
لذلك قلنا: إننا لما ذهبنا إلى (سان فرانسيسكو) وجدنا هناك فنادق على درجة عالية من الرقي وجودة الخدمة، ورأيت الإعجاب بها في أعين زملائي فأردتُ أنْ ألفتهم لفتةً إيمانية، فقلت لهم: تعجبون مما ترونه، انظروا إليه نظرةَ تأمل، فهذا ما أعدَّه البشر للبشر، فكيف بما أعدَّه الله ربُّ البشر للبشر؟...
وقوله: نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ دل على أن هذا النُّزل وهذا النعيم لا يناله العبد بعمله، إنما يناله بمغفرة الله ورحمته، وهذا يُفسِّر لنا الحديث النبوي الشريف:"لا يدخل أحد الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته".
آية رقم ٣٣
بعد أنْ تكلم الحق سبحانه عن الكمال الذاتي للمؤمن الذي استكمل الإيمان وأعلنها: ربي الله، ثم استقام على طريقة، يقول بعد أن استقبل المؤمنُ الإيمانَ وباشرتْ حلاوتُه قلبه يفيض هذا الإيمان منه إلى غيره، وهذه مهمة من مهمات المؤمن أنْ ينقلَ الإيمان، وأنْ ينقلَ الخير إلى الغير.
المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحرص على إصلاح المجتمع من حوله، المؤمن لا يقف عند ذاته، ولا يكون أبداً أنانياً.
والحق سبحانه يمدح منزلة الدعوة إلى الله، ويجعلها أحسن ما يقول الإنسان: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ فأشرف الأعمال للذي تشبَّع قلبه بالإيمان أنْ يعدى هذا الإيمان إلى غيره، وأن ينقل له الصورة الإيمانية، فالمؤمن يصنع الخير لنفسه وللناس؛ ذلك لأن خير الناس عائد إليه أيضاً، كما أن شرَّهم لا بدَّ أنْ يناله وأنْ يصيبه من نصيب.
إذن: من مصلحتك أيها المؤمن أنْ يؤمن الناسُ، ومن مصلحتك أيها المستقيم على الجادة أنْ يستقيم الناسُ لذلك حمَّل اللهُ أمانة الدعوة إليه لكل مؤمن، لأنه سبحانه يريد أنْ يُعدَّى الإيمان ممَّنْ ذاقه إلى مَنْ لم يَذُقْه لتتسعَ رقعة الإيمان، ويعمّ الخير الجميع.
وأول عناصر الدعوة إلى الله أنْ ندعوَ إلى العقيدة أولاً وإلى الإيمان بالله، أن نقول: ربنا الله، نُقِرُّ بِها ونعلنها خالصةً بلا تردد، ثم نلفتهم إلى آيات الله في الكون، إلى الآيات الكونية إنْ كانوا لا يتأملونها، وإلى آيات المعجزات المصاحبة للرسل إنْ كانوا لا يعلمونها، ثم إلى آيات الذكر الحكيم التي تحمل منهج الله بافعل ولا تفعل.
وتأمل قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً الحق سبحانه أراد أنْ يُبيِّن لنا منزلة الدعوة إلى الله وفضل الداعية، لكن لم يأتِ بذلك في أسلوب خبري يُقرر هذه المنزلة إنما جاء بهذا السؤال وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً استفهام غرضه النفي، يعني: لا أحدَ أحسنُ من هذا الذي يدعو إلى الله، ولا قَوْلَ أحسن من قوله.
قالها الحق سبحانه في صورة سؤال لأنه سبحانه يعلم أنه لا جوابَ لها إلا أنْ نقول: لا أحدَ أحسنُ قوْلاً ممَّنْ دعا إلى الله، فجعلنا نحن نعلن هذه الحقيقة ونُقِرُّ بِها، والإقرار كما يقولون سيد الأدلة.
وأول داعية إلى الله هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل داعية من بعده يأخذ من معينه صلى الله عليه وسلم ويسير على خُطاه، ولما كان صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء فقد ترك لأمته هذه الرسالة، رسالة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فخيْر رسول الله لم ينقطع، بل ممتد في أمته من بعده، وكلُّ داعية بعده إنما يأخذ مقاماً من مقامه صلى الله عليه وسلم.
ومن رحمة الله بهذه الأمة أنْ جعل لها رادعاً من نفسها، جعل فيها فئةٌ باقية على الحق تُقوِّم المعْوج، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وسوف تظل هذه الفئة إلى يوم القيامة، لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَنْ خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".
لذلك قال سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠].
وهذه خاصية اختصَّ الله بها أمة محمد لأنه خاتمُ الرسل؛ لذلك لن يعم الشرَّ هذه الأمة، ولن يطمَّ فيها الفساد، ففيها حصانة من ذاتها. لقد كانت الأمم السابقة يستشري فيها الفساد حتى يعمَّها، فلا يكون فيها آمر بمعروف ولا ناهٍ عن منكر، وعندها كان لا بدَّ من إرسال رسولٍ جديد، يعيد الناس إلى الطريق المستقيم.
أما أمة محمد فلن يأتي فيها رسول جديد، لذلك جعل الله فيها هذه الحصانة، وجعلها خليفة لرسول الله في الدعوة إلى الله، وجعلها أمينة على هذه الدعوة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الخيرُ فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة".
وقد بيَّن الله تعالى أن الرسول سيشهد أنه بلَّغ أمته هذه الدعوة، وهذه الأمة ستشهد أنها بلَّغت دعوة رسولها إلى كلِّ الأمم، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣].
فشهادتنا على الأمم دليلٌ على أن الخير بَاقٍ فينا ولن ينقطع أبداً.
وقد حثَّنا رسولنا صلى الله عليه وسلم على حمل هذه الأمانة ورغَّبنا فيها حين قال صلى الله عليه وسلم: "نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرُبَّ مُبلِّغ أوْعَى من سامع".
والدعوة إلى الله مجال واسع يكون بالقول وبالفعل وبالقدوة الحسنة، يكون ببيان العقائد والعبادات والأحكام للناس بأسلوب شيق ممتع جذاب، لا يُنفِّر الناس، ولا يذهب بهم إلى يأس أو قنوط من رحمة الله.
الدعوة إلى الله فَنٌّ، اقرأ قوله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ.. [آل عمران: ١٥٩].
أين دعاتنا من قوله تعالى: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. [النحل: ١٢٥].
لا بدَّ أنْ نعلم أنَّ الدعوة إلى الله ليستْ مهمة علماء الدين المختصين فحسب، إنما مهمة كل مسلم في كل زمان وفي كل مكان، كُلٌّ في مجال عمله يستطيع أنْ يكون داعيةً، نعم داعية بفعله والتزامه وتفانيه وإخلاصه.
لقد أجمع علماء الأمة على أن الإسلام ما انتشر بحدِّ السيف، وما انتشر بالقوة بقدر ما انتشر بسيرة المسلمين الطيبة، وما تحلَّوْا به من تسامح وحُبٍّ للآخرين، ولنا فيهم قدوة.
الدعوة إلى الله مهمة كل مسلم ذاق حلاوة الإيمان ولذة التكاليف وأحبَّ للناس ما يحب لنفسه من الخير فينقله إليهم، والحق سبحانه ساعة يُكلِّفنا بالخير لا يترك أحداً ولا يحرم أحداً أنْ يكونَ له نصيبٌ من هذا الخير... هناك قضية تتعلق بالدعوة إلى الله، هي أن الإنسان منَّا قد يكون عاصياً لربه في ناحية ما، فهل يمنعه هذا العصيان أنْ يكون داعية إلى الله؟ قالوا: ينبغي ألاَّ تمنعك المعصية عن الدعوة، فلعلَّ الذي تدعوه يفعل ما لم تفعله أنت، ولعل هذه عملية جَبْر لما فيك من نقص.
يُحكَى أن رجلاً كان يطوف بالبيت، فسمع آخرَ يقول: اللهم إنك تعلم أنّي عاصيك ولكنِّي أحب مَنْ يطيعك، فاجعل اللهم حُبِّي لمن أطاعك شافعاً في معصيتي.
قالوا: حتى الذي يتكاسل عن الصلاة لا يمنعه ذلك من أن يدعو غيره إلى الصلاة، لأنها خير يشيعه في الناس لن يُحرَم أجره، فكل مَنْ أشاع خيراً له [أجر] عند الله، وهكذا لا يخلو مخلوق من أنْ يصيبه فضل الله الواسع، ولا يخلو مخلوق من خصلةِ خيرٍ لذاته أو لغيره، وهذه الإشاعة للخير في ذاتها دعوة إلى الله.
وقوله: وَعَمِلَ صَالِحاً.. يعني: دعا إلى الله بالقول ثم بالفعل، ودائماً ما يقرن القرآن بين القول والعمل، وعرفنا أن قدوةَ الفعل أعظمُ أثراً في النفوس من قدوة الكلام، وليس من الصواب أنْ تدعو الناس إلى شيء وأنت عنه بنجوى، يقول تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]... وقوله تعالى: وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ هذا إعلانٌ يعلنه المسلم ويفخر به، وسام على صدره، أنا مسلم، وإسلامي هو المنطلق الذي من خلاله تكون حركتي في الحياة، وهذه في حَدِّ ذاتها دعوةٌ إلى الله ونشرٌ لدين الله وإعلاءٌ لكلمة الله حين لا تنشغل بنفسك إنما تنشغل بدينك.
فإنْ أنجزتَ عملاً تنسبه إلى دين الله، تقول: لأن الله أمرني، فترفع دينَ الله عند الناس ولا تهتم بذاتك الفاعلة، وحين ترفع دين الله ثِقْ أنه رافعك معه.
إذن: فمن صفات المؤمن أنْ ينسبَ خيره وصلاحه لدينه وإسلامه.
لذلك نقف كثيراً عند قول قارون لما أعطاه الله المال والجاه والسلطان، فقال: إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ.. [القصص: ٧٨] فردَّ الله عليه: ما دمتَ أوُتيته على علم عندك فاحفظه بعلمك، وكانت النتيجة فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ.. [القصص: ٨١] فحين تصل إلى ابتكار أو اختراع أو صلاح في الكون فاجعله من منطلق الدين والمنهج، انسبه إلى دينك...
قلنا: إن العمل إما أن يكون لله، وإما أن يكون للناس، العمل لله شرطه الإخلاص وجزاؤك على الله في الآخرة، أما العمل للناس فيعطيك منزلة عندهم ووجاهة ورفعة، هذا جزاؤك وقد أخذته في الدنيا فلا حظَّ لك في ثواب الآخرة، فالإنسان يطلب أجره ممَّنْ عمل له.
لذلك ما سُئلْنَا عن علماء خدموا البشرية باختراعاتهم وإنجازاتهم وابتكاراتهم: هل لهم نصيب في الآخرة؟ نقول: لا ليس لهم نصيب لأنهم فعلوا للناس وللبشرية ولتقدم المجتمع، وأخذوا أجورهم صيتاً وسُمْعة وشهرة وتخليداً لذكراهم.. إلخ.
أما الله فلم يكن أبداً على بالهم حين فعلوا هذه الأشياء، واقرأوا قوله تعالى في شأن هؤلاء: وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً [الفرقان: ٢٣].
وفي موضع آخر قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩].
هكذا أعمال الكافرين في الآخرة كالسراب تحسبه شيئاً، فإذا ما ذهبتَ إليه لم تجده، وليْتَ أمرهم ينتهي عند هذا الحد إنما تفاجئهم الحقيقة التي طالما أنكروها في الدنيا
وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ.. [النور: ٣٩] نعم الله الذي أنكره أو كفر به يُوقفه ويحاسبه: أنت فعلتَ: ليقال وقد قيل فلا أجرَ لك عندي، ويبقى لك جزاء كفرك وعنادك.
إذن: نقول: ساعة تعلن أنك تعمل وتبتكر من منطلق إسلامك. ساعة تقول عملت لأنني مسلم، تُعلي شأن الإسلام وتلفت غير المسلمين إلى جمال هذا الدين، وأنت في ذلك داعية إلى الله، أنت على نهج نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فإنْ قابلتْكَ بعضُ الصعاب فاصبر، لأن رسولك أُوذِي في سبيل دعوته فصبر.
فالذي يحمل أمانة الدعوة ويعلنها: أنا مسلم، وإسلامي هو الضابط لكل حركاتي في الحياة ويصيبه سوءٌ يعلم أنه أخذ طرفاً من ميراث النبوة، فما من نبي إلا أوذي وكان له أعداء، فلا بدَّ لحَمَلة هذه المسئولية أنْ يكون لهم أعداء، وأنْ يُشتموا وأن تُكال لهم التهم، هذا أمر طبيعي في مسيرة الدعوة إلى الله.
يقول تعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً.. [الأنعام: ١١٢].
هذا يعني أن الداعية الذي يِسْلم من هذا الإيذاء ينقص حظُّه من ميراث النبوة، وحظه من تركة النبي صلى الله عليه وسلم، إذن: اصبر، وهل تابعُ محمد خيرٌ من محمد حتى يَسْلم من الأذى؟
فإذا لم يكُنْ لك أعداء في طريق الدعوة فاعلم أنك لستَ على الطريق الذي رسمه لك صاحبُ الدعوة، وعليك أنْ تراجع نفسك.
الكلام هنا عن الدعوة إلى الله بحقٍّ وتجرُّد وإخلاص، وعن الكلمة تُقال في سبيل الله لا في سبيل جاه أو سلطان أو منصب من متاع الدنيا الزائل، الدعوة إلى الله لا تكون أبداً قنطرة.
لذلك نقول: ما الذي يحمي الدعاة إلى الله الآن، وها نحن نقول بأعلى صوت ونكتب في كل وسائل الإعلام، والله هو الحامي، والحمد لله لم نُؤخذ ولم نُسْجن، ولم يتعرض لنا أحد، كثير من علماء الدين يعلنون كلمة الحق مجردة من الهوى والمصلحة، وساعة يعطي لهم الحاكم أذنه يُسمعونه من الكلام ما يرعشه، ومع ذلك نسمع عن اضطهاد رجال الدين.
ونقول: إذا اضطهد رجل الدين فلا بُدَّ أنه استعمل وسائل محرمة في الدعوة إلى الله، كهؤلاء الذين يميلون إلى حَلِّ المشاكل بالقتل والدماء، أنت على خلاف مثلاً مع وزير من الوزراء تضربه بالنار؟ هل هذا هو الحل؟ وما ذنب الحراس الذين تُهدر دماؤهم وتُيتَّم أطفالهم؟
أنت صاحب كلمة، قُلْ ما شئتَ وأصلح بالكلمة الطيبة، أسمعهم ما يكرهون، وسبق أنْ قلنا لهم ما لم يستطع أحدٌ أن يقوله عندهم، لأن الشجاعة الإيمانية في الدعوة إلى الله ليستْ كلمة حَقٍّ تُقال على سلطان، إنما كلمة حق تقال عند سلطان جائر، نعم عنده في حضوره.
وهذا تطبيق عملي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
نحن لا نتاجر بالكلمة، إنما نواجه بها كل حاكم ظالم، نقول له: نحن لا نكرهك ولا نطمع فيما في يدك من الحكم، بل نحن نحبك ونريد أنْ نعينك على مهمتك، فقط نريد منك أنْ تحكمنا بالإسلام، أريد أنْ أُحْكَم بالإسلام، لا أن أُحكُمَ بالإسلام.
المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحرص على إصلاح المجتمع من حوله، المؤمن لا يقف عند ذاته، ولا يكون أبداً أنانياً.
والحق سبحانه يمدح منزلة الدعوة إلى الله، ويجعلها أحسن ما يقول الإنسان: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ فأشرف الأعمال للذي تشبَّع قلبه بالإيمان أنْ يعدى هذا الإيمان إلى غيره، وأن ينقل له الصورة الإيمانية، فالمؤمن يصنع الخير لنفسه وللناس؛ ذلك لأن خير الناس عائد إليه أيضاً، كما أن شرَّهم لا بدَّ أنْ يناله وأنْ يصيبه من نصيب.
إذن: من مصلحتك أيها المؤمن أنْ يؤمن الناسُ، ومن مصلحتك أيها المستقيم على الجادة أنْ يستقيم الناسُ لذلك حمَّل اللهُ أمانة الدعوة إليه لكل مؤمن، لأنه سبحانه يريد أنْ يُعدَّى الإيمان ممَّنْ ذاقه إلى مَنْ لم يَذُقْه لتتسعَ رقعة الإيمان، ويعمّ الخير الجميع.
وأول عناصر الدعوة إلى الله أنْ ندعوَ إلى العقيدة أولاً وإلى الإيمان بالله، أن نقول: ربنا الله، نُقِرُّ بِها ونعلنها خالصةً بلا تردد، ثم نلفتهم إلى آيات الله في الكون، إلى الآيات الكونية إنْ كانوا لا يتأملونها، وإلى آيات المعجزات المصاحبة للرسل إنْ كانوا لا يعلمونها، ثم إلى آيات الذكر الحكيم التي تحمل منهج الله بافعل ولا تفعل.
وتأمل قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً الحق سبحانه أراد أنْ يُبيِّن لنا منزلة الدعوة إلى الله وفضل الداعية، لكن لم يأتِ بذلك في أسلوب خبري يُقرر هذه المنزلة إنما جاء بهذا السؤال وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً استفهام غرضه النفي، يعني: لا أحدَ أحسنُ من هذا الذي يدعو إلى الله، ولا قَوْلَ أحسن من قوله.
قالها الحق سبحانه في صورة سؤال لأنه سبحانه يعلم أنه لا جوابَ لها إلا أنْ نقول: لا أحدَ أحسنُ قوْلاً ممَّنْ دعا إلى الله، فجعلنا نحن نعلن هذه الحقيقة ونُقِرُّ بِها، والإقرار كما يقولون سيد الأدلة.
وأول داعية إلى الله هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل داعية من بعده يأخذ من معينه صلى الله عليه وسلم ويسير على خُطاه، ولما كان صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء فقد ترك لأمته هذه الرسالة، رسالة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فخيْر رسول الله لم ينقطع، بل ممتد في أمته من بعده، وكلُّ داعية بعده إنما يأخذ مقاماً من مقامه صلى الله عليه وسلم.
ومن رحمة الله بهذه الأمة أنْ جعل لها رادعاً من نفسها، جعل فيها فئةٌ باقية على الحق تُقوِّم المعْوج، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وسوف تظل هذه الفئة إلى يوم القيامة، لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَنْ خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".
لذلك قال سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠].
وهذه خاصية اختصَّ الله بها أمة محمد لأنه خاتمُ الرسل؛ لذلك لن يعم الشرَّ هذه الأمة، ولن يطمَّ فيها الفساد، ففيها حصانة من ذاتها. لقد كانت الأمم السابقة يستشري فيها الفساد حتى يعمَّها، فلا يكون فيها آمر بمعروف ولا ناهٍ عن منكر، وعندها كان لا بدَّ من إرسال رسولٍ جديد، يعيد الناس إلى الطريق المستقيم.
أما أمة محمد فلن يأتي فيها رسول جديد، لذلك جعل الله فيها هذه الحصانة، وجعلها خليفة لرسول الله في الدعوة إلى الله، وجعلها أمينة على هذه الدعوة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الخيرُ فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة".
وقد بيَّن الله تعالى أن الرسول سيشهد أنه بلَّغ أمته هذه الدعوة، وهذه الأمة ستشهد أنها بلَّغت دعوة رسولها إلى كلِّ الأمم، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣].
فشهادتنا على الأمم دليلٌ على أن الخير بَاقٍ فينا ولن ينقطع أبداً.
وقد حثَّنا رسولنا صلى الله عليه وسلم على حمل هذه الأمانة ورغَّبنا فيها حين قال صلى الله عليه وسلم: "نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرُبَّ مُبلِّغ أوْعَى من سامع".
والدعوة إلى الله مجال واسع يكون بالقول وبالفعل وبالقدوة الحسنة، يكون ببيان العقائد والعبادات والأحكام للناس بأسلوب شيق ممتع جذاب، لا يُنفِّر الناس، ولا يذهب بهم إلى يأس أو قنوط من رحمة الله.
الدعوة إلى الله فَنٌّ، اقرأ قوله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ.. [آل عمران: ١٥٩].
أين دعاتنا من قوله تعالى: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. [النحل: ١٢٥].
لا بدَّ أنْ نعلم أنَّ الدعوة إلى الله ليستْ مهمة علماء الدين المختصين فحسب، إنما مهمة كل مسلم في كل زمان وفي كل مكان، كُلٌّ في مجال عمله يستطيع أنْ يكون داعيةً، نعم داعية بفعله والتزامه وتفانيه وإخلاصه.
لقد أجمع علماء الأمة على أن الإسلام ما انتشر بحدِّ السيف، وما انتشر بالقوة بقدر ما انتشر بسيرة المسلمين الطيبة، وما تحلَّوْا به من تسامح وحُبٍّ للآخرين، ولنا فيهم قدوة.
الدعوة إلى الله مهمة كل مسلم ذاق حلاوة الإيمان ولذة التكاليف وأحبَّ للناس ما يحب لنفسه من الخير فينقله إليهم، والحق سبحانه ساعة يُكلِّفنا بالخير لا يترك أحداً ولا يحرم أحداً أنْ يكونَ له نصيبٌ من هذا الخير... هناك قضية تتعلق بالدعوة إلى الله، هي أن الإنسان منَّا قد يكون عاصياً لربه في ناحية ما، فهل يمنعه هذا العصيان أنْ يكون داعية إلى الله؟ قالوا: ينبغي ألاَّ تمنعك المعصية عن الدعوة، فلعلَّ الذي تدعوه يفعل ما لم تفعله أنت، ولعل هذه عملية جَبْر لما فيك من نقص.
يُحكَى أن رجلاً كان يطوف بالبيت، فسمع آخرَ يقول: اللهم إنك تعلم أنّي عاصيك ولكنِّي أحب مَنْ يطيعك، فاجعل اللهم حُبِّي لمن أطاعك شافعاً في معصيتي.
قالوا: حتى الذي يتكاسل عن الصلاة لا يمنعه ذلك من أن يدعو غيره إلى الصلاة، لأنها خير يشيعه في الناس لن يُحرَم أجره، فكل مَنْ أشاع خيراً له [أجر] عند الله، وهكذا لا يخلو مخلوق من أنْ يصيبه فضل الله الواسع، ولا يخلو مخلوق من خصلةِ خيرٍ لذاته أو لغيره، وهذه الإشاعة للخير في ذاتها دعوة إلى الله.
وقوله: وَعَمِلَ صَالِحاً.. يعني: دعا إلى الله بالقول ثم بالفعل، ودائماً ما يقرن القرآن بين القول والعمل، وعرفنا أن قدوةَ الفعل أعظمُ أثراً في النفوس من قدوة الكلام، وليس من الصواب أنْ تدعو الناس إلى شيء وأنت عنه بنجوى، يقول تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]... وقوله تعالى: وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ هذا إعلانٌ يعلنه المسلم ويفخر به، وسام على صدره، أنا مسلم، وإسلامي هو المنطلق الذي من خلاله تكون حركتي في الحياة، وهذه في حَدِّ ذاتها دعوةٌ إلى الله ونشرٌ لدين الله وإعلاءٌ لكلمة الله حين لا تنشغل بنفسك إنما تنشغل بدينك.
فإنْ أنجزتَ عملاً تنسبه إلى دين الله، تقول: لأن الله أمرني، فترفع دينَ الله عند الناس ولا تهتم بذاتك الفاعلة، وحين ترفع دين الله ثِقْ أنه رافعك معه.
إذن: فمن صفات المؤمن أنْ ينسبَ خيره وصلاحه لدينه وإسلامه.
لذلك نقف كثيراً عند قول قارون لما أعطاه الله المال والجاه والسلطان، فقال: إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ.. [القصص: ٧٨] فردَّ الله عليه: ما دمتَ أوُتيته على علم عندك فاحفظه بعلمك، وكانت النتيجة فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ.. [القصص: ٨١] فحين تصل إلى ابتكار أو اختراع أو صلاح في الكون فاجعله من منطلق الدين والمنهج، انسبه إلى دينك...
قلنا: إن العمل إما أن يكون لله، وإما أن يكون للناس، العمل لله شرطه الإخلاص وجزاؤك على الله في الآخرة، أما العمل للناس فيعطيك منزلة عندهم ووجاهة ورفعة، هذا جزاؤك وقد أخذته في الدنيا فلا حظَّ لك في ثواب الآخرة، فالإنسان يطلب أجره ممَّنْ عمل له.
لذلك ما سُئلْنَا عن علماء خدموا البشرية باختراعاتهم وإنجازاتهم وابتكاراتهم: هل لهم نصيب في الآخرة؟ نقول: لا ليس لهم نصيب لأنهم فعلوا للناس وللبشرية ولتقدم المجتمع، وأخذوا أجورهم صيتاً وسُمْعة وشهرة وتخليداً لذكراهم.. إلخ.
أما الله فلم يكن أبداً على بالهم حين فعلوا هذه الأشياء، واقرأوا قوله تعالى في شأن هؤلاء: وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً [الفرقان: ٢٣].
وفي موضع آخر قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩].
هكذا أعمال الكافرين في الآخرة كالسراب تحسبه شيئاً، فإذا ما ذهبتَ إليه لم تجده، وليْتَ أمرهم ينتهي عند هذا الحد إنما تفاجئهم الحقيقة التي طالما أنكروها في الدنيا
وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ.. [النور: ٣٩] نعم الله الذي أنكره أو كفر به يُوقفه ويحاسبه: أنت فعلتَ: ليقال وقد قيل فلا أجرَ لك عندي، ويبقى لك جزاء كفرك وعنادك.
إذن: نقول: ساعة تعلن أنك تعمل وتبتكر من منطلق إسلامك. ساعة تقول عملت لأنني مسلم، تُعلي شأن الإسلام وتلفت غير المسلمين إلى جمال هذا الدين، وأنت في ذلك داعية إلى الله، أنت على نهج نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فإنْ قابلتْكَ بعضُ الصعاب فاصبر، لأن رسولك أُوذِي في سبيل دعوته فصبر.
فالذي يحمل أمانة الدعوة ويعلنها: أنا مسلم، وإسلامي هو الضابط لكل حركاتي في الحياة ويصيبه سوءٌ يعلم أنه أخذ طرفاً من ميراث النبوة، فما من نبي إلا أوذي وكان له أعداء، فلا بدَّ لحَمَلة هذه المسئولية أنْ يكون لهم أعداء، وأنْ يُشتموا وأن تُكال لهم التهم، هذا أمر طبيعي في مسيرة الدعوة إلى الله.
يقول تعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً.. [الأنعام: ١١٢].
هذا يعني أن الداعية الذي يِسْلم من هذا الإيذاء ينقص حظُّه من ميراث النبوة، وحظه من تركة النبي صلى الله عليه وسلم، إذن: اصبر، وهل تابعُ محمد خيرٌ من محمد حتى يَسْلم من الأذى؟
فإذا لم يكُنْ لك أعداء في طريق الدعوة فاعلم أنك لستَ على الطريق الذي رسمه لك صاحبُ الدعوة، وعليك أنْ تراجع نفسك.
الكلام هنا عن الدعوة إلى الله بحقٍّ وتجرُّد وإخلاص، وعن الكلمة تُقال في سبيل الله لا في سبيل جاه أو سلطان أو منصب من متاع الدنيا الزائل، الدعوة إلى الله لا تكون أبداً قنطرة.
لذلك نقول: ما الذي يحمي الدعاة إلى الله الآن، وها نحن نقول بأعلى صوت ونكتب في كل وسائل الإعلام، والله هو الحامي، والحمد لله لم نُؤخذ ولم نُسْجن، ولم يتعرض لنا أحد، كثير من علماء الدين يعلنون كلمة الحق مجردة من الهوى والمصلحة، وساعة يعطي لهم الحاكم أذنه يُسمعونه من الكلام ما يرعشه، ومع ذلك نسمع عن اضطهاد رجال الدين.
ونقول: إذا اضطهد رجل الدين فلا بُدَّ أنه استعمل وسائل محرمة في الدعوة إلى الله، كهؤلاء الذين يميلون إلى حَلِّ المشاكل بالقتل والدماء، أنت على خلاف مثلاً مع وزير من الوزراء تضربه بالنار؟ هل هذا هو الحل؟ وما ذنب الحراس الذين تُهدر دماؤهم وتُيتَّم أطفالهم؟
أنت صاحب كلمة، قُلْ ما شئتَ وأصلح بالكلمة الطيبة، أسمعهم ما يكرهون، وسبق أنْ قلنا لهم ما لم يستطع أحدٌ أن يقوله عندهم، لأن الشجاعة الإيمانية في الدعوة إلى الله ليستْ كلمة حَقٍّ تُقال على سلطان، إنما كلمة حق تقال عند سلطان جائر، نعم عنده في حضوره.
وهذا تطبيق عملي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
نحن لا نتاجر بالكلمة، إنما نواجه بها كل حاكم ظالم، نقول له: نحن لا نكرهك ولا نطمع فيما في يدك من الحكم، بل نحن نحبك ونريد أنْ نعينك على مهمتك، فقط نريد منك أنْ تحكمنا بالإسلام، أريد أنْ أُحْكَم بالإسلام، لا أن أُحكُمَ بالإسلام.
آية رقم ٣٤
بعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن مهمة الدعوة إلى الله، وأنها ميراث الأنبياء وتركة رسول الله لنا من بعده، يُعلِّمنا هنا فناً من فنون الدعوة ودرساً من دروسها، ألاَ وهو مقابلة السيئة بالحسنة وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ.. [فصلت: ٣٤].
نعم لا أحدَ يُسوِّي بين الحسنة والسيئة والعقل يؤيد ذلك، تعالَ إلى اللص الذي يسرق أموال الناس، ويسرق ثمرة عرقهم وقُلْ له: أتحب أنْ يسرق الناسُ منك؟ يقول: لا، نقول: إذن لا تحب لهم ما لا تحبه لنفسك، يقول لك: أنت تقيد حريتي وأنا حُرٌّ.
نقول له: لا تنسَ أن الله قيَّد حريتك في سرقة الآخرين وأنت فرد واحد، وقيَّد حركة الدنيا كلها في أنْ تسرق منك، فمَنِ المستفيد؟ كذلك في أمور الشرع التي حرَّم الله فيها أنْ تعتدي على الآخرين حرَّم عليهم جميعاً الاعتداء عليك، قال لك: لا تنظر إلى ما حرَّم الله عليك بشهوة. وأمر الناس جميعاً أن لا ينظروا إلى محارمك.
والنبي صلى الله عليه وسلم يعطينا نموذجاً في حكمة الدعوة، عندها قال الشاب: والله ما هممتُ بشيء أنظر إليه إلا تذكرتُ أمي وأختي وزوجتي وابنتي.
إذن: الدين يحتاج في الدعوة إليه إلى لِينٍ وحكمة وموعظة حسنة حتى يُقبل منك ما تقول، لأن الذي تنصحه بأمر من أمور الدين وهو على غير دينك، أو على دينك لكنه ألِفَ المعصية وثقُلَتْ عليه الطاعة، ينبغي عليك أنْ تُخرجه مما ألفَ بأسلوب لا يكرهه، حتى لا تجمع عليه المعاناة حين تخلعه مما يحب، وقسوة الأسلوب وفظاظته، يكفي أن تُخرجه مما أحب بما لا يكره، وبذلك تمنع عنه شراسة الجدل وثورة العناد والمكابرة.
وكذلك في المعاملة، عليك أنْ تواجه السيئة بالحسنة ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. [فصلت: ٣٤] يعني: رُدّ باللين وبالحسنى فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] العداوة المدمرة هي التي تكون بين اثنين عدوين، كل منهما عدو للآخر، وفي هذه الحالة يستشري العداء ويستحكم، ولا نصل فيه إلى حَلٍّ، فمتى تنكسر حِدَّة العداوة؟
تنكسر حِدَّتها حينما تكون من جانب واحد، جانب عدو وجانب متسامح لا يرد السيئة بالسيئة، إنما يعفو ويصفح، وفي هذه الحالة تهدأ نفسُ العدو، ولا يجد مجالاً لعداوته، وهذه أولى خطوات الإصلاح أنْ تأخذ عدوك في جانبك، لذلك يقولون: لا تكافئ مَنْ عصى الله فيك بأكثر من أنْ تطيع الله فيه.
وبهذه الطريقة ينقلب العدو إلى وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] يعني: صديق قريب مُحب مخلص كيف؟ لا تقل كيف، بقدرة الله خالق هذه النفوس وهذه القلوب ومُقلِّبها.
جاء رجل يشكو قسوةَ أحد الأقارب، فقلنا له: يا شيخ اصبر عليه وقابله بالتي هي أحسن، وتودَّدْ إليه عَلَّ الله يصلح ما بينكما، بعدها جاء وقال: دفعتُ بالتي هي أحسن فلم يزدد إلا قسوةً وصار أشدَّ مما كان، قلت له: إذن راجع نفسك لأن كلام الله قضية مُسلّمة، وابحث عن السبب عندك، فلعلك ظننتَ أنك دفعتَ بالتي هي أحسن، والحقيقة أنك لم تدفع بالتي هي أحسن، أو أنك أردتَ أنْ تُجرِّب مع الله، والله تعالى لا يُجرَّب، التجربة مع الله شَكٌّ، فلو صدقتَ مع الله لصدَقَ الله معك.
وما أجمل قول الشاعر في هذا المعنى:
يا مَنْ تُضايقه الفِعَالُ مِنَ التي ومِنَ الذي ادفَعْ فَدَيتُكَ بالتي حَتَّى تَرَى فَإذَا الذِي
نعم لا أحدَ يُسوِّي بين الحسنة والسيئة والعقل يؤيد ذلك، تعالَ إلى اللص الذي يسرق أموال الناس، ويسرق ثمرة عرقهم وقُلْ له: أتحب أنْ يسرق الناسُ منك؟ يقول: لا، نقول: إذن لا تحب لهم ما لا تحبه لنفسك، يقول لك: أنت تقيد حريتي وأنا حُرٌّ.
نقول له: لا تنسَ أن الله قيَّد حريتك في سرقة الآخرين وأنت فرد واحد، وقيَّد حركة الدنيا كلها في أنْ تسرق منك، فمَنِ المستفيد؟ كذلك في أمور الشرع التي حرَّم الله فيها أنْ تعتدي على الآخرين حرَّم عليهم جميعاً الاعتداء عليك، قال لك: لا تنظر إلى ما حرَّم الله عليك بشهوة. وأمر الناس جميعاً أن لا ينظروا إلى محارمك.
والنبي صلى الله عليه وسلم يعطينا نموذجاً في حكمة الدعوة، عندها قال الشاب: والله ما هممتُ بشيء أنظر إليه إلا تذكرتُ أمي وأختي وزوجتي وابنتي.
إذن: الدين يحتاج في الدعوة إليه إلى لِينٍ وحكمة وموعظة حسنة حتى يُقبل منك ما تقول، لأن الذي تنصحه بأمر من أمور الدين وهو على غير دينك، أو على دينك لكنه ألِفَ المعصية وثقُلَتْ عليه الطاعة، ينبغي عليك أنْ تُخرجه مما ألفَ بأسلوب لا يكرهه، حتى لا تجمع عليه المعاناة حين تخلعه مما يحب، وقسوة الأسلوب وفظاظته، يكفي أن تُخرجه مما أحب بما لا يكره، وبذلك تمنع عنه شراسة الجدل وثورة العناد والمكابرة.
وكذلك في المعاملة، عليك أنْ تواجه السيئة بالحسنة ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. [فصلت: ٣٤] يعني: رُدّ باللين وبالحسنى فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] العداوة المدمرة هي التي تكون بين اثنين عدوين، كل منهما عدو للآخر، وفي هذه الحالة يستشري العداء ويستحكم، ولا نصل فيه إلى حَلٍّ، فمتى تنكسر حِدَّة العداوة؟
تنكسر حِدَّتها حينما تكون من جانب واحد، جانب عدو وجانب متسامح لا يرد السيئة بالسيئة، إنما يعفو ويصفح، وفي هذه الحالة تهدأ نفسُ العدو، ولا يجد مجالاً لعداوته، وهذه أولى خطوات الإصلاح أنْ تأخذ عدوك في جانبك، لذلك يقولون: لا تكافئ مَنْ عصى الله فيك بأكثر من أنْ تطيع الله فيه.
وبهذه الطريقة ينقلب العدو إلى وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] يعني: صديق قريب مُحب مخلص كيف؟ لا تقل كيف، بقدرة الله خالق هذه النفوس وهذه القلوب ومُقلِّبها.
جاء رجل يشكو قسوةَ أحد الأقارب، فقلنا له: يا شيخ اصبر عليه وقابله بالتي هي أحسن، وتودَّدْ إليه عَلَّ الله يصلح ما بينكما، بعدها جاء وقال: دفعتُ بالتي هي أحسن فلم يزدد إلا قسوةً وصار أشدَّ مما كان، قلت له: إذن راجع نفسك لأن كلام الله قضية مُسلّمة، وابحث عن السبب عندك، فلعلك ظننتَ أنك دفعتَ بالتي هي أحسن، والحقيقة أنك لم تدفع بالتي هي أحسن، أو أنك أردتَ أنْ تُجرِّب مع الله، والله تعالى لا يُجرَّب، التجربة مع الله شَكٌّ، فلو صدقتَ مع الله لصدَقَ الله معك.
وما أجمل قول الشاعر في هذا المعنى:
يا مَنْ تُضايقه الفِعَالُ مِنَ التي ومِنَ الذي ادفَعْ فَدَيتُكَ بالتي حَتَّى تَرَى فَإذَا الذِي
آية رقم ٣٥
أي: هذه الخصلة وهذه المنزلة منزلة الدفع بالتي هي أحسن، هذه الخصلة لا ينالها ولا يتحلَّى بها إلا الذين صبروا على الأذى، ولا يصل إليها إلا ذو حظ عظيم. يعني: نصيب وافر من العطاء، لماذا؟ لأنه كبتَ نفسه وأمسكها عن الردِّ بالمثل، فلما كبتَ نفسه من أجل الله جعل اللهُ عاقبته خيراً، وأجزل له العطاء.
ونلحظ هنا على الأداء القرآني تكرار عبارة وَمَا يُلَقَّاهَا.. فلم يقُلْ الحق سبحانه: وما يُلقاها إلا الذين صبروا وذو حظ عظيم.. قالوا: تكررت العبارة لأن التلقي مختلف، هذا تلقي صبر، وهذا تلقى جزاء... وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ.. صبروا على الإيذاء، وصبروا على ضبط النفس، وصبروا على مغالبة الشيطان الذي يُوسوس لهم بالانتقام ويُزيِّن لهم الردَّ بالمثل. وكانت عاقبة الصبر الجزاء والحظ الوافر.
وينبغي ألاَّ نغفل دور الشيطان في هذه القضية، فمهمته أن يلهب نار العداوة بين الناس، وأن يشعل الفتن ليلهيهم بها عن مطلوبات الله فسوف يوسوس لك: لماذا تتسامح وقد أُسيء إليك، لماذا تقبل الذل؟ أهو أفضل منك؟
لأن إبليس منذ أُمِر بالسجود لآدم فأبَى، وكانت النتيجة أنْ صار ملعوناً مطروداً من رحمة الله منذ هذا الموقف، والعداء مُستحكم بينه وبين ذرية آدم، ولن يتركهم حتى يُوردهم نفس مورده.
ونلحظ هنا على الأداء القرآني تكرار عبارة وَمَا يُلَقَّاهَا.. فلم يقُلْ الحق سبحانه: وما يُلقاها إلا الذين صبروا وذو حظ عظيم.. قالوا: تكررت العبارة لأن التلقي مختلف، هذا تلقي صبر، وهذا تلقى جزاء... وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ.. صبروا على الإيذاء، وصبروا على ضبط النفس، وصبروا على مغالبة الشيطان الذي يُوسوس لهم بالانتقام ويُزيِّن لهم الردَّ بالمثل. وكانت عاقبة الصبر الجزاء والحظ الوافر.
وينبغي ألاَّ نغفل دور الشيطان في هذه القضية، فمهمته أن يلهب نار العداوة بين الناس، وأن يشعل الفتن ليلهيهم بها عن مطلوبات الله فسوف يوسوس لك: لماذا تتسامح وقد أُسيء إليك، لماذا تقبل الذل؟ أهو أفضل منك؟
لأن إبليس منذ أُمِر بالسجود لآدم فأبَى، وكانت النتيجة أنْ صار ملعوناً مطروداً من رحمة الله منذ هذا الموقف، والعداء مُستحكم بينه وبين ذرية آدم، ولن يتركهم حتى يُوردهم نفس مورده.
آية رقم ٣٦
ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه لم يتركنا نهباً لهذا العدو الذي يتربص بنا، إنما أعطانا الحصانة التي نتحصَّن بها منه، فقال تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ.. [فصلت: ٣٦] ذكَّره بالله القوي، فإنْ كنتَ أنتَ ضعيفاً أمامه فاستعِنْ عليه بالإله القوي، وساعةَ يراك في جنب الله لا يجرؤ أبداً عليك، لأنك داخل في هؤلاء الذين استثناهم إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٣].
وانتبه أنه لن يأتيك إلا على الصراط المستقيم ليفسده عليك، يأتيك في صلاتك ويُذكِّرك بما لم يكًُنْ لك على بال، وبأهم الأمور عندك في الدنيا، المهم عنده أنْ يفسد عليك الآخرة بأي ثمن.
فإذا وجدتَ في نفسك شيئاً من نَزْغه ووسوسته فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْها في كل حال يأتيك فيه إبليس وأنت تصلي، وأنت تقرأ القرآن، وأنت في أيّ عبادة من العبادات.
لك أنْ تقول هذه الكلمة وهي لا تُخرجك من عبادتك على أيِّ حال، وعندما تداوم على هذه الكلمة سييأس منك ويبتعد عنك، ويعرف أنك صَلْبٌ قويٌّ تستمد قوتك من الله، عندها سينصرف عنك، ولم لا وأنت تعرف ألاعيبه وتكشف حيله؟
لكن الخيبة أن كثيرين منا ينساقون وراء الشيطان، ويُسْلمون له قيادهم، وما يفعله الشيطان مع هؤلاء أنه يعطيهم أول الخيط ويتركهم هم (يكرُّون) الباقي دون جهد منه ودون عناء، وهؤلاء هم الذين استزلَّهم الشيطان وأخضع رقابهم، فهم يسيرون في رَكْبه دون تفكير أو تأمُّل.
هَبْ أن لصاً جاء يحوم حول بيتك، فقلت: إحم، تريد أن تُسمعه ويعرف أنك يقظ، لا بدَّ أنه ينصرف، وقد يعتبر أنها مصادفة فيعاود مرة أخرى فتقول: إحم، إذن: ليست مصادفة بل أنت له بالمرصاد فأنت متيقظ، لذلك ينصرف عنك بلا رجعة، كذلك الشيطان.
قلنا: من غباء إبليس وغفلته أنْ يعلن لنا عن خططه في غواية بني آدم ويعلن عن أساليبه، والغباء يكون أعظم لمن عرف هذه الخطط وهذه الأساليب، وانساقَ وراءها ولم يأخذ الحيْطة.
وحين نتأمل قول إبليس: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ.. [الأعراف: ١٧] تلحظ أنه ترك جهتين لم يذكر أنه يأتي منهما: جهة أعلى وجهة أسفل، لماذا؟ قالوا: لأن العلُو جهة التوجه إلى الله، جهة عِزِّ الربوبية، وجهة الأسفل تمثل ذُلَّ العبودية ساعة تسجد لله ذلاً وخضوعاً له سبحانه، فهاتان الجهتان لا يأتي منهما الشيطان.
وقوله: إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦] الذي لا يغيب عن سَمْعه شيء، فإنْ وسوس لك الشيطان بكلام سمعه وعلمه.
بعد أن بيَّن لنا القرآن هذا البيان، يعود ليلفتنا ثانياً إلى بعض آيات الله في الكون، فبهذه الآيات نستدل على وجود الخالق سبحانه وعلى قدرته تعالى، حيث لو جاءت هذه الآياتُ على أيدي علماء كافرين بالله إلا أننا ننتفع بها، والله مساكين هؤلاء العلماء ينفعون البشرية كلها ولا ينفعون أنفسهم، لأنهم - كما قلنا - لا ينطلقون في اختراعاتهم وابتكاراتهم من منطلق الإيمان بالإله تبارك وتعالى، فهم كالمطايا ينتفع الناس بخيرهم، ولا ينالهم من ذلك شيء، اللهم إلا متاع الدنيا الزائل.
وأقرب آيات للإنسان نفسه لو تأملها، مثلاً درجة الحرارة الطبيعية للجسم ٣٧ ْ تجدها ثابتة فيمَنْ يعيش عند خط الاستواء، وفيمن يعيش عن القطب الشمالي، وأنتم تعرفون نظرية الاستطراق الحراري، لكن قدرة الله تحتفظ للجسم بهذه الدرجة بصرف النظر عن الجو المحيط به.
ثم في داخل الجسم ذاته تجد حرارة الأعضاء مختلفة، فالعين لا تزيد درجة حرارتها عن ٩ ْ، والكبد لا يؤدي مهمته إلا عند ٤٠ ْ، وهما في جسم واحد وغلاف واحد، ومع ذلك لا يحدث استطراق للحرارة، وهذه آية ومعجزة لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه.
تأمل الدم سائل الحياة الذي يجري بداخلك لا بدَّ له من درجة سيولة معينة داخل الجسم، فإنْ قلَّتْ هذه السيولة تجلط وحدث شلل للجزء الذي تحدث به الجلطة والعياذ بالله، وإنْ زادتْ سيولته أدَّى إلى نزيف، فمَنْ يحفظ له هذه الدرجة من السيولة؟ الله!!
ثم يقول الحق سبحانه:
وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ... .
وانتبه أنه لن يأتيك إلا على الصراط المستقيم ليفسده عليك، يأتيك في صلاتك ويُذكِّرك بما لم يكًُنْ لك على بال، وبأهم الأمور عندك في الدنيا، المهم عنده أنْ يفسد عليك الآخرة بأي ثمن.
فإذا وجدتَ في نفسك شيئاً من نَزْغه ووسوسته فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْها في كل حال يأتيك فيه إبليس وأنت تصلي، وأنت تقرأ القرآن، وأنت في أيّ عبادة من العبادات.
لك أنْ تقول هذه الكلمة وهي لا تُخرجك من عبادتك على أيِّ حال، وعندما تداوم على هذه الكلمة سييأس منك ويبتعد عنك، ويعرف أنك صَلْبٌ قويٌّ تستمد قوتك من الله، عندها سينصرف عنك، ولم لا وأنت تعرف ألاعيبه وتكشف حيله؟
لكن الخيبة أن كثيرين منا ينساقون وراء الشيطان، ويُسْلمون له قيادهم، وما يفعله الشيطان مع هؤلاء أنه يعطيهم أول الخيط ويتركهم هم (يكرُّون) الباقي دون جهد منه ودون عناء، وهؤلاء هم الذين استزلَّهم الشيطان وأخضع رقابهم، فهم يسيرون في رَكْبه دون تفكير أو تأمُّل.
هَبْ أن لصاً جاء يحوم حول بيتك، فقلت: إحم، تريد أن تُسمعه ويعرف أنك يقظ، لا بدَّ أنه ينصرف، وقد يعتبر أنها مصادفة فيعاود مرة أخرى فتقول: إحم، إذن: ليست مصادفة بل أنت له بالمرصاد فأنت متيقظ، لذلك ينصرف عنك بلا رجعة، كذلك الشيطان.
قلنا: من غباء إبليس وغفلته أنْ يعلن لنا عن خططه في غواية بني آدم ويعلن عن أساليبه، والغباء يكون أعظم لمن عرف هذه الخطط وهذه الأساليب، وانساقَ وراءها ولم يأخذ الحيْطة.
وحين نتأمل قول إبليس: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ.. [الأعراف: ١٧] تلحظ أنه ترك جهتين لم يذكر أنه يأتي منهما: جهة أعلى وجهة أسفل، لماذا؟ قالوا: لأن العلُو جهة التوجه إلى الله، جهة عِزِّ الربوبية، وجهة الأسفل تمثل ذُلَّ العبودية ساعة تسجد لله ذلاً وخضوعاً له سبحانه، فهاتان الجهتان لا يأتي منهما الشيطان.
وقوله: إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦] الذي لا يغيب عن سَمْعه شيء، فإنْ وسوس لك الشيطان بكلام سمعه وعلمه.
بعد أن بيَّن لنا القرآن هذا البيان، يعود ليلفتنا ثانياً إلى بعض آيات الله في الكون، فبهذه الآيات نستدل على وجود الخالق سبحانه وعلى قدرته تعالى، حيث لو جاءت هذه الآياتُ على أيدي علماء كافرين بالله إلا أننا ننتفع بها، والله مساكين هؤلاء العلماء ينفعون البشرية كلها ولا ينفعون أنفسهم، لأنهم - كما قلنا - لا ينطلقون في اختراعاتهم وابتكاراتهم من منطلق الإيمان بالإله تبارك وتعالى، فهم كالمطايا ينتفع الناس بخيرهم، ولا ينالهم من ذلك شيء، اللهم إلا متاع الدنيا الزائل.
وأقرب آيات للإنسان نفسه لو تأملها، مثلاً درجة الحرارة الطبيعية للجسم ٣٧ ْ تجدها ثابتة فيمَنْ يعيش عند خط الاستواء، وفيمن يعيش عن القطب الشمالي، وأنتم تعرفون نظرية الاستطراق الحراري، لكن قدرة الله تحتفظ للجسم بهذه الدرجة بصرف النظر عن الجو المحيط به.
ثم في داخل الجسم ذاته تجد حرارة الأعضاء مختلفة، فالعين لا تزيد درجة حرارتها عن ٩ ْ، والكبد لا يؤدي مهمته إلا عند ٤٠ ْ، وهما في جسم واحد وغلاف واحد، ومع ذلك لا يحدث استطراق للحرارة، وهذه آية ومعجزة لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه.
تأمل الدم سائل الحياة الذي يجري بداخلك لا بدَّ له من درجة سيولة معينة داخل الجسم، فإنْ قلَّتْ هذه السيولة تجلط وحدث شلل للجزء الذي تحدث به الجلطة والعياذ بالله، وإنْ زادتْ سيولته أدَّى إلى نزيف، فمَنْ يحفظ له هذه الدرجة من السيولة؟ الله!!
ثم يقول الحق سبحانه:
وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ... .
آية رقم ٣٧
قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ.. [فصلت: ٣٧] (من) هنا تفيد التبعيض يعني: هذه بعضُ آياته تعالى في الكون، وإلا فآيات الله في كونه كثيرة لا تتناهى، والآية هي الشيء العجيب في تكوينه وخَلْقه الدالّ على قدرة الله وحكمته وبديع صُنْعه.
ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ.. [فصلت: ٣٧] آيتان من آيات الله الكونية، والليل والنهار يكونان معاً اليوم الذي نعرفه، وهو من الوقت إلى مثله، قال تعالى: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً.. [الحاقة: ٧].
هذه الآيات الكونية المذكورة هنا ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ.. [فصلت: ٣٧] أخذتْ حظاً واسعاً في موكب الرسالات وفي العقائد، ففي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وهو يبحث عن الحق والحقيقة لما نظر في الكون من حوله، فرأى كوكباً قال: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٦-٧٨].
إذن: فالشمس والقمر مرتبطان بالليل والنهار لهما مدخل في العقيدة، هذا المدخل في العقيدة ينتقل من قسم العقيدة وهي الإيمان بالإله الواحد إلى شيء آخر، هذا الشيء جُعل دليلاً إيمانياً على أمر شكَّ العربُ فيه لما نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانت دليلاً على عدم انقطاع الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تعلمون قصة نزول الوحي على سيدنا رسول الله لأول مرة في غار حراء، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يعاني ويتعب من لقاء الملَكِ لاختلاف الطبيعة الملائكية عن الطبيعة البشرية، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى أهله يقول مرة: زمِّلوني زمِّلوني، ومرة: دثِّروني دثِّروني لما كان يحدث في طبيعته صلى الله عليه وسلم من تغيير، لذلك كان الوحي في بدايته ثقيلاً على رسول الله، وقد قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥].
وروى الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم كان يتفصَّد جبينه عرقاً لما ينزل عليه الملَك، والصحابي الذي كان يجلس بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم يسند فَخِذَه عليه، وكان يجد ثِقَلاً لا يطيقه حينما ينزل الوحي على رسول الله.
لذلك أراد الحق سبحانه أن يخفف عن رسوله صلى الله عليه وسلم هذه المعاناة، فانقطع الوحي لمدة ستة أشهر، ليستريح رسول الله وتذهب عنه متاعب التلقِّي الأولى، وليشتاق إلى لقاء الملَكْ من جديد، وإلى كلام الله الذي انقطع عنه، ولا شكَّ أن هذا الشوق سيعطيه طاقةَ لتحمُّل أمر الوحي والدعوة بعد ذلك.
رأى كفار مكة في انقطاع الوحي عن رسول الله مأخذاً، فقالوا: إن ربَّ محمد قلاه يعني: تركه وهجره، وهم لا يعلمون أن فتور الوحي ليس هَجْراً، إنما هو وداع الحبيب لحبيبه إلى لقاء آخر أعظم وأطول، ولذلك أنزل الله تعالى: وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ [الضحى: ١-٣].
هذا هو موضع الشاهد، أن الحق سبحانه أقسم لهم بالضحى وهو النهار، وبالليل إذا حَلَّ بظلامه، وجعل من هاتين الآيتين الكونيتين دليلاً على أن الوحي ما انقطع، إنما أراد الله لرسوله أن يرتاح من تعبه، وأنْ يعاود نشاطه لتلقّي الوحي من جديد، كما أنكم تتعبون في النهار وترتاحون في الليل. وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ [الضحى: ١-٣] ومعروف ان الضحى للشمس والليل للقمر، إذن: ففترة الوحي عن رسول الله يُراد بها التخفيف عنه، كما قال سبحانه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ١-٣].
والمراد: نشرح صدرك لنزول القرآن عليك فتشتاق إليه، ويكون عندك طاقة لاستقباله، فكأن القرآن أخذهم من الآيات الكونية المحسوسة إلى المعنويات، وجعل ما يرونه دليلاً على ما ينكرونه، يعني: إذا كنتم في حركة حياتكم اليومية تحتاجون لليل تسكنون فيه وترتاحون من عناء النهار، فكذلك رسول الله يحتاج إلى هذه الفترة ليرتاح فيها من عناء وثِقَل الوحي في بدايته، ليجدد نشاطه ويشتاق إلى لقاء الملَكِ من جديد.
لذلك قال تعالى بعدها وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤] فمعاودة الوحي ستكون أعظمَ من الأولى وخير منها، لأن المعاودة ستكون أطولَ وأقوى.
وكما دخلتْ هذه الآيات الكونية التي هي الليل والنهار والشمس والقمر في العقيدة في قصة سيدنا إبراهيم وفي الوحي المنزَّل على سيدنا رسول الله، كذلك دخلتْ في حَلِّ بعض الإشكالات في قضايا اجتماعية اهتم الإسلام بها، وهي قضية المساواة بين الرجل والمرأة.
وهذه قضية كَثُر الجدل فيها، وأخذها المغرضون ذريعة للهجوم على الإسلام، مع أن الإسلام أعظم دين أنصف المرأة وأعطاها حقوقها، وألزم المجتمع باحترامها، الإسلام ينظر إلى الرجل والمرأة على أنهما نوعان من جنس واحد يعني: هما في الأصل شيء واحد.
إذن: لا بدَّ أنْ يكون بينهما قدر مشترك ولما انقسما إلى قسمين ذكر وأنثى، صار بينها قدر غير مشترك، وصار لكل منهما مهمته في حركة الحياة، ولكي يوضح لنا السياق القرآني هذه المسألة قال تبارك وتعالى: وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ [الليل: ١-٤] فكما أن الليل والنهار متكاملان متعاونان غير متعاندين، وكما أن لكل منهما مهمته في الحياة، هذا للعمل وهذا للراحة، فكذلك حال الرجل والمرأة، عنصران لشيء واحد، وهما يتكاملان ويتعاونان لا يتعاندان كالليل والنهار، فحين تنظرون إلى الرجل والمرأة لا تنظروا إليهما على أنهما نوعان مختلفان في الجنس قد يكون بينهما تعاند، لأنهما من جنس واحد، والجنس الواحد لا يُصادم بعضه بعضاً، الجنس الواحد رسالتُه واحدة، الكلّ يتعاون في حملها كُلٌّ بما يناسبه وبما خلقه الله له، وبما أعطاه من قدرات وإمكانيات.
وهذه قضية اختلفوا فيها، خاصة الملاحدة الذين نظروا إلى الجنس، ولم ينظروا إلى ما تحته من الذكر والأنثى، فرغم الاختلاف بين النوعين إلا أنهم أرادوا أن يكون لهما مهمة واحدة لا اختلاف بين الذكر والأنثى.
لذلك الحق سبحانه يعطينا هذا المثل التوضيحي: الليل والنهار، وهل مهمة الليل كمهمة النهار؟ لكلٍّ مهمته وطبيعته، ومَنْ يعاند هذه الطبيعة يتعب في حركة حياته. كذلك جُعِل الرجلُ للعمل وللقوة والسعي، وجُعلَتْ المرأة للعاطفة واستقبال الأبناء وتربيتهم، خاصة وطفولة الإنسان هي أطول طفولة في الكائنات، والإشراف عليها مهمة المرأة ولا يجيدها الرجل.
فالحق سبحانه حينما يعطينا هذا المثل يعلِّمنا أن نرد ما اختلفنا فيه إلى ما اتفقنا عليه، فكما أننا لا نختلف في مهمة الليل ومهمة النهار، كذلك ينبغي ألاَّ نختلف في مهمة الرجل والمرأة، وألاَّ نُردد كلمة المساواة هكذا دون فَهْم لطبيعة كُلٍّ من الرجل والمرأة ودور كلٍّ منهما الذي خلقه الله له.
وفي موضع آخر يعلمنا الحق سبحانه هذه الحكمة من خلق الليل والنهار، فيقول سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ [القصص: ٧١-٧٢].
وبعد ذلك، جعل سبحانه وتعالى للزمن مدخلاً آخر غير الليل والنهار، وهو فترات الزمن: الساعات والدقائق والثواني، وبها يتم ضبط الزمن، والساعة التي تضبط لك الوقت لا تؤدي هذه المهمة إلا إذا كانت هي نفسها منضبطة تماماً، لذلك جعل الله تعالى للشمس وللقمر مهمة أخرى هي مهمة ضبط الوقت، لذلك جعلهما منضبطتين في حركتهما بإحكام.
يقول تعالى: ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥] يعني: بحساب دقيق محكم لا يختلف أبداً ولا يدخله فساد، ومن حركة الشمس والقمر نحسب الوقت خاصة الأمور الدينية التي لا نستطيع أن نضبطها إلا بهذه الحركة.
قال تعالى: لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ.. [يونس: ٥] فمن حركة الشمس أعرف الليل والنهار، ومن حركة القمر أعرف بدايات الشهور ونهاياتها.
إذن: من حركة الشمس والقمر والليل والنهار أستطيع أن أضبط حركة التكليف في الصلاة بأوقاتها المختلفة، هذه الأوقات التي تضمن دوام إعلان الولاء لله تعالى في كل وقت وفي كل مكان نتيجة لاختلاف المشارق والمغارب على مدار اليوم الكامل.
لذلك قال تعالى: رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ.. [الشعراء: ٢٨] وفي موضع آخر قال: بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ.. [المعارج: ٤٠] وقال رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧].
نعم، هي مشارق متعددة ومغارب متعددة، لأن كلَّ مكان له مشرق وله مغرب، وكل مشرق في مكان مغرب في مكان آخر وهكذا، ألا تروْنَ في الصيام مثلاً أننا نفطر في القاهرة قبل الاسكندرية بخمس دقائق، لماذا؟ لأن مشرق القاهرة غير مشرق الإسكندرية، ومغرب القاهرة غير مغرب الإسكندرية، لذلك نسمع المذيع يقول: مع مراعاة فروق التوقيت، أي: الفروق الزمنية بين كل مكان ومكان.
إذن: المتأمل في حركة الشمس يجدها في لحظة لها شروق ولها غروب، وعليه فذِكْر الله في الصلاة وفي الآذان يسيح في الزمن كله بلا انقطاع، لذلك يقول أهل التصرف: يا زمن وفيك كُلُّ الزمن، فأنت حين تصلي الفجر، هناك غيرك يصلي الظهر، وغيره يصلي العصر، وغيره يصلي المغرب، وغيره يصلي العشاء في الوقت نفسه وفي اللحظة نفسها، فتجد الحق سبحانه معبوداً في كل وقت بكل أنواع العبادة.
وإنْ أردتَ الدقة أكثر فاجعل هذه المسألة مرتبطة بعقرب الثواني في ساعتك لا عقرب الدقائق ولا الساعات، ففي كل ثانية لله مؤذن يُؤذِّن: الله أكبر. وغيره يقول: أشهد ألاَّ إله إلا الله، وغيره في نفس اللحظة يقول: أشهد أن محمداً رسول الله وهكذا. فكأن شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دائمة بدوام الزمن لا تنقطع من الوجود أبداً.
ثم يعطينا الحق سبحانه ملحظاً آخر للشمس والقمر؛ لأنهما من أعظم المخلوقات، وعُرِف عنهما الثبات والدقة والعظمة في الخَلْق، حتى أن بعض الناس عبد الشمس أو القمر، فأراد الحق سبحانه أن يلفت الخلق إلى عظمة الخالق الذي هو أولى بالعبادة من مخلوقاته.
فجعل الشمس والقمر يعتريهما تغيير هو الكسوف والخسوف، فمهما كانتْ الشمس، ومهما كان القمر هما مخلوقان متغيران، والمتغير لا يكون معبوداً أبداً؛ لذلك قال سبحانه في الآية التي معنا: لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧].
الحق سبحانه في أول الآية قال: وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ.. [فصلت: ٣٧] والآية هي الشيء العجيب في الخَلْق البديع في نظامه وإحكامه، وهذا الخَلْق العظيم ينبغي أنْ يُعظّم بتعظيم الله له، لكِنْ لا يجوز أنْ يتعدَّى هذا التعظيم إلى حَدِّ العبادة، وإلى حَدِّ السجود للمخلوق مهما كان عظيماً، لأنه مخلوق مُتغيِّر، والإله لا يتغير من أجل العباد، لكن العبادَ يتغيرون من أجل الله.
وهذه المسألة تُفسِّر لنا قضية سجود الملائكة لآدم عليه السلام، فلم يكن سجودَ عبادة، إنما كان امتثالاً لأمر الله لهم بالسجود لآدم، لكن لماذا أسجد اللهُ الملائكة لآدم؟
قالوا: لأن آدم سينزل إلى الأرض، وستكون له حركة إعمار فيها، وستكون الملائكة في عَوْنه تساعده على أداء مهمته في الأرض، الملائكة الموكلون بأمور الدنيا وهم المدبِّرات أمراً، وكما قال تعالى في وصفهم: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ.. [الرعد: ١١].
فالملائكة الذين أُمروا بالسجود ليس هم كلّ الملائكة، إنما الذين لهم علاقة بالإنسان، فكأن الحق سبحانه يُعرِّفهم على هذا المخلوق الجديد، الذي سيكونون في خدمته، فاسجدوا له سجودَ خضوع وامتثال، ليعلموا أنهم في خدمته يُدبِّرون له الأمور.
لذلك ورد في الحديث الشريفيعني: على هيئة ورديات دائمة لا تنقطع.
ومن الملائكة نوعٌ آخر لا دَخْلَ له بالإنسان، ولا علاقةَ له به، بل لا يدرون عن عالمنا هذا شيئاً، وهم العَالُون الذين قال الله فيهم في الحديث عن إبليس: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ [ص: ٧٥].
إذن: إذا كان السابقون عظموا الشمس والقمر حتى سجدوا لهما، فاعلموا أن خالقهما أَوْلَى بالسجود: لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧] يعني: إن كنتم تأتمرون بأمره.
ملحظ آخر نأخذه من الشمس يُوقفنا على شيء غريب لم نكُنْ نعرفه من قبل، ففي سورة الكهف يحكي لنا القرآن سياحة ذي القرنين، فيقول سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ.. [الكهف: ٨٣-٨٦].
أي: مغرب الشمس في مرأى العين، لأنك لو وصلتَ إلى العين الحمئة فسوف تجد الشمس ما زالت بعيدة وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [الكهف: ٨٦] ذلك لأنه رجل مُمكَّن في الأرض، له منزلة وسلطان.
والمُمكَّن في الأرض مهمته أنْ يقيم فيها موازين العدالة ومعايير الصواب والعقاب، لأن حركة الناس في الدنيا لا تستقيم إلا إذا أُثيب المحسن وعُوقب المسيء. قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً*وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً [الكهف: ٨٧-٨٨].
ثم تكلم عن مطلع الشمس، فقال: حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً [الكهف: ٩٠] يعني: ليس بينهم وبينها حجاب يسترها، ولم يذكر لنا شيئاً بعد مطلع الشمس كما ذكر الدرس السابق عند مغرب الشمس، حيث كان له عمل ودور مع مَنْ أحسن ومن أساء، أما في مطلع الشمس فقال: لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً [الكهف: ٩٠] وسكت، فكأن الهدف أنْ نعرف أن ذا القرنين وصل إلى مكان، نهاره طويل لا شيء يحجب الشمس فيه.
وبعد أن اكتشف العلماءُ خطوطَ الطول وخطوط العرض عرفنا أن بعض الأماكن عند القطبين يطول النهار حتى يصل إلى ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وهذه لقطة من إعجاز القرآن العلمي.
فإنْ قلتَ: فكيف يفعل مَنْ يعيش في هذه الأماكن؟ كيف يصلي وكيف يصوم؟ نقول: يُقدِّر لليوم العادي مقداره، ولليل مقداره فيقسم الوقت إلى ليل ونهار كالمعتاد، وكذلك مَنْ كان ليله ثلاثة أشهر أو ستة أشهر.
ملحظ أخير يتعلق بصياغة الآية وما فيها من دقة بيانية، فالحق سبحانه بدأ بآية الليل ثم النهار، وبدأ بالشمس ثم القمر وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ.. [فصلت: ٣٧] وكانت المناسبة تقتضي أنْ يقول: والقمر ليناسب الليل، والشمس لتناسب النهار.
لكن لصياغة القرآن حكمة ودقة بيانية، فالحق سبحانه يبدأ بالأهم في حركة الحياة، فالليل جُعِل للراحة والنهار للعمل، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسانَ لإعمار الأرض، وللسعي في مناكبها، ولا إعمارَ إلا بحركة، والحركة تحتاج إلى زمنين: زمن للراحة، وزمن للعمل.
فقدَّم الليل وقت الراحة لأنك لا تنتج ولا تكدّ إلا إذا أخذتَ حظك من الراحة أولاً، فكأن الراحة أولاً هي أصلٌ يأتي بعدها العمل، وإلا فالمتعب المكدود لا ينتج ولا ينجز، كذلك قدَّم الشمس على القمر، لأنها الأعظم والأهم، ومنها تستمد كل النجوم والكواكب نورها.
وما دُمْنا بصدد الحديث عن الليل والنهار، فلا بدَّ أن يواجهنا هذا السؤال: أيهما أوَّلٌ في الخَلْق؟ البعض يقول: الليل أولاً. بدليل أننا نثبت مثلاً دخولَ رمضان بليله لا بنهاره، فحين نرى الهلال نقول: غداً رمضان، والذين يعتقدون أن الليل وُجد أولاً لابدَّ أن لديهم قضية أخرى هي أن النهار غير سابق لليل.
الحق سبحانه يُنهي هذه المسألة، فيقول سبحانه: لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠].
وننتهي بذلك إلى حقيقة كونية أثبتها الحق سبحانه هي: لا النهار يسبق الليل، ولا الليل يسبق النهار، لأنهما كما بينَّا وُجِدَا في بداية الخَلْق معاً، في وقت واحد، ثم دار كل منهما مع الآخر.
ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ.. [فصلت: ٣٧] آيتان من آيات الله الكونية، والليل والنهار يكونان معاً اليوم الذي نعرفه، وهو من الوقت إلى مثله، قال تعالى: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً.. [الحاقة: ٧].
هذه الآيات الكونية المذكورة هنا ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ.. [فصلت: ٣٧] أخذتْ حظاً واسعاً في موكب الرسالات وفي العقائد، ففي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وهو يبحث عن الحق والحقيقة لما نظر في الكون من حوله، فرأى كوكباً قال: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٦-٧٨].
إذن: فالشمس والقمر مرتبطان بالليل والنهار لهما مدخل في العقيدة، هذا المدخل في العقيدة ينتقل من قسم العقيدة وهي الإيمان بالإله الواحد إلى شيء آخر، هذا الشيء جُعل دليلاً إيمانياً على أمر شكَّ العربُ فيه لما نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانت دليلاً على عدم انقطاع الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تعلمون قصة نزول الوحي على سيدنا رسول الله لأول مرة في غار حراء، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يعاني ويتعب من لقاء الملَكِ لاختلاف الطبيعة الملائكية عن الطبيعة البشرية، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى أهله يقول مرة: زمِّلوني زمِّلوني، ومرة: دثِّروني دثِّروني لما كان يحدث في طبيعته صلى الله عليه وسلم من تغيير، لذلك كان الوحي في بدايته ثقيلاً على رسول الله، وقد قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥].
وروى الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم كان يتفصَّد جبينه عرقاً لما ينزل عليه الملَك، والصحابي الذي كان يجلس بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم يسند فَخِذَه عليه، وكان يجد ثِقَلاً لا يطيقه حينما ينزل الوحي على رسول الله.
لذلك أراد الحق سبحانه أن يخفف عن رسوله صلى الله عليه وسلم هذه المعاناة، فانقطع الوحي لمدة ستة أشهر، ليستريح رسول الله وتذهب عنه متاعب التلقِّي الأولى، وليشتاق إلى لقاء الملَكْ من جديد، وإلى كلام الله الذي انقطع عنه، ولا شكَّ أن هذا الشوق سيعطيه طاقةَ لتحمُّل أمر الوحي والدعوة بعد ذلك.
رأى كفار مكة في انقطاع الوحي عن رسول الله مأخذاً، فقالوا: إن ربَّ محمد قلاه يعني: تركه وهجره، وهم لا يعلمون أن فتور الوحي ليس هَجْراً، إنما هو وداع الحبيب لحبيبه إلى لقاء آخر أعظم وأطول، ولذلك أنزل الله تعالى: وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ [الضحى: ١-٣].
هذا هو موضع الشاهد، أن الحق سبحانه أقسم لهم بالضحى وهو النهار، وبالليل إذا حَلَّ بظلامه، وجعل من هاتين الآيتين الكونيتين دليلاً على أن الوحي ما انقطع، إنما أراد الله لرسوله أن يرتاح من تعبه، وأنْ يعاود نشاطه لتلقّي الوحي من جديد، كما أنكم تتعبون في النهار وترتاحون في الليل. وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ [الضحى: ١-٣] ومعروف ان الضحى للشمس والليل للقمر، إذن: ففترة الوحي عن رسول الله يُراد بها التخفيف عنه، كما قال سبحانه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ١-٣].
والمراد: نشرح صدرك لنزول القرآن عليك فتشتاق إليه، ويكون عندك طاقة لاستقباله، فكأن القرآن أخذهم من الآيات الكونية المحسوسة إلى المعنويات، وجعل ما يرونه دليلاً على ما ينكرونه، يعني: إذا كنتم في حركة حياتكم اليومية تحتاجون لليل تسكنون فيه وترتاحون من عناء النهار، فكذلك رسول الله يحتاج إلى هذه الفترة ليرتاح فيها من عناء وثِقَل الوحي في بدايته، ليجدد نشاطه ويشتاق إلى لقاء الملَكِ من جديد.
لذلك قال تعالى بعدها وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤] فمعاودة الوحي ستكون أعظمَ من الأولى وخير منها، لأن المعاودة ستكون أطولَ وأقوى.
وكما دخلتْ هذه الآيات الكونية التي هي الليل والنهار والشمس والقمر في العقيدة في قصة سيدنا إبراهيم وفي الوحي المنزَّل على سيدنا رسول الله، كذلك دخلتْ في حَلِّ بعض الإشكالات في قضايا اجتماعية اهتم الإسلام بها، وهي قضية المساواة بين الرجل والمرأة.
وهذه قضية كَثُر الجدل فيها، وأخذها المغرضون ذريعة للهجوم على الإسلام، مع أن الإسلام أعظم دين أنصف المرأة وأعطاها حقوقها، وألزم المجتمع باحترامها، الإسلام ينظر إلى الرجل والمرأة على أنهما نوعان من جنس واحد يعني: هما في الأصل شيء واحد.
إذن: لا بدَّ أنْ يكون بينهما قدر مشترك ولما انقسما إلى قسمين ذكر وأنثى، صار بينها قدر غير مشترك، وصار لكل منهما مهمته في حركة الحياة، ولكي يوضح لنا السياق القرآني هذه المسألة قال تبارك وتعالى: وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ [الليل: ١-٤] فكما أن الليل والنهار متكاملان متعاونان غير متعاندين، وكما أن لكل منهما مهمته في الحياة، هذا للعمل وهذا للراحة، فكذلك حال الرجل والمرأة، عنصران لشيء واحد، وهما يتكاملان ويتعاونان لا يتعاندان كالليل والنهار، فحين تنظرون إلى الرجل والمرأة لا تنظروا إليهما على أنهما نوعان مختلفان في الجنس قد يكون بينهما تعاند، لأنهما من جنس واحد، والجنس الواحد لا يُصادم بعضه بعضاً، الجنس الواحد رسالتُه واحدة، الكلّ يتعاون في حملها كُلٌّ بما يناسبه وبما خلقه الله له، وبما أعطاه من قدرات وإمكانيات.
وهذه قضية اختلفوا فيها، خاصة الملاحدة الذين نظروا إلى الجنس، ولم ينظروا إلى ما تحته من الذكر والأنثى، فرغم الاختلاف بين النوعين إلا أنهم أرادوا أن يكون لهما مهمة واحدة لا اختلاف بين الذكر والأنثى.
لذلك الحق سبحانه يعطينا هذا المثل التوضيحي: الليل والنهار، وهل مهمة الليل كمهمة النهار؟ لكلٍّ مهمته وطبيعته، ومَنْ يعاند هذه الطبيعة يتعب في حركة حياته. كذلك جُعِل الرجلُ للعمل وللقوة والسعي، وجُعلَتْ المرأة للعاطفة واستقبال الأبناء وتربيتهم، خاصة وطفولة الإنسان هي أطول طفولة في الكائنات، والإشراف عليها مهمة المرأة ولا يجيدها الرجل.
فالحق سبحانه حينما يعطينا هذا المثل يعلِّمنا أن نرد ما اختلفنا فيه إلى ما اتفقنا عليه، فكما أننا لا نختلف في مهمة الليل ومهمة النهار، كذلك ينبغي ألاَّ نختلف في مهمة الرجل والمرأة، وألاَّ نُردد كلمة المساواة هكذا دون فَهْم لطبيعة كُلٍّ من الرجل والمرأة ودور كلٍّ منهما الذي خلقه الله له.
وفي موضع آخر يعلمنا الحق سبحانه هذه الحكمة من خلق الليل والنهار، فيقول سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ [القصص: ٧١-٧٢].
وبعد ذلك، جعل سبحانه وتعالى للزمن مدخلاً آخر غير الليل والنهار، وهو فترات الزمن: الساعات والدقائق والثواني، وبها يتم ضبط الزمن، والساعة التي تضبط لك الوقت لا تؤدي هذه المهمة إلا إذا كانت هي نفسها منضبطة تماماً، لذلك جعل الله تعالى للشمس وللقمر مهمة أخرى هي مهمة ضبط الوقت، لذلك جعلهما منضبطتين في حركتهما بإحكام.
يقول تعالى: ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥] يعني: بحساب دقيق محكم لا يختلف أبداً ولا يدخله فساد، ومن حركة الشمس والقمر نحسب الوقت خاصة الأمور الدينية التي لا نستطيع أن نضبطها إلا بهذه الحركة.
قال تعالى: لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ.. [يونس: ٥] فمن حركة الشمس أعرف الليل والنهار، ومن حركة القمر أعرف بدايات الشهور ونهاياتها.
إذن: من حركة الشمس والقمر والليل والنهار أستطيع أن أضبط حركة التكليف في الصلاة بأوقاتها المختلفة، هذه الأوقات التي تضمن دوام إعلان الولاء لله تعالى في كل وقت وفي كل مكان نتيجة لاختلاف المشارق والمغارب على مدار اليوم الكامل.
لذلك قال تعالى: رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ.. [الشعراء: ٢٨] وفي موضع آخر قال: بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ.. [المعارج: ٤٠] وقال رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧].
نعم، هي مشارق متعددة ومغارب متعددة، لأن كلَّ مكان له مشرق وله مغرب، وكل مشرق في مكان مغرب في مكان آخر وهكذا، ألا تروْنَ في الصيام مثلاً أننا نفطر في القاهرة قبل الاسكندرية بخمس دقائق، لماذا؟ لأن مشرق القاهرة غير مشرق الإسكندرية، ومغرب القاهرة غير مغرب الإسكندرية، لذلك نسمع المذيع يقول: مع مراعاة فروق التوقيت، أي: الفروق الزمنية بين كل مكان ومكان.
إذن: المتأمل في حركة الشمس يجدها في لحظة لها شروق ولها غروب، وعليه فذِكْر الله في الصلاة وفي الآذان يسيح في الزمن كله بلا انقطاع، لذلك يقول أهل التصرف: يا زمن وفيك كُلُّ الزمن، فأنت حين تصلي الفجر، هناك غيرك يصلي الظهر، وغيره يصلي العصر، وغيره يصلي المغرب، وغيره يصلي العشاء في الوقت نفسه وفي اللحظة نفسها، فتجد الحق سبحانه معبوداً في كل وقت بكل أنواع العبادة.
وإنْ أردتَ الدقة أكثر فاجعل هذه المسألة مرتبطة بعقرب الثواني في ساعتك لا عقرب الدقائق ولا الساعات، ففي كل ثانية لله مؤذن يُؤذِّن: الله أكبر. وغيره يقول: أشهد ألاَّ إله إلا الله، وغيره في نفس اللحظة يقول: أشهد أن محمداً رسول الله وهكذا. فكأن شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دائمة بدوام الزمن لا تنقطع من الوجود أبداً.
ثم يعطينا الحق سبحانه ملحظاً آخر للشمس والقمر؛ لأنهما من أعظم المخلوقات، وعُرِف عنهما الثبات والدقة والعظمة في الخَلْق، حتى أن بعض الناس عبد الشمس أو القمر، فأراد الحق سبحانه أن يلفت الخلق إلى عظمة الخالق الذي هو أولى بالعبادة من مخلوقاته.
فجعل الشمس والقمر يعتريهما تغيير هو الكسوف والخسوف، فمهما كانتْ الشمس، ومهما كان القمر هما مخلوقان متغيران، والمتغير لا يكون معبوداً أبداً؛ لذلك قال سبحانه في الآية التي معنا: لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧].
الحق سبحانه في أول الآية قال: وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ.. [فصلت: ٣٧] والآية هي الشيء العجيب في الخَلْق البديع في نظامه وإحكامه، وهذا الخَلْق العظيم ينبغي أنْ يُعظّم بتعظيم الله له، لكِنْ لا يجوز أنْ يتعدَّى هذا التعظيم إلى حَدِّ العبادة، وإلى حَدِّ السجود للمخلوق مهما كان عظيماً، لأنه مخلوق مُتغيِّر، والإله لا يتغير من أجل العباد، لكن العبادَ يتغيرون من أجل الله.
وهذه المسألة تُفسِّر لنا قضية سجود الملائكة لآدم عليه السلام، فلم يكن سجودَ عبادة، إنما كان امتثالاً لأمر الله لهم بالسجود لآدم، لكن لماذا أسجد اللهُ الملائكة لآدم؟
قالوا: لأن آدم سينزل إلى الأرض، وستكون له حركة إعمار فيها، وستكون الملائكة في عَوْنه تساعده على أداء مهمته في الأرض، الملائكة الموكلون بأمور الدنيا وهم المدبِّرات أمراً، وكما قال تعالى في وصفهم: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ.. [الرعد: ١١].
فالملائكة الذين أُمروا بالسجود ليس هم كلّ الملائكة، إنما الذين لهم علاقة بالإنسان، فكأن الحق سبحانه يُعرِّفهم على هذا المخلوق الجديد، الذي سيكونون في خدمته، فاسجدوا له سجودَ خضوع وامتثال، ليعلموا أنهم في خدمته يُدبِّرون له الأمور.
لذلك ورد في الحديث الشريفيعني: على هيئة ورديات دائمة لا تنقطع.
ومن الملائكة نوعٌ آخر لا دَخْلَ له بالإنسان، ولا علاقةَ له به، بل لا يدرون عن عالمنا هذا شيئاً، وهم العَالُون الذين قال الله فيهم في الحديث عن إبليس: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ [ص: ٧٥].
إذن: إذا كان السابقون عظموا الشمس والقمر حتى سجدوا لهما، فاعلموا أن خالقهما أَوْلَى بالسجود: لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧] يعني: إن كنتم تأتمرون بأمره.
ملحظ آخر نأخذه من الشمس يُوقفنا على شيء غريب لم نكُنْ نعرفه من قبل، ففي سورة الكهف يحكي لنا القرآن سياحة ذي القرنين، فيقول سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ.. [الكهف: ٨٣-٨٦].
أي: مغرب الشمس في مرأى العين، لأنك لو وصلتَ إلى العين الحمئة فسوف تجد الشمس ما زالت بعيدة وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [الكهف: ٨٦] ذلك لأنه رجل مُمكَّن في الأرض، له منزلة وسلطان.
والمُمكَّن في الأرض مهمته أنْ يقيم فيها موازين العدالة ومعايير الصواب والعقاب، لأن حركة الناس في الدنيا لا تستقيم إلا إذا أُثيب المحسن وعُوقب المسيء. قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً*وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً [الكهف: ٨٧-٨٨].
ثم تكلم عن مطلع الشمس، فقال: حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً [الكهف: ٩٠] يعني: ليس بينهم وبينها حجاب يسترها، ولم يذكر لنا شيئاً بعد مطلع الشمس كما ذكر الدرس السابق عند مغرب الشمس، حيث كان له عمل ودور مع مَنْ أحسن ومن أساء، أما في مطلع الشمس فقال: لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً [الكهف: ٩٠] وسكت، فكأن الهدف أنْ نعرف أن ذا القرنين وصل إلى مكان، نهاره طويل لا شيء يحجب الشمس فيه.
وبعد أن اكتشف العلماءُ خطوطَ الطول وخطوط العرض عرفنا أن بعض الأماكن عند القطبين يطول النهار حتى يصل إلى ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وهذه لقطة من إعجاز القرآن العلمي.
فإنْ قلتَ: فكيف يفعل مَنْ يعيش في هذه الأماكن؟ كيف يصلي وكيف يصوم؟ نقول: يُقدِّر لليوم العادي مقداره، ولليل مقداره فيقسم الوقت إلى ليل ونهار كالمعتاد، وكذلك مَنْ كان ليله ثلاثة أشهر أو ستة أشهر.
ملحظ أخير يتعلق بصياغة الآية وما فيها من دقة بيانية، فالحق سبحانه بدأ بآية الليل ثم النهار، وبدأ بالشمس ثم القمر وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ.. [فصلت: ٣٧] وكانت المناسبة تقتضي أنْ يقول: والقمر ليناسب الليل، والشمس لتناسب النهار.
لكن لصياغة القرآن حكمة ودقة بيانية، فالحق سبحانه يبدأ بالأهم في حركة الحياة، فالليل جُعِل للراحة والنهار للعمل، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسانَ لإعمار الأرض، وللسعي في مناكبها، ولا إعمارَ إلا بحركة، والحركة تحتاج إلى زمنين: زمن للراحة، وزمن للعمل.
فقدَّم الليل وقت الراحة لأنك لا تنتج ولا تكدّ إلا إذا أخذتَ حظك من الراحة أولاً، فكأن الراحة أولاً هي أصلٌ يأتي بعدها العمل، وإلا فالمتعب المكدود لا ينتج ولا ينجز، كذلك قدَّم الشمس على القمر، لأنها الأعظم والأهم، ومنها تستمد كل النجوم والكواكب نورها.
وما دُمْنا بصدد الحديث عن الليل والنهار، فلا بدَّ أن يواجهنا هذا السؤال: أيهما أوَّلٌ في الخَلْق؟ البعض يقول: الليل أولاً. بدليل أننا نثبت مثلاً دخولَ رمضان بليله لا بنهاره، فحين نرى الهلال نقول: غداً رمضان، والذين يعتقدون أن الليل وُجد أولاً لابدَّ أن لديهم قضية أخرى هي أن النهار غير سابق لليل.
الحق سبحانه يُنهي هذه المسألة، فيقول سبحانه: لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠].
وننتهي بذلك إلى حقيقة كونية أثبتها الحق سبحانه هي: لا النهار يسبق الليل، ولا الليل يسبق النهار، لأنهما كما بينَّا وُجِدَا في بداية الخَلْق معاً، في وقت واحد، ثم دار كل منهما مع الآخر.
آية رقم ٣٨
قوله تعالى: فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ.. [فصلت: ٣٨] أي: عن طاعة الله في أمره ونَهْيه في الآية قبلها لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ.. [فصلت: ٣٧]، والاستكبار هنا يدلُّ على عدم الإيمان بالله الآمر الناهي، لأنهم سجدوا للشمس وسجدوا للقمر سجود عبادة، والعبادة تعني طاعة العابد لأمر المعبود، والشمس والقمر ليس لهما أوامر ولا نَوَاه، فعبادتهما باطلة، وتدل على غباء مَنْ عبدها وعلى كذبه في هذه العبادة، لأنها مخلوقات لا أمرَ لها ولا نهي ولا تكاليفَ، لا تثيب مَنْ أطاعها، ولا تعاقب مَنْ عصاها.
لذلك قلنا: إن كلمة العبادة هنا كذب وباطلة (فنطزية) يعني؛ المهم يكون لهم معبودٌ يُرضِي عنده رغبته في التدين، وما أسهلَ أنْ يتخذَ الإنسانُ معبوداً لا تكاليفَ له.
لذلك لما قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] قلنا: كلمة نعبدهم هنا كذب، بدليل أنكم إذا نزل بكم الضر لا تلجئون إلى الشمس ولا إلى القمر، إنما تلجئون إلى الله: وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ.. [الإسراء: ٦٧].
وقال: وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ.. [الروم: ٣٣].
وقوله تعالى: فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ [فصلت: ٣٨].
المعنى: أن الحق سبحانه مُستغنٍ عن طاعة هؤلاء المستكبرين وعن عبادهم، فله سبحانه ملائكة مُكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، يُسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، ولا عملَ لهم سِوَى التسبيح، وهم لا يسأمون ولا يملّون ولا يتعبون.
قالوا في العندية هنا فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ.. [فصلت: ٣٨] أنها عندية مكانة، لا عندية مكان، عندية تكريم وشرف، كما قال سبحانه عن الشهداء: وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩].
وقال سبحانه: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤-٥٥].
فهؤلاء الملائكة ليسوا عند الله في مكان واحد، ولا هم قاعدون معه سبحانه، إنما هي مثلنا تماماً لا يروْنَ الله سبحانه، ويؤمنون به مثلنا بالغيب، والله بالنسبة لهم غَيْبٌ، وبعض التفسيرات وأنا أشجعها تميل إلى أن الله تعالى ليس له مكان لأنه في كل مكان، فكل مكان عند الله.
ولذلك اقرأ قول الحق تبارك وتعالى: فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٣-٨٥] البعض يقول: العندية هنا عندية علم، ولو كانت كذلك لم يقُلْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥] فما دام قال وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥] فهي عِنْدية حقيقية شائعة في كل مكان.
لذلك قلنا: إن كلمة العبادة هنا كذب وباطلة (فنطزية) يعني؛ المهم يكون لهم معبودٌ يُرضِي عنده رغبته في التدين، وما أسهلَ أنْ يتخذَ الإنسانُ معبوداً لا تكاليفَ له.
لذلك لما قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] قلنا: كلمة نعبدهم هنا كذب، بدليل أنكم إذا نزل بكم الضر لا تلجئون إلى الشمس ولا إلى القمر، إنما تلجئون إلى الله: وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ.. [الإسراء: ٦٧].
وقال: وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ.. [الروم: ٣٣].
وقوله تعالى: فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ [فصلت: ٣٨].
المعنى: أن الحق سبحانه مُستغنٍ عن طاعة هؤلاء المستكبرين وعن عبادهم، فله سبحانه ملائكة مُكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، يُسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، ولا عملَ لهم سِوَى التسبيح، وهم لا يسأمون ولا يملّون ولا يتعبون.
قالوا في العندية هنا فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ.. [فصلت: ٣٨] أنها عندية مكانة، لا عندية مكان، عندية تكريم وشرف، كما قال سبحانه عن الشهداء: وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩].
وقال سبحانه: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤-٥٥].
فهؤلاء الملائكة ليسوا عند الله في مكان واحد، ولا هم قاعدون معه سبحانه، إنما هي مثلنا تماماً لا يروْنَ الله سبحانه، ويؤمنون به مثلنا بالغيب، والله بالنسبة لهم غَيْبٌ، وبعض التفسيرات وأنا أشجعها تميل إلى أن الله تعالى ليس له مكان لأنه في كل مكان، فكل مكان عند الله.
ولذلك اقرأ قول الحق تبارك وتعالى: فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٣-٨٥] البعض يقول: العندية هنا عندية علم، ولو كانت كذلك لم يقُلْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥] فما دام قال وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥] فهي عِنْدية حقيقية شائعة في كل مكان.
آية رقم ٣٩
ما يزال السياق القرآني يأخذنا إلى الآيات الكونية التي تثبت قدرة الخالق سبحانه وَمِنْ آيَاتِهِ.. من هنا قلنا للتبعيض. يعني: هذه بعض آيات الله (آياته) أي: الكونية الدالة على قدرته تعالى، وهي الشيء العجيب الدالّ على بديع الصنعة أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً.. أي: ساكنة مستقرة لا شيء عليها من زرع مثلاً، لأن الأرض خُلقت لتكون تربة للنبات، وكأنَّ الأرض التي لا زرعَ عليها أرضٌ حزينةَ خاشعة ساكتة ساكنة لأنها لم تنبت، وربما شابهت في ذلك المرأة التي لا تنجب.
فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.. اهتزَّتْ: تحركت (وَرَبَتْ) زادت وانتفشتْ، تروْنَ حبة الفول النابت مثلاً تكون جافة جامدة، فإذا بللتها بالماء زادتْ في الحجم وانتفشَتْ، والمراد: اهتزتْ وتحركت بما يخرج منها من نبات.
إِنَّ الَّذِيۤ أَحْيَاهَا.. أي: أحيا هذه الأرض الساكنة بالنبات وحوَّلها إلى هذا البساط الأخضر النضر لَمُحْىِ الْمَوْتَىٰ.. إذن: خُذْ من هذه الآية الحسّية المشاهدة لك دليلاً علَى صِدْق ما غاب عنك وأخبرك الله به من أمر إحياء الموتى، فيا مَنْ تكذِّب بالبعث وإحياء الموتى، أما لك عبرةٌ في إحياء الأرض القَفْر الجدباء بالنبات.
إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: قدرة الله فيها طلاقة، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء، والذي خلق الخَلْق الأول من عدم أقدرُ على إعادته...
فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.. اهتزَّتْ: تحركت (وَرَبَتْ) زادت وانتفشتْ، تروْنَ حبة الفول النابت مثلاً تكون جافة جامدة، فإذا بللتها بالماء زادتْ في الحجم وانتفشَتْ، والمراد: اهتزتْ وتحركت بما يخرج منها من نبات.
إِنَّ الَّذِيۤ أَحْيَاهَا.. أي: أحيا هذه الأرض الساكنة بالنبات وحوَّلها إلى هذا البساط الأخضر النضر لَمُحْىِ الْمَوْتَىٰ.. إذن: خُذْ من هذه الآية الحسّية المشاهدة لك دليلاً علَى صِدْق ما غاب عنك وأخبرك الله به من أمر إحياء الموتى، فيا مَنْ تكذِّب بالبعث وإحياء الموتى، أما لك عبرةٌ في إحياء الأرض القَفْر الجدباء بالنبات.
إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: قدرة الله فيها طلاقة، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء، والذي خلق الخَلْق الأول من عدم أقدرُ على إعادته...
آية رقم ٤٠
قوله تعالى: يُلْحِدُونَ.. أي: يميلون بآيات الله عن الحق والاستقامة إلى باطل يروْنَهُ هم حقاً، أو يحرِّفون الآيات تبعاً لأهوائهم؛ لأن آيات الله لها معانٍ، فهم يُلحدون فيها. يعني: يُخفونها ويُظهرون لها معانيَ أخرى باطلة، كما نلحد نحن الميت في باطن الأرض، بعد أنْ كان يسيرُ عليها، فالمعنى يُخْفُون حقائقها ليُرضُوا كفرهم وهواهم.
ومن الإلحاد في آيات الله ما وقع فيه البعض من التشبيه أو التمثيل في أسماء الله وصفاته، فحين يقفون عند صفة لله تعالى يُوجد مثلها في البشر يُشبِّهون، فالله له سمع ليس كسمعنا، وله يد ليست كأيدينا، وله بصر ليس كبصرنا، إذن: لا بدَّ أنْ نأخذ هذه الصفات في إطار عام للآيات الكلية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. [الشورى: ١١].
ومنه قولهم عن المعجزة سِحْر في قصة سيدنا موسى -عليه السلام- مع فرعون وفَرْق بين السحر والمعجزة، المعجزة حقيقة والسحر تخييل بعيد عن الحقيقة، صحيح أن معجزة موسى عليه السلام كانت من جنس السحر لأنه المجال الذي نبغ فيه قومه لكنها لم تكُنْ سحراً.
فالحبال التي رماها سحرة فرعون رآها موسى ثعابينَ تسعى، أما السَّحَرة أنفسهم فيروْنَها حبالاً، فالسحر يُخيل لك الشيء أنه غيره مع أنه ليس كذلك في الحقيقة إنه مجرد خيال، لذلك قال تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه: ٦٦] تخييل لا حقيقة...
وكما قالوا في موسى -عليه السلام- أنه ساحر قالوها في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والردّ عليها كما أوضحنا بسيط، نقول لهم: لو كان محمد ساحراً سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يسحركم أنتم وتنتهي المسألة؟
ومن إلحادهم في آيات الله قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مجنون مع أنهم ما جرَّبوا عليه شيئاً من ذلك، وعُرِف بينهم بالصادق الأمين، واتصف فيهم بكريم الأخلاق، وصاحب الخلق لا يكون أبداً مجنوناً، وقد ردّ الله عليهم مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: ٢].
ومن إلحادهم في القرآن أنهم قالوا عنه إنه شعر، وعجيبٌ منهم ذلك لأنهم أعرفُ الناس بأساليب الشعراء وتعبيرات الشعراء، هم يعرفون أن القرآن مُعْجز، وأنه من عند الله، وأن أسلوبه لا يُضاهَى، وأنه فريدٌ من نوعه ومع ذلك يكذبون، وهذا هو الإلحاد...
ومن إلحادهم أنْ يُغيروا في الأشياء المطلوبة منهم، وأنْ يُحرِّفوا الكلمات، يقول تعالى: مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ.. [النساء: ٤٦]...
إذن: فوُجُوه إلحادهم في آيات الله كثيرة، وقد أخبر اللهُ عنهم أنهم نَسُوا حظاً مما ذُكِّروا به، والذي لم ينسوه حرَّفوه، والذي لم يُحرِّفوه كتموه، وليْتهم وقفوا عند هذا الحد، بل وصلتْ جُرأتهم على الله أن يكتبوا الكتاب بأيديهم ويقولون: هذا من عند الله، وما هو من عند الله، وهذا كله ألوان مختلفة لإلحادهم.
لذلك الحق سبحانه يخبر هنا: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ.. [فصلت: ٤٠] نعم لا يخفوْنَ عن علم الله، فعدم الخفاء شيء لازم، لكن المراد أنْ نخبرهم بجريمتهم حتى نعاقبهم عليها، لأن الجريمة شيء والعقوبة عليها شيء آخر، فالحق يُعرِّفهم بجريمتهم حتى يكون للعقوبة موضعٌ، كما يقول أهل القانون: لا تجريمَ إلا بنصٍّ. فكأن الحق سبحانه لا يأخذهم على غِرَّة، ولا يتركهم في عَمَىً، إنما يُوضح لهم قبل أنْ يُؤاخذهم.
أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. هذا سؤال معلوم الإجابة عنه، والحق يسألنا وهو يعلم أن الجواب سيكون كما يريد سبحانه، فكأن الحق سبحانه يقول لنا من خلال هذا السؤال: احرصوا على أوامر الله نفِّذوها، وإياكم والنواهي فاجتنبوها، فهذا هو سبيل الأمن والنجاة من النار، وهل يستوي مَنْ يُلْقى في النار ومَنْ يأتي آمناً سالماً؟
وما دام أن هذا السؤال جاء بعد الكلام عن الإلحاد في آيات الله فيكون المعنى: الذين يلحدون في آيات الله لهم النار يُلْقَوْنَ فيها يوم القيامة، والذين لا يُلحدون في آيات الله يأتون آمنين.
ومن الغباء أن الإنسان يُلحد في آيات الله لينالَ بذلك سلطةً زمنية أو مكانة مؤقتة، مآلُها إلى زوال مُحقق، ثم يلاقي بعد ذلك مصيراً مؤلماً في نار خالدة لا نهايةَ لها.
تعالَ إلى أعظم الناس نعيماً في الحياة، أخذ منها الغِنَى والقوة والسلطان والمهابة والعز كله، واسأله هل يُنغِّص شيء هذه النعمة؟ سيقول لك: أخاف ألاَّ تدوم، نعم يُنغصها على أصحابها عدم دوامها، فإما أنْ تتركهم النعمة وهم أحياء يُرزقون، وإما أنْ يتركوها هم بالموت.
لذلك يخبرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حال هؤلاء المنعَّمين في الدنيا من أهل الكفر كيف هم في الآخرة؟ يقول الرسول:"أن الواحد منهم يُغمس غمسةً واحدة في النار -والعياذ بالله- ثم تسأله الملائكة: هل رأيتَ في الدنيا نعيماً قط، يقول: لا والله ما رأيتُ فيها نعيماً قط!".
فمَنْ إذن يترك نعمةً باقية خالدة لنعمة مُنغصة زائلة فانية، ثم أنت تتنعَّم في الدنيا على قدر إمكاناتك وقدراتك، وفي الآخرة تتنعم على قَدْر قدرة الله وكرمه وعطائه في جنة فيها ما لا عَيْنٌ رأيت، ولا أُذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر.
وما دُمنا أمام أمرين لا يستويان، ووجه الصواب فيهما واضح، وما دُمْنا قد بيَّنا لكم هذا البيان فأنتم أحرارٌ اختاروا لأنفسكم اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ والأمر هنا للتهديد وللتحذير، يعني: اعملوا ما شئتم فالله يراكم، والله مُطلع على أعمالكم، وقادر على أنْ يجازيكم عليها جزاءً وفاقاً.
ومن الإلحاد في آيات الله ما وقع فيه البعض من التشبيه أو التمثيل في أسماء الله وصفاته، فحين يقفون عند صفة لله تعالى يُوجد مثلها في البشر يُشبِّهون، فالله له سمع ليس كسمعنا، وله يد ليست كأيدينا، وله بصر ليس كبصرنا، إذن: لا بدَّ أنْ نأخذ هذه الصفات في إطار عام للآيات الكلية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. [الشورى: ١١].
ومنه قولهم عن المعجزة سِحْر في قصة سيدنا موسى -عليه السلام- مع فرعون وفَرْق بين السحر والمعجزة، المعجزة حقيقة والسحر تخييل بعيد عن الحقيقة، صحيح أن معجزة موسى عليه السلام كانت من جنس السحر لأنه المجال الذي نبغ فيه قومه لكنها لم تكُنْ سحراً.
فالحبال التي رماها سحرة فرعون رآها موسى ثعابينَ تسعى، أما السَّحَرة أنفسهم فيروْنَها حبالاً، فالسحر يُخيل لك الشيء أنه غيره مع أنه ليس كذلك في الحقيقة إنه مجرد خيال، لذلك قال تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه: ٦٦] تخييل لا حقيقة...
وكما قالوا في موسى -عليه السلام- أنه ساحر قالوها في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والردّ عليها كما أوضحنا بسيط، نقول لهم: لو كان محمد ساحراً سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يسحركم أنتم وتنتهي المسألة؟
ومن إلحادهم في آيات الله قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مجنون مع أنهم ما جرَّبوا عليه شيئاً من ذلك، وعُرِف بينهم بالصادق الأمين، واتصف فيهم بكريم الأخلاق، وصاحب الخلق لا يكون أبداً مجنوناً، وقد ردّ الله عليهم مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: ٢].
ومن إلحادهم في القرآن أنهم قالوا عنه إنه شعر، وعجيبٌ منهم ذلك لأنهم أعرفُ الناس بأساليب الشعراء وتعبيرات الشعراء، هم يعرفون أن القرآن مُعْجز، وأنه من عند الله، وأن أسلوبه لا يُضاهَى، وأنه فريدٌ من نوعه ومع ذلك يكذبون، وهذا هو الإلحاد...
ومن إلحادهم أنْ يُغيروا في الأشياء المطلوبة منهم، وأنْ يُحرِّفوا الكلمات، يقول تعالى: مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ.. [النساء: ٤٦]...
إذن: فوُجُوه إلحادهم في آيات الله كثيرة، وقد أخبر اللهُ عنهم أنهم نَسُوا حظاً مما ذُكِّروا به، والذي لم ينسوه حرَّفوه، والذي لم يُحرِّفوه كتموه، وليْتهم وقفوا عند هذا الحد، بل وصلتْ جُرأتهم على الله أن يكتبوا الكتاب بأيديهم ويقولون: هذا من عند الله، وما هو من عند الله، وهذا كله ألوان مختلفة لإلحادهم.
لذلك الحق سبحانه يخبر هنا: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ.. [فصلت: ٤٠] نعم لا يخفوْنَ عن علم الله، فعدم الخفاء شيء لازم، لكن المراد أنْ نخبرهم بجريمتهم حتى نعاقبهم عليها، لأن الجريمة شيء والعقوبة عليها شيء آخر، فالحق يُعرِّفهم بجريمتهم حتى يكون للعقوبة موضعٌ، كما يقول أهل القانون: لا تجريمَ إلا بنصٍّ. فكأن الحق سبحانه لا يأخذهم على غِرَّة، ولا يتركهم في عَمَىً، إنما يُوضح لهم قبل أنْ يُؤاخذهم.
أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. هذا سؤال معلوم الإجابة عنه، والحق يسألنا وهو يعلم أن الجواب سيكون كما يريد سبحانه، فكأن الحق سبحانه يقول لنا من خلال هذا السؤال: احرصوا على أوامر الله نفِّذوها، وإياكم والنواهي فاجتنبوها، فهذا هو سبيل الأمن والنجاة من النار، وهل يستوي مَنْ يُلْقى في النار ومَنْ يأتي آمناً سالماً؟
وما دام أن هذا السؤال جاء بعد الكلام عن الإلحاد في آيات الله فيكون المعنى: الذين يلحدون في آيات الله لهم النار يُلْقَوْنَ فيها يوم القيامة، والذين لا يُلحدون في آيات الله يأتون آمنين.
ومن الغباء أن الإنسان يُلحد في آيات الله لينالَ بذلك سلطةً زمنية أو مكانة مؤقتة، مآلُها إلى زوال مُحقق، ثم يلاقي بعد ذلك مصيراً مؤلماً في نار خالدة لا نهايةَ لها.
تعالَ إلى أعظم الناس نعيماً في الحياة، أخذ منها الغِنَى والقوة والسلطان والمهابة والعز كله، واسأله هل يُنغِّص شيء هذه النعمة؟ سيقول لك: أخاف ألاَّ تدوم، نعم يُنغصها على أصحابها عدم دوامها، فإما أنْ تتركهم النعمة وهم أحياء يُرزقون، وإما أنْ يتركوها هم بالموت.
لذلك يخبرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حال هؤلاء المنعَّمين في الدنيا من أهل الكفر كيف هم في الآخرة؟ يقول الرسول:"أن الواحد منهم يُغمس غمسةً واحدة في النار -والعياذ بالله- ثم تسأله الملائكة: هل رأيتَ في الدنيا نعيماً قط، يقول: لا والله ما رأيتُ فيها نعيماً قط!".
فمَنْ إذن يترك نعمةً باقية خالدة لنعمة مُنغصة زائلة فانية، ثم أنت تتنعَّم في الدنيا على قدر إمكاناتك وقدراتك، وفي الآخرة تتنعم على قَدْر قدرة الله وكرمه وعطائه في جنة فيها ما لا عَيْنٌ رأيت، ولا أُذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر.
وما دُمنا أمام أمرين لا يستويان، ووجه الصواب فيهما واضح، وما دُمْنا قد بيَّنا لكم هذا البيان فأنتم أحرارٌ اختاروا لأنفسكم اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ والأمر هنا للتهديد وللتحذير، يعني: اعملوا ما شئتم فالله يراكم، والله مُطلع على أعمالكم، وقادر على أنْ يجازيكم عليها جزاءً وفاقاً.
آية رقم ٤١
الكفر هنا بمعنى الستر أي: ستر الإيمان بواجب الوجود، لأن الستر يقتضي مستوراً، فما هو المستور في عملية الكفر؟ الكفر يستر مقابله، يستر الإيمان، فكأن الإيمان أمرٌ فِطْري وهو الأصل والكفر طارئ عليه ليستره، وكأن الكفرَ بهذا المعنى جُنْد من جنود الإيمان ودليلٌ عليه.
وكلمة بِالذِّكْرِ.. هنا بمعنى القرآن الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم...
وقوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ كلمة عزيز لها معَانٍ منها العزيز أي: النادر الثمين، والعزيز: الغالب الذي لا يُغلب. ومنه قوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] فالقرآن غالبٌ يعلو ولا يُعْلَى عليه، يأخذ بالقلوب ويستولي عليها، بدليل قولهم: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦].
ذلك لأن الذي يسمع كلام القرآن، لا بُدَّ أنْ ينبهر به شريطة أنْ يستقبله بقلب صَافٍ ووجدان غير جامد...
وكلمة بِالذِّكْرِ.. هنا بمعنى القرآن الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم...
وقوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ كلمة عزيز لها معَانٍ منها العزيز أي: النادر الثمين، والعزيز: الغالب الذي لا يُغلب. ومنه قوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] فالقرآن غالبٌ يعلو ولا يُعْلَى عليه، يأخذ بالقلوب ويستولي عليها، بدليل قولهم: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦].
ذلك لأن الذي يسمع كلام القرآن، لا بُدَّ أنْ ينبهر به شريطة أنْ يستقبله بقلب صَافٍ ووجدان غير جامد...
آية رقم ٤٢
الكفر هنا بمعنى الستر أي: ستر الإيمان بواجب الوجود، لأن الستر يقتضي مستوراً، فما هو المستور في عملية الكفر؟ الكفر يستر مقابله، يستر الإيمان، فكأن الإيمان أمرٌ فِطْري وهو الأصل والكفر طارئ عليه ليستره، وكأن الكفرَ بهذا المعنى جُنْد من جنود الإيمان ودليلٌ عليه.
وكلمة بِٱلذِّكْرِ.. [فصلت: ٤١] هنا بمعنى القرآن الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] ويُطلق الذكر أيضاً على الكتب السابقة على القرآن: فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣].
وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨] ويُطلق الذكر ويُراد به الصِّيت والمنزلة. وَإِنَّهُ [الزخرف: ٤٤] أي: القرآن لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ.. [الزخرف: ٤٤] وقال سبحانه: لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ.. [الأنبياء: ١٠].
ويُطلق الذكر على تسبيح الله: إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ.. [المائدة: ٩١].
ويُطلق الذكر على ذكر الله بالطاعة، وذكر الله للعبد بالفيوضات والمغفرة: فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ.. [البقرة: ١٥٢].
وقوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [فصلت: ٤١] كلمة عزيز لها معَانٍ منها العزيز أي: النادر الثمين، والعزيز: الغالب الذي لا يُغلب. ومنه قوله تعالى: وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] فالقرآن غالبٌ يعلو ولا يُعْلَى عليه، يأخذ بالقلوب ويستولي عليها، بدليل قولهم: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦].
ذلك لأن الذي يسمع كلام القرآن، لا بُدَّ أنْ ينبهر به شريطة أنْ يستقبله بقلب صَافٍ ووجدان غير جامد، فإنْ صادف حُسْنَ الاستقبال كان له هذا الأثر الذي رأيناه في قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله عنه، وكان من ألدِّ خصوم الإسلام إلى اللحظة التي عَلِم فيها بإسلام أخته وزوجها، فجاء إليها ولطمها حتى سَالَ الدَّمُ من وجهها، فكان هذا الدمُ سبباً في رِقَّة قلبه رِقَّةً غلبتْ جهله، فلما سمع القرآنَ منها سمعه هذه المرة بقلب ومواجيد وعاطفة صافية فتأثر به وأسلم.
إذن: فالقرآن عزيز غالب، لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقال: فإذا أردتَ أنْ تختار بين أمرين أو توازن بينهما ينبغي أن تكون خاليَ الذِّهْن تماماً وتُخرِج ما في قلبك من هَوىً لأيِّهما، ثم تُوازن بينهما، فما ارتحتَ له فامْضِ فيه، لذلك قال تعالى: مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ.. [الأحزاب: ٤].
إذن: هو قلب واحد، إنْ عُمر بالشر كيف يستقبل الخير؟ لابد أنْ تُخرِج الشر أولاً لأن الشر سيطرد الخير.
يقول تعالى عن تلقِّي المنافقين والكافرين للقرآن: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً.. [محمد: ١٦] يعني: كأنهم لم يتأثروا به ولم يفهموه، أي: كِبْراً وعناداً، فردَّ الله عليهم قُلْ هُوَ.. [فصلت: ٤٤] أي: القرآن لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى.. [فصلت: ٤٤].
فالقرآن واحد، لكن أثره مختلف باختلاف المتلقي، فهو هدى وشفاء لأهل الإيمان، وعَمىً لأهل الكفر والنفاق.
إذن: الحق سبحانه يريد منَّا عدالة الاختيار وعدالة البحث والموازنة بين الأمرين، فإنْ توفَّرتْ هذه العدالة فالقرآن غالبٌ لا محالةَ، القرآن لا يزاحمه ولا ينافسه شيء إذا استُقبل الاستقبالَ السليم، حتى في الأمور التي يقف فيها العقل تجد الوجدان يصدقها.
لذلك قلنا: إن واردَ الرحمن لا يطارده واردُ الشيطان، وهل عارضت أم موسى وارد الرحمن لما قال لها: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ.. [القصص: ٧] العقل لا يقبل هذا، لكن يقبله الوجدان الصافي، والذين سمعوا القرآن فلم يتأثروا به ولم يثمر في أنفسهم ثمرته، إنما استمعوه وهم مشغولون بضده.
فنحن إذن في حاجة إلى عدالة الاختيار ثم حماية الاختيار، لذلك نقول في الرد على مَنْ يدَّعي أن الإسلام نُشِر بحدِّ السيف، هذا غير صحيح، فالسيف في تاريخ الإسلام ما جاء ليفرض عقيدة، إنما جاء لحماية الاختيار، وحماية حرية الدين في الإعلان عن نفسه، وحرية العقيدة أمر كفله الإسلامُ بدليل أنه ترك في بلاد الإسلام ناساً على كفرهم وعلى ديانتهم، وقال: فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. [الكهف: ٢٩].
ولأن الإسلام انطلق من حرية الاعتقاد وجعل الدين اختياراً حكَمَ على المرتد بالقتل، والعجيب أن أعداء الإسلام يأخذون هذه المسألة مطعناً في دين الله، ويقولون: إن الإسلام يحارب حرية الاعتقاد ويُجبر الناس على اعتناقه.
وهذا اتهام باطل، فالمتأمل يجد أنَّ الإسلام يعلن هذا الحكم لمن لم يؤمن بَعْد، يقول له: انتبه قبل أن تدخلَ الإسلام، ولاحظ أنك تُقتل لو ارتددتَ عنه، وهذه عقبة في طريق الإسلام تُمحِّص أهله بحيث لا يُقبل عليه إلا مَنْ اقتنع به واستقرَّ الإسلام في قلبه بلا منازع، فالحكم بقتل المرتد يحمي إقبالك على الاختيار ويُنبهك، فإما أنْ تنصرف، وإما أنْ تعرف أنه الحق فتؤمن به.
وقوله تعالى: لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ.. [فصلت: ٤٢] يعني: لا يأتيه الباطل من أيِّ جهة؛ لذلك حاول المستشرقون أنْ يتلمسوا في القرآن مأخذاً.. وهيهات لهم ذلك.. فوقفوا مثلاً عند قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. [الأنعام: ١٥١] وفي موضع آخر قال سبحانه: وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم.. [الإسراء: ٣١].
ورأوا أن في الموضعين تكراراً فقالوا: إذا كان القرآن بليغاً فأيُّ الآيتين أبلغ؟ وإنْ كانت إحداهما بليغة فالأخرى غير بليغة، وهؤلاء يفتقدون الملَكة التي تساعدهم على فَهْم كلام الله واستقبال هَدْيه، ولو نظروا إلى السياق لوجدوا أنَّ الآيتين مختلفتان موضوعاً، فليس فيهما تكرار وكُلٌّ منهما بليغة في التعبير عن موضوعها.
فقوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. [الأنعام: ١٥١] فكأن الفقر موجودٌ عنده، فهو مشغول أولاً برزق نفسه قبل أنْ يُشغَل برزق أولاده، لذلك ذُيلَتْ الآية بقوله سبحانه: نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. [الأنعام: ١٥١] أما في الأخرى فقال خَشْيَةَ إِمْلاقٍ.. [الإسراء: ٣١] يعني: الفقر غير موجود لكن يخشاه حين يأتيه الولد، فطمأنه الله أن الولد سيأتي ومعه رزقه، فقال: نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم.. [الإسراء: ٣١] إذن: فكلُّ آية بليغة في موضعها.
كذلك وقفوا عند قوله تعالى في سورة البقرة: وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: ٤٨] وفي الآية الأخرى: وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: ١٢٣].
النظرة المتعجلة لا ترى فرقاً بين الآيتين، لكن المتأمل وصاحب الملَكة اللغوية يلحظ الفَرْق، فالآيتان تتحدثان عن نفسيْنِ: نفس جازية، ونفس مجزي عنها. النفس المجزيّ عنها تعترف بذنبها وتقول: خذوا العدل واتركوني، فنقول لها: لا، فتذهب إلى مَنْ هو أكبر منها ليشفع لها. إذن: عُرِضَ العدل أولاً، فلما لم ينفعها عُرِضَتْ الشفاعة.
أما النفس الجازية وهي الشفيع، أول ما يقف بين يدي الله تعالى يقول: يا رب أنا أشفع في فلان، فإذا لم تقبل شفاعتي فيه فخُذ العدل مني، إذن: فكُلُّ آية بليغة في موضعها، لكن ماذا نفعل مع هؤلاء الذين لا يفهمون عن الله ولا يحسنون التلقي، ومع ذلك يتهمون كلام الله؟! يقولون: ربكم قال كذا وكذا، نعم هو ربنا والحمد لله، وكنا نحب أنْ يكون ربكم أيضاً.
ومن الآيات التي وقفوا عندها أيضاً قوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ [الصف: ٨] يقولون: أين ظهور الإسلام على الدين كله وبعد أربعة عشر قرناً من الزمان ما يزال في العالم يهود وملاحدة ومسيحيون وغير ذلك من الديانات. وهذا القول أيضاً يدل على عدم فهمهم لآداء القرآن الكريم ومعانيه.
ومعنى لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ.. [الصف: ٩] لا تعني أن يصبح الناسُ جميعاً مسلمين، لأن معنى الظهور هنا ظهور حجة يعني: يعلن حجته القوية، وبعد ذلك لهم الحرية يؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، هذا موضوع آخر.
ولو كنتَ تقرأ القرآن ببصيرة لعرفتَ أن ظهور الإسلام على الأديان الأخرى سيكون مع بقاء الشرك والكفر بدليل لفظ الآية، فمرة قال سبحانه: وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩] ومرة وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ [الصف: ٨].
إذن: فهما موجودان مع الإسلام، ويكفي في ظهور الإسلام على الأديان الأخرى أنهم يُضطرون للأخْذ بقضاياه وأحكامه وهم غير مسلمين، وتُلجئهم ظروفهم الحياتية فلا يجدون حلاً إلا في الإسلام، وهذه هي العظمة في الظهور.
تعلمون أن الفاتيكان كانت تعارض مسألة الطلاق التي جاء بها الإسلام، لكن مع مرور الوقت وكثرة المشاكل عندهم اضطروا إلى العمل به كحلٍّ لقضاياهم، أخذوا حكم الإسلام وهم غير مسلمين.
إذن: صدق الله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء: ٨٢] هذه الآيات وغيرها تدلنا على سلامة كلام الله وخُلوِّه من الباطل ومن الاختلاف لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ.. [فصلت: ٤٢] لأن الباطل لا يأتي إلا إذا كان المتكلم غير مُحِقٍّ، والذي يتكلم بالقرآن مَنْ؟ الله.
لذلك قال بعدها تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] وحكيم وحميد فعيل من صيغ المبالغة من الحكمة والحمد، الحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه المناسب، والحمد يعني أنه تعالى يُحمد على كل أفعاله، وكُلِّ قضائه، وكل قدره، فالحمد لله موصول أوله بآخره.
لذلك قلنا في قوله تعالى: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] أن من رحمته تعالى بنا أنْ علَّمنا صيغة حمده على نعمائه، فجاء بها بصيغة المبتدأ والخبر (الحمد لله) لأنه سبحانه لو لم يضع لعباده صيغة الثناء عليه سبحانه لاختلف فيها العباد، وتفاوت فيها الناس، ولكان للأديب البليغ ثناءٌ لا يقدر عليه الأُمِّي وراعي الغنم.
لو كان الأمر في هذه المسألة متروكاً لقدرات الناس لم يكُنْ هناك تكافؤ فرص في حمد الله، إذن: من رحمته سبحانه بنا أنْ قال لنا ارفعوا أيديكم عن الصيغة وأنا أضعها لكم ليستوي في حمدي والثناء عليَّ جميع خَلْقي، فالكل يقول كلمة واحدة (الحمد لله) فقط، ولا أريد منكم أكثر من ذلك.
لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول في الثناء على الله: "سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك" فالذي تعلَّم هذه الصيغة (الحمد لله) وهُدِي لأن يقولها ينبغي أنْ يَحمد الله عليها ذاتها، يحمد الله أنْ علَّمه كيف يحمده، وهكذا يظل الحمد من العبد لله تعالى موصولاً، ويظل العبد حامداً لربه حمداً لا نهاية له.
وكلمة تَنزِيلٌ [فصلت: ٤٢] ساعة تسمعها تشعر أنه مُنزَّل من أعلى، حتى وإن كان المنزَّل من مادة الأرض، كما في قوله سبحانه في سورة الحديد: وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥] فالحديد وإنْ كان في الأرض لكنه مُنزل من عُلو القدرة الخالقة لخدمة العباد في الأرض.
ثم يُعزِّي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ويُخفَّف عنه ما يلاقي من عَنَتِ وعناد المشركين، فيقول تعالى:
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ... .
وكلمة بِٱلذِّكْرِ.. [فصلت: ٤١] هنا بمعنى القرآن الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] ويُطلق الذكر أيضاً على الكتب السابقة على القرآن: فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣].
وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨] ويُطلق الذكر ويُراد به الصِّيت والمنزلة. وَإِنَّهُ [الزخرف: ٤٤] أي: القرآن لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ.. [الزخرف: ٤٤] وقال سبحانه: لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ.. [الأنبياء: ١٠].
ويُطلق الذكر على تسبيح الله: إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ.. [المائدة: ٩١].
ويُطلق الذكر على ذكر الله بالطاعة، وذكر الله للعبد بالفيوضات والمغفرة: فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ.. [البقرة: ١٥٢].
وقوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [فصلت: ٤١] كلمة عزيز لها معَانٍ منها العزيز أي: النادر الثمين، والعزيز: الغالب الذي لا يُغلب. ومنه قوله تعالى: وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] فالقرآن غالبٌ يعلو ولا يُعْلَى عليه، يأخذ بالقلوب ويستولي عليها، بدليل قولهم: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦].
ذلك لأن الذي يسمع كلام القرآن، لا بُدَّ أنْ ينبهر به شريطة أنْ يستقبله بقلب صَافٍ ووجدان غير جامد، فإنْ صادف حُسْنَ الاستقبال كان له هذا الأثر الذي رأيناه في قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله عنه، وكان من ألدِّ خصوم الإسلام إلى اللحظة التي عَلِم فيها بإسلام أخته وزوجها، فجاء إليها ولطمها حتى سَالَ الدَّمُ من وجهها، فكان هذا الدمُ سبباً في رِقَّة قلبه رِقَّةً غلبتْ جهله، فلما سمع القرآنَ منها سمعه هذه المرة بقلب ومواجيد وعاطفة صافية فتأثر به وأسلم.
إذن: فالقرآن عزيز غالب، لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقال: فإذا أردتَ أنْ تختار بين أمرين أو توازن بينهما ينبغي أن تكون خاليَ الذِّهْن تماماً وتُخرِج ما في قلبك من هَوىً لأيِّهما، ثم تُوازن بينهما، فما ارتحتَ له فامْضِ فيه، لذلك قال تعالى: مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ.. [الأحزاب: ٤].
إذن: هو قلب واحد، إنْ عُمر بالشر كيف يستقبل الخير؟ لابد أنْ تُخرِج الشر أولاً لأن الشر سيطرد الخير.
يقول تعالى عن تلقِّي المنافقين والكافرين للقرآن: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً.. [محمد: ١٦] يعني: كأنهم لم يتأثروا به ولم يفهموه، أي: كِبْراً وعناداً، فردَّ الله عليهم قُلْ هُوَ.. [فصلت: ٤٤] أي: القرآن لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى.. [فصلت: ٤٤].
فالقرآن واحد، لكن أثره مختلف باختلاف المتلقي، فهو هدى وشفاء لأهل الإيمان، وعَمىً لأهل الكفر والنفاق.
إذن: الحق سبحانه يريد منَّا عدالة الاختيار وعدالة البحث والموازنة بين الأمرين، فإنْ توفَّرتْ هذه العدالة فالقرآن غالبٌ لا محالةَ، القرآن لا يزاحمه ولا ينافسه شيء إذا استُقبل الاستقبالَ السليم، حتى في الأمور التي يقف فيها العقل تجد الوجدان يصدقها.
لذلك قلنا: إن واردَ الرحمن لا يطارده واردُ الشيطان، وهل عارضت أم موسى وارد الرحمن لما قال لها: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ.. [القصص: ٧] العقل لا يقبل هذا، لكن يقبله الوجدان الصافي، والذين سمعوا القرآن فلم يتأثروا به ولم يثمر في أنفسهم ثمرته، إنما استمعوه وهم مشغولون بضده.
فنحن إذن في حاجة إلى عدالة الاختيار ثم حماية الاختيار، لذلك نقول في الرد على مَنْ يدَّعي أن الإسلام نُشِر بحدِّ السيف، هذا غير صحيح، فالسيف في تاريخ الإسلام ما جاء ليفرض عقيدة، إنما جاء لحماية الاختيار، وحماية حرية الدين في الإعلان عن نفسه، وحرية العقيدة أمر كفله الإسلامُ بدليل أنه ترك في بلاد الإسلام ناساً على كفرهم وعلى ديانتهم، وقال: فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. [الكهف: ٢٩].
ولأن الإسلام انطلق من حرية الاعتقاد وجعل الدين اختياراً حكَمَ على المرتد بالقتل، والعجيب أن أعداء الإسلام يأخذون هذه المسألة مطعناً في دين الله، ويقولون: إن الإسلام يحارب حرية الاعتقاد ويُجبر الناس على اعتناقه.
وهذا اتهام باطل، فالمتأمل يجد أنَّ الإسلام يعلن هذا الحكم لمن لم يؤمن بَعْد، يقول له: انتبه قبل أن تدخلَ الإسلام، ولاحظ أنك تُقتل لو ارتددتَ عنه، وهذه عقبة في طريق الإسلام تُمحِّص أهله بحيث لا يُقبل عليه إلا مَنْ اقتنع به واستقرَّ الإسلام في قلبه بلا منازع، فالحكم بقتل المرتد يحمي إقبالك على الاختيار ويُنبهك، فإما أنْ تنصرف، وإما أنْ تعرف أنه الحق فتؤمن به.
وقوله تعالى: لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ.. [فصلت: ٤٢] يعني: لا يأتيه الباطل من أيِّ جهة؛ لذلك حاول المستشرقون أنْ يتلمسوا في القرآن مأخذاً.. وهيهات لهم ذلك.. فوقفوا مثلاً عند قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. [الأنعام: ١٥١] وفي موضع آخر قال سبحانه: وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم.. [الإسراء: ٣١].
ورأوا أن في الموضعين تكراراً فقالوا: إذا كان القرآن بليغاً فأيُّ الآيتين أبلغ؟ وإنْ كانت إحداهما بليغة فالأخرى غير بليغة، وهؤلاء يفتقدون الملَكة التي تساعدهم على فَهْم كلام الله واستقبال هَدْيه، ولو نظروا إلى السياق لوجدوا أنَّ الآيتين مختلفتان موضوعاً، فليس فيهما تكرار وكُلٌّ منهما بليغة في التعبير عن موضوعها.
فقوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. [الأنعام: ١٥١] فكأن الفقر موجودٌ عنده، فهو مشغول أولاً برزق نفسه قبل أنْ يُشغَل برزق أولاده، لذلك ذُيلَتْ الآية بقوله سبحانه: نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. [الأنعام: ١٥١] أما في الأخرى فقال خَشْيَةَ إِمْلاقٍ.. [الإسراء: ٣١] يعني: الفقر غير موجود لكن يخشاه حين يأتيه الولد، فطمأنه الله أن الولد سيأتي ومعه رزقه، فقال: نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم.. [الإسراء: ٣١] إذن: فكلُّ آية بليغة في موضعها.
كذلك وقفوا عند قوله تعالى في سورة البقرة: وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: ٤٨] وفي الآية الأخرى: وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: ١٢٣].
النظرة المتعجلة لا ترى فرقاً بين الآيتين، لكن المتأمل وصاحب الملَكة اللغوية يلحظ الفَرْق، فالآيتان تتحدثان عن نفسيْنِ: نفس جازية، ونفس مجزي عنها. النفس المجزيّ عنها تعترف بذنبها وتقول: خذوا العدل واتركوني، فنقول لها: لا، فتذهب إلى مَنْ هو أكبر منها ليشفع لها. إذن: عُرِضَ العدل أولاً، فلما لم ينفعها عُرِضَتْ الشفاعة.
أما النفس الجازية وهي الشفيع، أول ما يقف بين يدي الله تعالى يقول: يا رب أنا أشفع في فلان، فإذا لم تقبل شفاعتي فيه فخُذ العدل مني، إذن: فكُلُّ آية بليغة في موضعها، لكن ماذا نفعل مع هؤلاء الذين لا يفهمون عن الله ولا يحسنون التلقي، ومع ذلك يتهمون كلام الله؟! يقولون: ربكم قال كذا وكذا، نعم هو ربنا والحمد لله، وكنا نحب أنْ يكون ربكم أيضاً.
ومن الآيات التي وقفوا عندها أيضاً قوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ [الصف: ٨] يقولون: أين ظهور الإسلام على الدين كله وبعد أربعة عشر قرناً من الزمان ما يزال في العالم يهود وملاحدة ومسيحيون وغير ذلك من الديانات. وهذا القول أيضاً يدل على عدم فهمهم لآداء القرآن الكريم ومعانيه.
ومعنى لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ.. [الصف: ٩] لا تعني أن يصبح الناسُ جميعاً مسلمين، لأن معنى الظهور هنا ظهور حجة يعني: يعلن حجته القوية، وبعد ذلك لهم الحرية يؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، هذا موضوع آخر.
ولو كنتَ تقرأ القرآن ببصيرة لعرفتَ أن ظهور الإسلام على الأديان الأخرى سيكون مع بقاء الشرك والكفر بدليل لفظ الآية، فمرة قال سبحانه: وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩] ومرة وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ [الصف: ٨].
إذن: فهما موجودان مع الإسلام، ويكفي في ظهور الإسلام على الأديان الأخرى أنهم يُضطرون للأخْذ بقضاياه وأحكامه وهم غير مسلمين، وتُلجئهم ظروفهم الحياتية فلا يجدون حلاً إلا في الإسلام، وهذه هي العظمة في الظهور.
تعلمون أن الفاتيكان كانت تعارض مسألة الطلاق التي جاء بها الإسلام، لكن مع مرور الوقت وكثرة المشاكل عندهم اضطروا إلى العمل به كحلٍّ لقضاياهم، أخذوا حكم الإسلام وهم غير مسلمين.
إذن: صدق الله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء: ٨٢] هذه الآيات وغيرها تدلنا على سلامة كلام الله وخُلوِّه من الباطل ومن الاختلاف لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ.. [فصلت: ٤٢] لأن الباطل لا يأتي إلا إذا كان المتكلم غير مُحِقٍّ، والذي يتكلم بالقرآن مَنْ؟ الله.
لذلك قال بعدها تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] وحكيم وحميد فعيل من صيغ المبالغة من الحكمة والحمد، الحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه المناسب، والحمد يعني أنه تعالى يُحمد على كل أفعاله، وكُلِّ قضائه، وكل قدره، فالحمد لله موصول أوله بآخره.
لذلك قلنا في قوله تعالى: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] أن من رحمته تعالى بنا أنْ علَّمنا صيغة حمده على نعمائه، فجاء بها بصيغة المبتدأ والخبر (الحمد لله) لأنه سبحانه لو لم يضع لعباده صيغة الثناء عليه سبحانه لاختلف فيها العباد، وتفاوت فيها الناس، ولكان للأديب البليغ ثناءٌ لا يقدر عليه الأُمِّي وراعي الغنم.
لو كان الأمر في هذه المسألة متروكاً لقدرات الناس لم يكُنْ هناك تكافؤ فرص في حمد الله، إذن: من رحمته سبحانه بنا أنْ قال لنا ارفعوا أيديكم عن الصيغة وأنا أضعها لكم ليستوي في حمدي والثناء عليَّ جميع خَلْقي، فالكل يقول كلمة واحدة (الحمد لله) فقط، ولا أريد منكم أكثر من ذلك.
لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول في الثناء على الله: "سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك" فالذي تعلَّم هذه الصيغة (الحمد لله) وهُدِي لأن يقولها ينبغي أنْ يَحمد الله عليها ذاتها، يحمد الله أنْ علَّمه كيف يحمده، وهكذا يظل الحمد من العبد لله تعالى موصولاً، ويظل العبد حامداً لربه حمداً لا نهاية له.
وكلمة تَنزِيلٌ [فصلت: ٤٢] ساعة تسمعها تشعر أنه مُنزَّل من أعلى، حتى وإن كان المنزَّل من مادة الأرض، كما في قوله سبحانه في سورة الحديد: وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥] فالحديد وإنْ كان في الأرض لكنه مُنزل من عُلو القدرة الخالقة لخدمة العباد في الأرض.
ثم يُعزِّي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ويُخفَّف عنه ما يلاقي من عَنَتِ وعناد المشركين، فيقول تعالى:
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ... .
آية رقم ٤٣
كأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد أنت سيد الرسل، والرسل أُوذُوا، فلو كان الإيذاء على قَدْر المنزلة لكان إيذاء قومك لك أضعاف إيذاء الرسل السابقين، وما يُقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، فلسْتَ بدعاً في الرسل.
والذي قيل للرُّسُل من قبلك: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣] وأنت يا محمد واحد منهم، فأبشر بنصر الله لك ولجندك ولمن تابعك.
ويصح أيضاً أنْ يكون المعنى مَّا يُقَالُ لَكَ [فصلت: ٤٣] أي: من أعدائك والمعاندين لك إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ [فصلت: ٤٣] أي: من أعدائهم والمعاندين لهم. يعني: لا تحزن فهذه سنة الله في أهل الدعوات وحَمَلة الرسالات، وأنت واحد منهم فلا تُتعِبْ نفسك، ولا تُحمِّل نفسك في سبيل دعوتك ما لا تطيق.
فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
ذلك لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذاق حلاوة الإيمان بالله أحبه الناس جميعاً، وكانت عنده غيرة على ربه، يريد أن يسلم الناسُ جميعاً لا يفلت منهم أحد، ولا يشذ منهم عن الإيمان بالله أحد، لذلك كان يجهد نفسه وكثيراً ما عاتبه ربه على ذلك عتاب المحبِّ لحبيبه فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦].
وبيَّن له صلى الله عليه وسلم وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ [العنكبوت: ١٨].
وكثيراً ما نرى القرآن الكريم يقصُّ على سيدنا رسول الله قصص الأنبياء السابقين تسليةً لرسول الله وتخفيفاً عنه،... وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ تأمل هذا الكلام الذي يسميه العلماء ترغيب وترهيب، فالحق سبحانه وتعالى يراعي أحوال هؤلاء المعاندين لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويخاطبهم بما يناسب كلَّ الاحتمالات، فمَنْ عاد منهم إلى الحق وإلى الصراط المستقيم فبابُ التوبة مفتوح والله غفور رحيم، ومَنْ أصرَّ وتمادى في عناده فالله ذو عقاب أليم.
وتلحظ هنا أن المغفرة سبقت العقاب، بل إن الحق سبحانه يَعِد مَنْ يؤمن ويَحسُنُ إيمانه أنْ يُكفِّر عنه ذنوبه، وأن يزيده بأنْ يُبدِّل سيئاته حسناتٍ تفضّلاً منه وكرماً، وكأن الحق سبحانه يُؤنس عباده ويُحنِّنهم إليه، وهو الغني عنهم.
وتاريخ الإسلام حافلٌ بهؤلاء الذين صادموا الإسلام ودعوته وعاندوا رسول الله والمؤمنين معه، وكانوا ألدَّ الأعداء، ثم صاروا بعد ذلك حملة لوائه، وقدَّموا نفوسهم رخيصة في سبيله ولو أغلق الباب في وجوههم ما دخلوا في دين الله، وأنتم تعرفون قصة إسلام عمر وحمزة وعكرمة بن أبي جهل وخالد وعمرو وغيرهم ممَّنْ كانوا صناديد في الكفر.
حتى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أخذوا دين الله على أنه دينٌ لا سلطة زمنية أنصفهم القرآن، فقال فيهم: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً [آل عمران: ٧٥].
وبعد ذلك يأتي القرآن ويحكم على أُنَاس أنهم لن يؤمنوا ولن يهتدوا، وهم في سَعَة الدنيا وفي وقت الاختيار، مَنْ شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومع ذلك ظلُّوا على كفرهم ولم يؤمنوا حتى نفاقاً، ولو رغبةً منهم في تكذيب القرآن لم يحدث...
فالله تعالى لَذُو مَغْفِرَةٍ لكل كافر ولكُل مُكذِّب ولكل معاند، رجع إلى الجادة وتاب وأناب وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ لمن أصرَّ على كفره وتمادى في عناده ومصادمته لدعوة الحق.
ولا يخفى أن الجمع بين المعنى وضده في موضع واحد سِمةٌ من سمات الأسلوب القرآني، لأن الضدَّ يُظهره الضد، وبضدِّها تتميَّز الأشياء، وربك يخبرك ويترك لك أنْ تختار لنفسك دواعي المغفرة أو دواعي العقاب.
والذي قيل للرُّسُل من قبلك: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣] وأنت يا محمد واحد منهم، فأبشر بنصر الله لك ولجندك ولمن تابعك.
ويصح أيضاً أنْ يكون المعنى مَّا يُقَالُ لَكَ [فصلت: ٤٣] أي: من أعدائك والمعاندين لك إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ [فصلت: ٤٣] أي: من أعدائهم والمعاندين لهم. يعني: لا تحزن فهذه سنة الله في أهل الدعوات وحَمَلة الرسالات، وأنت واحد منهم فلا تُتعِبْ نفسك، ولا تُحمِّل نفسك في سبيل دعوتك ما لا تطيق.
فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
ذلك لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذاق حلاوة الإيمان بالله أحبه الناس جميعاً، وكانت عنده غيرة على ربه، يريد أن يسلم الناسُ جميعاً لا يفلت منهم أحد، ولا يشذ منهم عن الإيمان بالله أحد، لذلك كان يجهد نفسه وكثيراً ما عاتبه ربه على ذلك عتاب المحبِّ لحبيبه فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦].
وبيَّن له صلى الله عليه وسلم وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ [العنكبوت: ١٨].
وكثيراً ما نرى القرآن الكريم يقصُّ على سيدنا رسول الله قصص الأنبياء السابقين تسليةً لرسول الله وتخفيفاً عنه،... وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ تأمل هذا الكلام الذي يسميه العلماء ترغيب وترهيب، فالحق سبحانه وتعالى يراعي أحوال هؤلاء المعاندين لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويخاطبهم بما يناسب كلَّ الاحتمالات، فمَنْ عاد منهم إلى الحق وإلى الصراط المستقيم فبابُ التوبة مفتوح والله غفور رحيم، ومَنْ أصرَّ وتمادى في عناده فالله ذو عقاب أليم.
وتلحظ هنا أن المغفرة سبقت العقاب، بل إن الحق سبحانه يَعِد مَنْ يؤمن ويَحسُنُ إيمانه أنْ يُكفِّر عنه ذنوبه، وأن يزيده بأنْ يُبدِّل سيئاته حسناتٍ تفضّلاً منه وكرماً، وكأن الحق سبحانه يُؤنس عباده ويُحنِّنهم إليه، وهو الغني عنهم.
وتاريخ الإسلام حافلٌ بهؤلاء الذين صادموا الإسلام ودعوته وعاندوا رسول الله والمؤمنين معه، وكانوا ألدَّ الأعداء، ثم صاروا بعد ذلك حملة لوائه، وقدَّموا نفوسهم رخيصة في سبيله ولو أغلق الباب في وجوههم ما دخلوا في دين الله، وأنتم تعرفون قصة إسلام عمر وحمزة وعكرمة بن أبي جهل وخالد وعمرو وغيرهم ممَّنْ كانوا صناديد في الكفر.
حتى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أخذوا دين الله على أنه دينٌ لا سلطة زمنية أنصفهم القرآن، فقال فيهم: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً [آل عمران: ٧٥].
وبعد ذلك يأتي القرآن ويحكم على أُنَاس أنهم لن يؤمنوا ولن يهتدوا، وهم في سَعَة الدنيا وفي وقت الاختيار، مَنْ شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومع ذلك ظلُّوا على كفرهم ولم يؤمنوا حتى نفاقاً، ولو رغبةً منهم في تكذيب القرآن لم يحدث...
فالله تعالى لَذُو مَغْفِرَةٍ لكل كافر ولكُل مُكذِّب ولكل معاند، رجع إلى الجادة وتاب وأناب وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ لمن أصرَّ على كفره وتمادى في عناده ومصادمته لدعوة الحق.
ولا يخفى أن الجمع بين المعنى وضده في موضع واحد سِمةٌ من سمات الأسلوب القرآني، لأن الضدَّ يُظهره الضد، وبضدِّها تتميَّز الأشياء، وربك يخبرك ويترك لك أنْ تختار لنفسك دواعي المغفرة أو دواعي العقاب.
آية رقم ٤٤
قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ أي: القرآن وسُمِّي قرآناً لأنه يُقرأ (أَعجمياً) أي: بلغة الأعاجم وهم غير العرب كالإنجليزية والفرنسية وغيرها من اللغات غير العربية.
لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ يعني: جاءتْ بالعربية...
فالحق سبحانه يُبيِّن أن القرآن لو نزل أعجمياً لطلبوا وتمنوا أنْ يكون عربياً، لكن بصرف النظر عن اللغة التي نزل بها هو في ذاته هُدىً وشفاء قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ أي: الذين لا يؤمنون به في آذانهم صمم، فهم لا يسمعون السماع النافع المثمر وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى يعني: ظلمة وشبهات يتخبَّطون فيها.
إذن: فالقرآن واحد لكن النتيجة مختلفة، لأن استقبال القرآن يختلف باختلاف نية المستقبل، فالذي يسمعه بأذن واعية وقلب صَافٍ غير مشغول بنقيضه يجده هُدًى، ويجده شفاءً، والذي سمعه باستكبار وقلب غير مهيئ للإيمان يجده عَمىً، والأعمى يتخبط لا يدري أين يتجه.
فهذا يقرأ القرآن أو يسمعه فلا يفهمه ولا يتأثر به، وهؤلاء قال الله فيهم: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً [محمد: ١٦].
وسبق أن أوضحنا نظرية الفاعل والقابل، فالفاعل يقوم بالفعل والقابل يتأثر به، ففَرْق بين الفلاَّح الذي يضرب الأرض بفأسه وبين مَنْ يضرب بها صخرة مثلاً، الأرض تنفعل للفأس وتتأثر بها وتثمر وتنتج، أما الصخرة فلا تقبل ولا تتأثر.
إذن: لا تحكم على الشيء إلا إذا حدث هذا التفاعل بين الفاعل والقابل، تذكرون أننا ضربنا مثلاً في هذه المسألة بكوب الشاي الساخن ننفخ فيه ليبرد، وتنفخ في يديك لتُدفئها، فالنفخة واحدة لكن الأثر مختلفٌ لاختلاف القابل.
وقوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ لأنهم سمعوا فلم يتأثروا به، شبَّههم الله بمَنْ ينادَى من بعيد فلا يَسْمع.
لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ يعني: جاءتْ بالعربية...
فالحق سبحانه يُبيِّن أن القرآن لو نزل أعجمياً لطلبوا وتمنوا أنْ يكون عربياً، لكن بصرف النظر عن اللغة التي نزل بها هو في ذاته هُدىً وشفاء قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ أي: الذين لا يؤمنون به في آذانهم صمم، فهم لا يسمعون السماع النافع المثمر وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى يعني: ظلمة وشبهات يتخبَّطون فيها.
إذن: فالقرآن واحد لكن النتيجة مختلفة، لأن استقبال القرآن يختلف باختلاف نية المستقبل، فالذي يسمعه بأذن واعية وقلب صَافٍ غير مشغول بنقيضه يجده هُدًى، ويجده شفاءً، والذي سمعه باستكبار وقلب غير مهيئ للإيمان يجده عَمىً، والأعمى يتخبط لا يدري أين يتجه.
فهذا يقرأ القرآن أو يسمعه فلا يفهمه ولا يتأثر به، وهؤلاء قال الله فيهم: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً [محمد: ١٦].
وسبق أن أوضحنا نظرية الفاعل والقابل، فالفاعل يقوم بالفعل والقابل يتأثر به، ففَرْق بين الفلاَّح الذي يضرب الأرض بفأسه وبين مَنْ يضرب بها صخرة مثلاً، الأرض تنفعل للفأس وتتأثر بها وتثمر وتنتج، أما الصخرة فلا تقبل ولا تتأثر.
إذن: لا تحكم على الشيء إلا إذا حدث هذا التفاعل بين الفاعل والقابل، تذكرون أننا ضربنا مثلاً في هذه المسألة بكوب الشاي الساخن ننفخ فيه ليبرد، وتنفخ في يديك لتُدفئها، فالنفخة واحدة لكن الأثر مختلفٌ لاختلاف القابل.
وقوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ لأنهم سمعوا فلم يتأثروا به، شبَّههم الله بمَنْ ينادَى من بعيد فلا يَسْمع.
آية رقم ٤٥
القرآن هنا يقصّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفاً من قصة سيدنا موسى - عليه السلام -، وهذا من ضمن مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ [فصلت: ٤٣] وموسى من الرسل الذين تحملوا العنت والعناد وأتعبه قومه، فقصَّته هنا تسلية لرسول الله وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ [فصلت: ٤٥] أي: التوراة فَٱخْتُلِفَ فِيهِ [فصلت: ٤٥] أي: كانت مجالاً لاختلافهم، فمنهم مَنْ حرَّفها، ومنهم مَنْ نسي بعضها، ومنهم مَنْ كتب الكتاب من عنده. وقال: هذا من عند الله.
وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ [فصلت: ٤٥] أي: سبقتْ كلمة الله وحكمة بنهاية عذاب الاستئصال الذي يأخذ المكذِّبين جملة، كما رأينا في عاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، أما هذه الأمة فلن يأخذها الله بمثل هذا في الدنيا، بل يُؤخِّر لها الجزاء إلى يوم القيامة.
وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [فصلت: ٤٥] أي: في الدنيا كما فعل بالأمم السابقة ممَّنْ كذَّب الرسل (وإنهم) أي: قومك يا محمد وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ [فصلت: ٤٥] يعني: تردد يأخذهم إلى القلق والريبة.
والشكُّ نسبة من النِّسب السِّت المعروفة التي تعتري الأحداث: أولها: العلم وهو أن يكون عندك قضية واقعة وأنت مقتنع بها وتستطيع أنْ تقدم عليها الدليل.
ثم التقليد: وهو أن يكون لديك قضية واقعة يعني مطابقة للواقع وأنت مقتنع بها، لكن لا تستطيع أنْ تُقدم الدليل عليها، مثل الطفل الصغير نُلقِّنه مثلاً أن الله واحد فيؤمن بها لثقته في والده الذي يلقنه، لأنه يعلم أن والده يريد له الخير ولا يُعلِّمه إلا الصواب، لكن الوالد لا يستطيع أن يقيم الدليل على أن الله واحد.
ثم الجهل: وهو أن يكون عندك قضية غير مطابقة للواقع وأنت مقتنع بها. لذلك قلنا في هذه المسألة: إن الجاهل أشقُّ على مُعلِّمه من الأُميِّ؛ لأن الجاهل عنده قضية باطلة كاذبة وهو مؤمن بها فيحتاج منك مجهوداً مرتين: مرة لتخرجه من جهله، ومرة لتقنعه بالصواب. أما الأمي فهو خالي الذهن ليس عنده قضية ما يدافع عنها، لذلك تراه طيِّعاً يقبل ما يُلْقَى إليه دون أنْ يجادل.
ثم بعد ذلك الشك، وهو أن يكون لديك قضية واقعة لكن يقينك بها مُساوٍ لشكِّك فيها، فأنت غير متأكد منها، ثم إنْ كان الثبوت والتأكيد أوضحَ فهو الظن، وإنْ كان الشكُّ أوضحَ من اليقين فهو الوهم.
فقوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ [فصلت: ٤٥] يعني: لم يصلوا إلى درجة العلم، ولا درجة التقليد، ولا درجة الجهل.
وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ [فصلت: ٤٥] أي: سبقتْ كلمة الله وحكمة بنهاية عذاب الاستئصال الذي يأخذ المكذِّبين جملة، كما رأينا في عاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، أما هذه الأمة فلن يأخذها الله بمثل هذا في الدنيا، بل يُؤخِّر لها الجزاء إلى يوم القيامة.
وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [فصلت: ٤٥] أي: في الدنيا كما فعل بالأمم السابقة ممَّنْ كذَّب الرسل (وإنهم) أي: قومك يا محمد وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ [فصلت: ٤٥] يعني: تردد يأخذهم إلى القلق والريبة.
والشكُّ نسبة من النِّسب السِّت المعروفة التي تعتري الأحداث: أولها: العلم وهو أن يكون عندك قضية واقعة وأنت مقتنع بها وتستطيع أنْ تقدم عليها الدليل.
ثم التقليد: وهو أن يكون لديك قضية واقعة يعني مطابقة للواقع وأنت مقتنع بها، لكن لا تستطيع أنْ تُقدم الدليل عليها، مثل الطفل الصغير نُلقِّنه مثلاً أن الله واحد فيؤمن بها لثقته في والده الذي يلقنه، لأنه يعلم أن والده يريد له الخير ولا يُعلِّمه إلا الصواب، لكن الوالد لا يستطيع أن يقيم الدليل على أن الله واحد.
ثم الجهل: وهو أن يكون عندك قضية غير مطابقة للواقع وأنت مقتنع بها. لذلك قلنا في هذه المسألة: إن الجاهل أشقُّ على مُعلِّمه من الأُميِّ؛ لأن الجاهل عنده قضية باطلة كاذبة وهو مؤمن بها فيحتاج منك مجهوداً مرتين: مرة لتخرجه من جهله، ومرة لتقنعه بالصواب. أما الأمي فهو خالي الذهن ليس عنده قضية ما يدافع عنها، لذلك تراه طيِّعاً يقبل ما يُلْقَى إليه دون أنْ يجادل.
ثم بعد ذلك الشك، وهو أن يكون لديك قضية واقعة لكن يقينك بها مُساوٍ لشكِّك فيها، فأنت غير متأكد منها، ثم إنْ كان الثبوت والتأكيد أوضحَ فهو الظن، وإنْ كان الشكُّ أوضحَ من اليقين فهو الوهم.
فقوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ [فصلت: ٤٥] يعني: لم يصلوا إلى درجة العلم، ولا درجة التقليد، ولا درجة الجهل.
آية رقم ٤٦
الحق سبحانه يقرر هنا حقيقة واقعية، يريد سبحانه للعباد أن يؤمنوا بها، حتى يرسخ في أذهانهم أن كلاً منهم يعمل لصالح نفسه، وأن إيمان المؤمنين لا يعود على الله تعالى بشيء، ولا يزيده سبحانه صفة لم تكُنْ له.
كذلك لا تضره معصية العاصين، ولا جحد الجاحدين، ولا إنكار المنكرين، لأنه سبحانه مُستوْفٍ كلَّ صفات الجلال والجمال والكمال قبل أنْ يخلق هذا الخَلْق، فالله تعالى ليس في حاجة أبداً إلى طاعة الطائعين ولا إيمان المؤمنين، بل العباد هم المستفيدون من أعمالهم الصالحة.
وما أمور التكاليف الشرعية إلا حرصاً من الله تعالى على خَلْقه، ورحمةً من الصانع بصَنْعته، فكُلُّ صانع يريد لصنعته الصلاح، ويرْبأ بها عن الفساد وأسباب الهلكة.
وتذكرون الحديث القُدسيّ: إذن: أنتم أحرار، يؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، فكلٌّ مُجازَى بعمله مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ [فصلت: ٤٦] هو المستفيد، وليس لي من عمله شيء وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦] أي: على نفسه تحسب إساءته، هذه قضية يقررها ربك عز وجل، ولك أن تختار لنفسك، وأنْ تُوردها المورد الذي يُسعدها لا الذي يُشقيها.
ومن العجيب أن الإنسان بعد أنْ عرف هذه الحقيقة يورد نفسه موارد الهلاك، لذلك وصفه الحق سبحانه بأنه ظلوم وجهول.
والحق سبحانه حين ينذرنا بالعقوبة، وحين يشددها ليس من حظه أنْ يُوقع هذه العقوبة بالعباد، إنما أراد سبحانه أنْ يصرفنا نحن عن أسبابها ويُخوِّفنا منها حتى لا نقع فيها، الله تعالى مُنزَّه عن الظلم وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦].
إنه يُخوِّفك حمايةً لك، بالله حين يقول لنا: مَنْ قتل يُقتل، أيريد أنْ يقتل الناس، أم يريد أنْ يحقن الدماء ويحفظها؟ ومَنْ يقدم على القتل وهو يعرف أن مَنْ قتل يُقتل؟
لذلك تجد القرآن في مسألة القوة العسكرية يقول: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.. [الأنفال: ٦٠].
العجيب أن أعداء الإسلام يأخذون من هذه الآية دليلاً على أن الإسلام يؤيد الإرهاب لأنه ذكر كلمة (تُرْهِبُونَ) وهذا فَهْم خاطئ لأسلوب القرآن، لأن معنى إعداد القوة التي ترهب أنني لا أريد المعركة ولا أريد المواجهة، فحين يعرف عدوى أنِّي مستعد يخاف ولا يُقدِم على القتال.
نسمعهم في المسائل العسكرية يقولون: توازن القوى، هذا التوازن هو الذي يحفظ السلام في المجتمع الدولي كله، وأيام كان في العالم قوتان متكافئتان هي روسيا وأمريكا كان هناك استقرارٌ عسكريٌّ، فكلٌّ منهما تخشى الأخرى حتى كانوا يقولون على الحروب بينهما (الحرب الباردة) لكن لما تفككتْ قوة روسيا أصبح لأمريكا الغَلَبة، فهي القوة الوحيدة الآن، ونراها تعمل ما تريد دون رادع من قوة أخرى.
إذن: نقول: الحق سبحانه وتعالى حين يأمرنا بإعداد القوة العسكرية لا يعني أنه سبحانه يدفعنا إلى ساحة القتال، إنما يعني حفظ السلام بيننا وبين غيرنا، ومعلوم أنك لا تُقدِم أبداً على مهاجمة مَنْ هو أقوى منك، فالآية تريد السلام، لا تريد الإرهاب كما يدَّعُون.
وقوله سبحانه: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] كلمة (ظَلاَّم) على وزن فعَّال، وهي صيغة مبالغة من ظالم مثل: قاتل وقتَّال، والآية حينما تنفي صيغة المبالغة لا يقتضي ذلك نَفْيَ الأصل وهو ظالم، فالوصف الأقلّ موجود، لأنك لو قلت في الإثبات فلان علاَّم دلَّ ذلك على أنه عالم من باب أَوْلَى، لكن في النفي لو قلت: فلان ليس بعلاَّم، فلا يمنع أنْ يكون عالماً.
إذن: فهل يعني نَفْي المبالغة ظلاَّم إثبات ظالم - تعالى الله عن الظلم - قالوا: لا، لأن لفظ الآية وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] ولم يقل للعبد، فصيغة المبالغة جاءت من تكرار الفعل. يعني: ظلم عبداً واحداً يعني ظالم، فإنْ ظلم الكل فلا بدَّ أن عنده قوة كبيرة تُحوله إلى ظلاَّم.
فنَفْي ظلاَّم بهذا المعنى نَفْيٌ لظالم أيضاً، ثم مَنْ يريد أن يظلم يظلم على قدر قوته، فعلى فَرْض أن الحق سبحانه وتعالى يظلم فهو ظلاَّم وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦].
الحق سبحانه وتعالى حين ينفي صفة الظلم عن نفسه تعالى بعد قوله مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦] كأنه يقول سبحانه: أنا حكَم عَدْلٌ بينكم وبين أنفسكم، أجزي كل نفس بما عملت وبما سعَتْ دون ظلم، فأنا أحكم لكم وعليكم، فأنتم لستُمْ خصوماً لي.
كذلك لا تضره معصية العاصين، ولا جحد الجاحدين، ولا إنكار المنكرين، لأنه سبحانه مُستوْفٍ كلَّ صفات الجلال والجمال والكمال قبل أنْ يخلق هذا الخَلْق، فالله تعالى ليس في حاجة أبداً إلى طاعة الطائعين ولا إيمان المؤمنين، بل العباد هم المستفيدون من أعمالهم الصالحة.
وما أمور التكاليف الشرعية إلا حرصاً من الله تعالى على خَلْقه، ورحمةً من الصانع بصَنْعته، فكُلُّ صانع يريد لصنعته الصلاح، ويرْبأ بها عن الفساد وأسباب الهلكة.
وتذكرون الحديث القُدسيّ: إذن: أنتم أحرار، يؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، فكلٌّ مُجازَى بعمله مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ [فصلت: ٤٦] هو المستفيد، وليس لي من عمله شيء وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦] أي: على نفسه تحسب إساءته، هذه قضية يقررها ربك عز وجل، ولك أن تختار لنفسك، وأنْ تُوردها المورد الذي يُسعدها لا الذي يُشقيها.
ومن العجيب أن الإنسان بعد أنْ عرف هذه الحقيقة يورد نفسه موارد الهلاك، لذلك وصفه الحق سبحانه بأنه ظلوم وجهول.
والحق سبحانه حين ينذرنا بالعقوبة، وحين يشددها ليس من حظه أنْ يُوقع هذه العقوبة بالعباد، إنما أراد سبحانه أنْ يصرفنا نحن عن أسبابها ويُخوِّفنا منها حتى لا نقع فيها، الله تعالى مُنزَّه عن الظلم وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦].
إنه يُخوِّفك حمايةً لك، بالله حين يقول لنا: مَنْ قتل يُقتل، أيريد أنْ يقتل الناس، أم يريد أنْ يحقن الدماء ويحفظها؟ ومَنْ يقدم على القتل وهو يعرف أن مَنْ قتل يُقتل؟
لذلك تجد القرآن في مسألة القوة العسكرية يقول: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.. [الأنفال: ٦٠].
العجيب أن أعداء الإسلام يأخذون من هذه الآية دليلاً على أن الإسلام يؤيد الإرهاب لأنه ذكر كلمة (تُرْهِبُونَ) وهذا فَهْم خاطئ لأسلوب القرآن، لأن معنى إعداد القوة التي ترهب أنني لا أريد المعركة ولا أريد المواجهة، فحين يعرف عدوى أنِّي مستعد يخاف ولا يُقدِم على القتال.
نسمعهم في المسائل العسكرية يقولون: توازن القوى، هذا التوازن هو الذي يحفظ السلام في المجتمع الدولي كله، وأيام كان في العالم قوتان متكافئتان هي روسيا وأمريكا كان هناك استقرارٌ عسكريٌّ، فكلٌّ منهما تخشى الأخرى حتى كانوا يقولون على الحروب بينهما (الحرب الباردة) لكن لما تفككتْ قوة روسيا أصبح لأمريكا الغَلَبة، فهي القوة الوحيدة الآن، ونراها تعمل ما تريد دون رادع من قوة أخرى.
إذن: نقول: الحق سبحانه وتعالى حين يأمرنا بإعداد القوة العسكرية لا يعني أنه سبحانه يدفعنا إلى ساحة القتال، إنما يعني حفظ السلام بيننا وبين غيرنا، ومعلوم أنك لا تُقدِم أبداً على مهاجمة مَنْ هو أقوى منك، فالآية تريد السلام، لا تريد الإرهاب كما يدَّعُون.
وقوله سبحانه: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] كلمة (ظَلاَّم) على وزن فعَّال، وهي صيغة مبالغة من ظالم مثل: قاتل وقتَّال، والآية حينما تنفي صيغة المبالغة لا يقتضي ذلك نَفْيَ الأصل وهو ظالم، فالوصف الأقلّ موجود، لأنك لو قلت في الإثبات فلان علاَّم دلَّ ذلك على أنه عالم من باب أَوْلَى، لكن في النفي لو قلت: فلان ليس بعلاَّم، فلا يمنع أنْ يكون عالماً.
إذن: فهل يعني نَفْي المبالغة ظلاَّم إثبات ظالم - تعالى الله عن الظلم - قالوا: لا، لأن لفظ الآية وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] ولم يقل للعبد، فصيغة المبالغة جاءت من تكرار الفعل. يعني: ظلم عبداً واحداً يعني ظالم، فإنْ ظلم الكل فلا بدَّ أن عنده قوة كبيرة تُحوله إلى ظلاَّم.
فنَفْي ظلاَّم بهذا المعنى نَفْيٌ لظالم أيضاً، ثم مَنْ يريد أن يظلم يظلم على قدر قوته، فعلى فَرْض أن الحق سبحانه وتعالى يظلم فهو ظلاَّم وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦].
الحق سبحانه وتعالى حين ينفي صفة الظلم عن نفسه تعالى بعد قوله مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦] كأنه يقول سبحانه: أنا حكَم عَدْلٌ بينكم وبين أنفسكم، أجزي كل نفس بما عملت وبما سعَتْ دون ظلم، فأنا أحكم لكم وعليكم، فأنتم لستُمْ خصوماً لي.
آية رقم ٤٧
قوله تعالى: (إلَيْه) أي: إليه سبحانه وتعالى يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ [فصلت: ٤٧] الساعة هي القيامة وعِلْمها يعني وقتها، وهذه من الأمور التي استأثر الله تعالى بعلمها، ولم يُطلع عليها أحداً من خلقه لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٧].
وفي إخفاء وقت الساعة حِكم عظيمة، أهمها ألاَّ يتكل الناسُ وأَلاَّ يتمادى أهل الباطل وأهل النزوات والشهوات في شهواتهم، بل يستعد الجميع لها، ويبادر الجميع بالأعمال الصالحة لأن أحداً لا يضمن ميعاد موته وخروجه من دنيا العمل إلى دار الحساب وقلنا: إنه مَنْ مات قامتْ قيامته.
لذلك قلنا: إن الموقوتات العبادية لها زمنٌ من كذا إلى كذا، فالظهر مثلاً من استواء الشمس إلى ظل المثلين، والذي يصلي في كل هذه المدة أدَّى الفرض، لكن يفضل المبادرة لماذا؟ لأنك لا تضمن عمرك إلى آخر الوقت، فربما أتتْك منيّتك بعد لحظة من دخول الوقت فتكون قد أثمتَ.
لذلك لما سُئِلَ سيدنا رسول الله عن خير الأعمال قال: وقال تعالى: إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً [النساء: ١٠٣] كذلك في الحج ترى الرجل مُوسِراً وقادراً على تكاليف الحج، لكنه لا يحج تسأله يقول لك: إنْ عشتُ لعام كذا وبعد كذا وكذا أحج، سبحانه الله هل ضمنتَ عمرك أنْ تعيش إلى هذا الوقت؟
فالحق سبحانه لحكمة أبهمَ وقت قيام الساعة، وأبهم وقت الموت، واستأثر سبحانه بعلمها، والقيامة حَقٌّ والموت حَقٌّ وسَهْم أُرسِلَ إليك بالفعل، وعمرك بقدر سفره ووصوله إليك.
قالوا: وإبهام علم الساعة والأجل هو عَيْن البيان، فإشاعته في الوقت كله تجعلك مُستعداً له تتوقعه وتنتظره في كل لحظة، لذلك قال تعالى في سورة تبارك: تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك: ١-٢].
فقدّم الموت في الخلق على الحياة مع أن الحياة كائنة أولاً، قدَّم الموت ليكون دائماً في الذِّهْن وعلى البال، قدَّم الموت لتستقبل الحياة على حذر ولا تغتر بها، تستقبل الحياة بمصاحبة نقيضها الموت، لتنتظره في أيِّ لحظة.
ومن رحمة الله بعباده أنْ جعل للقيامة علامات يُستدل بها على قُرْبها، علامات صغرى وعلامات كبرى ليُخوِّف الناس، ويُوقِظهم من غفلتهم عن الآخرة.
وقوله وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا [فصلت: ٤٧] الأكمام: جمع كِمّ. وهو القشرة الخضراء التي تغلف الثمرة، ثم تنفلق قليلاً قليلاً لتخرج الثمرة منها، كما ترى مثلاً الوردة قبل أن تتفتح تجدها داخل غلاف أخضر مغلق عليها كأنها مُغمضة، ثم تتفتح وتخرج من هذا الغلاف.
وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ [فصلت: ٤٧] هذه كلها من الأمور التي تغيب عن علم الناس لكنها لا تغيب عن علم الله، كلمة وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ [فصلت: ٤٧] الحمل معروف، وهو التقاء البويضة الأنثوية بالحيوان المنوي للذكر، ومن هذا الالتقاء يحدث الحمل، وهو هِبَةٌ من الله على أية حال.
قال الحق سبحانه وتعالى: يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ [الشورى: ٤٩].
فكأن العُقْمَ نفسه هبةٌ لمن تدبَّر وبحث عن الحكمة، حين تنظر إلى الولد الذي قتل أباه أو قتل أمه، والولد الذي جلب العار لأهله حتى تمنَّوا أن الموت يُريحهم منه، حين تنظر في عقوق الأبناء تعرف أن العقمَ نعمة وهِبَةٌ من الله تستوجب الشكر كما تستوجبه نعمة الولد.
ثم تجد السياق القرآني يُقدِّم الأنثى، لأنها كانت مكروهة عند العرب قديماً وغير مرغوب فيها؛ لذلك جعل الله منزلة خاصة لمن يُربي البنات ويحسن إليهن، ولمن يحترم قدر الله في إنجاب البنات، وكأن هاتفاً من الله يناديه: عبدي ما دُمْتَ قد قبلتَ هبتي ونعمتي، وعِزَّتي وجلالي لآتينَّكَ لكل بنت منهن بزوج يحقق لك آمالك فيها، ويكون أبرَّ لك من أبنائك.
وفي مسألة الإنجاب هذه رأينا عجائب تؤكد قدرة الله تعالى وطلاقة هذه القدرة، رأينا زوجينِ لم يُرزَقا الإنجاب فافترقَا، ثم تزوَّج الرجل بأخرى فأنجب منها وتزوجتْ المرأة بآخر وأنجبتْ منه، فكأن الإنجاب كان ممتنعاً بين هذين بالذات.
ثم حين تتأمل القسمة العقلية لمسألة الخَلْق هذه، تجد أن قدرة الله تعالى قد استوعبتْها بصورها الأربعة، فالإنجاب الطبيعي يأتي من ذكر وأنثى، لكن قدرة الله جاءتْ بآدم بلا زوج ولا زوجة، وجاءتْ بحواء من أب بلا أم، وجاءت بعيسى من أم بلا أب، وقد يتوفر الأب والأم ولا يحدث الإنجاب، هذه كلها صور تؤكد طلاقة القدرة الإلهية في مسألة الخَلْق.
وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي [فصلت: ٤٧] هو سبحانه الذي يقول (شُرَكَآئِي) أي: في زعمكم، لأنه قال في موضع آخر ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: ٢٢] فأجابوا - والكلام هنا يحكي موقفاً من مواقف القيامة قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ [فصلت: ٤٧] يعني: أخبرناك وأعلمناك، والأذن هي وسيلة السمع، وإليها يصل الكلام، ويحصل العلم فكأن الأذن هي أول وسائل العلم.
لذلك قال تعالى عن الأرض: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] يعني: استمتعتْ للأوامر، قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ [فصلت: ٤٧] أخبرناك مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ [فصلت: ٤٧] لا أحد منا يشهد أن لك شركاء، فالحق سبحانه قال شُرَكَآئِي ولم ينفِ الشركاءَ لينفُوهم هم.
فبعد فوات الأوان يُقرُّونَ بأن الله تعالى ليس له شريكٌ، وكأن كلمة الشريك هذه لم تَرِدْ يوماً على لسان واحد منهم.
وفي إخفاء وقت الساعة حِكم عظيمة، أهمها ألاَّ يتكل الناسُ وأَلاَّ يتمادى أهل الباطل وأهل النزوات والشهوات في شهواتهم، بل يستعد الجميع لها، ويبادر الجميع بالأعمال الصالحة لأن أحداً لا يضمن ميعاد موته وخروجه من دنيا العمل إلى دار الحساب وقلنا: إنه مَنْ مات قامتْ قيامته.
لذلك قلنا: إن الموقوتات العبادية لها زمنٌ من كذا إلى كذا، فالظهر مثلاً من استواء الشمس إلى ظل المثلين، والذي يصلي في كل هذه المدة أدَّى الفرض، لكن يفضل المبادرة لماذا؟ لأنك لا تضمن عمرك إلى آخر الوقت، فربما أتتْك منيّتك بعد لحظة من دخول الوقت فتكون قد أثمتَ.
لذلك لما سُئِلَ سيدنا رسول الله عن خير الأعمال قال: وقال تعالى: إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً [النساء: ١٠٣] كذلك في الحج ترى الرجل مُوسِراً وقادراً على تكاليف الحج، لكنه لا يحج تسأله يقول لك: إنْ عشتُ لعام كذا وبعد كذا وكذا أحج، سبحانه الله هل ضمنتَ عمرك أنْ تعيش إلى هذا الوقت؟
فالحق سبحانه لحكمة أبهمَ وقت قيام الساعة، وأبهم وقت الموت، واستأثر سبحانه بعلمها، والقيامة حَقٌّ والموت حَقٌّ وسَهْم أُرسِلَ إليك بالفعل، وعمرك بقدر سفره ووصوله إليك.
قالوا: وإبهام علم الساعة والأجل هو عَيْن البيان، فإشاعته في الوقت كله تجعلك مُستعداً له تتوقعه وتنتظره في كل لحظة، لذلك قال تعالى في سورة تبارك: تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك: ١-٢].
فقدّم الموت في الخلق على الحياة مع أن الحياة كائنة أولاً، قدَّم الموت ليكون دائماً في الذِّهْن وعلى البال، قدَّم الموت لتستقبل الحياة على حذر ولا تغتر بها، تستقبل الحياة بمصاحبة نقيضها الموت، لتنتظره في أيِّ لحظة.
ومن رحمة الله بعباده أنْ جعل للقيامة علامات يُستدل بها على قُرْبها، علامات صغرى وعلامات كبرى ليُخوِّف الناس، ويُوقِظهم من غفلتهم عن الآخرة.
وقوله وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا [فصلت: ٤٧] الأكمام: جمع كِمّ. وهو القشرة الخضراء التي تغلف الثمرة، ثم تنفلق قليلاً قليلاً لتخرج الثمرة منها، كما ترى مثلاً الوردة قبل أن تتفتح تجدها داخل غلاف أخضر مغلق عليها كأنها مُغمضة، ثم تتفتح وتخرج من هذا الغلاف.
وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ [فصلت: ٤٧] هذه كلها من الأمور التي تغيب عن علم الناس لكنها لا تغيب عن علم الله، كلمة وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ [فصلت: ٤٧] الحمل معروف، وهو التقاء البويضة الأنثوية بالحيوان المنوي للذكر، ومن هذا الالتقاء يحدث الحمل، وهو هِبَةٌ من الله على أية حال.
قال الحق سبحانه وتعالى: يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ [الشورى: ٤٩].
فكأن العُقْمَ نفسه هبةٌ لمن تدبَّر وبحث عن الحكمة، حين تنظر إلى الولد الذي قتل أباه أو قتل أمه، والولد الذي جلب العار لأهله حتى تمنَّوا أن الموت يُريحهم منه، حين تنظر في عقوق الأبناء تعرف أن العقمَ نعمة وهِبَةٌ من الله تستوجب الشكر كما تستوجبه نعمة الولد.
ثم تجد السياق القرآني يُقدِّم الأنثى، لأنها كانت مكروهة عند العرب قديماً وغير مرغوب فيها؛ لذلك جعل الله منزلة خاصة لمن يُربي البنات ويحسن إليهن، ولمن يحترم قدر الله في إنجاب البنات، وكأن هاتفاً من الله يناديه: عبدي ما دُمْتَ قد قبلتَ هبتي ونعمتي، وعِزَّتي وجلالي لآتينَّكَ لكل بنت منهن بزوج يحقق لك آمالك فيها، ويكون أبرَّ لك من أبنائك.
وفي مسألة الإنجاب هذه رأينا عجائب تؤكد قدرة الله تعالى وطلاقة هذه القدرة، رأينا زوجينِ لم يُرزَقا الإنجاب فافترقَا، ثم تزوَّج الرجل بأخرى فأنجب منها وتزوجتْ المرأة بآخر وأنجبتْ منه، فكأن الإنجاب كان ممتنعاً بين هذين بالذات.
ثم حين تتأمل القسمة العقلية لمسألة الخَلْق هذه، تجد أن قدرة الله تعالى قد استوعبتْها بصورها الأربعة، فالإنجاب الطبيعي يأتي من ذكر وأنثى، لكن قدرة الله جاءتْ بآدم بلا زوج ولا زوجة، وجاءتْ بحواء من أب بلا أم، وجاءت بعيسى من أم بلا أب، وقد يتوفر الأب والأم ولا يحدث الإنجاب، هذه كلها صور تؤكد طلاقة القدرة الإلهية في مسألة الخَلْق.
وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي [فصلت: ٤٧] هو سبحانه الذي يقول (شُرَكَآئِي) أي: في زعمكم، لأنه قال في موضع آخر ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: ٢٢] فأجابوا - والكلام هنا يحكي موقفاً من مواقف القيامة قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ [فصلت: ٤٧] يعني: أخبرناك وأعلمناك، والأذن هي وسيلة السمع، وإليها يصل الكلام، ويحصل العلم فكأن الأذن هي أول وسائل العلم.
لذلك قال تعالى عن الأرض: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] يعني: استمتعتْ للأوامر، قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ [فصلت: ٤٧] أخبرناك مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ [فصلت: ٤٧] لا أحد منا يشهد أن لك شركاء، فالحق سبحانه قال شُرَكَآئِي ولم ينفِ الشركاءَ لينفُوهم هم.
فبعد فوات الأوان يُقرُّونَ بأن الله تعالى ليس له شريكٌ، وكأن كلمة الشريك هذه لم تَرِدْ يوماً على لسان واحد منهم.
آية رقم ٤٨
معنى وَضَلَّ عَنْهُم غاب وانصرف عنهم فهو غير موجود معهم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ [فصلت: ٤٨] من أوليائهم الذين أشركوهم مع الله وَظَنُّواْ هنا بمعنى أيقنوا وتأكدوا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ [فصلت: ٤٨] ما لهم من مفرٍّ ولا مهرب يُنجيهم من العذاب، فهو ينظر هنا وهناك، فلا يجد مَلْجئاً ولا مَنْجى، فالمصيبة طَامّة لا نجاةَ منها؛ لذلك حتى نحن في العامية نقول: (فلان حايس) يعني: حائر لا يجد مكاناً يهرب إليه.
آية رقم ٤٩
قوله تعالى: لاَّ يَسْأَمُ لا يملّ ٱلإِنْسَانُ المراد الكافر مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ من طلب الخير لنفسه، الخير في ماله في أولاده، في صحته وعافيته، ترى الرجل يقول: يا رب شقة أسكن فيها، فإنْ أعطاه الله الشقة قال: يا رب (فيلا) صغيرة فإنْ أعطاه الله قال: يا رب عمارة تصرف على (الفيلا).
فالإنسان جُبِلَ على حب الخير وعلى الطمع (ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)، وقليل من الناس مَنْ يأخذ الأمور على قدرها.
سيدنا داود عليه وعلى نبينا السلام أعطاه اللهُ من الخيرات الكثير ومع ذلك جلس في يوم من الأيام على سطح بيته فوجد سِرْباً من جراد من ذهب فثنَى ثوبه وأخذ يجمع فيه الجراد، فتجلَّى الله له وقال: يا داود ألَمْ أُغْنِكَ؟ قال: بلى يا رب لكن لا غِنَى لي عن فضلك.
فإذا كان هذا حال نبي الله داود، فما بال المؤمن العادي؟ وما بال غير المؤمنين، أمثال مَنْ نزلت فيهم هذه الآية، ومن قال الله فيه وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦] أو: إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ [فصلت: ٥٠].
إذن: فالإنسان هنا يعني الكافر، لأن الحق سبحانه أراد للمؤمن أن يكون قَنُوعاً، هذه القناعة التي علَّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال للصحابي الجليل عمه العباس بن عبد المطلب: وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: وفي الحديث القدسي: الرسول صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا هنا طرق الوقاية من أمراض كثيرة، ويُعطينا الحلول الشافية لاقتصاديات الشعوب، قديماً كان الأطباء لا يروْنَ علاقة بين ضيق التنفس والمعدة، يقولون: التنفس في الرئتين، والطعام في المعدة، والآن تأكدوا أن العلاقة بينهما وطيدة، فإذا امتلأتْ المعدة بالطعام ضغطتْ على الحجاب الحاجز وضيَّقتْ على الرئة وأرهقتْ القلب.
لذلك وجدوا تصحيح هذه المعلومة في حديث سيدنا رسول الله الذي يُعلِّمنا فيه كيفية الجمع بين مُقوِّمات الحياة المختلفة من طعام وماء وهواء، وألاَّ يكون المؤمن نَهِماً "ما ملأ ابنُ آدم وعاءً شراً من بطنه".
قلنا: إنك إذا عُدْتَ من عملك جائعا لا تنتظر الطعام حتى ينضج وربما تجد أمامك بقايا طعام سابق، كِسْرة خبز وعود جرجير وجبنة، فتأكل وتجد لهذا الطعام البسيط طعماً ولذة، لماذا؟ لأنك أكلتَ وأنت جائع، والجوع يجعلك تقبل أيّ شيء وتستسيغه.
لذلك قال الرجل العربي صاحب الفطرة السليمة: نِعْم الإدامُ الجوع، وقال: طعام الجائع هَنِئ، وفراش المتعَب وطيء يعني مريح، نعم تجد المتعَب ينام ملء عينيه، ولو نام على الحصى والحصير، وغير المتعب يتقلَّب في فراشه مُؤرقاً، حتى لو نام على الحرير. إذن: نقول تأملوا الإسلام، ففيه حَلٌّ لمشكلاتنا الاقتصادية وأزماتنا المتتالية.
الإسلام يُعلِّمني أنْ أقنع بما في يدي، وألاَّ أتطلع إلى ما هو فوق إمكاناتي، لأن الذي ينظر إلى ما هو فوق إمكاناته، كالذي يشرب من ماء البحر، كلما شرب ازداد عطشاً.
ثم يكمل الحق سبحانه الصورة: وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩] إنْ أصابه الشر (فَيَئُوسٌ) هذه صيغة مبالغة من اليأس والعياذ بالله، واليائس هو مَنِ انقطع أمله ورجاؤه، واليأس صفة الوجدان، أما (قَنُوطٌ) فهي أيضاً صيغة مبالغة من قانط، وهذه صفة الأبدان، قالوا: لأن القنوط أثر اليأس الذي يظهر على الأبدان وعلى الوجه خاصة، فتراه مُغبراً مُكشراً مقشعراً والعياذ بالله من حال هؤلاء، أما المؤمن فتعلو وجهه سيما الصلاح ونور الإيمان تجده هاشاً باشاً مُنشرحَ الصدر مُبتسماً مُستبشراً.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا... .
فالإنسان جُبِلَ على حب الخير وعلى الطمع (ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)، وقليل من الناس مَنْ يأخذ الأمور على قدرها.
سيدنا داود عليه وعلى نبينا السلام أعطاه اللهُ من الخيرات الكثير ومع ذلك جلس في يوم من الأيام على سطح بيته فوجد سِرْباً من جراد من ذهب فثنَى ثوبه وأخذ يجمع فيه الجراد، فتجلَّى الله له وقال: يا داود ألَمْ أُغْنِكَ؟ قال: بلى يا رب لكن لا غِنَى لي عن فضلك.
فإذا كان هذا حال نبي الله داود، فما بال المؤمن العادي؟ وما بال غير المؤمنين، أمثال مَنْ نزلت فيهم هذه الآية، ومن قال الله فيه وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦] أو: إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ [فصلت: ٥٠].
إذن: فالإنسان هنا يعني الكافر، لأن الحق سبحانه أراد للمؤمن أن يكون قَنُوعاً، هذه القناعة التي علَّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال للصحابي الجليل عمه العباس بن عبد المطلب: وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: وفي الحديث القدسي: الرسول صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا هنا طرق الوقاية من أمراض كثيرة، ويُعطينا الحلول الشافية لاقتصاديات الشعوب، قديماً كان الأطباء لا يروْنَ علاقة بين ضيق التنفس والمعدة، يقولون: التنفس في الرئتين، والطعام في المعدة، والآن تأكدوا أن العلاقة بينهما وطيدة، فإذا امتلأتْ المعدة بالطعام ضغطتْ على الحجاب الحاجز وضيَّقتْ على الرئة وأرهقتْ القلب.
لذلك وجدوا تصحيح هذه المعلومة في حديث سيدنا رسول الله الذي يُعلِّمنا فيه كيفية الجمع بين مُقوِّمات الحياة المختلفة من طعام وماء وهواء، وألاَّ يكون المؤمن نَهِماً "ما ملأ ابنُ آدم وعاءً شراً من بطنه".
قلنا: إنك إذا عُدْتَ من عملك جائعا لا تنتظر الطعام حتى ينضج وربما تجد أمامك بقايا طعام سابق، كِسْرة خبز وعود جرجير وجبنة، فتأكل وتجد لهذا الطعام البسيط طعماً ولذة، لماذا؟ لأنك أكلتَ وأنت جائع، والجوع يجعلك تقبل أيّ شيء وتستسيغه.
لذلك قال الرجل العربي صاحب الفطرة السليمة: نِعْم الإدامُ الجوع، وقال: طعام الجائع هَنِئ، وفراش المتعَب وطيء يعني مريح، نعم تجد المتعَب ينام ملء عينيه، ولو نام على الحصى والحصير، وغير المتعب يتقلَّب في فراشه مُؤرقاً، حتى لو نام على الحرير. إذن: نقول تأملوا الإسلام، ففيه حَلٌّ لمشكلاتنا الاقتصادية وأزماتنا المتتالية.
الإسلام يُعلِّمني أنْ أقنع بما في يدي، وألاَّ أتطلع إلى ما هو فوق إمكاناتي، لأن الذي ينظر إلى ما هو فوق إمكاناته، كالذي يشرب من ماء البحر، كلما شرب ازداد عطشاً.
ثم يكمل الحق سبحانه الصورة: وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩] إنْ أصابه الشر (فَيَئُوسٌ) هذه صيغة مبالغة من اليأس والعياذ بالله، واليائس هو مَنِ انقطع أمله ورجاؤه، واليأس صفة الوجدان، أما (قَنُوطٌ) فهي أيضاً صيغة مبالغة من قانط، وهذه صفة الأبدان، قالوا: لأن القنوط أثر اليأس الذي يظهر على الأبدان وعلى الوجه خاصة، فتراه مُغبراً مُكشراً مقشعراً والعياذ بالله من حال هؤلاء، أما المؤمن فتعلو وجهه سيما الصلاح ونور الإيمان تجده هاشاً باشاً مُنشرحَ الصدر مُبتسماً مُستبشراً.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا... .
آية رقم ٥٠
قوله: لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي [فصلت: ٥٠] هذا من حقي، أستحقه بعملي ومجهودي، يعني: ينكر أن هذا من الله، وهذا القول قاله قارون قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ [القصص: ٧٨] فردَّ الله عليه: ما دُمتَ قد أوتيته على علم عندك فاحفظه بعلم عندك فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ [القصص: ٨١].
وصدق الله حين قال: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
ثم يتمادى في غروره فيقول وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ [فصلت: ٥٠] يعني في الآخرة. والمعنى: على فرض أن هناك بعثاً وحساباً إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ [فصلت: ٥٠] الجزاء الأحسن، فكما أعطاني في الدنيا سيعطيني أحسن منه في الآخرة.
فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ [فصلت: ٥٠] إذن: تنبيه المسيء إلى إساءته وتعريفه إياها أول مراحل العذاب، نقول له: عملتَ كذا وكذا ونُحصي عليه سيئاته تمهيداً لمحاسبته عليها، وهو يعلم أنه لا رجعةَ ليصلحَ ما بينه وبين ربه.
لذلك حكى القرآن عنهم قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] فردَّ الله عليه كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٠٠].
وقال: وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ [الأنعام: ٢٨].
وقوله وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت: ٥٠] عذاب شديد، والعذاب يُوصف بأوصاف كثيرة، فمرة يقول عَذَابٍ أَلِيمٍ [الملك: ٢٨] يؤلم و عَذَابٌ مُّهِينٌ [المجادلة: ١٦] فيه إهانة وإذلال، فمن المعذبين مَنْ يناسبه ويناسب جريمته ويناسب طبيعته العذاب المؤلم، ومنهم مَنْ يؤثر فيه العذاب المهين الذي يكسر عنفوان كبريائه، حتى وإنْ لم يكُنْ مؤلماً.
وصدق الله حين قال: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
ثم يتمادى في غروره فيقول وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ [فصلت: ٥٠] يعني في الآخرة. والمعنى: على فرض أن هناك بعثاً وحساباً إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ [فصلت: ٥٠] الجزاء الأحسن، فكما أعطاني في الدنيا سيعطيني أحسن منه في الآخرة.
فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ [فصلت: ٥٠] إذن: تنبيه المسيء إلى إساءته وتعريفه إياها أول مراحل العذاب، نقول له: عملتَ كذا وكذا ونُحصي عليه سيئاته تمهيداً لمحاسبته عليها، وهو يعلم أنه لا رجعةَ ليصلحَ ما بينه وبين ربه.
لذلك حكى القرآن عنهم قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] فردَّ الله عليه كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٠٠].
وقال: وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ [الأنعام: ٢٨].
وقوله وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت: ٥٠] عذاب شديد، والعذاب يُوصف بأوصاف كثيرة، فمرة يقول عَذَابٍ أَلِيمٍ [الملك: ٢٨] يؤلم و عَذَابٌ مُّهِينٌ [المجادلة: ١٦] فيه إهانة وإذلال، فمن المعذبين مَنْ يناسبه ويناسب جريمته ويناسب طبيعته العذاب المؤلم، ومنهم مَنْ يؤثر فيه العذاب المهين الذي يكسر عنفوان كبريائه، حتى وإنْ لم يكُنْ مؤلماً.
آية رقم ٥١
قوله تعالى: أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ [فصلت: ٥١] يعني: انصرف عن المنعِم سبحانه، لأنه أخذ حاجته ونال بُغْيته، وهذه الصفة كثيراً ما نجدها في البشر، فالرجل يلجأ إليك في قضية من القضايا أو مشكلة من المشكلات ويقف ببابك صباحاً ومساءً، فإذا قضيتَ حاجته ربما ينسى حتى أنْ يقول لك شكراً.
ولقد أجاد الشاعر الذي صوَّر لنا هذه المسألة، فقال:
يَسيرُ ذَوُو الحَاجَاتِ خَلْفَكَ خُشَّعاً فَإِنْ أدْركُوهَا خَلَّفُوكَ وَهَرْولُوا
وأَفَضلُهم مَنْ إنْ ذُكِرْتَ بِسَيِّىءٍ توقَّفْ لاَ يَنْفِي وَلاَ يَتقوَّلُ
فَلا تَدعِ المعروف مهْما تنكَّروا فَإنَّ ثَوابَ الله أرْضَى وأَجْزَلُ
وتذكَّر دائماً أن الذين ينكرون يدك عليهم هم أربح الناس لك، لأن الذي سيتولى الردَّ على جميلك هو الله عز وجل، وعطاء الله على قَدْر الله، وعطاء الناس على قَدْر الناس.
لذلك رأينا سيدنا نوحاً عليه السلام يقول لقومه: يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً [هود: ٥١] المعنى: أن العمل الذي أقوم به كان ينبغي أن تعطوني عليه أجراً، إنما أنا لا أريد أجري منكم، بل من ربي، فهو القادر على أن يعطيني الجزاء، ويُقدِّر علمي.
ونلحظ في سياق هذه الآية التدرج في عملية الإعراض أَعْرَضَ يعني: انصرف بوجهه، ثم وَنَأَى بِجَانِبِهِ يعني استدار بظهره، إذن: أعرض بوجهه ثم بجنبه ثم بظهره، وهذا الترتيب تجده نفسه في قوله تعالى: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٤-٣٥].
قالوا: نزلت فيمَنْ ردَّ السائل المحتاج فأعرض عنه أولاً بوجهه، ثم بجنبه، ثم بظهره، فكأن الجزاء من جنس العمل، وبقدر الكنز يكون الكَيّ، والعياذ بالله.
وقوله تعالى: وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ [فصلت: ٥١] مسَّه مجرد مَسٍّ فَذُو دُعَآءٍ [فصلت: ٥١] يعني هو صاحب دعاء عَرِيضٍ مستمر ونلحظ أنه لم يقُل دعاء طويل، الشيء له طول وله عرض، والطول أكبر من العرض، لكن القرآن يستخدم العرض للدلالة على كِبَر الشيء كما في قوله تعالى في وصف الجنة: عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ [آل عمران: ١٣٣] فإذا كان عَرْضها السماوات والأرض وهي أوسع ما نراه، فما بالك بطولها؟
ولقد أجاد الشاعر الذي صوَّر لنا هذه المسألة، فقال:
يَسيرُ ذَوُو الحَاجَاتِ خَلْفَكَ خُشَّعاً فَإِنْ أدْركُوهَا خَلَّفُوكَ وَهَرْولُوا
وأَفَضلُهم مَنْ إنْ ذُكِرْتَ بِسَيِّىءٍ توقَّفْ لاَ يَنْفِي وَلاَ يَتقوَّلُ
فَلا تَدعِ المعروف مهْما تنكَّروا فَإنَّ ثَوابَ الله أرْضَى وأَجْزَلُ
وتذكَّر دائماً أن الذين ينكرون يدك عليهم هم أربح الناس لك، لأن الذي سيتولى الردَّ على جميلك هو الله عز وجل، وعطاء الله على قَدْر الله، وعطاء الناس على قَدْر الناس.
لذلك رأينا سيدنا نوحاً عليه السلام يقول لقومه: يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً [هود: ٥١] المعنى: أن العمل الذي أقوم به كان ينبغي أن تعطوني عليه أجراً، إنما أنا لا أريد أجري منكم، بل من ربي، فهو القادر على أن يعطيني الجزاء، ويُقدِّر علمي.
ونلحظ في سياق هذه الآية التدرج في عملية الإعراض أَعْرَضَ يعني: انصرف بوجهه، ثم وَنَأَى بِجَانِبِهِ يعني استدار بظهره، إذن: أعرض بوجهه ثم بجنبه ثم بظهره، وهذا الترتيب تجده نفسه في قوله تعالى: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٤-٣٥].
قالوا: نزلت فيمَنْ ردَّ السائل المحتاج فأعرض عنه أولاً بوجهه، ثم بجنبه، ثم بظهره، فكأن الجزاء من جنس العمل، وبقدر الكنز يكون الكَيّ، والعياذ بالله.
وقوله تعالى: وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ [فصلت: ٥١] مسَّه مجرد مَسٍّ فَذُو دُعَآءٍ [فصلت: ٥١] يعني هو صاحب دعاء عَرِيضٍ مستمر ونلحظ أنه لم يقُل دعاء طويل، الشيء له طول وله عرض، والطول أكبر من العرض، لكن القرآن يستخدم العرض للدلالة على كِبَر الشيء كما في قوله تعالى في وصف الجنة: عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ [آل عمران: ١٣٣] فإذا كان عَرْضها السماوات والأرض وهي أوسع ما نراه، فما بالك بطولها؟
آية رقم ٥٢
قوله تعالى قُلْ أي: قل لهم يا محمد أَرَأَيْتُمْ أخبروني، واحكموا أنتم إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ [فصلت: ٥٢] أي: كفرتم بالمنعم مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٥٢] يعني: لا أحدَ أضلُّ ممن زرع الشقاق والخلاف بين النعمة والمنعم، فأخذ النعمة وكفر بالمنعم، فمن هنا استفهامية أفادت التعجب والإنكار، فالنعمة تقتضي شكر المنعم وحمده.
والحق سبحانه في آيات أخرى يعرض علينا نعمه عرضاً كريماً رحيماً، ويمتن علينا بها فيقول: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤] كلمة إِن أفادتْ الشك لأن الإنسان لا يقبل على عدِّ شيء إلا إذا كان مظنة العد والإحصاء والحصر، فعلى فرض إنْ حدث وأقبلتم على عَدِّ نعمة الله فلن تحصوها، وسماها نعمة بالإفراد ولم يقُلْ نعم لأنك حين تتأمل النعمة الواحدة تجد في طياتها نِعَماً كثيرة.
وهذه الآية وردت في موضعين، لكن تذييل كل منهما مختلف عن الأخرى فواحدة: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] والأخرى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: ١٨].
لأن عناصر الإنعام ثلاثة: نعمة ومُنعِم ومُنعَم عليه، فمن ناحية النعمة فهي كثيرة لا تُعدُّ ولا تُحصَى، ومن ناحية المنعم فهو سبحانه غفور رحيم، ومن ناحية المنعَم عليه فظلوم كفار.
فكأن ربَّك عز وجل يقول لك: يا عبدي لا تيأس من رحمتي، ولا تزهد في دعائي مهما كنتَ ظلوماً كفاراً، لأن ربك غفور رحيم.
والحق سبحانه في آيات أخرى يعرض علينا نعمه عرضاً كريماً رحيماً، ويمتن علينا بها فيقول: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤] كلمة إِن أفادتْ الشك لأن الإنسان لا يقبل على عدِّ شيء إلا إذا كان مظنة العد والإحصاء والحصر، فعلى فرض إنْ حدث وأقبلتم على عَدِّ نعمة الله فلن تحصوها، وسماها نعمة بالإفراد ولم يقُلْ نعم لأنك حين تتأمل النعمة الواحدة تجد في طياتها نِعَماً كثيرة.
وهذه الآية وردت في موضعين، لكن تذييل كل منهما مختلف عن الأخرى فواحدة: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] والأخرى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: ١٨].
لأن عناصر الإنعام ثلاثة: نعمة ومُنعِم ومُنعَم عليه، فمن ناحية النعمة فهي كثيرة لا تُعدُّ ولا تُحصَى، ومن ناحية المنعم فهو سبحانه غفور رحيم، ومن ناحية المنعَم عليه فظلوم كفار.
فكأن ربَّك عز وجل يقول لك: يا عبدي لا تيأس من رحمتي، ولا تزهد في دعائي مهما كنتَ ظلوماً كفاراً، لأن ربك غفور رحيم.
آية رقم ٥٣
قلنا: إن السين في سَنُرِيهِمْ تفيد الاستقبال، لذلك ستظل هذه الكلمة لها موضع إلى يوم القيامة ستظل صادقة في كل زمان آيَاتِنَا أي: الآيات الكونية الدالة على قدرة الله وبديع صُنْعه فِي ٱلآفَاقِ جمع أفق وهو متسع امتداد نظرك إلى أن تنطبق السماء على الأرض.
والآفاق هنا تعني السماء والأرض، ومنه قولنا فلان أُفقه واسع إذا كان بعيد النظر في المسائل المعنوية، وبقدر ما تتسع البصائر تتسع الرؤية.
قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ يعني: في المستقبل هل تعني أن الله تعالى لم يرُهم آياته من الماضي؟ لا بل أراهم آيات كثيرة، لكنهم غفلوا عنها وأغمضوا أعينهم عنها، غفلوا عن قوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
إذن: هذه سنة الله في عباده المرسلين، وهذا وعد من الله بنصرتهم وغلبهم، والحق سبحانه لا شريكَ له ولا مناوئ يخالف هذا الوعد.
وقد علَّمتنا هذه الآية أصول الجندية، وأن للنصر شروطاً فمَنْ توفرت فيه شروط الجندية استحق النصرة، ومَنْ خالف شروط الجندية فلا بدَّ أن تتحقق فيه سنة الله؛ لذلك قلنا: إذا رأيتَ المسلمين قد خسروا معركة ما فاعلم أنهم خالفوا هذه الشروط، وساعة يُهزَمون لا يقال هُزِم الإسلام لا، إنما هُزم المسلمون الذين خالفوا أمر القائد وخالفوا شروط النصر، لابدَّ أن تكون الهزيمة لتعلمهم وتُربِّيهم على الطاعة لأمر القائد، لأنهم لو انتصروا مع المخالفة للجندية لهَانَ عليهم أمر القائد بعد ذلك.
هذا الدرس تعلمناه في أحُد يوم خالف الرماةُ رسول الله بالبقاء في أماكنهم العالية مهما كانت نتيجة المعركة، لكنهم نظروا إلى متاع الدنيا الزائل وأغرتهم الغنائم لما رأوا بشائر النصر، فنزلوا وتركوا أماكنهم، فما كان من خالد بن الوليد إلا أن التفَّ وطوَّق جيش المسلمين من الخلف وحدثت الهزيمة أو على الأقل لم يكتمل الانتصار، فهل يجوز إذن أن نقول هُزِم الإسلام؟
إذن: ينبغي أنْ نُصحِّح فهمنا لهذه المسألة، فقد يُهزَم جيش المسلمين وفيه رسول الله لأنه لم يأخذ بأسباب النصر، وحينها لا نقول هُزِم الإسلام، بل خالف المسلمون فاستحقوا الهزيمة، ابحثوا إذن في أسباب الهزيمة وفي أسباب التخلف، فتِّشوا عن عيوبكم وعن مخالفتكم لمنهج الله فهي السبب، والتاريخ شاهد بذلك.
فيوم حنين قالوا: لن نُهزم اليوم من قلة، ومَنْ قالها؟ قالها أبو بكر نفسه لما رأى المسلمين يبلغ العشرة آلاف مقاتل، فلما داخلهم شيء من الغرور بالعدد أدَّبهم الله وأعطاهم درساً، فهُزموا أول الأمر، لكن أدركتهم رحمة ربهم فأعاد إليهم معنوياتهم وكتب لهم النصر في النهاية. وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ [التوبة: ٢٥-٢٦].
فمقدمات الهزيمة التي رآها المسلمون في هذه الحرب كانت نوعاً من التربية ليست كُرْهاً من الله لعباده على حَدِّ قول الشاعر:
فَقَسَا لِيَزْدجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً فَلْيقْسُ أحْيَاناً عَلَى مَنْ يَرْحَمُ
إذن: نقول إن وعد الله بالنصر لا يتخلف، وإنما تخلف المسلمون عن أنْ يكونوا أهلاً لتحقيق الوعد، وأنْ يكونوا على مستوى النصر الذي وعدهم الله به.
لكن لماذا يعاند المشركون كلّ هذا العناد ويغمضون أعينهم عن آيات الله وهي واضحات؟ يعاندون لأنهم سادة ولهم سلطة زمنية، وجاء الإسلام ليسلبهم هذه السيادة ويُنهي هذه السلطة الزمنية ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط لا فضلَ لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى.
فسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي كلهم في الإسلام سادة وفي الصفوف الأولى، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالنسب للإسلام والقرابة لدين الله، ففي الوقت الذي جعل فيه سلمان واحداً من أهل البيت كان أبو لهب كافراً مطروداً من رحمة الله!!
وقد تعلَّمنا هذا الدرس من قصة سيدنا نوح مع ابنه، وكم كان نوح عليه السلام حريصاً على نجاة هذا الابن، وكم دعا الله له، لكن الحق سبحانه يعلمه هذا الدرس قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ [هود: ٤٦].
فالبنوة هنا والأهلية ليست للنسب والدم، إنما للدين وللمنهج وللعقيدة، بنوة عمل صالح واتباع.
فالجماعة الذين صادموا الإسلام وحاربوه كانوا يدافعون عن سيادتهم ومكانتهم في الجزيرة العربية؛ لذلك تكتَّلوا واتحدوا ضد رسول الله ومَنِ اتبعه من المؤمنين، ورأينا ذلك في الحصار الذي ضربوه على رسول الله في الشِّعْب، وكيف أنهم أغلقوا عليهم كل المنافذ، وقطعوا دونهم كل سُبُل العيش حتى اضطروا لأكل الميتة وورق الشجر.
ثم حاولوا أن يقتلوا رسول الله أكثر من مرة، وآذوه أشد الإيذاء في نفسه وفي أهله وفي صحابته، لكن هيهات لهم أن ينالوا من رسول الله، وهو بعين الله وفي حفظه وكلاءته، وكأن الحق سبحانه أراد أن يقول لهم: إياكم أنْ تفهموا أن محاولاتكم هذه ستعوق أمر الدعوة في الجزيرة العربية، إن أمر الدعوة سينتشر لا في الجزيرة وحدها، إنما في كل آفاق الدنيا سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ [فصلت: ٥٣].
وكانت دعوة الإسلام مؤهلة لهذا الانتشار من عدة جوانب.
أهمها: أن العرب أمة حروب وقتال بطبيعتها لا تحتاج إلى تدريب، لذلك لما أراد رسول الله أنْ يحارب لم ينشئ كلية حربية ولا درَّب أحداً على فنون القتال، بل وجد قوماً جاهزين للقتال، خبراء بفنونه وأساليبه، كان الواحد منهم كلما سمع هيعة طار إليها، ذلك لأن القبائل العربية كما تعلمون كانوا في قتال مستمر، ومن الحروب بينهم ما استمر أربعين سنة.
ثانياً: كان العرب أهل ترحال وتنقل، لا يعرفون التوطن ولا الاستقرار، فبيت العربي على ظهر جملة يضربه أينما حَلَّ وحيثما وُجد الماء والكلأ، فعدم تعلّق العربي بموطن جعله مستعداً لأنْ يسيح بالإسلام في كل آفاق الدنيا وكل أرجاء العالم.
ولم تكُنْ مصادفة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمياً في أٌمّة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ولم يكُنْ لها ثقافة ولا حضارة. وهذه الصفات كلها وإنْ كانت عيوباً في الأمم الأخرى إلا أنها في أمة الإسلام وفي نبي الإسلام شرفٌ وميْزة، ولو كان العرب أمة علوم وثقافة وأمة حضارة ورُقيٍّ لقالوا عن الإسلام قفزة حضارية.
هذه أمور ثلاثة مهدت لنصرة الإسلام ولانتشاره في كل آفاق الأرض، وكأن الله تعالى يقول للكافرين ولمن صادم دين الله وعاند رسوله وغفل عن قوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣] سنريهم آيات أخرى لن تغفلوا عنها في نصرة الإسلام وسياحته في آفاق الأرض شرقاً وغرباً.
لذلك يأتي لنا بصورة تُضحكنا عليهم وتغيظهم، حيث يقول سبحانه: مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج: ١٥].
يعني: يربط نفسه بحبل إلى السماء، ثم يقطع هذا الحبل لينزل مثل المشنوق، ثم ينظر هل يُذهِب غيظه أم لا، والمعنى أنه سينتهي ويموت وغيظه لن ينتهي.
وانظر إلى الإسلام في بداية أمره كيف بدأ وقام بالضعفاء والعبيد، تلاهم الكبار والسادة، ولما ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم ليدعو أهل الطائف فلاقى منهم ما لاقى من الإيذاء والاستهزاء، ولم يجد أحداً يحميه أو ينزل بجواره إلا المطعم بن عدي وهو كافر، لكن سخَّره الله تعالى لحماية رسوله وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] كذلك في رحلة الهجرة اتخذ عبد الله بن أريقط دليلاً على الطريق، وكان أيضاً كافراً.
ثم يقول لهم: انظروا إلى أرض الإسلام وأرض الكفر، فالإسلام بدأ وانطلق من أم القرى وما حولها، وهو الآن يغزو الأرض كلها من المشرق إلى المغرب، فأرض الإسلام تزداد اتساعاً، وأرض الكفر تزداد تناقصاً: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: ٤١] أو لم يأخذوا من ذلك عبرة وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: ٤١].
فهل بعد ذلك شك في نُصرة الله لدينه؟ ألم تغزُ هذه الأمة الأمية أعظم حضارتين على وجه الأرض آنذاك، هما حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب، وفي وقت واحد وزمن متقارب، حتى أن هؤلاء كان عندهم طرق للحرب وفنون لا يعرفها العرب ولا يجيدونها، ومع ذلك انتصروا عليهم.
رووا أنهم كانوا يستخدمون الأفيال في الحروب، ولم يكُنْ العرب يعرفون شيئاً عنها، لكن ألهم الله تعالى سيدنا سعد بن أبي وقاص إلى حيلة يتغلب بها على الفيل، واهتدى إلى أن خرطوم الفيل نقطة ضعف فيه، فصنع لذلك سيوفاً خاصة يضرب بها خراطيم الأفيال فتسقط.
ثم يدخل الإسلام هذه البلاد شرقاً وغرباً في نصف قرن من الزمان، ويجد له أن هناك أنصاراً ومحبين، منهم مَنْ دخل الإسلام طواعية اقتناعاً، ومنهم مَنْ وجد في الإسلام ضالته حيث عدالة الإسلام وسماحته في مقابل جَوْر الحكام هناك وكثرة المظالم والفساد.
هذه كلها آيات نفهمها من قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ [فصلت: ٥٣] فالفتح الإسلامي الذي عَمَّ العالم كله آية من الآيات، هذا الانتشار الواسع للإسلام لم تستطيعوا أن تصدوه، لأن الله وعد به عباده المؤمنين ووعد به رسله، والحق سبحانه لما وعد الرسل بالنصرة لم يعدهم سراً إنما في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة ويُجهر به، قرآن تكفَّل الله بحفظه وصيانته، والعادة أنك تحفظ ما لك لا ما عليك، أما الحق سبحانه فيحفظ وعده الذي تكفل به لأنه واثق أنه واقع لا محالة.
ومن المعاني التي نفهمها من الاستقبال في سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ [فصلت: ٥٣] أن المسلمين كانوا في بداية الأمر مضطهدين غير مأمورين بقتال، وربما مات بعضهم قبل أن يتحقق وعد الله بالنصر، فلما قرأوا: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ [فصلت: ٥٣] علموا أن النصر قادم حتى ولو ماتوا قبل أنْ يروا فرحته.
وتعلمون أن الله لم يأمر المسلمين بالقتال إلا بعد أنْ تمكَّن الإيمان من نفوسهم، واستقرتْ العقيدة في قلوبهم، حتى أن بعضهم يقول لسيدنا رسول الله: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ فيقول له رسول الله: بلى فيلقى الرجل تمرة كان يمضغها ويبادر بنفسه إلى ساحة القتال، ويُعجِّل المسير إلى الشهادة لما استقر في نفسه من عقيدة علَّمته أنه ذاهب إلى أفضل مما هو فيه ومُقبلٌ على جنة عَرْضُها السماوات والأرض.
وسوف تظل هذه السين الاستقبالية سَنُرِيهِمْ باقية تمدنا بعطاء لا ينتهي حتى قيام الساعة التي ستكون هي الآية الكبرى سنريهم آيات في كل زمان، آيات في صالح هذا الدين ونُصْرة أهله في كل الآفاق.
وقوله تعالى: وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ [فصلت: ٥٣] يعني: آيات في الأنفس، في الأشخاص، في لحمك ودمك وروحك، في أعضائك وأجزائك، في كل شيء فيك آية لو تدبرت.
الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان من طين، وأخبرنا بكيفية الخلق ومراحله، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ عالماً من علماء التشريح ولا يعرف علم الأجنة إنما علَّمه ربه الأعلى، وجاء العلم الحديث ليثبت صدق ما أخبر به في مسألة خلق الإنسان من طين، وأن نسله من سلالة من ماء مهين، وأنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، ثم كسى العظام لحماً.
وها هو العلم يكشف لنا كل يوم عن جديد في أنفسنا وعن عجائب لم نكُنْ نعرفها في أنفسنا من قبل، إنك حين تقرأ آخر ما توصلتْ إليه العلوم في جسم الإنسان تعلم أنك في ذاتك عالمٌ عجيب وبناء محكم دقيق، وصدق القائل:
وَتحسَبُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِير وََفِيكَ انْطَوَى العَالَم الأكْبَرُ
وسبق أنْ تحدثنا عن بعض عجائب الخَلْق وقلنا مثلاً: أن حرارة الجسم العادية ٣٧ ْ تجدها حرارة مَنْ يعيش عند خط الاستواء، وحرارة مَنْ يعيش عند القطبين، ومع ذلك لا يحدث استطراق حراري داخل الجسم، فتجد كل عضو من الأعضاء يحتفظ لنفسه بالحرارة التي تناسبه، فالكبد درجة حرارته ٤٠ ْ والعين لا تزيد عن ٩ ْ، وهما في جسم واحد، ولا يحدث بينهما استطراق حراري.
تأمل الدم سائل الحياة في الجسم كله وكيف يحتفظ لنفسه بدرجة من السيولة لو زاد عنها يحدث نزيف، ولو قلَّتْ تحدث جلطة وشلل والعياذ بالله.
تأمل الكليتين وما فيهما من أسرار وقدرة وإبداع، فالكلية لو حدث لها فشل عن أداء وظيفتها تقوم الأخرى بمهمتها، ويكفي الجسم أن يعيش بكلية واحدة لو فُقدِت الأخرى، لذلك قلنا بتحريم نقل الكلية من شخص لآخر؛ لأن الخالق سبحانه جعل لنا كليتين، كل كلية منهما فيها مليون خلية مستعدة للعمل لا يعمل منها سوى مائة ألف فقط، فإن توقفت هذه المائة تبعتها المائة الثانية وهكذا.
فكيف إذن يحدث الفشل الكلوي؟ قالوا: يحدث من أن المائة ألف أدَّتْ مهمتها ثم توقَّفت ولم تنتبه المائة ألف الثانية لكي تقوم بمهمتها، فحين نأخذ من شخص كليته ونعطيها لشخص آخر نقول: هذا إجرام وانتحار، لأن الكلية الباقية لو توقفتْ لا بدَّ أن يموت الإنسان.
ومن العجائب وآيات الخَلْق سبحانه في الإنسان آية الجلد وما فيه من أسرار، فهمناها من قوله تعالى في الحديث عن عذاب الكافرين: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ [النساء: ٥٦].
تعلمنا من هذه الآية أن الجلد هو موضع الإحساس، فلو حُرِق لا يحدث الإحساس؛ لذلك الحق سبحانه يُجدد لهم جلودهم ليذوقوا العذاب وليستمر الإيلام، والعالم لا يعرف هذه المسألة إلا بعد الحرب العالمية، فقد توصل الألمان إلى أن الجلد هو آلة الإحساس في الجسم، بدليل أنك حين تأخذ مثلاً حقنة لا تؤلمك إلا بمقدار نفاذ الإبرة من طبقة الجلد بعدها لا تشعر بالألم، فالقرآن سبق العالم كله إلى هذه الآية.
ومن آيات الله في الأنفس أنك تجد بداخل الجسم صيدلية طبيعية تعالج ما يحدث في الجسم من خلل، هذه الصيدلية أخذناها من قوله تعالى: مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج: ٥] فالمخلَّقة: هي التي تكوَّن منها الجسم بأعضائه وجوارحه المشاهدة، وغير المخلقة الموجودة داخل الجسم كاحتياط له تكمل ما نقص منه وتعالج ما مرض فيه، لذلك رأينا أحدث علاج للجروح والدمامل مثلاً أنْ تتركها لمقاومة الجسم الطبيعية حيث تلتئم دون تدخل بمواد كيماوية تضر وتترك أثراً في الجلد.
تأمل أيّ عضو من أعضائك، وأيَّ جهاز من أجهزة جسمك، تأمل كيفية بناء هذا الإنسان على هذه الهيئة المعتدلة المستقيمة، وكيف يسير معتدلاً مرتفع الهامة، تأمل كفَّ يدك وما فيه من أصابع وما فيه من تناسق وتناسب وانسيابية.
انظر إلى جهازك الهضمي أو التنفسي، انظر إلى قلب هذه العضلة لتي لا تزيد عن قبضة اليد الواحدة، كيف أنها تعمل دون توقف منذ الميلاد وحتى الوفاة، كلها آيات وعجائب وأسرار دالة على قدرة الخالق وبديع صنعته سبحانه في الأنفس.
ويظل عطاء هذه الكلمة سَنُرِيهِمْ ممتداً في الزمان كله وكل يوم نشاهد جديداً وآية وعجيبة من عجائب الخلق في الآفاق وفي الأنفس، ولما تستقرئ القرآن تجده قد استوعب في هذه المسألة الماضي والحاضر والمستقبل، فقال: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.. [الرعد: ٤١] وقال في المستقبل سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣].
باقي في الاستقبال سوف وهي للمستقبل البعيد، قالوا: هي لأمور الآخرة كما في قوله تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [هود: ٣٩].
وفَرْق بين استقبال الفعل من الله تعالى واستقباله من البشر، نحن نقول: ماضي ومضارع ومستقبل. أما بالنسبة للحق سبحانه فيستوي عنده الزمن كله، اقرأ قوله تعالى: أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] والمراد هنا القيامة.
لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية يتهمون القرآن بالتناقض أَتَىٰ تدل على الماضي و فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ تدل على المستقبل، لكن يجب أنْ نعلم أن المتكلم هنا هو الله عز وجل الذي يملك الزمن كله، فحين يقول (أتى) يقولها برصيد قدرته ووحدانيته، حيث لا يوجد له معارض يمنع حدوث الفعل، فالقيامة لأنها حَقٌّ واقع لا محالة عبَّر عنه بالماضي كأنه أتى بالفعل.
قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ دلَّتْ على أن هذه الآيات مُوزَّعة على الزمن، بحيث يجد كل جيل في القرآن عطاءً جديداً، فنحن الآن نعرف من آيات الله في الكون وفي الأنفس ما لم يكُنْ يعرفها أحد على زمن رسول الله مع أنها موجودة وأخبر الله بها في القرآن.
سألتُ مرة بعض إخواننا المختصين بالنواحي الاقتصادية في العالم قُلْتُ لهم: متى عرف الإنسانُ (الأسانسير)؟ قالوا: سنة كذا يعني في القرن العشرين، قلت: فاقرأوا قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣] والمعارج أي: ما نعرفه الآن بـ (الأسانسير).
كذلك البواخر والسفن العملاقة المكوَّنة من طوابق، والتي تظهر في البحار وكأنها مدينة متحركة لم تكُنْ بهذه الصورة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر الله بها في سورة الرحمن: وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ [الرحمن: ٢٤] إذن: الحق سبحانه خلق وعلم ما سيحدث لخلقه في المستقبل.
فإنْ قلتَ: فلماذا لم تظهر هذه الآيات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن صحابته؟ قالوا: لو ظهرت هذه الآيات الكونية معاصرة لزمن النبي وصحابته لأفرغ القرآن معجزاته وآياته في قرن واحد، واستقبلت القرون التالية القرآن بدون عطاء جديد، وبدون آيات تبهرهم وتدلهم على قدرة الخالق سبحانه.
فالله تعالى أراد أنْ يظلَّ استقبال الأجيال للقرآن استقبالاً جديداً، بحيث يكون لكل جيل نصيب من عطاء القرآن ليثبت لنا أن الذي أنزل القرآن قديماً أخبر فيه بما يحدث في المستقبل، وأنه سبحانه إله واحد ليس معه شريك يردُّ عليه ما قال.
وقوله تعالى: حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣] أي: يتضح لهم أن القرآن حق وأن الله حق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وضده الباطل، والباطل متغير زاهق، الحق أبلج، والباطل لجلج.
الله تعالى يُصوِّر لنا الحق والباطل في مثال مادي مشاهد، فيقول سبحانه: أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ [الرعد: ١٧].
فالله تعالى هو الحق، ما يقوله حق، ومن الناس مَنْ يعرف وجه الحق فيه، ومنهم مَنْ يرتاب وتَخْفى عليه الآيات لفترة ثم تصل بهم الأحداث إلى أنْ يعرفوا أنه الحقُّ من الله الحق، فعلاً ووجوداً.
وقد ينتصر الباطل ويعلو في فترة من الفترات، لكن لا بُدَّ أن تكون الجولة الأخيرة للحق؛ لذلك قالوا: دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، والمؤمن الواعي الواثق بنصر الله لا يبالي لانتصار الباطل فهو موقوت، وينتظر اللحظة التي يعلو فيها الحق ويزهق فيها الباطل.
المؤمن يعلم أن الباطل حين يعلو يكون جندياً من جنود الحق، فالباطل يُظهر الحق لمن لا يعرفه، والضد يظهر حُسْنه الضد، ولولا أن الناس شَقُوا بالباطل وعضَّتهم الأحداث ما عرفوا الحق وما اشتاقوا إليه.
لذلك لما تتأمل النسق القرآني في قوله تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا [التوبة: ٤٠] تعلم أن الحق ثابت، وأنه الأصل الذي عليه قامت أمور الخَلْق كلها، فكلمة الذين كفروا قد تعلو لكن ينتهي بها الأمر إلى أنْ تكون هي السفلى، جعلها الله سفلى فهي جَعْل من الله.
أما وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا [التوبة: ٤٠] تجد (كلمة) هنا مبتدأ، فهي في أصلها عليا، ليست جَعْلاً كالأولى، يعني لم تكُنْ أبداً سفلى، ثم جعلها الله عُلْيا هي بطبيعتها عليا. إذن: نقول: إن الباطل يعلو لبعض الناس بأحداثه فيتنبهوا للحق.
ثم يقول سبحانه أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] بلى كفى به سبحانه شاهداً ومطلعاً لا تَخْفى عليه خافية، كأن الحق سبحانه يقول لهم ما كان يصح منكم أنْ تنتظروا الآيات لتُصدِّقوا الرسول، بل كان عليكم أنْ تصدقوه بمجرد أن يقول لأن الله شهيد عليه، والله سبحانه ليس له معارض يعارضه ويرد حكمه.
لذلك قلنا: لماذا أصبح الصِّدِّيق صِدِّيقاً؟ لأنه لما قيل له إن صاحبك يدَّعي أنه نبي لم يزدْ على أن قال لِتوِّهِ: إنْ كان قد قال فقد صدق، هكذا دون أن يناقش المسألة، كذلك لما بلغه خبر الإسراء والمعراج قال نفس قولته الأولى، ولم ينتظر حتى ينزل القرآن، فيخبرهم بذلك وبعدها يُصدِّق.
فالقرآن إنما ينزل يقنع الكافر المعاند أو الشّاكَ المرتاب، والصِّديق رضي الله عنه كان في أعلى درجات اليقين والإيمان، وكَفَاه تاريخ محمد سيرته فيما مضى، فأخذ من صِدْقه في الماضي دليلاً على صِدْقه في الحاضر.
كلمة شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] هنا تحمل معنى الشاهد الذي يثبت الحق، والقاضي الذي يحكم فيه، والمنفذ الذي ينفذ الأحكام.
والآفاق هنا تعني السماء والأرض، ومنه قولنا فلان أُفقه واسع إذا كان بعيد النظر في المسائل المعنوية، وبقدر ما تتسع البصائر تتسع الرؤية.
قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ يعني: في المستقبل هل تعني أن الله تعالى لم يرُهم آياته من الماضي؟ لا بل أراهم آيات كثيرة، لكنهم غفلوا عنها وأغمضوا أعينهم عنها، غفلوا عن قوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
إذن: هذه سنة الله في عباده المرسلين، وهذا وعد من الله بنصرتهم وغلبهم، والحق سبحانه لا شريكَ له ولا مناوئ يخالف هذا الوعد.
وقد علَّمتنا هذه الآية أصول الجندية، وأن للنصر شروطاً فمَنْ توفرت فيه شروط الجندية استحق النصرة، ومَنْ خالف شروط الجندية فلا بدَّ أن تتحقق فيه سنة الله؛ لذلك قلنا: إذا رأيتَ المسلمين قد خسروا معركة ما فاعلم أنهم خالفوا هذه الشروط، وساعة يُهزَمون لا يقال هُزِم الإسلام لا، إنما هُزم المسلمون الذين خالفوا أمر القائد وخالفوا شروط النصر، لابدَّ أن تكون الهزيمة لتعلمهم وتُربِّيهم على الطاعة لأمر القائد، لأنهم لو انتصروا مع المخالفة للجندية لهَانَ عليهم أمر القائد بعد ذلك.
هذا الدرس تعلمناه في أحُد يوم خالف الرماةُ رسول الله بالبقاء في أماكنهم العالية مهما كانت نتيجة المعركة، لكنهم نظروا إلى متاع الدنيا الزائل وأغرتهم الغنائم لما رأوا بشائر النصر، فنزلوا وتركوا أماكنهم، فما كان من خالد بن الوليد إلا أن التفَّ وطوَّق جيش المسلمين من الخلف وحدثت الهزيمة أو على الأقل لم يكتمل الانتصار، فهل يجوز إذن أن نقول هُزِم الإسلام؟
إذن: ينبغي أنْ نُصحِّح فهمنا لهذه المسألة، فقد يُهزَم جيش المسلمين وفيه رسول الله لأنه لم يأخذ بأسباب النصر، وحينها لا نقول هُزِم الإسلام، بل خالف المسلمون فاستحقوا الهزيمة، ابحثوا إذن في أسباب الهزيمة وفي أسباب التخلف، فتِّشوا عن عيوبكم وعن مخالفتكم لمنهج الله فهي السبب، والتاريخ شاهد بذلك.
فيوم حنين قالوا: لن نُهزم اليوم من قلة، ومَنْ قالها؟ قالها أبو بكر نفسه لما رأى المسلمين يبلغ العشرة آلاف مقاتل، فلما داخلهم شيء من الغرور بالعدد أدَّبهم الله وأعطاهم درساً، فهُزموا أول الأمر، لكن أدركتهم رحمة ربهم فأعاد إليهم معنوياتهم وكتب لهم النصر في النهاية. وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ [التوبة: ٢٥-٢٦].
فمقدمات الهزيمة التي رآها المسلمون في هذه الحرب كانت نوعاً من التربية ليست كُرْهاً من الله لعباده على حَدِّ قول الشاعر:
فَقَسَا لِيَزْدجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً فَلْيقْسُ أحْيَاناً عَلَى مَنْ يَرْحَمُ
إذن: نقول إن وعد الله بالنصر لا يتخلف، وإنما تخلف المسلمون عن أنْ يكونوا أهلاً لتحقيق الوعد، وأنْ يكونوا على مستوى النصر الذي وعدهم الله به.
لكن لماذا يعاند المشركون كلّ هذا العناد ويغمضون أعينهم عن آيات الله وهي واضحات؟ يعاندون لأنهم سادة ولهم سلطة زمنية، وجاء الإسلام ليسلبهم هذه السيادة ويُنهي هذه السلطة الزمنية ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط لا فضلَ لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى.
فسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي كلهم في الإسلام سادة وفي الصفوف الأولى، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالنسب للإسلام والقرابة لدين الله، ففي الوقت الذي جعل فيه سلمان واحداً من أهل البيت كان أبو لهب كافراً مطروداً من رحمة الله!!
وقد تعلَّمنا هذا الدرس من قصة سيدنا نوح مع ابنه، وكم كان نوح عليه السلام حريصاً على نجاة هذا الابن، وكم دعا الله له، لكن الحق سبحانه يعلمه هذا الدرس قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ [هود: ٤٦].
فالبنوة هنا والأهلية ليست للنسب والدم، إنما للدين وللمنهج وللعقيدة، بنوة عمل صالح واتباع.
فالجماعة الذين صادموا الإسلام وحاربوه كانوا يدافعون عن سيادتهم ومكانتهم في الجزيرة العربية؛ لذلك تكتَّلوا واتحدوا ضد رسول الله ومَنِ اتبعه من المؤمنين، ورأينا ذلك في الحصار الذي ضربوه على رسول الله في الشِّعْب، وكيف أنهم أغلقوا عليهم كل المنافذ، وقطعوا دونهم كل سُبُل العيش حتى اضطروا لأكل الميتة وورق الشجر.
ثم حاولوا أن يقتلوا رسول الله أكثر من مرة، وآذوه أشد الإيذاء في نفسه وفي أهله وفي صحابته، لكن هيهات لهم أن ينالوا من رسول الله، وهو بعين الله وفي حفظه وكلاءته، وكأن الحق سبحانه أراد أن يقول لهم: إياكم أنْ تفهموا أن محاولاتكم هذه ستعوق أمر الدعوة في الجزيرة العربية، إن أمر الدعوة سينتشر لا في الجزيرة وحدها، إنما في كل آفاق الدنيا سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ [فصلت: ٥٣].
وكانت دعوة الإسلام مؤهلة لهذا الانتشار من عدة جوانب.
أهمها: أن العرب أمة حروب وقتال بطبيعتها لا تحتاج إلى تدريب، لذلك لما أراد رسول الله أنْ يحارب لم ينشئ كلية حربية ولا درَّب أحداً على فنون القتال، بل وجد قوماً جاهزين للقتال، خبراء بفنونه وأساليبه، كان الواحد منهم كلما سمع هيعة طار إليها، ذلك لأن القبائل العربية كما تعلمون كانوا في قتال مستمر، ومن الحروب بينهم ما استمر أربعين سنة.
ثانياً: كان العرب أهل ترحال وتنقل، لا يعرفون التوطن ولا الاستقرار، فبيت العربي على ظهر جملة يضربه أينما حَلَّ وحيثما وُجد الماء والكلأ، فعدم تعلّق العربي بموطن جعله مستعداً لأنْ يسيح بالإسلام في كل آفاق الدنيا وكل أرجاء العالم.
ولم تكُنْ مصادفة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمياً في أٌمّة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ولم يكُنْ لها ثقافة ولا حضارة. وهذه الصفات كلها وإنْ كانت عيوباً في الأمم الأخرى إلا أنها في أمة الإسلام وفي نبي الإسلام شرفٌ وميْزة، ولو كان العرب أمة علوم وثقافة وأمة حضارة ورُقيٍّ لقالوا عن الإسلام قفزة حضارية.
هذه أمور ثلاثة مهدت لنصرة الإسلام ولانتشاره في كل آفاق الأرض، وكأن الله تعالى يقول للكافرين ولمن صادم دين الله وعاند رسوله وغفل عن قوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣] سنريهم آيات أخرى لن تغفلوا عنها في نصرة الإسلام وسياحته في آفاق الأرض شرقاً وغرباً.
لذلك يأتي لنا بصورة تُضحكنا عليهم وتغيظهم، حيث يقول سبحانه: مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج: ١٥].
يعني: يربط نفسه بحبل إلى السماء، ثم يقطع هذا الحبل لينزل مثل المشنوق، ثم ينظر هل يُذهِب غيظه أم لا، والمعنى أنه سينتهي ويموت وغيظه لن ينتهي.
وانظر إلى الإسلام في بداية أمره كيف بدأ وقام بالضعفاء والعبيد، تلاهم الكبار والسادة، ولما ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم ليدعو أهل الطائف فلاقى منهم ما لاقى من الإيذاء والاستهزاء، ولم يجد أحداً يحميه أو ينزل بجواره إلا المطعم بن عدي وهو كافر، لكن سخَّره الله تعالى لحماية رسوله وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] كذلك في رحلة الهجرة اتخذ عبد الله بن أريقط دليلاً على الطريق، وكان أيضاً كافراً.
ثم يقول لهم: انظروا إلى أرض الإسلام وأرض الكفر، فالإسلام بدأ وانطلق من أم القرى وما حولها، وهو الآن يغزو الأرض كلها من المشرق إلى المغرب، فأرض الإسلام تزداد اتساعاً، وأرض الكفر تزداد تناقصاً: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: ٤١] أو لم يأخذوا من ذلك عبرة وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: ٤١].
فهل بعد ذلك شك في نُصرة الله لدينه؟ ألم تغزُ هذه الأمة الأمية أعظم حضارتين على وجه الأرض آنذاك، هما حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب، وفي وقت واحد وزمن متقارب، حتى أن هؤلاء كان عندهم طرق للحرب وفنون لا يعرفها العرب ولا يجيدونها، ومع ذلك انتصروا عليهم.
رووا أنهم كانوا يستخدمون الأفيال في الحروب، ولم يكُنْ العرب يعرفون شيئاً عنها، لكن ألهم الله تعالى سيدنا سعد بن أبي وقاص إلى حيلة يتغلب بها على الفيل، واهتدى إلى أن خرطوم الفيل نقطة ضعف فيه، فصنع لذلك سيوفاً خاصة يضرب بها خراطيم الأفيال فتسقط.
ثم يدخل الإسلام هذه البلاد شرقاً وغرباً في نصف قرن من الزمان، ويجد له أن هناك أنصاراً ومحبين، منهم مَنْ دخل الإسلام طواعية اقتناعاً، ومنهم مَنْ وجد في الإسلام ضالته حيث عدالة الإسلام وسماحته في مقابل جَوْر الحكام هناك وكثرة المظالم والفساد.
هذه كلها آيات نفهمها من قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ [فصلت: ٥٣] فالفتح الإسلامي الذي عَمَّ العالم كله آية من الآيات، هذا الانتشار الواسع للإسلام لم تستطيعوا أن تصدوه، لأن الله وعد به عباده المؤمنين ووعد به رسله، والحق سبحانه لما وعد الرسل بالنصرة لم يعدهم سراً إنما في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة ويُجهر به، قرآن تكفَّل الله بحفظه وصيانته، والعادة أنك تحفظ ما لك لا ما عليك، أما الحق سبحانه فيحفظ وعده الذي تكفل به لأنه واثق أنه واقع لا محالة.
ومن المعاني التي نفهمها من الاستقبال في سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ [فصلت: ٥٣] أن المسلمين كانوا في بداية الأمر مضطهدين غير مأمورين بقتال، وربما مات بعضهم قبل أن يتحقق وعد الله بالنصر، فلما قرأوا: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ [فصلت: ٥٣] علموا أن النصر قادم حتى ولو ماتوا قبل أنْ يروا فرحته.
وتعلمون أن الله لم يأمر المسلمين بالقتال إلا بعد أنْ تمكَّن الإيمان من نفوسهم، واستقرتْ العقيدة في قلوبهم، حتى أن بعضهم يقول لسيدنا رسول الله: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ فيقول له رسول الله: بلى فيلقى الرجل تمرة كان يمضغها ويبادر بنفسه إلى ساحة القتال، ويُعجِّل المسير إلى الشهادة لما استقر في نفسه من عقيدة علَّمته أنه ذاهب إلى أفضل مما هو فيه ومُقبلٌ على جنة عَرْضُها السماوات والأرض.
وسوف تظل هذه السين الاستقبالية سَنُرِيهِمْ باقية تمدنا بعطاء لا ينتهي حتى قيام الساعة التي ستكون هي الآية الكبرى سنريهم آيات في كل زمان، آيات في صالح هذا الدين ونُصْرة أهله في كل الآفاق.
وقوله تعالى: وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ [فصلت: ٥٣] يعني: آيات في الأنفس، في الأشخاص، في لحمك ودمك وروحك، في أعضائك وأجزائك، في كل شيء فيك آية لو تدبرت.
الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان من طين، وأخبرنا بكيفية الخلق ومراحله، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ عالماً من علماء التشريح ولا يعرف علم الأجنة إنما علَّمه ربه الأعلى، وجاء العلم الحديث ليثبت صدق ما أخبر به في مسألة خلق الإنسان من طين، وأن نسله من سلالة من ماء مهين، وأنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، ثم كسى العظام لحماً.
وها هو العلم يكشف لنا كل يوم عن جديد في أنفسنا وعن عجائب لم نكُنْ نعرفها في أنفسنا من قبل، إنك حين تقرأ آخر ما توصلتْ إليه العلوم في جسم الإنسان تعلم أنك في ذاتك عالمٌ عجيب وبناء محكم دقيق، وصدق القائل:
وَتحسَبُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِير وََفِيكَ انْطَوَى العَالَم الأكْبَرُ
وسبق أنْ تحدثنا عن بعض عجائب الخَلْق وقلنا مثلاً: أن حرارة الجسم العادية ٣٧ ْ تجدها حرارة مَنْ يعيش عند خط الاستواء، وحرارة مَنْ يعيش عند القطبين، ومع ذلك لا يحدث استطراق حراري داخل الجسم، فتجد كل عضو من الأعضاء يحتفظ لنفسه بالحرارة التي تناسبه، فالكبد درجة حرارته ٤٠ ْ والعين لا تزيد عن ٩ ْ، وهما في جسم واحد، ولا يحدث بينهما استطراق حراري.
تأمل الدم سائل الحياة في الجسم كله وكيف يحتفظ لنفسه بدرجة من السيولة لو زاد عنها يحدث نزيف، ولو قلَّتْ تحدث جلطة وشلل والعياذ بالله.
تأمل الكليتين وما فيهما من أسرار وقدرة وإبداع، فالكلية لو حدث لها فشل عن أداء وظيفتها تقوم الأخرى بمهمتها، ويكفي الجسم أن يعيش بكلية واحدة لو فُقدِت الأخرى، لذلك قلنا بتحريم نقل الكلية من شخص لآخر؛ لأن الخالق سبحانه جعل لنا كليتين، كل كلية منهما فيها مليون خلية مستعدة للعمل لا يعمل منها سوى مائة ألف فقط، فإن توقفت هذه المائة تبعتها المائة الثانية وهكذا.
فكيف إذن يحدث الفشل الكلوي؟ قالوا: يحدث من أن المائة ألف أدَّتْ مهمتها ثم توقَّفت ولم تنتبه المائة ألف الثانية لكي تقوم بمهمتها، فحين نأخذ من شخص كليته ونعطيها لشخص آخر نقول: هذا إجرام وانتحار، لأن الكلية الباقية لو توقفتْ لا بدَّ أن يموت الإنسان.
ومن العجائب وآيات الخَلْق سبحانه في الإنسان آية الجلد وما فيه من أسرار، فهمناها من قوله تعالى في الحديث عن عذاب الكافرين: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ [النساء: ٥٦].
تعلمنا من هذه الآية أن الجلد هو موضع الإحساس، فلو حُرِق لا يحدث الإحساس؛ لذلك الحق سبحانه يُجدد لهم جلودهم ليذوقوا العذاب وليستمر الإيلام، والعالم لا يعرف هذه المسألة إلا بعد الحرب العالمية، فقد توصل الألمان إلى أن الجلد هو آلة الإحساس في الجسم، بدليل أنك حين تأخذ مثلاً حقنة لا تؤلمك إلا بمقدار نفاذ الإبرة من طبقة الجلد بعدها لا تشعر بالألم، فالقرآن سبق العالم كله إلى هذه الآية.
ومن آيات الله في الأنفس أنك تجد بداخل الجسم صيدلية طبيعية تعالج ما يحدث في الجسم من خلل، هذه الصيدلية أخذناها من قوله تعالى: مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج: ٥] فالمخلَّقة: هي التي تكوَّن منها الجسم بأعضائه وجوارحه المشاهدة، وغير المخلقة الموجودة داخل الجسم كاحتياط له تكمل ما نقص منه وتعالج ما مرض فيه، لذلك رأينا أحدث علاج للجروح والدمامل مثلاً أنْ تتركها لمقاومة الجسم الطبيعية حيث تلتئم دون تدخل بمواد كيماوية تضر وتترك أثراً في الجلد.
تأمل أيّ عضو من أعضائك، وأيَّ جهاز من أجهزة جسمك، تأمل كيفية بناء هذا الإنسان على هذه الهيئة المعتدلة المستقيمة، وكيف يسير معتدلاً مرتفع الهامة، تأمل كفَّ يدك وما فيه من أصابع وما فيه من تناسق وتناسب وانسيابية.
انظر إلى جهازك الهضمي أو التنفسي، انظر إلى قلب هذه العضلة لتي لا تزيد عن قبضة اليد الواحدة، كيف أنها تعمل دون توقف منذ الميلاد وحتى الوفاة، كلها آيات وعجائب وأسرار دالة على قدرة الخالق وبديع صنعته سبحانه في الأنفس.
ويظل عطاء هذه الكلمة سَنُرِيهِمْ ممتداً في الزمان كله وكل يوم نشاهد جديداً وآية وعجيبة من عجائب الخلق في الآفاق وفي الأنفس، ولما تستقرئ القرآن تجده قد استوعب في هذه المسألة الماضي والحاضر والمستقبل، فقال: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.. [الرعد: ٤١] وقال في المستقبل سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣].
باقي في الاستقبال سوف وهي للمستقبل البعيد، قالوا: هي لأمور الآخرة كما في قوله تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [هود: ٣٩].
وفَرْق بين استقبال الفعل من الله تعالى واستقباله من البشر، نحن نقول: ماضي ومضارع ومستقبل. أما بالنسبة للحق سبحانه فيستوي عنده الزمن كله، اقرأ قوله تعالى: أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] والمراد هنا القيامة.
لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية يتهمون القرآن بالتناقض أَتَىٰ تدل على الماضي و فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ تدل على المستقبل، لكن يجب أنْ نعلم أن المتكلم هنا هو الله عز وجل الذي يملك الزمن كله، فحين يقول (أتى) يقولها برصيد قدرته ووحدانيته، حيث لا يوجد له معارض يمنع حدوث الفعل، فالقيامة لأنها حَقٌّ واقع لا محالة عبَّر عنه بالماضي كأنه أتى بالفعل.
قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ دلَّتْ على أن هذه الآيات مُوزَّعة على الزمن، بحيث يجد كل جيل في القرآن عطاءً جديداً، فنحن الآن نعرف من آيات الله في الكون وفي الأنفس ما لم يكُنْ يعرفها أحد على زمن رسول الله مع أنها موجودة وأخبر الله بها في القرآن.
سألتُ مرة بعض إخواننا المختصين بالنواحي الاقتصادية في العالم قُلْتُ لهم: متى عرف الإنسانُ (الأسانسير)؟ قالوا: سنة كذا يعني في القرن العشرين، قلت: فاقرأوا قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣] والمعارج أي: ما نعرفه الآن بـ (الأسانسير).
كذلك البواخر والسفن العملاقة المكوَّنة من طوابق، والتي تظهر في البحار وكأنها مدينة متحركة لم تكُنْ بهذه الصورة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر الله بها في سورة الرحمن: وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ [الرحمن: ٢٤] إذن: الحق سبحانه خلق وعلم ما سيحدث لخلقه في المستقبل.
فإنْ قلتَ: فلماذا لم تظهر هذه الآيات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن صحابته؟ قالوا: لو ظهرت هذه الآيات الكونية معاصرة لزمن النبي وصحابته لأفرغ القرآن معجزاته وآياته في قرن واحد، واستقبلت القرون التالية القرآن بدون عطاء جديد، وبدون آيات تبهرهم وتدلهم على قدرة الخالق سبحانه.
فالله تعالى أراد أنْ يظلَّ استقبال الأجيال للقرآن استقبالاً جديداً، بحيث يكون لكل جيل نصيب من عطاء القرآن ليثبت لنا أن الذي أنزل القرآن قديماً أخبر فيه بما يحدث في المستقبل، وأنه سبحانه إله واحد ليس معه شريك يردُّ عليه ما قال.
وقوله تعالى: حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣] أي: يتضح لهم أن القرآن حق وأن الله حق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وضده الباطل، والباطل متغير زاهق، الحق أبلج، والباطل لجلج.
الله تعالى يُصوِّر لنا الحق والباطل في مثال مادي مشاهد، فيقول سبحانه: أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ [الرعد: ١٧].
فالله تعالى هو الحق، ما يقوله حق، ومن الناس مَنْ يعرف وجه الحق فيه، ومنهم مَنْ يرتاب وتَخْفى عليه الآيات لفترة ثم تصل بهم الأحداث إلى أنْ يعرفوا أنه الحقُّ من الله الحق، فعلاً ووجوداً.
وقد ينتصر الباطل ويعلو في فترة من الفترات، لكن لا بُدَّ أن تكون الجولة الأخيرة للحق؛ لذلك قالوا: دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، والمؤمن الواعي الواثق بنصر الله لا يبالي لانتصار الباطل فهو موقوت، وينتظر اللحظة التي يعلو فيها الحق ويزهق فيها الباطل.
المؤمن يعلم أن الباطل حين يعلو يكون جندياً من جنود الحق، فالباطل يُظهر الحق لمن لا يعرفه، والضد يظهر حُسْنه الضد، ولولا أن الناس شَقُوا بالباطل وعضَّتهم الأحداث ما عرفوا الحق وما اشتاقوا إليه.
لذلك لما تتأمل النسق القرآني في قوله تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا [التوبة: ٤٠] تعلم أن الحق ثابت، وأنه الأصل الذي عليه قامت أمور الخَلْق كلها، فكلمة الذين كفروا قد تعلو لكن ينتهي بها الأمر إلى أنْ تكون هي السفلى، جعلها الله سفلى فهي جَعْل من الله.
أما وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا [التوبة: ٤٠] تجد (كلمة) هنا مبتدأ، فهي في أصلها عليا، ليست جَعْلاً كالأولى، يعني لم تكُنْ أبداً سفلى، ثم جعلها الله عُلْيا هي بطبيعتها عليا. إذن: نقول: إن الباطل يعلو لبعض الناس بأحداثه فيتنبهوا للحق.
ثم يقول سبحانه أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] بلى كفى به سبحانه شاهداً ومطلعاً لا تَخْفى عليه خافية، كأن الحق سبحانه يقول لهم ما كان يصح منكم أنْ تنتظروا الآيات لتُصدِّقوا الرسول، بل كان عليكم أنْ تصدقوه بمجرد أن يقول لأن الله شهيد عليه، والله سبحانه ليس له معارض يعارضه ويرد حكمه.
لذلك قلنا: لماذا أصبح الصِّدِّيق صِدِّيقاً؟ لأنه لما قيل له إن صاحبك يدَّعي أنه نبي لم يزدْ على أن قال لِتوِّهِ: إنْ كان قد قال فقد صدق، هكذا دون أن يناقش المسألة، كذلك لما بلغه خبر الإسراء والمعراج قال نفس قولته الأولى، ولم ينتظر حتى ينزل القرآن، فيخبرهم بذلك وبعدها يُصدِّق.
فالقرآن إنما ينزل يقنع الكافر المعاند أو الشّاكَ المرتاب، والصِّديق رضي الله عنه كان في أعلى درجات اليقين والإيمان، وكَفَاه تاريخ محمد سيرته فيما مضى، فأخذ من صِدْقه في الماضي دليلاً على صِدْقه في الحاضر.
كلمة شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] هنا تحمل معنى الشاهد الذي يثبت الحق، والقاضي الذي يحكم فيه، والمنفذ الذي ينفذ الأحكام.
آية رقم ٥٤
كلمة أَلاَ أداة استفتاح لكلام جديد، فالمتكلم يريد ألاَّ يفاجئ المخاطب فينبهه لكي ينتبه إليه ولا يفوته شيء من كلامه، وكأنه يقول له: استعد واسمع ما أقوله لك فهو كلام مهم.
والكلام المهم هو قوله تعالى: إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ [فصلت: ٥٤] أي: الكفار في شكٍّ من البعث بعد الموت يظنون أن المسألة خلقهم الله في الدنيا وانتهتْ المسألة، فهم يشكُّون في أن هناك رجعة، ويرتابون في الحساب والجزاء، ولا يعملون حساباً لهذا اليوم، لماذا؟
لأنهم لم يعملوا مقدمة لهذا اللقاء لذلك يتغافلون عنه، يُمنَّى الواحد نفسه أن هذا الكلام كذب، وليس هناك بعْث ولا حستب ولا جزاء، ومَنْ يعترف منهم بهذا اللقاء يملؤه الغرور، فيقول وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ [فصلت: ٥٠] وقال آخر: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
إذن: فهم في (مِرْيةٍ) من هذا اليوم أي شك وارتياب وتردد، والمِرْية أيضاً من المراء، وهو الجدال بالباطل والعناد والمكابرة على قبول الحق والانصياع له؛ لذلك قالوا: الجدل هو النقاش الموصِّل إلى شيء بين طرفين، إلى نتيجة، أما المراء فهو جدل ينتصر فيه كل طرف لنفسه، ولا يعنيه الوصول إلى الحق.
والله تبارك وتعالى يُعلِّمنا كيفية الاختلاف، وكيفية النقاش، وأصول الجدل في قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ [سبأ: ٤٦] ما هي يا رب؟ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ [سبأ: ٤٦] يعني: لا تبحثوا بحثاً جماعياً جماهيرياً، بل مَثْنَى وفرادى، لأن حكم الجماهير غير منضبط، فكل طرف فيه يريد أن ينتصر لرأيه، ولا يقبل أن يُهزَم أمام الجمع فيتمادى في الباطل.
وسبق أن قلنا: إن هتاف الجماهير تتوه فيه الأصوات وتختلط فلا تتميز، ومثَّلنا لذلك بقول شوقي في كليوباترا لما انهزمتْ في أكتيوم:
اسْمع الشَّعْبَ ديُون كيْفَ يُوحُونَ إليْه
مَلأَ الجوَّ هتَافاً بحيَاتيْ قَاتليْه
أَثَّر البُهتانُ فيه وَانطَلى الزُّور عليْه
يَالَهُ من بَبْغَاءَ عَقلُه فِي أُذُنيْه
والأمر المخزي هنا أنهم في مرية، لم يقل من الجنة وإنما فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ [فصلت: ٥٤] فهذا هو الكسوف الكبير والخجل والخزي، كما قالوا: موقف يتساقط فيه لحم الوجه خجلاً من الحق سبحانه، وقد عادوا إليه هذا العَوْد المؤسف، وجدوا أنفسهم أمام الحق سبحانه وقد كفروا به في الدنيا وجحدوه وأنكروه، ثم تفاجئهم هذه الحقيقة وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩].
والله لو قال في مرية من نعيم ربهم لكانت مقبولة، والناس تتفاوت مراتبهم ودرجاتهم في العمل الصالح، فمنهم مَنْ يعمل خوفاً من النار، ومنهم مَنْ يعمل طمعاً في الجنة، ومنهم مَنْ يعمل حباً في الله الذي كلَّفه وإرضاءً له سبحانه، لا خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، إنما يعمل لذات الله.
لذلك ورد أن السيدة رابعة العدوية قالت في مناجاتها لله تعالى: اللهم إنْ كنتَ تعلم أنِّي أعبدك طمعاً في جنتك فأحرمني منها، وإنْ كنتَ تعلم أنِّي أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها، إنما أحبك لأنكَ تستحق الحب، واقرأ قوله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً [الكهف: ١١٠] والجنة أحد.
وقوله سبحانه: أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ [فصلت: ٥٤] تقرير لحقيقة أخرى بدأت أيضاً بـ أَلاَ الاستفتاحية، والمعنى أنه سبحانه يحيط علمه بكل شيء إحاطة تامة لا يفلت أحدٌ منها، ولا يغيب عنها مثقالُ ذرة في السماوات ولا في الأرض، والمحيط هو الدائرة التي تلفُّ الشيء من كل جوانبه.
والكلام المهم هو قوله تعالى: إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ [فصلت: ٥٤] أي: الكفار في شكٍّ من البعث بعد الموت يظنون أن المسألة خلقهم الله في الدنيا وانتهتْ المسألة، فهم يشكُّون في أن هناك رجعة، ويرتابون في الحساب والجزاء، ولا يعملون حساباً لهذا اليوم، لماذا؟
لأنهم لم يعملوا مقدمة لهذا اللقاء لذلك يتغافلون عنه، يُمنَّى الواحد نفسه أن هذا الكلام كذب، وليس هناك بعْث ولا حستب ولا جزاء، ومَنْ يعترف منهم بهذا اللقاء يملؤه الغرور، فيقول وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ [فصلت: ٥٠] وقال آخر: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
إذن: فهم في (مِرْيةٍ) من هذا اليوم أي شك وارتياب وتردد، والمِرْية أيضاً من المراء، وهو الجدال بالباطل والعناد والمكابرة على قبول الحق والانصياع له؛ لذلك قالوا: الجدل هو النقاش الموصِّل إلى شيء بين طرفين، إلى نتيجة، أما المراء فهو جدل ينتصر فيه كل طرف لنفسه، ولا يعنيه الوصول إلى الحق.
والله تبارك وتعالى يُعلِّمنا كيفية الاختلاف، وكيفية النقاش، وأصول الجدل في قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ [سبأ: ٤٦] ما هي يا رب؟ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ [سبأ: ٤٦] يعني: لا تبحثوا بحثاً جماعياً جماهيرياً، بل مَثْنَى وفرادى، لأن حكم الجماهير غير منضبط، فكل طرف فيه يريد أن ينتصر لرأيه، ولا يقبل أن يُهزَم أمام الجمع فيتمادى في الباطل.
وسبق أن قلنا: إن هتاف الجماهير تتوه فيه الأصوات وتختلط فلا تتميز، ومثَّلنا لذلك بقول شوقي في كليوباترا لما انهزمتْ في أكتيوم:
اسْمع الشَّعْبَ ديُون كيْفَ يُوحُونَ إليْه
مَلأَ الجوَّ هتَافاً بحيَاتيْ قَاتليْه
أَثَّر البُهتانُ فيه وَانطَلى الزُّور عليْه
يَالَهُ من بَبْغَاءَ عَقلُه فِي أُذُنيْه
والأمر المخزي هنا أنهم في مرية، لم يقل من الجنة وإنما فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ [فصلت: ٥٤] فهذا هو الكسوف الكبير والخجل والخزي، كما قالوا: موقف يتساقط فيه لحم الوجه خجلاً من الحق سبحانه، وقد عادوا إليه هذا العَوْد المؤسف، وجدوا أنفسهم أمام الحق سبحانه وقد كفروا به في الدنيا وجحدوه وأنكروه، ثم تفاجئهم هذه الحقيقة وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩].
والله لو قال في مرية من نعيم ربهم لكانت مقبولة، والناس تتفاوت مراتبهم ودرجاتهم في العمل الصالح، فمنهم مَنْ يعمل خوفاً من النار، ومنهم مَنْ يعمل طمعاً في الجنة، ومنهم مَنْ يعمل حباً في الله الذي كلَّفه وإرضاءً له سبحانه، لا خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، إنما يعمل لذات الله.
لذلك ورد أن السيدة رابعة العدوية قالت في مناجاتها لله تعالى: اللهم إنْ كنتَ تعلم أنِّي أعبدك طمعاً في جنتك فأحرمني منها، وإنْ كنتَ تعلم أنِّي أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها، إنما أحبك لأنكَ تستحق الحب، واقرأ قوله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً [الكهف: ١١٠] والجنة أحد.
وقوله سبحانه: أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ [فصلت: ٥٤] تقرير لحقيقة أخرى بدأت أيضاً بـ أَلاَ الاستفتاحية، والمعنى أنه سبحانه يحيط علمه بكل شيء إحاطة تامة لا يفلت أحدٌ منها، ولا يغيب عنها مثقالُ ذرة في السماوات ولا في الأرض، والمحيط هو الدائرة التي تلفُّ الشيء من كل جوانبه.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
54 مقطع من التفسير