تفسير سورة سورة الحجر
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418ه- 1997م
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
نبذة عن الكتاب
لأبي المظفر السمعاني (ت: 489)، وهو من التفاسير النافعة القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، فعقيدة المؤلف ومباحثه العقدية هي أهم ما تميز به هذا التفسير، فقد اهتمَّ فيه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والردِّ على أهل البدع والأهواء، ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فما من آية في القرآن اتخذها أهل البدع والأهواء دليلاً لنصرة مذهبهم، أو صرفوها عن ظاهرها وأوَّلوها، إلا رأيته متصدياً لهم، مبطلاً لبدعهم، ومنتصراً لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد أكثر من ذلك على مدار تفسيره كله، بالإضافة إلى ترجيحه بين الأقوال، والاستشهاد بالشعر على المعاني اللغوية، إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها تفسيره، ويؤخذ عليه ذكره لكثير من الأحاديث دون بيان حكمها صحةً وضعفاً، أو عزوها إلى مصادرها.
وقد طبع في ستة مجلدات بدار الوطن بالسعودية، وحققه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وأبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم.
مقدمة التفسير
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة الحجر وهي مكية
ﰡ
آية رقم ١
قَوْله تَعَالَى: ﴿الر﴾ مَعْنَاهُ: أَنا الله أرى، وَقيل: " الر "، و " حم " و " ن " هُوَ الرَّحْمَن. ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب﴾ مَعْنَاهُ: هَذِه آيَات الْكتاب.
﴿وَقُرْآن مُبين﴾ مَعْنَاهُ: أَنه يبين الْحَلَال من الْحَرَام، وَالْحق من الْبَاطِل، فَإِن قَالَ قَائِل: الْقُرْآن هُوَ الْكتاب، وَالْكتاب هُوَ الْقُرْآن، فأيش فَائِدَة الْجمع بَينهمَا؟
الْجَواب: أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُفِيد معنى لَا يفِيدهُ الآخر، فَإِن الْكتاب هُوَ مَا يكْتب، وَالْقُرْآن هُوَ مَا يجمع بعضه إِلَى بعض، وَقيل: إِن المُرَاد من الْكتاب هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالْقُرْآن هُوَ الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى على مُحَمَّد.
﴿وَقُرْآن مُبين﴾ مَعْنَاهُ: أَنه يبين الْحَلَال من الْحَرَام، وَالْحق من الْبَاطِل، فَإِن قَالَ قَائِل: الْقُرْآن هُوَ الْكتاب، وَالْكتاب هُوَ الْقُرْآن، فأيش فَائِدَة الْجمع بَينهمَا؟
الْجَواب: أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُفِيد معنى لَا يفِيدهُ الآخر، فَإِن الْكتاب هُوَ مَا يكْتب، وَالْقُرْآن هُوَ مَا يجمع بعضه إِلَى بعض، وَقيل: إِن المُرَاد من الْكتاب هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالْقُرْآن هُوَ الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى على مُحَمَّد.
آية رقم ٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين﴾ اعْلَم أَن كم للتكثير، وَرب للتقليل، وَيُقَال: رُبمَا للتشديد، وَرُبمَا بِالتَّخْفِيفِ، وربتما بِالتَّاءِ بِمَعْنى وَاحِد. قَالَ الشَّاعِر:
وَقد فصل بَعضهم بَين رب وَرُبمَا، قَالَ: رب تدخل على الِاسْم، وَرُبمَا على الْفِعْل، فَقَالَ: رب رجل جَاءَنِي، وَيُقَال: رُبمَا جَاءَنِي.
وَاخْتلف القَوْل فِي الْحَال الَّذِي يتَمَنَّى الْكفَّار هَذَا، - والود هُوَ التَّمَنِّي -[فَالْقَوْل] الأول: أَنه فِي حَال المعاينة، وَهَذَا قَول الضَّحَّاك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يَوْم الْقِيَامَة، وَالْقَوْل الثَّالِث - وَهُوَ الْأَشْهر -: أَنه حِين يخرج
| (ماوي يَا ربتما غَارة | شعواء كاللذعة بالميسم) |
وَاخْتلف القَوْل فِي الْحَال الَّذِي يتَمَنَّى الْكفَّار هَذَا، - والود هُوَ التَّمَنِّي -[فَالْقَوْل] الأول: أَنه فِي حَال المعاينة، وَهَذَا قَول الضَّحَّاك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يَوْم الْقِيَامَة، وَالْقَوْل الثَّالِث - وَهُوَ الْأَشْهر -: أَنه حِين يخرج
— 128 —
﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ (٣) وَمَا أهلكنا من قَرْيَة﴾ الله الْمُؤمنِينَ من النَّار. وَفِي الْأَخْبَار المسندة بِرِوَايَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي قَالَ: " يدْخل الله قوما - من أهل الْقبْلَة النَّار مَعَ الْكفَّار فيمكثون فِيهَا مَا شَاءَ الله؛ فَيَقُول الْكفَّار لَهُم: أَنْتُم مُسلمُونَ، فَيَقُولُونَ: نعم، فَيَقُول الْكفَّار: مَا أغْنى عَنْكُم إسلامكم شَيْئا، وَأَنْتُم مَعنا فِي النَّار، فَيَقُولُونَ: نَحن أَذْنَبْنَا ذنوبا فأخذنا بهَا، فَيسمع الله تَعَالَى ذَلِك كُله، فَيَقُول: أخرجُوا من النَّار من كَانَ مُسلما - وَفِي رِوَايَة: من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله - فَيخْرجُونَ، فَحِينَئِذٍ يتَمَنَّى الْكفَّار لَو كَانُوا مُسلمين ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: " أَن الْكفَّار إِذا قَالُوا للْمُسلمين هَذِه الْمقَالة؛ يغْضب الله تَعَالَى لقَولهم، فَيَقُول: أخرجُوا... ، على مَا بَينا.
فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَت رُبمَا للتقليل، فَكيف يقل تمنيهم هَذَا، وَنحن نعلم حَقِيقَة أَن كلهم يتمنون هَذَا، وَأَن هَذَا التَّمَنِّي مِنْهُم يكثر؟
وَالْجَوَاب: أَن الْعَرَب قد تذكر هَذَا اللَّفْظ وتريد بِهِ التكثير، يَقُول الْقَائِل لغيره: رُبمَا تندم على هَذَا الْفِعْل، وَهُوَ يعلم أَنه يكثر مِنْهُ النَّدَم عَلَيْهِ، وَيكون الْمَعْنى: إِنَّك لَو نَدِمت قَلِيلا لَكَانَ الْقَلِيل من الندامة يَكْفِيك للاجتناب عَنهُ، فَكيف الْكثير؟ !.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن شغلهمْ بِالْعَذَابِ لَا يفرغهم للندامة، وَفِي بعض الآحايين رُبمَا يَقع لَهُم هَذَا النَّدَم، ويخطر ببالهم.
فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَت رُبمَا للتقليل، فَكيف يقل تمنيهم هَذَا، وَنحن نعلم حَقِيقَة أَن كلهم يتمنون هَذَا، وَأَن هَذَا التَّمَنِّي مِنْهُم يكثر؟
وَالْجَوَاب: أَن الْعَرَب قد تذكر هَذَا اللَّفْظ وتريد بِهِ التكثير، يَقُول الْقَائِل لغيره: رُبمَا تندم على هَذَا الْفِعْل، وَهُوَ يعلم أَنه يكثر مِنْهُ النَّدَم عَلَيْهِ، وَيكون الْمَعْنى: إِنَّك لَو نَدِمت قَلِيلا لَكَانَ الْقَلِيل من الندامة يَكْفِيك للاجتناب عَنهُ، فَكيف الْكثير؟ !.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن شغلهمْ بِالْعَذَابِ لَا يفرغهم للندامة، وَفِي بعض الآحايين رُبمَا يَقع لَهُم هَذَا النَّدَم، ويخطر ببالهم.
— 129 —
آية رقم ٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا﴾ الْآيَة. هَذَا تهديد ووعيد، وَالْأكل مَعْلُوم، وَأما التَّمَتُّع هُوَ التَّلَذُّذ بِطَلَبِهِ حَالا بعد حَال (كالتعرب) هُوَ طلبه حَالا بعد حَال. قَوْله: ﴿ويلههم الأمل﴾ أَي: يشغلهم الأمل عَن الْآخِرَة.
— 129 —
﴿إِلَّا وَلها كتاب مَعْلُوم (٤) مَا تسبق من أمة أجلهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَا أَيهَا الَّذِي نزل عَلَيْهِ الذّكر إِنَّك لمَجْنُون (٦) لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كنت من الصَّادِقين (٧) مَا ننزل الْمَلَائِكَة إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذا منظرين (٨) إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر﴾
قَوْله: ﴿فَسَوف يعلمُونَ﴾ تهديد آخر، وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: " ذرهم " تهديد. وَقَوله: ﴿فَسَوف يعلمُونَ﴾ تهديد آخر، فَمَتَى يهنأ الْعَيْش بَين تهديدين؟.
قَوْله: ﴿فَسَوف يعلمُونَ﴾ تهديد آخر، وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: " ذرهم " تهديد. وَقَوله: ﴿فَسَوف يعلمُونَ﴾ تهديد آخر، فَمَتَى يهنأ الْعَيْش بَين تهديدين؟.
— 130 —
آية رقم ٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا وَلها كتاب مَعْلُوم﴾ أَي: أجل مَضْرُوب لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ وَلَا يتَأَخَّر عَنهُ.
آية رقم ٥
وَقَوله: ﴿مَا تسبق من أمة أجلهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَن الْعَذَاب الْمَضْرُوب لَا يتَقَدَّم على وقته، وَلَا يتَأَخَّر عَن وقته، وَقيل: هَذَا فِي الْمَوْت أَنه لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر عَن وقته.
آية رقم ٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيهَا الَّذِي نزل عَلَيْهِ الذّكر إِنَّك لمَجْنُون﴾ الذّكر هُوَ الْقُرْآن. وَقَوله: ﴿إِنَّك لمَجْنُون﴾ خطابهم مَعَ النَّبِي.
وَقَوله " ﴿يَا أَيهَا الَّذِي نزل عَلَيْهِ الذّكر﴾ إِنَّمَا قَالُوهُ على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء؛ لأَنهم لَو قَالُوا ذَلِك على طَرِيق التَّحْقِيق لآمنوا بِهِ.
وَقَوله " ﴿يَا أَيهَا الَّذِي نزل عَلَيْهِ الذّكر﴾ إِنَّمَا قَالُوهُ على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء؛ لأَنهم لَو قَالُوا ذَلِك على طَرِيق التَّحْقِيق لآمنوا بِهِ.
آية رقم ٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ أَي: هلا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ، قَالَ الشَّاعِر:
أَي: هلا تَعدونَ الكمي المقنعا.
وَقَوله: ﴿إِن كنت من الصَّادِقين﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّك نَبِي.
| (تَعدونَ (قَعْر) النيب أفضل مجدكم | بنى (طوطبري) لَوْلَا الكمي المقنعا) |
وَقَوله: ﴿إِن كنت من الصَّادِقين﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّك نَبِي.
آية رقم ٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ننزل الْمَلَائِكَة إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الْحق الَّذِي تنزل بِهِ الْمَلَائِكَة هُوَ الْوَحْي، وَقبض [أَرْوَاح] الْعباد، وإهلاك الْكفَّار، وكتبة الْأَعْمَال، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا إِذا منظرين﴾ أَي: مؤخرين، وَقد كَانَ الْكفَّار يطْلبُونَ إِنْزَال
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا إِذا منظرين﴾ أَي: مؤخرين، وَقد كَانَ الْكفَّار يطْلبُونَ إِنْزَال
— 130 —
﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون (٩) وَلَقَد أرسلنَا من قبلك فِي شيع الْأَوَّلين (١٠) وَمَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزءون (١١) كَذَلِك نسلكه فِي قُلُوب الْمُجْرمين (١٢) لَا﴾ الْمَلَائِكَة عيَانًا، فأجابهم الله تَعَالَى بِهَذَا، وَمَعْنَاهُ: أَنهم لَو نزلُوا عيَانًا زَالَ الْإِمْهَال عَن الْكفَّار وعذبوا فِي الْحَال.
— 131 —
آية رقم ٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنا نَحْفَظ مُحَمَّدًا، وَالْآخر: أَنا نَحْفَظ الْقُرْآن، وَهُوَ الْأَلْيَق بِظَاهِر اللَّفْظ، وَمعنى حفظ الْقُرْآن أَنه يمْنَع من الزِّيَادَة فِيهِ أَو النُّقْصَان عَنهُ، قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ وَالْبَاطِل هُوَ إِبْلِيس، وَمَعْنَاهُ: أَن إِبْلِيس لَا يقدر أَن يزِيد فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا أَن ينقص عَنهُ مَا هُوَ مِنْهُ.
آية رقم ١٠
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا من قبلك فِي شيع الْأَوَّلين﴾ الشِّيعَة: هم الْقَوْم المجتمعة المتفقة كلمتهم، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: فِي أُمَم الْأَوَّلين.
آية رقم ١١
وَقَوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ هَذَا تَسْلِيَة للنَّبِي، وَمَعْنَاهُ: أَنهم كَمَا استهزءوا بك فقد استهزىء بالأنبياء من قبلك.
آية رقم ١٢
ﮰﮱﯓﯔﯕ
ﯖ
وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك نسلكه فِي قُلُوب الْمُجْرمين﴾ قَالَ الْحسن: كَذَلِك نسلك الشّرك فِي قُلُوب الْمُجْرمين، ونسلك، أَي: ندخل، وَقَالَ مُجَاهِد: نسلك التَّكْذِيب، وَمعنى كَاف التَّشْبِيه، أَي: كَمَا فعلنَا بالكفار من قبل هَؤُلَاءِ، كَذَلِك نَفْعل بهؤلاء الْكفَّار. وَقد قَالَ بَعضهم: إِن معنى قَوْله: ﴿كَذَلِك نسلكه﴾ أَي: نسلك الْقُرْآن، وَمَعْنَاهُ: أَنه لما أَعْطَاهُم مَا يفهمون بِهِ الْقُرْآن، فَكَأَنَّهُ سلك الْقُرْآن فِي قُلُوبهم. وَالْمَنْقُول عَن السّلف هُوَ القَوْل الأول، وَهُوَ رد على الْقَدَرِيَّة صَرِيحًا.
آية رقم ١٣
وَقَوله: ﴿لَا يُؤمنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّ وَالْقُرْآن. ﴿وَقد خلت سنة الْأَوَّلين﴾ أَي: مَضَت سنة الْأَوَّلين، وَسنة الْأَوَّلين: هُوَ الإهلاك عِنْد تَكْذِيب الْأَنْبِيَاء.
— 131 —
﴿يُؤمنُونَ بِهِ وَقد خلت سنة الْأَوَّلين (١٢) وَلَو فتحنا عَلَيْهِم بَابا من السَّمَاء فظلوا فِيهِ يعرجون (١٤) لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون (١٥) وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجا وزيناها للناظرين (١٦) وحفظناها من كل شَيْطَان رجيم (١٧) إِلَّا من﴾
— 132 —
آية رقم ١٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو فتحنا عَلَيْهِم بَابا من السَّمَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿فظلوا فِيهِ يعرجون﴾ يُقَال: ظلّ يفعل كَذَا إِذا فعله نَهَارا، وَبَات يفعل كَذَا إِذا فعله لَيْلًا.
وَقَوله: ﴿يعرجون﴾ يصعدون، يُقَال: عرج يعرج إِذا صعد، وعرج يعرج إِذا صَار أعرج، وَاخْتلف القَوْل فِي الْمَعْنى بقوله: ﴿فظلوا﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنهم الْمَلَائِكَة، وَالْقَوْل الآخر أَنهم الْمُشْركُونَ.
وَقَوله: ﴿يعرجون﴾ يصعدون، يُقَال: عرج يعرج إِذا صعد، وعرج يعرج إِذا صَار أعرج، وَاخْتلف القَوْل فِي الْمَعْنى بقوله: ﴿فظلوا﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنهم الْمَلَائِكَة، وَالْقَوْل الآخر أَنهم الْمُشْركُونَ.
آية رقم ١٥
وَقَوله: ﴿لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا﴾ قرىء بقراءتين " سُكِّرت " " سُكِرت " مخفف، فَمَعْنَى التَّخْفِيف أَي: سحرت، وَمعنى التَّشْدِيد أَي: سدت وَأخذت، وَقيل: عميت، قَالَ عَمْرو بن الْعَلَاء: هُوَ مَأْخُوذ من السكر، يَعْنِي: كَمَا أَن السكر يُغطي على عقولنا، كَذَلِك هَذَا غطي على أبصارنا. وَقَوله: ﴿بل نَحن قوم مسحورون﴾ أَي: مخدوعون، وَقيل مَعْنَاهُ: عمل فِينَا السحر.
آية رقم ١٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجا﴾ البروج: هِيَ النُّجُوم الْكِبَار، وَهُوَ مَأْخُوذ من الظُّهُور، يُقَال: تبرجت الْمَرْأَة إِذا ظَهرت. وَيُقَال: إِنَّهَا الْمنَازل، وَيُقَال: إِنَّهَا البروج الإثنا عشر، وَيُقَال: إِنَّهَا السَّبع السيارة، وَعَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ: أَنَّهَا قُصُور فِي السَّمَاء عَلَيْهَا الحرس. قَوْله: ﴿وزيناها للناظرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آية رقم ١٧
ﭙﭚﭛﭜﭝ
ﭞ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وحفظناها من كل شَيْطَان رجيم﴾ ذكر الْكَلْبِيّ أَن السَّمَوَات لم تكن مَحْفُوظَة من الشَّيَاطِين قبل عِيسَى، فَلَمَّا بعث عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - حفظت ثَلَاثَة من السَّمَوَات، فَلَمَّا بعث مُحَمَّد حفظت السَّمَوَات كلهَا. وَقَوله: ﴿رجيم﴾ أَي: مرجوم، وَقيل: أَي: مَلْعُون، وَقيل: شتيم.
آية رقم ١٨
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من اسْترق السّمع﴾ فِي الْأَخْبَار: أَن الشَّيَاطِين يركب بَعضهم بَعْضًا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، ويسترقون السّمع من الْمَلَائِكَة؛ فترجمهم الْكَوَاكِب فَتقْتل
— 132 —
﴿اسْترق السّمع فَأتبعهُ شهَاب مُبين (١٨) وَالْأَرْض مددناها وألقينا فِيهَا رواسي وأنبتنا فِيهَا﴾ الْبَعْض وتخبل الْبَعْض ". وَاخْتلف القَوْل فِي أَنهم مَتى يسْتَرقونَ السّمع؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنهم يسْتَرقونَ السّمع من الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء، وَالْقَوْل الآخر: أَنهم يسْتَرقونَ السّمع من الْمَلَائِكَة فِي الْهَوَاء. وَأما معرفَة مَلَائِكَة السَّمَاء بِالْأَمر فباستخبارهم مَلَائِكَة أهل السَّمَاء الثَّانِيَة، هَكَذَا يستخبر أهل كل سَمَاء من أهل السَّمَاء [الَّتِي] فَوْقهم، حَتَّى يصلوا إِلَى حَملَة الْعَرْش فيخبرون بِمَا قَضَاهُ الله تَعَالَى من الْأَمر، وَيرجع الْخَبَر من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى يصل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ الشَّيَاطِين يسْتَرقونَ على مَا قُلْنَا من قبل.
وَقَوله: ﴿فَأتبعهُ شهَاب مُبين﴾ الشهَاب هُوَ الشعلة من النَّار، فَإِن قَالَ قَائِل: نَحن لَا نرى نَارا، وَإِنَّمَا نرى نورا أَو نجما ينْقض.
وَالْجَوَاب: أَنه يحْتَمل أَنه ينْقض نورا، فَإِذا وصل إِلَيْهِ صَار نَارا، أَو يحْتَمل أَنه يرى من بعد الْمَكَان أَنه نجم وَهُوَ نَار، وَقيل: إِن النَّجْم ينْقض فَيَرْمِي الشَّيْطَان ثمَّ يعود إِلَى مَكَانَهُ. وَاعْلَم أَن هَذَا لم يكن ظَاهرا فِي زمن الْأَنْبِيَاء قبل الرَّسُول، وَلم يذكرهُ شَاعِر من الْعَرَب قبل زمَان النَّبِي، وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا فِي ابْتِدَاء أَمر النَّبِي، وَكَانَ ذَلِك أساسا لنبوته، وَإِنَّمَا ذكر الشُّعَرَاء ذَلِك فِي زَمَانه، قَالَ الشَّاعِر:
وَقَوله: ﴿فَأتبعهُ شهَاب مُبين﴾ الشهَاب هُوَ الشعلة من النَّار، فَإِن قَالَ قَائِل: نَحن لَا نرى نَارا، وَإِنَّمَا نرى نورا أَو نجما ينْقض.
وَالْجَوَاب: أَنه يحْتَمل أَنه ينْقض نورا، فَإِذا وصل إِلَيْهِ صَار نَارا، أَو يحْتَمل أَنه يرى من بعد الْمَكَان أَنه نجم وَهُوَ نَار، وَقيل: إِن النَّجْم ينْقض فَيَرْمِي الشَّيْطَان ثمَّ يعود إِلَى مَكَانَهُ. وَاعْلَم أَن هَذَا لم يكن ظَاهرا فِي زمن الْأَنْبِيَاء قبل الرَّسُول، وَلم يذكرهُ شَاعِر من الْعَرَب قبل زمَان النَّبِي، وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا فِي ابْتِدَاء أَمر النَّبِي، وَكَانَ ذَلِك أساسا لنبوته، وَإِنَّمَا ذكر الشُّعَرَاء ذَلِك فِي زَمَانه، قَالَ الشَّاعِر:
| (كَأَنَّهُ كَوْكَب فِي إِثْر عفرية | مُسَوَّم فِي سَواد اللَّيْل منقضب) |
| (تطالبني معيشة آل زيد | وَمن لي (بالمرقق وَالصِّنَاب)) |
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن العبيد والمماليك قد دخلُوا فِي هَؤُلَاءِ، وَالْعرب إِذا جمعت بَين من يعقل وَبَين من لَا يعقل غلبت من يعقل.
آية رقم ٢١
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه﴾ يَعْنِي: مَفَاتِيح خزائنه، وَقيل: إِنَّهَا نفس الخزائن، وَمعنى الخزائن أَنه إِذا قَالَ: كن كَانَ.
قَوْله: ﴿وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم﴾ أَي: إِلَّا بِقدر مَعْلُوم فِي وَقت مَعْلُوم، وَيُقَال: إِنَّه لَا تنزل قَطْرَة من السَّمَاء إِلَّا وَمَعَهَا ملك يَسُوقهَا حَيْثُ يُرِيد الله، وَالله أعلم.
قَوْله: ﴿وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم﴾ أَي: إِلَّا بِقدر مَعْلُوم فِي وَقت مَعْلُوم، وَيُقَال: إِنَّه لَا تنزل قَطْرَة من السَّمَاء إِلَّا وَمَعَهَا ملك يَسُوقهَا حَيْثُ يُرِيد الله، وَالله أعلم.
— 134 —
﴿من السَّمَاء مَاء فأسقيناكموه وَمَا أَنْتُم لَهُ بخازنين (٢٢) وَإِنَّا لنَحْنُ نحيي ونميت وَنحن﴾
— 135 —
آية رقم ٢٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ملاقح واحدتها ملقحة، وَقَالَ غَيره: هِيَ لَوَاقِح وَاحِدهَا لاقح، وَمعنى اللاقح أَنَّهَا تحمل المَاء، وَمعنى الملقح أَنَّهَا تمر على السَّحَاب وَالْأَرْض فتلقحه، وإلقاح السَّحَاب هُوَ أَن يلقِي إِلَى السَّحَاب مَا يحمل بِهِ المَاء، وَقيل: إِنَّهَا تلقح الْأَشْجَار أَيْضا.
وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِن الرّيح تحمل المَاء فتجريه السَّحَاب؛ فتدر السَّحَاب، كَمَا تدر اللقحة، وَعَن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَالَ: تجىء الرّيح المبشرة فتقم الأَرْض قما، ثمَّ تجىء الرّيح المنشأة فتنشىء السَّحَاب نشئا، ثمَّ تَجِيء الرّيح الْمُؤَلّفَة فتؤلف السَّحَاب بعضه إِلَى بعض، ثمَّ تَجِيء الرّيح اللاقحة فتلقح السَّحَاب. (وفى) : أَن لقح الرِّيَاح؛ الْجنُوب.
وَفِي بعض الْآثَار: " مَا هبت ريح الْجنُوب إِلَّا وأنبعت عينا غرقة غدقة "، وَأما الرّيح الْعَقِيم هِيَ الَّتِي لَا تلقح وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ.
وَقَوله: ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء فأسقيناكموه﴾ يَعْنِي: أعطينا لكم بهَا سقيا، يُقَال: أسْقى فلَانا إِذا جعل لَهُ سقيا، وَسَقَى فلَانا إِذا أعطَاهُ مَا يشرب.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَنْتُم لَهُ بخازنين﴾ يَعْنِي: أَنه فِي خزائننا، وَلَيْسَ فِي خزائنكم، وَقيل: وَمَا أَنْتُم لَهُ بمانعين وَلَا دافعين (أَي: أردتموه).
وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِن الرّيح تحمل المَاء فتجريه السَّحَاب؛ فتدر السَّحَاب، كَمَا تدر اللقحة، وَعَن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَالَ: تجىء الرّيح المبشرة فتقم الأَرْض قما، ثمَّ تجىء الرّيح المنشأة فتنشىء السَّحَاب نشئا، ثمَّ تَجِيء الرّيح الْمُؤَلّفَة فتؤلف السَّحَاب بعضه إِلَى بعض، ثمَّ تَجِيء الرّيح اللاقحة فتلقح السَّحَاب. (وفى) : أَن لقح الرِّيَاح؛ الْجنُوب.
وَفِي بعض الْآثَار: " مَا هبت ريح الْجنُوب إِلَّا وأنبعت عينا غرقة غدقة "، وَأما الرّيح الْعَقِيم هِيَ الَّتِي لَا تلقح وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ.
وَقَوله: ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء فأسقيناكموه﴾ يَعْنِي: أعطينا لكم بهَا سقيا، يُقَال: أسْقى فلَانا إِذا جعل لَهُ سقيا، وَسَقَى فلَانا إِذا أعطَاهُ مَا يشرب.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَنْتُم لَهُ بخازنين﴾ يَعْنِي: أَنه فِي خزائننا، وَلَيْسَ فِي خزائنكم، وَقيل: وَمَا أَنْتُم لَهُ بمانعين وَلَا دافعين (أَي: أردتموه).
آية رقم ٢٣
ﮕﮖﮗﮘﮙﮚ
ﮛ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لنَحْنُ نحيي ونميت وَنحن الوارثون﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: وَالْوَارِث فِي صِفَات الله أَنه الْبَاقِي بعد هَلَاك الْخلق أَجْمَعِينَ، وَقيل مَعْنَاهُ: أَن مصير
— 135 —
﴿الوارثون (٢٣) وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِن رَبك هُوَ يحشرهم إِنَّه حَكِيم عليم (٢٥) وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من صلصال من حمأ مسنون﴾ الْخلق إِلَيْهِ.
— 136 —
آية رقم ٢٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ قَالَ الشّعبِيّ: مَعْنَاهُ: وَلَقَد علمنَا الْأَوَّلين مِنْكُم والآخرين، وَيُقَال مَعْنَاهُ: علمنَا الْمُتَقَدِّمين مِنْكُم بِالطَّاعَةِ، والمتأخرين مِنْكُم بالمعصية، وَقيل: علمنَا من خلقنَا مِنْكُم وَمن سنخلقه من بعد. وَعَن الرّبيع بن أنس " أَن النَّبِي حض النَّاس على الْجَمَاعَة فَتقدم بَعضهم، وَتَأَخر الْبَعْض لِكَثْرَة الْجمع؛ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ ".
وَيُقَال مَعْنَاهُ: وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم فِي حق الْقِتَال، وَعلمنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ عَنهُ. وَفِي الْآيَة خبر مُسْند بِرِوَايَة أبي الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس: " أَن امْرَأَة كَانَت تحضر الْجَمَاعَة، وَهِي من أحسن النِّسَاء وَجها، فَكَانَ قوم يتقدمون لِئَلَّا يرونها، وَقوم يتأخرون. فَإِذا ركعوا نظرُوا إِلَيْهَا من تَحت آباطهم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ". أوردهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه.
وَيُقَال مَعْنَاهُ: وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم فِي حق الْقِتَال، وَعلمنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ عَنهُ. وَفِي الْآيَة خبر مُسْند بِرِوَايَة أبي الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس: " أَن امْرَأَة كَانَت تحضر الْجَمَاعَة، وَهِي من أحسن النِّسَاء وَجها، فَكَانَ قوم يتقدمون لِئَلَّا يرونها، وَقوم يتأخرون. فَإِذا ركعوا نظرُوا إِلَيْهَا من تَحت آباطهم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ". أوردهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه.
آية رقم ٢٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن رَبك هُوَ يحشرهم﴾ يَعْنِي: يحشرهم إِلَى الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿إِنَّه حَكِيم عليم﴾ أَي: حَكِيم فِي تَدْبيره، عليم بخلقه.
آية رقم ٢٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من صلصال من حمأ مسنون﴾ الصلصال هُوَ
— 136 —
( ﴿٢٦) والجان خلقناه من قبل من نَار السمُوم (٢٧) وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي خَالق﴾ الطين الْيَابِس الَّذِي إِذا حرك صلصل أَي: صَوت، قَالَ الشَّاعِر:
وَيُقَال: الصلصال المنتن، يُقَال: صل اللَّحْم إِذا أنتن، وَذكر الْكَلْبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: أَن الصلصال هُوَ الطين الرطب، وَيُقَال: إِذا جرى المَاء على الأَرْض الطينة، ثمَّ انحسر المَاء وتشققت الأَرْض حَتَّى يرى مثل الخزف، فَهُوَ صلصال.
وَقَوله: ﴿من حمأ مسنون﴾ الحمأ: الحمأة، وَهِي الطين الْأسود، والمسنون: الْمُتَغَيّر المنتن، كَذَلِك قَالَه مُجَاهِد. وَقَالَ بَعضهم: الْمسنون المصبوب، وَهَذَا يشبه القَوْل الَّذِي بَينا أَن الصلصال هُوَ الطين الرطب، وَفِي الْآثَار: أَن الْحسن كَانَ يسن المَاء على وَجهه سنا، أَي: يصب.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن الْمسنون هُوَ المصبوب على قالب وَصُورَة، وَفِي بعض (التفاسير) : أَن الله تَعَالَى خمر طِينَة آدم، وَتَركه حَتَّى صَار متغيرا أسود منتنا، ثمَّ خلق آدم مِنْهَا.
| (وقاع ترى الصلصال فِيهِ ودونه | بقاع تلال بالعرى والمناكب) |
وَقَوله: ﴿من حمأ مسنون﴾ الحمأ: الحمأة، وَهِي الطين الْأسود، والمسنون: الْمُتَغَيّر المنتن، كَذَلِك قَالَه مُجَاهِد. وَقَالَ بَعضهم: الْمسنون المصبوب، وَهَذَا يشبه القَوْل الَّذِي بَينا أَن الصلصال هُوَ الطين الرطب، وَفِي الْآثَار: أَن الْحسن كَانَ يسن المَاء على وَجهه سنا، أَي: يصب.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن الْمسنون هُوَ المصبوب على قالب وَصُورَة، وَفِي بعض (التفاسير) : أَن الله تَعَالَى خمر طِينَة آدم، وَتَركه حَتَّى صَار متغيرا أسود منتنا، ثمَّ خلق آدم مِنْهَا.
— 137 —
آية رقم ٢٧
قَوْله: ﴿والجآن خلقناه من قبل من نَار السمُوم﴾ يُقَال: الجآن هُوَ إِبْلِيس، وَيُقَال: الجآن أَبُو الْجِنّ، كَمَا أَن آدم أَبُو الْبشر، وَأما إِبْلِيس هُوَ أَبُو الشَّيَاطِين، وَفِي الْجِنّ مُؤمنُونَ وكافرون، ويحيون ويموتون.
وَأما الشَّيَاطِين فَلَيْسَ فيهم مُسلم، ويموتون إِذا مَاتَ إِبْلِيس، وَذكر وهب بن مُنَبّه: أَن من الْجِنّ من يُولد لَهُم، ويأكلون وَيَشْرَبُونَ بِمَنْزِلَة الْآدَمِيّين، وَمن الْجِنّ من هم بِمَنْزِلَة الرّيح لَا يتوالدون، وَلَا يَأْكُلُون، وَلَا يشربون، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿من نَار السمُوم﴾ أَي: من الرّيح الحارة، والسموم: ريح حارة تدخل فِي مسام الْإِنْسَان فتقتله، وَيُقَال: إِن السمُوم بِالنَّهَارِ والحرور بِاللَّيْلِ، وَيُقَال: إِن السمُوم
وَأما الشَّيَاطِين فَلَيْسَ فيهم مُسلم، ويموتون إِذا مَاتَ إِبْلِيس، وَذكر وهب بن مُنَبّه: أَن من الْجِنّ من يُولد لَهُم، ويأكلون وَيَشْرَبُونَ بِمَنْزِلَة الْآدَمِيّين، وَمن الْجِنّ من هم بِمَنْزِلَة الرّيح لَا يتوالدون، وَلَا يَأْكُلُون، وَلَا يشربون، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿من نَار السمُوم﴾ أَي: من الرّيح الحارة، والسموم: ريح حارة تدخل فِي مسام الْإِنْسَان فتقتله، وَيُقَال: إِن السمُوم بِالنَّهَارِ والحرور بِاللَّيْلِ، وَيُقَال: إِن السمُوم
— 137 —
﴿بشرا من صلصال من حمأ مسنون (٢٨) فَإِذا سويته ونفخت فِيهِ من روحي فقعوا لَهُ ساجدين (٢٩) فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيس أَبى أَن يكون مَعَ﴾ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار جَمِيعًا، وَقيل: نَار السمُوم لهيب النَّار.
وَفِي بعض الْآثَار عَن عبد الله بن مَسْعُود: أَن هَذَا السمُوم الَّذِي نرَاهُ جُزْء من سبعين جُزْءا من سموم جَهَنَّم. وَيُقَال: من نَار السمُوم أَي: من نَار جَهَنَّم.
وَفِي بعض الْآثَار عَن عبد الله بن مَسْعُود: أَن هَذَا السمُوم الَّذِي نرَاهُ جُزْء من سبعين جُزْءا من سموم جَهَنَّم. وَيُقَال: من نَار السمُوم أَي: من نَار جَهَنَّم.
— 138 —
آية رقم ٢٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي خَالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون﴾ قد ذكرنَا.
آية رقم ٢٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا سويته﴾ أَي: صورته. وَقَوله: ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ الرّوح: جسم لطيف يحيا بِهِ الْإِنْسَان، [وأضافها] إِلَى نَفسه تَشْرِيفًا وتكريما.
وَقَوله: ﴿فقعوا لَهُ ساجدين﴾ أَي: أسقطوا لَهُ ساجدين.
وَقَوله: ﴿فقعوا لَهُ ساجدين﴾ أَي: أسقطوا لَهُ ساجدين.
آية رقم ٣٠
ﯶﯷﯸﯹ
ﯺ
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ فِي بعض التفاسير: أَنه قَالَ لجَماعَة من الْمَلَائِكَة: اسجدوا لآدَم فَلم يَفْعَلُوا؛ فَجَاءَت نَار وأحرقتهم جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ لجَماعَة آخَرين: اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس.
وَقَوله: ﴿كلهم أَجْمَعُونَ﴾ فِيهِ سُؤال مَعْرُوف، وَهُوَ أَنه يُقَال: لما قَالَ ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة﴾ ؟ فأيش فَائِدَة قَوْله: ﴿كلهم أَجْمَعُونَ﴾ ؟.
وَالْجَوَاب: أَن الْخَلِيل وسيبويه زعما أَن هَذَا تَأْكِيدًا بعد تَأْكِيد، (وَذكر) الْمبرد أَن قَوْله: ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة﴾ كَانَ من الْمُحْتَمل أَن بَعضهم سجد؛ فَذكر كلهم ليزيل هَذَا الْإِشْكَال، ثمَّ كَانَ يحْتَمل أَنهم سجدوا فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة؛ فَذكر أَجْمَعُونَ ليزيل الالتباس.
وَقَوله: ﴿كلهم أَجْمَعُونَ﴾ فِيهِ سُؤال مَعْرُوف، وَهُوَ أَنه يُقَال: لما قَالَ ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة﴾ ؟ فأيش فَائِدَة قَوْله: ﴿كلهم أَجْمَعُونَ﴾ ؟.
وَالْجَوَاب: أَن الْخَلِيل وسيبويه زعما أَن هَذَا تَأْكِيدًا بعد تَأْكِيد، (وَذكر) الْمبرد أَن قَوْله: ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة﴾ كَانَ من الْمُحْتَمل أَن بَعضهم سجد؛ فَذكر كلهم ليزيل هَذَا الْإِشْكَال، ثمَّ كَانَ يحْتَمل أَنهم سجدوا فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة؛ فَذكر أَجْمَعُونَ ليزيل الالتباس.
آية رقم ٣١
وَقَوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيس أَبى أَن يكون مَعَ الساجدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آية رقم ٣٢
قَوْله تَعَالَى:
— 138 —
﴿الساجدين (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيس مَا لَك أَلا تكون مَعَ الساجدين (٣٢) قَالَ لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون (٣٣) قَالَ فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم (٣٤) وَإِن عَلَيْك اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الدّين (٣٥) قَالَ رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون (٣٦) ﴾ ﴿قَالَ يَا إِبْلِيس مَا لَك أَلا تكون مَعَ الساجدين﴾ مَعْنَاهُ: لم لم تسْجد وَقد أَمرتك؟
— 139 —
آية رقم ٣٣
قَوْله: ﴿قَالَ لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون﴾ مَعْنَاهُ: أَنِّي أفضل مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ طيني، وَأَنا نَارِي، وَالنَّار تَأْكُل الطين.
وَفِي بعض الْآثَار: " أَن الله تَعَالَى خلق الْمَلَائِكَة من نور الْعِزَّة، وَخلق الجآن من النَّار، وَخلق آدم من التُّرَاب ".
فَإِن قَالَ: إِذا كَانَ عنْدكُمْ أَن إِبْلِيس من الْمَلَائِكَة، وَقد خلقُوا من النُّور، فَكيف قَالَ إِبْلِيس خلقتني من نَار؟
الْجَواب عَنهُ: أَن إِبْلِيس كَانَ من قَبيلَة من الْمَلَائِكَة خلقُوا من النَّار، وَقد ذكرنَا فِي سُورَة الْبَقَرَة.
وَفِي بعض الْآثَار: " أَن الله تَعَالَى خلق الْمَلَائِكَة من نور الْعِزَّة، وَخلق الجآن من النَّار، وَخلق آدم من التُّرَاب ".
فَإِن قَالَ: إِذا كَانَ عنْدكُمْ أَن إِبْلِيس من الْمَلَائِكَة، وَقد خلقُوا من النُّور، فَكيف قَالَ إِبْلِيس خلقتني من نَار؟
الْجَواب عَنهُ: أَن إِبْلِيس كَانَ من قَبيلَة من الْمَلَائِكَة خلقُوا من النَّار، وَقد ذكرنَا فِي سُورَة الْبَقَرَة.
آية رقم ٣٤
ﭦﭧﭨﭩﭪ
ﭫ
قَوْله: ﴿قَالَ فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم وَإِن عَلَيْك اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الدّين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَيُقَال: إِن إِبْلِيس مَلْعُون السَّمَاء وَالْأَرْض، وَإِن أهل السَّمَاء يلعنونه، كَمَا أَن أهل الأَرْض يلعنونه.
آية رقم ٣٥
ﭬﭭﭮﭯﭰﭱ
ﭲ
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤:قوله :( قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ) ظاهر المعنى، ويقال : إن إبليس ملعون السماء والأرض، وإن أهل السماء يلعنونه، كما أن أهل الأرض يلعنونه.
آية رقم ٣٦
ﭳﭴﭵﭶﭷﭸ
ﭹ
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ أَي: فأمهلني إِلَى يَوْم الْبَعْث، وَأَرَادَ الملعون أَلا يَمُوت؛ فَأَجَابَهُ الله تَعَالَى وَقَالَ:
آية رقم ٣٧
ﭺﭻﭼﭽ
ﭾ
﴿إِنَّك من المنظرين إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم﴾ أَي: الْوَقْت الَّذِي يَمُوت فِيهِ الْخَلَائق، وَيُقَال: إِن مُدَّة موت إِبْلِيس أَرْبَعُونَ سنة، وَهُوَ مَا بَين النفختين. وَقَالَ أهل الْمعَانِي: إِن إِبْلِيس لما سَأَلَ الْإِمْهَال لم تكن إِجَابَة الله إِيَّاه كَرَامَة لَهُ، بل كَانَت زِيَادَة لَهُ فِي شقائه وبلائه.
— 139 —
﴿قَالَ فَإنَّك من المنظرين (٣٧) إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم (٣٨) قَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم (٤١) إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من﴾
— 140 —
آية رقم ٣٨
ﭿﮀﮁﮂ
ﮃ
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٧:فأجابه الله تعالى وقال :( إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ) أي : الوقت الذي يموت فيه الخلائق، ويقال : إن مدة موت إبليس أربعون سنة، وهو ما بين النفختين. وقال أهل المعاني : إن إبليس لما سأل الإمهال لم تكن إجابة الله إياه كرامة له، بل كانت زيادة له في شقائه وبلائه.
آية رقم ٣٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن مَعْنَاهُ: بِمَا أضللتني، وَقيل: بِمَا خيبتني من رحمتك، وَقيل: بِمَا أهلكتني، وَيُقَال: بِمَا نسبتني إِلَى الغواية، وَهُوَ تَأْوِيل بَاطِل عِنْد أهل السّنة.
وَقَوله: ﴿لأزينن لَهُم فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: لأزينن لَهُم حب الدُّنْيَا والغواية. وَقَوله: ﴿ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ أَي: لأضلنهم أَجْمَعِينَ، وَالْمرَاد من إغواء إِبْلِيس تسببه إِلَى الغواية.
وَقَوله: ﴿لأزينن لَهُم فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: لأزينن لَهُم حب الدُّنْيَا والغواية. وَقَوله: ﴿ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ أَي: لأضلنهم أَجْمَعِينَ، وَالْمرَاد من إغواء إِبْلِيس تسببه إِلَى الغواية.
آية رقم ٤٠
ﮏﮐﮑﮒ
ﮓ
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ والمخلصين: ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا من قبل.
آية رقم ٤١
ﮔﮕﮖﮗﮘ
ﮙ
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ أَكثر أهل الْمعَانِي على أَن الْآيَة للتهديد والوعيد، كَالرّجلِ يَقُول لغيره: طريقك عَليّ، مسيرك إِلَيّ، أَي: لَا تفلت مني. وَهَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ أَي: على طَرِيق الْخلق.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن معنى قَوْله: ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ﴾ أَي: إِلَيّ.
وَقَوله ﴿مُسْتَقِيم﴾ أَي: بأَمْري وإرادتي.
وَالْقَوْل الثَّالِث: صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم أَي: عَليّ استقامته بِالْبَيَانِ والبرهان والتوفيق وَالْهِدَايَة، وَقَرَأَ الْحسن وَابْن سِيرِين: " هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم " أَي: رفيع، وعبروا عَنهُ: رفيع من أَن ينَال، مُسْتَقِيم من أَن يمال، وَقَالَ الشَّاعِر فِي الصِّرَاط بِمَعْنى الطَّرِيق:
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن معنى قَوْله: ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ﴾ أَي: إِلَيّ.
وَقَوله ﴿مُسْتَقِيم﴾ أَي: بأَمْري وإرادتي.
وَالْقَوْل الثَّالِث: صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم أَي: عَليّ استقامته بِالْبَيَانِ والبرهان والتوفيق وَالْهِدَايَة، وَقَرَأَ الْحسن وَابْن سِيرِين: " هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم " أَي: رفيع، وعبروا عَنهُ: رفيع من أَن ينَال، مُسْتَقِيم من أَن يمال، وَقَالَ الشَّاعِر فِي الصِّرَاط بِمَعْنى الطَّرِيق:
| (أَمِير الْمُؤمنِينَ على صِرَاط | إِذا اعوج الْمَوَارِد مُسْتَقِيم) |
| (جزى الله عَنَّا جَمْرَة ابْنة نَوْفَل | جَزَاء مغل بالأمانة كَاذِب) |
| (لعمرك لَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل | على أَيّنَا تعدو الْمنية أول) |
آية رقم ٥٤
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ أبشرتموني﴾ الأَصْل: أبشرتمونني؛ فأسقط إِحْدَى النونين وَاكْتفى بالكسرة. وَقَوله: ﴿على أَن مسني الْكبر﴾ يَعْنِي: على حَال الْكبر، وَهَذَا على طَرِيق التَّعَجُّب، وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿فَبِمَ تبشرون﴾ على طَرِيق التَّعَجُّب، وَلَيْسَ على طَرِيق الشَّك وَالْإِنْكَار.
آية رقم ٥٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا بشرناك بِالْحَقِّ فَلَا تكن من القاطنين﴾ الْحق: وضع الشَّيْء فِي مَوْضِعه على مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحِكْمَة، والقنوط هُوَ الْيَأْس، وَمعنى الْحق هَاهُنَا هُوَ الصدْق.
— 143 —
( ﴿٥٥) قَالَ وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون (٥٦) قَالَ فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين (٥٨) إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آل لوط المُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُم قوم منكرون (٦٢) قَالُوا بل جئْنَاك بِمَا كَانُوا فِيهِ يمترون (٦٣) وأتيناك بِالْحَقِّ وَإِنَّا﴾
— 144 —
آية رقم ٥٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون﴾ يَعْنِي: إِلَّا الْكَافِرُونَ، والقنوط من رَحْمَة الله كَبِيرَة من الْكَبَائِر كالأمن من مكر الله.
آية رقم ٥٧
ﭽﭾﭿﮀﮁ
ﮂ
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ﴾ قد ذكرنَا مَعْنَاهُ فِي سُورَة هود.
آية رقم ٥٨
ﮃﮄﮅﮆﮇﮈ
ﮉ
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين﴾ أَرَادَ بِهِ قوم لوط.
آية رقم ٥٩
ﮊﮋﮌﮍﮎﮏ
ﮐ
وَقَوله: ﴿إِلَّا آل لوط﴾ المُرَاد مِنْهُ لوط وَبنَاته وَمن آمن بِهِ، وَقد ذكرنَا. وَقَوله: ﴿إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ﴾ هَذَا اسْتثِْنَاء من الِاسْتِثْنَاء، فالاستثناء الأول من المهلكين، وَالثَّانِي من المنجين، فَبَقيَ الْمُسْتَثْنى بِالِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي فِي المهلكين وَهُوَ امْرَأَته، وَهَذَا مثل مَا يَقُول الرجل لَك: على عشرَة إِلَّا أَرْبَعَة إِلَّا ثَلَاثَة، فالمستثنى بِالِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي (بَقِي) فِي الْمقر بِهِ بِالْإِقْرَارِ الأول، فَيصير كَأَنَّهُ اسْتثْنى درهما، وَيجب تِسْعَة دَرَاهِم.
وَقَوله: ﴿قَدرنَا﴾ أَي: حكمنَا. وَقَوله: ﴿إِنَّهَا لمن الغابرين﴾ أَي: من البَاقِينَ فِي الْعَذَاب، قَالَ الشَّاعِر:
أَي: ببقاياها، وَفِي الْأَحَادِيث: " يذهب أهل الْعلم وَتبقى غبرات فِي أوعية سوء " أَي: بقايا.
وَقَوله: ﴿قَدرنَا﴾ أَي: حكمنَا. وَقَوله: ﴿إِنَّهَا لمن الغابرين﴾ أَي: من البَاقِينَ فِي الْعَذَاب، قَالَ الشَّاعِر:
| (لَا تكسع الشول بأغبارها | إِنَّك لَا تَدْرِي من الناتج) |
آية رقم ٦٠
ﮑﮒﮓﮔﮕﮖ
ﮗ
قوله :( إنا لمنجوهم أجمعين ) هذا استثناء من الاستثناء، فالاستثناء الأول من المهلكين، والثاني من المنجين، فبقي المستثنى بالاستثناء الثاني في المهلكين وهو امرأته، وهذا مثل ما يقول الرجل لك : على عشرة إلا أربعة إلا ثلاثة، فالمستثنى بالاستثناء الثاني ( بقي ) ( ١ ) في المقر به بالإقرار الأول، فيصير كأنه استثنى درهما، ويجب تسعة دراهم.
وقوله :( قدرنا ) أي : حكمنا. وقوله :( إنها لمن الغابرين ) أي : من الباقين في العذاب، قال الشاعر :
أي : ببقاياها، وفي الأحاديث :«يذهب أهل العلم وتبقى غبرات في أوعية سوء » أي : بقايا.
وقوله :( قدرنا ) أي : حكمنا. وقوله :( إنها لمن الغابرين ) أي : من الباقين في العذاب، قال الشاعر :
| لا تكسع الشول بأغبارها | إنك لا تدري من الناتج |
آية رقم ٦١
ﮘﮙﮚﮛﮜ
ﮝ
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آل لوط المُرْسَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آية رقم ٦٢
ﮞﮟﮠﮡ
ﮢ
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّكُم قوم منكرون﴾ لِأَنَّهُ لم يعرفهُمْ.
آية رقم ٦٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا بل جئْنَاك بِمَا كَانُوا فِيهِ يمترون﴾ أَي: يَشكونَ، وَفِي الْقِصَّة: أَن لوطا كَانَ يتوعدهم بِالْعَذَابِ، فَلَا يصدقونه فَهُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿بِمَا كَانُوا فِيهِ يمترون﴾.
— 144 —
﴿لصادقون (٦٤) فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل وَاتبع أدبارهم وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد وامضوا حَيْثُ تؤمرون (٦٥) وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمر أَن دابر هَؤُلَاءِ مَقْطُوع مصبحين (٦٦) وَجَاء أهل الْمَدِينَة يستبشرون (٦٧) قَالَ إِن هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تفضحون (٦٨) وَاتَّقوا الله وَلَا تخزون (٦٩) قَالُوا أولم ننهك عَن الْعَالمين (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن﴾
— 145 —
آية رقم ٦٤
ﮫﮬﮭﮮ
ﮯ
وَقَوله: ﴿وآتيناك بِالْحَقِّ وَإِنَّا لصادقون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آية رقم ٦٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأسر بأهلك﴾ سرى وَأسرى بِمَعْنى وَاحِد. وَقَوله: ﴿بِقطع من اللَّيْل﴾ أَي: بِقِطْعَة من اللَّيْل. وَقَوله: ﴿وَاتبع أدبارهم﴾ هَذَا دَلِيل على أَن الله تَعَالَى أمره أَن يقدم أَهله، ثمَّ يمْضِي فِي إثرهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد﴾ أَمرهم بترك الإلتفات حَتَّى لَا يرتاعوا من الْعَذَاب إِذا نزل بقومهم، وَقيل: إِن الله تَعَالَى جعل ذَلِك عَلامَة لمن ينجو من آل لوط، فَإِن الْمَرْأَة التفتت لما سَمِعت الهدة فَهَلَكت.
وَقَوله: ﴿وامضوا حَيْثُ تؤمرون﴾ يُقَال: أمروا أَن يمضوا إِلَى " زغر "، وَهِي بَلْدَة بِالشَّام، وَقيل: إِلَى أَرض الْأُرْدُن وفلسطين.
وَقَوله: ﴿وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد﴾ أَمرهم بترك الإلتفات حَتَّى لَا يرتاعوا من الْعَذَاب إِذا نزل بقومهم، وَقيل: إِن الله تَعَالَى جعل ذَلِك عَلامَة لمن ينجو من آل لوط، فَإِن الْمَرْأَة التفتت لما سَمِعت الهدة فَهَلَكت.
وَقَوله: ﴿وامضوا حَيْثُ تؤمرون﴾ يُقَال: أمروا أَن يمضوا إِلَى " زغر "، وَهِي بَلْدَة بِالشَّام، وَقيل: إِلَى أَرض الْأُرْدُن وفلسطين.
آية رقم ٦٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمر﴾ قد ذكرنَا أَن الْقَضَاء بِمَعْنى الْفَرَاغ وَمَعْنَاهُ: أَنا حكمنَا وأبرمنا الْأَمر الَّذِي أمرناه فِي قوم لوط. وَقَوله: ﴿أَن دابر هَؤُلَاءِ﴾ أَي: أصل هَؤُلَاءِ، وَقيل: آخر هَؤُلَاءِ ﴿مَقْطُوع مصبحين﴾ يَعْنِي: حِين يدْخلُونَ فِي الصُّبْح.
آية رقم ٦٧
ﯪﯫﯬﯭ
ﯮ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاء أهل الْمَدِينَة يستبشرون﴾ يَعْنِي: يبشر بَعضهم بَعْضًا لما يرجون من ارْتِكَاب الْفَاحِشَة.
آية رقم ٦٨
ﯯﯰﯱﯲﯳﯴ
ﯵ
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تفضحون﴾ الفضيحة: فعل يفعل بِالْمَرْءِ يلْزمه بِهِ الْعَار (والأنفة)
آية رقم ٦٩
ﯶﯷﯸﯹ
ﯺ
﴿فَاتَّقُوا الله وَلَا تخزون﴾ فالخزي بِمَعْنى الفضيحة.
آية رقم ٧٠
ﯻﯼﯽﯾﯿ
ﰀ
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أولم ننهك عَن الْعَالمين﴾ مَعْنَاهُ: أولم ننهك أَن تضيف
— 145 —
﴿كُنْتُم فاعلين (٧١) لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢) فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مشرقين (٧٣) فَجعلنَا عاليها سافلها وأمطرنا عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل (٧٤) إِن فِي ذَلِك لآيَات﴾ أحدا، وَقيل: أولم ننهك عَن الْعَالمين، يَعْنِي: إِدْخَال الغرباء فِي الْمَدِينَة، فَإنَّك إِن أدخلتهم (نركب مِنْهُم) الْفَاحِشَة.
— 146 —
آية رقم ٧١
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ
ﭗ
﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُم فاعلين﴾ قد بَينا.
آية رقم ٧٢
ﭘﭙﭚﭛﭜ
ﭝ
وَقَوله: ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وعيشك، وَقيل: وحياتك. وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: مَا خلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ من مُحَمَّد، فَإِن الله تَعَالَى لم يقسم بحياة أحد إِلَّا بحياة مُحَمَّد. وَقَوله: ﴿لفي سكرتهم يعمهون﴾ أَي: فِي ضلالتهم يَتَرَدَّدُونَ.
آية رقم ٧٣
ﭞﭟﭠ
ﭡ
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مشرقين﴾ يُقَال: أشرقت الشَّمْس إِذا طلعت، فَإِن قيل: قد قَالَ قبل هَذَا: ﴿مصبحين﴾، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿مشرقين﴾ فَكيف وَجه الْجمع؟
الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن ابْتِدَاء الْعَذَاب كَانَ من الصُّبْح، وَتَمَامه عِنْد الْإِشْرَاق.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن الْإِشْرَاق هَاهُنَا بِمَعْنى الإصباح، وَهُوَ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب.
الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن ابْتِدَاء الْعَذَاب كَانَ من الصُّبْح، وَتَمَامه عِنْد الْإِشْرَاق.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن الْإِشْرَاق هَاهُنَا بِمَعْنى الإصباح، وَهُوَ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب.
آية رقم ٧٤
وَقَوله: ﴿فَجعلنَا عاليها سافلها﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وأمطرنا عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وأمطرنا عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل﴾ قد بَينا.
آية رقم ٧٥
ﭫﭬﭭﭮﭯ
ﭰ
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ أَي: للناظرين المعتبرين.
وَقيل للمتفرسين، وهم الَّذين يعلمُونَ النَّاس [بِسِيمَاهُمْ] على مَا يُرِيهم الله مِنْهَا.
وَقيل للمتفرسين، وهم الَّذين يعلمُونَ النَّاس [بِسِيمَاهُمْ] على مَا يُرِيهم الله مِنْهَا.
— 146 —
﴿للمتوسمين (٧٥) وَإِنَّهَا لبسبيل مُقيم (٧٦) إِن فِي ذَلِك لآيَة للْمُؤْمِنين (٧٧) وَإِن كَانَ﴾ وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي: " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله " رَوَاهُ عَطِيَّة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي، ذكره أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه.
وروى ثَابت عَن أنس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أمتِي قوم يعلمُونَ النَّاس بالتوسم "
وروى ثَابت عَن أنس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أمتِي قوم يعلمُونَ النَّاس بالتوسم "
— 147 —
آية رقم ٧٦
ﭱﭲﭳ
ﭴ
وَقَوله: ﴿وَإِنَّهَا لبسبيل مُقيم﴾ أَي: بطرِيق وَاضح لَا يخفى وَلَا يندرس، وَسَماهُ مُقيما لثُبُوت الْآيَات فِيهِ، وَقد كَانُوا يَمرونَ عَلَيْهَا عِنْد مضيهم إِلَى الشَّام ورجوعهم.
آية رقم ٧٧
ﭵﭶﭷﭸﭹ
ﭺ
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة للْمُؤْمِنين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آية رقم ٧٨
ﭻﭼﭽﭾﭿ
ﮀ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَاب الأيكة لظالمين﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: " إِن " للتَّأْكِيد، وَكَذَا اللَّام فِي قَوْله ﴿لظالمين﴾ وَمعنى الْآيَة: وَقد كَانَ أَصْحَاب الأيكة ظالمين. والأيكة هِيَ الغيضة، وَقيل: هِيَ الشّجر الملتف، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَ شجرهم دَوْمًا، وَقَالَ بَعضهم: كَانَت أَشْجَارهم مثمرة يَأْكُلُون مِنْهَا رطبا بالصيف ويابسا بالشتاء، وَقد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿ليكة﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الأيكة وليكة بِمَعْنى وَاحِد.
وَالْآخر: أَن الأيكة اسْم الْبِلَاد، وليكة اسْم الْقرْيَة، قَالَ أهل التَّفْسِير: وَكَانَ رسولهم شُعَيْب النَّبِي، وَبعث إِلَى أهل مَدين وَإِلَى أهل الأيكة، فَأَما أهل مَدين
وَالْآخر: أَن الأيكة اسْم الْبِلَاد، وليكة اسْم الْقرْيَة، قَالَ أهل التَّفْسِير: وَكَانَ رسولهم شُعَيْب النَّبِي، وَبعث إِلَى أهل مَدين وَإِلَى أهل الأيكة، فَأَما أهل مَدين
— 147 —
﴿أَصْحَاب الأيكة لظالمين (٧٨) فانتقمنا مِنْهُم وإنهما لبإمام مُبين (٧٩) وَلَقَد كذب أَصْحَاب الْحجر الْمُرْسلين (٨٠) وآتيناهم آيَاتنَا فَكَانُوا عَنْهَا معرضين (٨١) وَكَانُوا ينحتون من الْجبَال بُيُوتًا آمِنين (٨٢) فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مصبحين (٨٣) فَمَا أغْنى عَنْهُم﴾ أهلكوا بالصيحة، وَأما أهل الأيكة فأهلكوا بِعَذَاب [الظلة].
وَفِي الْقِصَّة: أَنه أَصَابَهُم حر شَدِيد فِي مَنَازِلهمْ، وَمنع الله تَعَالَى الرّيح عَنْهُم، وشدد الْحر عَلَيْهِم، وَكَانُوا كَذَلِك أَيَّامًا، ثمَّ اضطرم عَلَيْهِم الْوَادي نَارا فهلكوا أَجْمَعِينَ. وَيُقَال: إِنَّهُم هَلَكُوا غما؛ وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فانتقمنا مِنْهُم﴾.
وَقَوله: ﴿وإنهما لبإمام مُبين﴾ أَي: بطرِيق وَاضح، وسمى الطَّرِيق إِمَامًا؛ لِأَنَّهُ يؤتم بِهِ وَتبع، وَالْكِنَايَة فِي قَوْله: ﴿وإنهما﴾ تَنْصَرِف إِلَى قَرْيَة قوم لوط وقرية أَصْحَاب الأيكة، وَهَذِه الْبِلَاد بَين الْحجاز وَالشَّام، وَقد كَانَت قُرَيْش يَمرونَ عَلَيْهَا فِي أسفارهم.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه أَصَابَهُم حر شَدِيد فِي مَنَازِلهمْ، وَمنع الله تَعَالَى الرّيح عَنْهُم، وشدد الْحر عَلَيْهِم، وَكَانُوا كَذَلِك أَيَّامًا، ثمَّ اضطرم عَلَيْهِم الْوَادي نَارا فهلكوا أَجْمَعِينَ. وَيُقَال: إِنَّهُم هَلَكُوا غما؛ وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فانتقمنا مِنْهُم﴾.
وَقَوله: ﴿وإنهما لبإمام مُبين﴾ أَي: بطرِيق وَاضح، وسمى الطَّرِيق إِمَامًا؛ لِأَنَّهُ يؤتم بِهِ وَتبع، وَالْكِنَايَة فِي قَوْله: ﴿وإنهما﴾ تَنْصَرِف إِلَى قَرْيَة قوم لوط وقرية أَصْحَاب الأيكة، وَهَذِه الْبِلَاد بَين الْحجاز وَالشَّام، وَقد كَانَت قُرَيْش يَمرونَ عَلَيْهَا فِي أسفارهم.
— 148 —
آية رقم ٧٩
ﮁﮂﮃﮄﮅ
ﮆ
وفي القصة : أنه أصابهم حر شديد في منازلهم، ومنع الله تعالى الريح عنهم، وشدد الحر عليهم، وكانوا كذلك أياما، ثم اضطرم عليهم الوادي نارا فهلكوا أجمعين. ويقال : إنهم هلكوا غما ؛ وهذا معنى قوله :( فانتقمنا منهم ).
وقوله :( وإنهما لبإمام مبين ) أي : بطريق واضح، وسمى الطريق إماما ؛ لأنه يؤتم به ويتبع، والكناية في قوله :( وإنهما ) تنصرف إلى قرية قوم لوط وقرية أصحاب الأيكة، وهذه البلاد بين الحجاز والشام، وقد كانت قريش يمرون عليها في أسفارهم.
وقوله :( وإنهما لبإمام مبين ) أي : بطريق واضح، وسمى الطريق إماما ؛ لأنه يؤتم به ويتبع، والكناية في قوله :( وإنهما ) تنصرف إلى قرية قوم لوط وقرية أصحاب الأيكة، وهذه البلاد بين الحجاز والشام، وقد كانت قريش يمرون عليها في أسفارهم.
آية رقم ٨٠
ﮇﮈﮉﮊﮋ
ﮌ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كذب أَصْحَاب الْحجر الْمُرْسلين﴾ " الْحجر ": ديار ثَمُود. وَقَوله: ﴿الْمُرْسلين﴾ المُرَاد بِهِ صَالح - عَلَيْهِ السَّلَام
آية رقم ٨١
ﮍﮎﮏﮐﮑ
ﮒ
- وَقَوله: -ayah text-primary">﴿وآتيناهم آيَاتنَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَات فِي النَّاقة: خُرُوجهَا من الصَّخْرَة، وكبرها وَقرب وِلَادَتهَا وغزارة لَبنهَا، فقد كَانُوا يحلبونها مَا يكفيهم يَوْمًا. وَقَوله: -ayah text-primary">﴿فَكَانُوا عَنْهَا معرضين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آية رقم ٨٢
ﮓﮔﮕﮖﮗﮘ
ﮙ
قَوْله: ﴿وَكَانُوا ينحتون من الْجبَال بُيُوتًا آمِنين﴾ أَي: آمِنين من الْوُقُوع عَلَيْهِم، وَقيل: (عَلَيْهِم) آمِنين من الخراب، وَقيل: آمِنين من الْعَذَاب.
آية رقم ٨٣
ﮚﮛﮜ
ﮝ
وَقَوله: ﴿فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مصبحين﴾ أَي: حِين دخلُوا فِي الصُّبْح.
آية رقم ٨٤
ﮞﮟﮠﮡﮢﮣ
ﮤ
وَقَوله: ﴿فَمَا أغْنى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَي: مَا دفع عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.
— 148 —
﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِن السَّاعَة لآتية فاصفح الصفح الْجَمِيل (٨٥) إِن رَبك هُوَ الخلاق الْعَلِيم (٨٦) وَلَقَد آتيناك سبعا﴾
— 149 —
آية رقم ٨٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَي: لإِظْهَار الْحق، وَوجه اتِّصَال هَذَا بِمَا قبله فِي الْمَعْنى أَنهم لما كذبُوا بِالْحَقِّ أهلكناهم؛ لأَنا مَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ، وَقيل: معنى الْحق هُوَ جَزَاء المحسن بإحسانه، وَجَزَاء المسيىء بإساءته.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن السَّاعَة لآتية﴾ أَي: فَيظْهر الْجَزَاء بِالْإِحْسَانِ والإساءة.
وَقَوله: ﴿فاصفح الصفح الْجَمِيل﴾ أَي: أعرض عَنْهُم من غير جزع وَلَا شكوى.
قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا قبل نزُول آيَة السَّيْف، ثمَّ نسخ بِآيَة السَّيْف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن السَّاعَة لآتية﴾ أَي: فَيظْهر الْجَزَاء بِالْإِحْسَانِ والإساءة.
وَقَوله: ﴿فاصفح الصفح الْجَمِيل﴾ أَي: أعرض عَنْهُم من غير جزع وَلَا شكوى.
قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا قبل نزُول آيَة السَّيْف، ثمَّ نسخ بِآيَة السَّيْف.
آية رقم ٨٦
ﯗﯘﯙﯚﯛ
ﯜ
وَقَوله: ﴿إِن رَبك هُوَ الخلاق الْعَلِيم﴾ يَعْنِي: الْخَالِق الْعَلِيم بخلقه.
آية رقم ٨٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ اخْتلف القَوْل فِي هَذَا، فَروِيَ عَن عمر وَعلي وَعبد الله بن مَسْعُود - فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - وَمُجاهد وَقَتَادَة أَنهم قَالُوا: هِيَ فَاتِحَة الْكتاب، وَقد ثَبت هَذَا عَن النَّبِي بِرِوَايَة آدم بن أبي إِيَاس عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " الْحَمد لله: أم الْكتاب، والسبع المثاني، وَالْقُرْآن الْعَظِيم ".
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل شيخ الْإِسْلَام أَبُو المظفر: أخبرناه الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق الْكشميهني قَالَ: أَنا جدي أَبُو الْهَيْثَم مُحَمَّد بن الْمَكِّيّ، قَالَ: أَنا الْفربرِي، قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ عَن آدم بن أبي إِيَاس... " الْخَبَر.
وَقد اخْتلفُوا فِي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، فَقَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس: إِنَّهَا الْآيَة السَّابِعَة، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَمُجاهد وَقَتَادَة: إِنَّهَا لَيست بِآيَة مِنْهَا، وَالْآيَة السَّابِعَة قَوْله: ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾.
وروى أبي بن كَعْب أَن النَّبِي قَالَ: " أنزلت عَليّ سُورَة مَا أنزلت فِي التَّوْرَاة
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل شيخ الْإِسْلَام أَبُو المظفر: أخبرناه الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق الْكشميهني قَالَ: أَنا جدي أَبُو الْهَيْثَم مُحَمَّد بن الْمَكِّيّ، قَالَ: أَنا الْفربرِي، قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ عَن آدم بن أبي إِيَاس... " الْخَبَر.
وَقد اخْتلفُوا فِي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، فَقَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس: إِنَّهَا الْآيَة السَّابِعَة، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَمُجاهد وَقَتَادَة: إِنَّهَا لَيست بِآيَة مِنْهَا، وَالْآيَة السَّابِعَة قَوْله: ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾.
وروى أبي بن كَعْب أَن النَّبِي قَالَ: " أنزلت عَليّ سُورَة مَا أنزلت فِي التَّوْرَاة
— 149 —
وَالْإِنْجِيل مثلهَا، وَهِي أم الْقُرْآن، والسبع المثاني، وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أَعْطيته " ذكره أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن السَّبع المثاني هِيَ السَّبع (الطول) وَوَاحِدَة الطول طولى، وَهِي الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والمائدة والأنعام والأعراف وَيُونُس وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُول، وَهُوَ قَول عبد الله بن عَبَّاس - فِي رِوَايَة سعيد بن جُبَير - وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَجَمَاعَة من التَّابِعين.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن السَّبع المثاني: الْأَمر، وَالنَّهْي، والبشارة، والنذارة، وَضرب الْأَمْثَال، وتعداد النعم، وأنباء الْقُرُون السالفة.
وَأما معنى المثاني: فَإِذا حملنَا الْآيَة على الْفَاتِحَة، فَمَعْنَاه: أَنَّهَا تثنى فِي كل رَكْعَة، وَقيل: لِأَن فِيهَا الثَّنَاء على الله تَعَالَى، فَهُنَا تكون " من " للتجنيس لَا للتَّبْعِيض، فَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ وَذكر بَعضهم أَن معنى الْآيَة: وَلَقَد آتيناك سبعا من الْقُرْآن الَّذِي هُوَ مثاني، وَسمي الْقُرْآن مثاني؛ لِأَنَّهُ تثنى [فِيهِ] الْأَحْكَام والقصص والأمثال والعبر؛ فَتكون على هَذَا " من " للتَّبْعِيض، وَأما على القَوْل الَّذِي قُلْنَا أَن سبع المثاني هِيَ السَّبع (الطول) فَإِنَّمَا سَمَّاهَا مثاني؛ لِأَنَّهُ يثني فِيهَا الْأَخْبَار والأمثال والعبر والقصص.
وَأما قَوْله: ﴿وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ المُرَاد مِنْهُ سَائِر الْقُرْآن سوى الْفَاتِحَة، وَفِي هَذَا شرف عَظِيم للفاتحة؛ لِأَنَّهُ خصها بِالذكر والإمتنان عَلَيْهِ بهَا، ثمَّ ذكر سَائِر الْقُرْآن، وعَلى القَوْل الثَّانِي: الْقُرْآن الْعَظِيم هُوَ السَّبع (الطول) وَغَيرهَا، وَخص السَّبع
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن السَّبع المثاني هِيَ السَّبع (الطول) وَوَاحِدَة الطول طولى، وَهِي الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والمائدة والأنعام والأعراف وَيُونُس وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُول، وَهُوَ قَول عبد الله بن عَبَّاس - فِي رِوَايَة سعيد بن جُبَير - وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَجَمَاعَة من التَّابِعين.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن السَّبع المثاني: الْأَمر، وَالنَّهْي، والبشارة، والنذارة، وَضرب الْأَمْثَال، وتعداد النعم، وأنباء الْقُرُون السالفة.
وَأما معنى المثاني: فَإِذا حملنَا الْآيَة على الْفَاتِحَة، فَمَعْنَاه: أَنَّهَا تثنى فِي كل رَكْعَة، وَقيل: لِأَن فِيهَا الثَّنَاء على الله تَعَالَى، فَهُنَا تكون " من " للتجنيس لَا للتَّبْعِيض، فَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ وَذكر بَعضهم أَن معنى الْآيَة: وَلَقَد آتيناك سبعا من الْقُرْآن الَّذِي هُوَ مثاني، وَسمي الْقُرْآن مثاني؛ لِأَنَّهُ تثنى [فِيهِ] الْأَحْكَام والقصص والأمثال والعبر؛ فَتكون على هَذَا " من " للتَّبْعِيض، وَأما على القَوْل الَّذِي قُلْنَا أَن سبع المثاني هِيَ السَّبع (الطول) فَإِنَّمَا سَمَّاهَا مثاني؛ لِأَنَّهُ يثني فِيهَا الْأَخْبَار والأمثال والعبر والقصص.
وَأما قَوْله: ﴿وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ المُرَاد مِنْهُ سَائِر الْقُرْآن سوى الْفَاتِحَة، وَفِي هَذَا شرف عَظِيم للفاتحة؛ لِأَنَّهُ خصها بِالذكر والإمتنان عَلَيْهِ بهَا، ثمَّ ذكر سَائِر الْقُرْآن، وعَلى القَوْل الثَّانِي: الْقُرْآن الْعَظِيم هُوَ السَّبع (الطول) وَغَيرهَا، وَخص السَّبع
— 150 —
﴿من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم (٨٧) لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم وَلَا﴾ (الطول) بِالذكر تَشْرِيفًا لَهَا، قَالَ الشَّاعِر:
(نشدتكم بمنزل الْفرْقَان... أم الْكتاب السَّبع من المثاني)
((ثِنْتَيْنِ) من آي من الْقُرْآن... )
(نشدتكم بمنزل الْفرْقَان... أم الْكتاب السَّبع من المثاني)
((ثِنْتَيْنِ) من آي من الْقُرْآن... )
— 151 —
آية رقم ٨٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَّا مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ وَجه اتِّصَال هَذَا بِمَا قبله أَنه لما من عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، نَهَاهُ عَن الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَالنَّظَر إِلَى زينتها، ومزاحمة أَهلهَا عَلَيْهَا، وروى أَبُو عبيد أَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ فِي معنى قَوْله: " لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ " أَي: لم يسْتَغْن بِالْقُرْآنِ، ثمَّ تَأَول هَذِه الْآيَة ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم، لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ على هَذَا.
وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أُوتِيَ الْقُرْآن فَظن أَن أحدا أعْطى أفضل مِمَّا أعْطى فقد صغر عَظِيما وَعظم صَغِيرا ".
وَقَوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ مَعْنَاهُ: أصنافا مِنْهُم، وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين، وَقيل: إِنَّهُم الْأَغْنِيَاء.
وَقَوله: ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: لَا تغتم على مَا فاتك من مشاركتهم فِي الدُّنْيَا،
وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أُوتِيَ الْقُرْآن فَظن أَن أحدا أعْطى أفضل مِمَّا أعْطى فقد صغر عَظِيما وَعظم صَغِيرا ".
وَقَوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ مَعْنَاهُ: أصنافا مِنْهُم، وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين، وَقيل: إِنَّهُم الْأَغْنِيَاء.
وَقَوله: ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: لَا تغتم على مَا فاتك من مشاركتهم فِي الدُّنْيَا،
— 151 —
﴿تحزن عَلَيْهِم واخفض جناحك للْمُؤْمِنين (٨٨) وَقل إِنِّي أَنا النذير الْمُبين (٨٩) كَمَا﴾ وَفِي بعض التفاسير عَن أبي رَافع: " أَن رَسُول الله أَتَاهُ ضيف فَلم يَك عِنْده مَا يقدمهُ إِلَيْهِ؛ فَبعث إِلَى يَهُودِيّ يستقرض مِنْهُ طَعَاما إِلَى هِلَال رَجَب، فَقَالَ الْيَهُودِيّ: وَالله لَا أعطينه إِلَّا برهن، فَقَالَ رَسُول الله: أَنا أَمِين الله فِي السَّمَاء وَالْأَرْض، وَلَو بَاعَنِي أَو أَسْلفنِي لقضيته ثمَّ بِعْت بدرعه فرهنها مِنْهُ؛ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ﴾.
وَقَوله: ﴿واخفض جناحك للْمُؤْمِنين﴾ أَي: ألن جَانِبك للْمُؤْمِنين.
وَقَوله: ﴿واخفض جناحك للْمُؤْمِنين﴾ أَي: ألن جَانِبك للْمُؤْمِنين.
— 152 —
آية رقم ٨٩
ﯵﯶﯷﯸﯹ
ﯺ
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقل إِنِّي أَنا النذير الْمُبين﴾ للحق.
آية رقم ٩٠
ﯻﯼﯽﯾ
ﯿ
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمَا أنزلنَا على المقتسمين﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى الْكَاف هَاهُنَا، وَهِي للتشبيه؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ أنذركم عذَابا ينزل بكم، كَمَا أنزلنَا على المقتسمين من الْعَذَاب، وَيُقَال: إِن الْكَاف صلَة، وَمَعْنَاهُ: وَقل إِنِّي أَنا النذير الْمُبين مَا أنزلنَا على المقتسمين.
وَأما معنى المقتسمين فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَمعنى الاقتسام مِنْهُم أَنهم آمنُوا بِبَعْض الْكتب وَكَفرُوا بِالْبَعْضِ، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم قُرَيْش، وَمعنى الاقتسام أَنهم فرقوا القَوْل فِي رَسُول الله فَقَالَ بَعضهم: هُوَ كَاهِن، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سَاحر، وَبَعْضهمْ: هُوَ شَاعِر.
وَالْقَوْل الثَّالِث: ذكر الْفراء أَن أهل مَكَّة بعثوا بِقوم فِي طرق الواردين إِلَى مَكَّة أَيَّام الْمَوْسِم حَتَّى يَقُولُوا لمن لَقِيَهُمْ من الواردين إِلَى مَكَّة: لَا تقربُوا مُحَمَّدًا، وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُمْ عَن حَاله؛ فَيَقُول بَعضهم: هُوَ كَاهِن، وَيَقُول بَعضهم: هُوَ مَجْنُون، وَيَقُول
وَأما معنى المقتسمين فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَمعنى الاقتسام مِنْهُم أَنهم آمنُوا بِبَعْض الْكتب وَكَفرُوا بِالْبَعْضِ، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم قُرَيْش، وَمعنى الاقتسام أَنهم فرقوا القَوْل فِي رَسُول الله فَقَالَ بَعضهم: هُوَ كَاهِن، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سَاحر، وَبَعْضهمْ: هُوَ شَاعِر.
وَالْقَوْل الثَّالِث: ذكر الْفراء أَن أهل مَكَّة بعثوا بِقوم فِي طرق الواردين إِلَى مَكَّة أَيَّام الْمَوْسِم حَتَّى يَقُولُوا لمن لَقِيَهُمْ من الواردين إِلَى مَكَّة: لَا تقربُوا مُحَمَّدًا، وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُمْ عَن حَاله؛ فَيَقُول بَعضهم: هُوَ كَاهِن، وَيَقُول بَعضهم: هُوَ مَجْنُون، وَيَقُول
— 152 —
﴿أنزلنَا على المقتسمين (٩٠) الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين (٩١) فوربك لنسألنهم﴾ بَعضهم: هُوَ سَاحر، وَبَعْضهمْ يَقُول: هُوَ شَاعِر، وَمعنى الاقتسام: أَنهم اقتسموا طرق مَكَّة، وَهَذَا قَول مَعْرُوف ذكره مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيرهمَا.
— 153 —
آية رقم ٩١
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
وَقَوله: ﴿الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عضين مَأْخُوذ من الإعضاء، (وَزعم) الْفراء: أَنه من الْعضَاة. وَقَالَ الْكسَائي: يجوز أَن يكون مِنْهُمَا، وَمعنى الْآيَة أَنهم جعلُوا الْقُرْآن أبعاضا وأجزاء، فَقَالَ بَعضهم: إِنَّه أساطير الْأَوَّلين، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه كهَانَة، وَمَا أشبه هَذَا.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿عضين﴾ يَعْنِي: سموهُ سحرًا، والعضة هِيَ السحر، فَتكون العضة والعضين بِمَعْنى وَاحِد، مثل عزة وعزين، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَيْسَ دين الله بالمعضي... )
أَي: بالمتفرق.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿عضين﴾ يَعْنِي: سموهُ سحرًا، والعضة هِيَ السحر، فَتكون العضة والعضين بِمَعْنى وَاحِد، مثل عزة وعزين، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَيْسَ دين الله بالمعضي... )
أَي: بالمتفرق.
آية رقم ٩٢
ﭖﭗﭘ
ﭙ
قَوْله تَعَالَى: ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ روى أنس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " هُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله "، وَعَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي قَالَ: إِن جَمِيع (الْخلق) يسْأَلُون عَن شَيْئَيْنِ: عَن التَّوْحِيد، وَعَن إِجَابَة الْمُرْسلين. وَقيل: إِن معنى قَوْله: ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ يَعْنِي: جَمِيع الْأَعْمَال الَّتِي يعملونها الدَّاخِلَة تَحت التَّكْلِيف.
آية رقم ٩٣
ﭚﭛﭜ
ﭝ
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٢:قوله تعالى :( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) روى أنس عن النبي ﷺ أنه قال :«هو قول لا إله إلا الله »( ١ )، وعن أبي العالية الرياحي قال : إن جميع ( الخلق ) ( ٢ ) يسألون عن شيئين : عن التوحيد، وعن إجابة المرسلين. وقيل : إن معنى قوله :( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) يعني : جميع الأعمال التي يعملونها الداخلة تحت التكليف.
١ - رواه الترمذي (٥/٢٧٨ رقم ٣١٢٦)، والطبري (١٤/٤٦)، والطبراني في الدعاء (٣/١٤٩٣-١٤٩٤ رقم ١٤٩١، ١٤٩٢، ١٤٩٣). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث ليث بن أبي سليم، وقد روى عبد الله بن أدريس، عن ليث بن أبي سليم، عن بشر، عن أنس نحوه، ولم يعرفه..
٢ - في "ك": الخلائق..
٢ - في "ك": الخلائق..
آية رقم ٩٤
ﭞﭟﭠﭡﭢﭣ
ﭤ
قَوْله تَعَالَى: [ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر﴾ ] قَالَ القتيبي مَعْنَاهُ: اظهر بِمَا تُؤمر، وأبن
— 153 —
﴿أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر وَأعْرض عَن الْمُشْركين (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاك الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) ﴾ غير مراقب لأحد، وَقد كَانَ رَسُول الله مختفيا إِلَى [أَن] أنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَأمره بالظهور، وَقَالَ بَعضهم: معنى قَوْله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر﴾ أَي: أفرق بِالْقُرْآنِ بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَذكر مُجَاهِد أَن معنى قَوْله: ﴿فَاصْدَعْ﴾ أَي: اجهر بِالْقُرْآنِ، وَقد كَانَ يقْرَأ (مسرا) خوفًا من الْمُشْركين؛ فَأمره الله تَعَالَى بالجهر وَألا يُبَالِي بهم.
والصدع فِي اللُّغَة مَأْخُوذ من الظُّهُور، وَمِنْه الصديع اسْم للصبح، قَالَ الشَّاعِر:
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأعْرض عَن الْمُشْركين﴾ أَي: عَن جوابهم؛ لِأَن السَّفِيه لَا يسافه مَعَه إِلَّا سَفِيه.
والصدع فِي اللُّغَة مَأْخُوذ من الظُّهُور، وَمِنْه الصديع اسْم للصبح، قَالَ الشَّاعِر:
| (كأنهن ربابة وَكَأَنَّهُ | يسر يفِيض على القداح ويصدع) |
— 154 —
آية رقم ٩٥
ﭥﭦﭧ
ﭨ
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاك الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: المستهزئون خَمْسَة نفر: وهم الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَالْعَاص بن وَائِل، وَالْأسود بن عبد يَغُوث، وَالْأسود بن الْمطلب، وعدي بن قيس، وَقد ضم بَعضهم إِلَى هَؤُلَاءِ الْحَارِث بن الطُّلَاطِلَة، والْحَارث بن غيطلة، والمروي عَن ابْن عَبَّاس مَا بَينا، فَروِيَ: " أَن جِبْرِيل كَانَ وَاقِفًا مَعَ النَّبِي فَمر بهما هَؤُلَاءِ الْقَوْم رجلا رجلا، وَكَانَ جِبْرِيل يَقُول للنَّبِي: مَا قَوْلك فِي هَذَا
— 154 —
﴿الَّذين يجْعَلُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر فَسَوف يعلمُونَ (٩٦) وَلَقَد نعلم أَنَّك يضيق صدرك بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فسبح بِحَمْد رَبك وَكن من الساجدين (٩٨) واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك﴾ الرجل؟ فَيَقُول النَّبِي: بئس عبد الله هَذَا، فَيَقُول جِبْرِيل: كفيناكه فهلكوا، أما الْوَلِيد بن الْمُغيرَة فَمر بِسَهْم فَتعلق بردائه فَذهب يجلس فَقطع أكحله فنزف فَمَاتَ، وَأما الْعَاصِ بن وَائِل فَمر على شَوْكَة فخدشت سَاقه، فتساقط من ذَلِك لَحْمه وَمَات، وَأما الْأسود بن عبد يَغُوث فَضرب بِغُصْن من شوك على وَجهه فسالت حدقتاه وَمَات، وَجعل يَقُول: استجيبت فِي دَعْوَة مُحَمَّد، وَأما عدي بَين قيس، وَالْأسود بن الْمطلب، فَإِن أَحدهمَا قَامَ من اللَّيْل فلسعته حَيَّة فَمَاتَ، وَأما الآخر فَأَصَابَهُ عَطش، فَمَا زَالَ يشرب حَتَّى انْشَقَّ بَطْنه وَهلك "؛ فَهَذَا هُوَ معنى كِفَايَة الْمُسْتَهْزِئِينَ.
— 155 —
آية رقم ٩٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يجْعَلُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر﴾ وَصفهم بالشرك وَعبادَة الْأَوْثَان. وَقَوله: ﴿فَسَوف يعلمُونَ﴾ تهديد ووعيد.
آية رقم ٩٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد نعلم أَنَّك يضيق صدرك بِمَا يَقُولُونَ﴾ فَهَذَا تَسْلِيَة [للنَّبِي]، قد رُوِيَ فِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى لما أنزل فِي الْقُرْآن سُورَة العنكبوت وَسورَة النَّمْل وَسورَة الذُّبَاب وَسورَة النَّحْل، وَكَانُوا يَجْتَمعُونَ وَيَقُولُونَ
— 155 —
﴿الْيَقِين (٩٩) ﴾ استهزاء: يَقُول هَذَا إِلَى سُورَة النَّمْل، وَيَقُول هَذَا إِلَى سُورَة الذُّبَاب، وَيَقُول هَذَا إِلَى سُورَة العنكبوت، وَيَقُول هَذَا إِلَى سُورَة النَّحْل، وَمَا أشبه ذَلِك؛ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد نعلم أَنه يضيق صدرك بِمَا يَقُولُونَ﴾ وَهَذَا هُوَ الِاسْتِهْزَاء الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْمُتَقَدّمَة.
— 156 —
آية رقم ٩٨
ﭻﭼﭽﭾﭿﮀ
ﮁ
وَقَوله: ﴿فسبح بِحَمْد رَبك﴾ وَالتَّسْبِيح: هُوَ الثَّنَاء على الله بالتبرئة والتنزيه من الْعُيُوب، وَقيل: فصل بِأَمْر رَبك، وَفِي رِوَايَة عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا -: " أَن النَّبِي كَانَ إِذا حزبه أَمر فزع إِلَى الصَّلَاة ". وَقَوله: ﴿وَكن من الساجدين﴾ أَي: من الْمُصَلِّين.
آية رقم ٩٩
ﮂﮃﮄﮅﮆ
ﮇ
قَوْله تَعَالَى: ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ أَي: الْمَوْت.
فَإِن قَالَ قَائِل: أما كَانَ يَكْفِي قَوْله: ﴿واعبد رَبك﴾ فَمَا فَائِدَة قَوْله: ﴿حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ ؟.
قُلْنَا: لَو اقْتصر على قَوْله: ﴿واعبد رَبك﴾ لَكَانَ إِذا عبد مرّة خرج عَن مُوجب الْأَمر، فَقَالَ: ﴿حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ ليدوم عَلَيْهَا إِلَى أَن يَمُوت، وَهَذِه الْآيَة فِي معنى الْآيَة الَّتِي ذكرهَا من بعد، وَهِي فِي مَرْيَم، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا﴾.
فَإِن قَالَ قَائِل: أما كَانَ يَكْفِي قَوْله: ﴿واعبد رَبك﴾ فَمَا فَائِدَة قَوْله: ﴿حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ ؟.
قُلْنَا: لَو اقْتصر على قَوْله: ﴿واعبد رَبك﴾ لَكَانَ إِذا عبد مرّة خرج عَن مُوجب الْأَمر، فَقَالَ: ﴿حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ ليدوم عَلَيْهَا إِلَى أَن يَمُوت، وَهَذِه الْآيَة فِي معنى الْآيَة الَّتِي ذكرهَا من بعد، وَهِي فِي مَرْيَم، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا﴾.
— 156 —
وَفِي الْأَخْبَار المسندة بِرِوَايَة جُبَير بن نفير عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا أَمرنِي الله بِجمع المَال، وَأَن أكون من التاجرين، وَلَكِن أَمرنِي بِالصَّلَاةِ، وَأَن أكون من الساجدين، وَأَن أعبد رَبِّي حَتَّى يأتيني الْيَقِين ".
— 157 —
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
﴿أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ (١) ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ﴾تَفْسِير سُورَة النَّحْل
وَهِي مَكِّيَّة سوى ثَلَاث آيَات من آخرهَا، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى آخر السُّورَة، وَقيل: إِن قَوْله: ﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد فتنُوا﴾ الْآيَة مَدَنِيَّة أَيْضا، وَهَذِه السُّورَة تسمى سُورَة النعم، وَقيل: سُورَة الآلاء.
— 158 —
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
99 مقطع من التفسير
show = false, 2500)"
x-show="show"
x-cloak
x-transition:enter="transition ease-out duration-300"
x-transition:enter-start="opacity-0 translate-y-2"
x-transition:enter-end="opacity-100 translate-y-0"
x-transition:leave="transition ease-in duration-200"
x-transition:leave-start="opacity-100 translate-y-0"
x-transition:leave-end="opacity-0 translate-y-2"
class="fixed bottom-6 left-1/2 -translate-x-1/2 z-[85] px-5 py-3 bg-gray-800 text-white text-sm rounded-xl shadow-lg flex items-center gap-2">