تفسير سورة سورة المعارج

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تفسير السمعاني

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)

الناشر

دار الوطن، الرياض - السعودية

الطبعة

الأولى، 1418ه- 1997م

المحقق

ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم

نبذة عن الكتاب

لأبي المظفر السمعاني (ت: 489)، وهو من التفاسير النافعة القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، فعقيدة المؤلف ومباحثه العقدية هي أهم ما تميز به هذا التفسير، فقد اهتمَّ فيه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والردِّ على أهل البدع والأهواء، ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فما من آية في القرآن اتخذها أهل البدع والأهواء دليلاً لنصرة مذهبهم، أو صرفوها عن ظاهرها وأوَّلوها، إلا رأيته متصدياً لهم، مبطلاً لبدعهم، ومنتصراً لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد أكثر من ذلك على مدار تفسيره كله، بالإضافة إلى ترجيحه بين الأقوال، والاستشهاد بالشعر على المعاني اللغوية، إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها تفسيره، ويؤخذ عليه ذكره لكثير من الأحاديث دون بيان حكمها صحةً وضعفاً، أو عزوها إلى مصادرها.
وقد طبع في ستة مجلدات بدار الوطن بالسعودية، وحققه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وأبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم.

مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة المعارج
وهي مكية
آية رقم ١
قَوْله تَعَالَى: ﴿سَأَلَ سَائل بِعَذَاب وَاقع﴾ أَي: وَاقع أَي: دَعَا دَاع.
وَالْآيَة نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث بن كلدة وَأَنه قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم فَنزلت هَذِه الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بِعَذَاب وَاقع﴾ " الْبَاء " صلَة.
وَمَعْنَاهُ: دَعَا دَاع، وَالْتمس ملتمس عذَابا من الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿وَاقع﴾ أَي: كَائِن حَاصِل فِي حق الْكَافرين، وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة يَقع بهم ذَلِك لَا محَالة.
وَقيل: هُوَ فِي الدُّنْيَا، وَقد وَقع ذَلِك بالنضر بن الْحَارِث، حَيْثُ قتل صبرا يَوْم بدر.
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا معنى قَول مُجَاهِد وَغَيره.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: سَأَلَ سَائل عَن عَذَاب وَاقع، " فالباء " بِمَعْنى " عَن " قَالَه الْفراء وَغَيره.
وَالْمعْنَى: سَأَلَ سَائل بِمن يَقع الْعَذَاب؟ وعَلى من ينزل الْعَذَاب؟
آية رقم ٢
فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿للْكَافِرِينَ﴾ يَعْنِي: على الْكَافرين.
وَقُرِئَ فِي الشاذ: " سَالَ سَائل " يُقَال: سَالَ بِمَعْنى سَأَلَ على الْهَمْز.
وَقيل: سَالَ سَائل أَي: وَاد فِي جَهَنَّم يسيل على الْكفَّار بِالْعَذَابِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافع﴾ أَي: لَا يدْفع الْعَذَاب على الْكَافرين أحد، وَلَا يمنعهُ مِنْهُم.
— 44 —
﴿من الله ذِي المعارج (٣) تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة (٤) ﴾.
— 45 —
آية رقم ٣
وَقَوله: ﴿من الله ذِي المعارج﴾ أَي: ذِي السَّمَوَات، وَسميت السَّمَوَات معارج، لِأَن الْمَلَائِكَة يعرجون إِلَيْهَا.
وَيُقَال: ذِي المعارج أَي: ذِي الفواضل.
وَيُقَال: ذِي الدَّرَجَات على معنى إكرامه الْمُؤمنِينَ بالدرجات وإعطائها إيَّاهُم.
وَقَوله: ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ قد بَينا معنى الرّوح.
وَقيل: هم فِي خلق السَّمَاء يشبهون الْآدَمِيّين، وَلَيْسوا بآدميين.
وَقَوله: ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ يَوْم الْقِيَامَة، وَهُوَ أصح الْقَوْلَيْنِ.
وروى الْحسن مُرْسلا وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ مُسْندًا فِي بعض الغرائب من الرِّوَايَات: " أَن الله تَعَالَى يخففه على الْمُؤمنِينَ، فَيَجْعَلهُ بِقدر صَلَاة مَكْتُوبَة خَفِيفَة ".
وَفِي بعض الْآثَار: " بِقدر مَا بَين الظّهْر إِلَى الْعَصْر ".
وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: من قَرَار الأَرْض إِلَى فَوق الْعَرْش خمسين ألف سنة.
وَقيل معنى قَوْله: ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة﴾ يَعْنِي: لَو عمل عَامل أَو حاسب محاسب مَا يعْمل الله تَعَالَى فِي سَاعَة أَو فِي يَوْم وَاحِد، لم يَنْقَطِع إِلَى خمسين ألف سنة.
وَعَن ابْن عَبَّاس فِي بعض الرِّوَايَات أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة﴾ وَقَوله: ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾ آيتان لَا يعلم مَعْنَاهُمَا إِلَّا الله.
وَمثله عَن قَتَادَة.
— 45 —
﴿فاصبر صبرا جميلا (٥) إِنَّهُم يرونه بَعيدا (٦) ونراه قَرِيبا (٧) يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ (٨) وَتَكون الْجبَال كالعهن (٩) وَلَا يسْأَل حميم حميما (١٠) يبصرونهم﴾
وَقَوله: إِن قَوْله: ﴿ألف سنة﴾ هُوَ مَسَافَة مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض صاعدا ونازلا.
وَقَوله: ﴿خمسين ألف سنة﴾ مَسَافَة مَا بَين الأَرْض إِلَى الْعَرْش صاعدا.
وَالله أعلم.
— 46 —
آية رقم ٥
وَقَوله: ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾ أَي: صبرا لَا جزع فِيهِ وَلَا شكوى.
وَعَن قيس بن الْحجَّاج فِي قَوْله: ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾ قَالَ: هُوَ أَن يكون صَاحب الْمُصِيبَة فِي الْقَوْم وَلَا يدرى من هُوَ، وَإِنَّمَا أمره بِالصبرِ؛ لِأَن الْمُشْركين كَانُوا يؤذونه، فَأمره بِالصبرِ إِلَى أَن ينزل بهم عَذَابه.
آية رقم ٦
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم يرونه بَعيدا﴾ أَي: الْعَذَاب.
آية رقم ٧
وَقَوله: ﴿ونراه قَرِيبا﴾ لكَونه ووقوعه لَا محَالة.
آية رقم ٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ﴾ أَي: كدردى الزَّيْت، وَيُقَال: كَعَكرِ القطران.
وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: هُوَ الْمُذَاب من جَوَاهِر الأَرْض مثل النّحاس والرصاص وَالْفِضَّة، فَالْكل مهل.
آية رقم ٩
وَقَوله: ﴿وَتَكون الْجبَال كالعهن﴾ والعهن: الصُّوف الْمَصْبُوغ، وَشبهه بِهِ فِي ضعفه وَلينه.
آية رقم ١٠
وَقَوله: ﴿وَلَا يسْأَل حميم حميما﴾ أَي: لَا يسْأَل قريب عَن حَال قَرِيبه لشغله بِنَفسِهِ.
وَقُرِئَ: " وَلَا يسْأَل حميم حميما " أَي: لَا يسْأَل أحد أَيْن حميمك؟
وَقَوله: ﴿يبصرونهم﴾ أَي: يعرفونهم.
وَمَعْنَاهُ: يعرف بَعضهم بَعْضًا، وَلَا يسْأَله عَن حَاله لشغله بِنَفسِهِ.
وَقيل: يعرف بَعضهم بَعْضًا بالسمات والعلامات، فَإِن لأهل الْجنَّة سمات وعلامات، وَكَذَلِكَ لأهل النَّار.
— 46 —
﴿يود المجرم لَو يفتدي من عَذَاب يَوْمئِذٍ ببنيه (١١) وصاحبته وأخيه (١٢) وفصيلته الَّتِي تؤويه (١٣) وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا ثمَّ ينجيه (١٤) كلا إِنَّهَا لظى (١٥) نزاعة للشوى (١٦) تَدْعُو من أدبر وَتَوَلَّى (١٧) وَجمع فأوعى﴾
وَقَوله: ﴿يود المجرم لَو يفتدى من عَذَاب يَوْمئِذٍ ببنيه وصاحبته﴾ أَي: امْرَأَته.
﴿وأخيه﴾ هُوَ الْأَخ الْمَعْرُوف.
— 47 —
آية رقم ١٢
( وأخيه ) هو الأخ المعروف.
آية رقم ١٣
وَقَوله: ﴿وفصيلته الَّتِي تؤويه﴾ أَي: عشيرته الَّتِي يأوي إِلَيْهِم، وَقيل: أقربائه الأدنون.
والفصيلة أحضر وَأدنى من الْفَحْل.
وَيُقَال: الْعَبَّاس هُوَ من فصيلة الرَّسُول.
آية رقم ١٤
وَقَوله: ﴿وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا ثمَّ ينجيه﴾ أَي: لَو يفتدى بِمن فِي الأَرْض جَمِيعًا لينجو فَلَا ينجو.
آية رقم ١٥
وَقَوله: ﴿كلا﴾ هُوَ مَا بَينا من الْمَعْنى.
وَعَن عمر بن عبد الله مولى غفرة: أَن كل مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن " كلا " هُوَ بِمَعْنى كذبت.
وَقَوله: ﴿إِنَّهَا لظى﴾ اسْم من أَسمَاء جَهَنَّم.
وَيُقَال: " إِنَّهَا لظى " عَذَاب لَازم لَا ينجو مِنْهَا أبدا.
آية رقم ١٦
وَقَوله: ﴿نزاعة للشوى﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن الشوى هُوَ الْأَطْرَاف مثل الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وَغير ذَلِك.
وَذكر الْفراء أَنَّهَا جلدَة الرَّأْس.
وَقيل: قحف الرَّأْس.
وَيُقَال: الْجلد وَاللَّحم حَتَّى يبْقى الْعظم.
وَقيل: الْجلد وَاللَّحم والعظم إِلَى أَن يصل إِلَى الْقلب، وَهُوَ نضيج، ذكره مُجَاهِد.
آية رقم ١٧
وَقَوله: ﴿تَدْعُو من أدبر وَتَوَلَّى﴾ أَي: تنادي من أدبر وَتَوَلَّى من الْكفَّار فَتَقول: يَا فلَان وتذكر اسْمه أقبل إِلَيّ وتأخذه.
وَقَالَ الْمبرد فِي قَوْله: ﴿تَدْعُو﴾ أَي: تعذب.
وروى عَن النَّضر عَن الْخَلِيل أَنه سمع أَعْرَابِيًا يَقُول لآخر: دعَاك الله، أَي: عذبك الله.
وَأما ثَعْلَب فَإِنَّهُ قَالَ: تناديهم وَاحِدًا وَاحِدًا بِأَسْمَائِهِمْ.
وَهُوَ الْأَظْهر.
آية رقم ١٨
وَقَوله: ﴿وَجمع فأوعى﴾ أَي: جمع المَال فأوعاه، أَي: جعله فِي وعَاء وأوكأ
— 47 —
( ﴿١٨) إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا (١٩) إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا (٢٠) وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّين (٢٢) الَّذين هم على صلَاتهم دائمون (٢٣) وَالَّذين فِي أَمْوَالهم حق مَعْلُوم (٢٤) للسَّائِل والمحروم (٢٥) وَالَّذين﴾ عَلَيْهِ، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْبُخْل وَمنع الْحق.
— 48 —
آية رقم ١٩
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا﴾ أَي: جزوعا.
قَالَ ثَعْلَب: سَأَلَني مُحَمَّد ابْن عبد الله بن طَاهِر عَن هَذِه الْآيَة، فَقلت: الْهَلَع أَسْوَأ الْجزع.
وَقيل: هلوعا: ضجرا.
وَعَن الْحسن: ضَعِيفا.
وَقَالَ الضَّحَّاك: بَخِيلًا.
وَعَن غَيرهم: حَرِيصًا.
آية رقم ٢٠
وَيُقَال تَفْسِيره هُوَ قَوْله: ﴿إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا﴾ أَي: إِذا مَسّه الشَّرّ لم يصبر، وَإِذا مَسّه الْخَيْر لم يشْكر.
آية رقم ٢١
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:قوله تعالى ( إن الإنسان خلق هلوعا ) أي : جزوعا. قال ثعلب : سألني محمد ابن عبد الله بن طاهر عن هذه الآية، فقلت : الهلع أسوأ الجزع. وقيل : هلوعا : ضجرا. وعن الحسن : ضعيفا. وقال الضحاك : بخيلا. وعن غيرهم : حريصا. ويقال تفسيره هو قوله :( إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ) أي : إذا مسه الشر لم يصبر، وإذا مسه الخير لم يشكر.
آية رقم ٢٢
وَقَوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّين الَّذين هم على صلَاتهم دائمون﴾ هَذَا الِاسْتِثْنَاء منصرف إِلَى ابْتِدَاء الْكَلَام، وَمَعْنَاهُ: أَن هَؤُلَاءِ ينجون من الْعَذَاب.
وروى سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: الْآيَة فِي الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة.
وَقيل: إدامتها هُوَ إِقَامَتهَا فِي أَوْقَاتهَا.
وَيُقَال: لَيست إدامتها أَن يُصَلِّي أبدا، وَلَكِن إدامتها أَنه إِذا صلى لم يلْتَفت يَمِينا وَلَا شمالا.
وَيُقَال: إدامة الصَّلَوَات: أَلا يَتْرُكهَا، وَهَذَا قَول حسن.
وَعَن بعض السّلف هُوَ أَلا يؤخرها عَن الْمَوَاقِيت؛ فَأَما إِذا تَركهَا كفرز
آية رقم ٢٣
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٢:وقوله :( إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ) هذا الاستثناء منصرف إلى ابتداء الكلام، ومعناه : أن هؤلاء ينجون من العذاب.
وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم قال : الآية في الصلوات المكتوبة. وقيل : إدامتها هو إقامتها في أوقاتها. ويقال : ليست إدامتها أن يصلي أبدا، ولكن إدامتها أنه إذا صلى لم يلتفت يمينا ولا شمالا. ويقال : إدامة الصلوات : ألا يتركها، وهذا قول حسن. وعن بعض السلف هو ألا يؤخرها عن المواقيت ؛ فأما إذا تركها كفر.

آية رقم ٢٤
وَقَوله: ﴿وَالَّذين فِي أَمْوَالهم حق مَعْلُوم للسَّائِل﴾ وَهُوَ الطّواف الَّذِي يسْأَل (عَن) النَّاس.
وَقَوله: ﴿والمحروم﴾ هُوَ الَّذِي لَا يسْأَل، وَيُقَال: هُوَ المحارف، وَقيل: الْمَحْدُود.
وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد.
يُقَال: فلَان مجدود، وَفُلَان مَحْدُود، والمجدود الَّذِي يُوَافقهُ الْجد، والمحدود المحروم.
قَالَ ابْن عمر: المحروم هُوَ الْكَلْب.
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: أعياني أَن أعرف معنى المحروم.
وَقيل: هُوَ الْفَقِير الَّذِي لَا شَيْء لَهُ.
آية رقم ٢٥
وقوله :( والمحروم ) هو الذي لا يسأل، ويقال : هو المحارف، وقيل : المحدود. وكلاهما بمعنى واحد. يقال : فلان مجدود، وفلان محدود، والمجدود الذي يوافقه الجد، والمحدود المحروم. قال ابن عمر : المحروم هو الكلب. وعن الشعبي قال : أعياني أن أعرف معنى المحروم. وقيل : هو الفقير الذي لا شيء له.
آية رقم ٢٦
وَقَوله: ﴿وَالَّذين يصدقون بِيَوْم الدّين﴾ أَي: يُؤمنُونَ بِهِ.
— 48 —
﴿يصدقون بِيَوْم الدّين (٢٦) وَالَّذين هم من عَذَاب رَبهم مشفقون (٢٧) إِن عَذَاب رَبهم غير مَأْمُون (٢٨) وَالَّذين هم لفروجهم حافظون (٢٩) إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين (٢٩) فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون (٣١) وَالَّذين هم لأمانتهم وَعَهْدهمْ رَاعُونَ (٣٢) ﴾.
— 49 —
آية رقم ٢٧
وَقَوله: ﴿وَالَّذين هم من عَذَاب رَبهم مشفقون﴾ أَي: خائفون.
وَعَن معَاذ بن جبل قَالَ: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُنَادي مُنَاد أَيْن الخائفون؟ فيحشرون فِي كنف الرَّحْمَن لَا يحتجب الله مِنْهُم.
ذكره أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس فِي تَفْسِيره.
وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف أَن النَّبِي قَالَ حاكيا عَن الله تَعَالَى: " لَا أجمع على عَبدِي خوفين وَلَا أمنين، فَإِذا خافني فِي الدُّنْيَا أمنته فِي الْآخِرَة، وَإِذا أمنني فِي الدُّنْيَا خوفته فِي الْآخِرَة ".
آية رقم ٢٨
قَوْله: ﴿إِن عَذَاب رَبهم غير مَأْمُون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آية رقم ٢٩
وَقَوله: ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين﴾ قَالَ ابْن عُيَيْنَة، من لَام أحدا فِيمَا ملكت يَمِينه وَإِن كثر، أَو لامه فِي نِسَائِهِ إِذا بلغ الْأَرْبَع، فقد عصى الله تَعَالَى؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُم غير ملومين﴾ وَقَالَ أَيْضا: من تزوج [بِأَرْبَع] نسْوَة، أَو تسرى بمماليك، فَلَا خلل فِي زهده فِي
— 49 —
﴿وَالَّذين هم بشهاداتهم قائمون (٣٣) وَالَّذين هم على صلَاتهم يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جنَّات مكرمون (٣٥) فَمَا للَّذين كفرُوا قبلك مهطعين (٣٦) عَن الْيَمين وَعَن الشمَال عزين (٣٧) ﴾.
الدُّنْيَا، فَإِن عليا - رَضِي الله - عَنهُ قتل عَن أَربع عقائل [وتسع عشرَة] سَرِيَّة وَكَانَ أزهد الصَّحَابَة.
وَفِي الْآيَة دَلِيل على تَحْرِيم الْمُتْعَة.
وسئلت عَائِشَة عَن الْمُتْعَة فَقَالَت: بيني وَبَيْنكُم كتاب الله، وتلت هَذِه الْآيَة.
وَسُئِلَ ابْن عمر عَن ذَلِك فَقَالَ: هُوَ زنا.
فَقيل: إِن فلَانا يبيحها، فَقَالَ: أَفلا ترمرم بِهِ فِي زمَان عمر، وَالله لَو أَخذه فِيهَا لرجمه.
— 50 —
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٩:وقوله :( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) قال ابن عيينة، من لام أحدا فيما ملكت يمينه وإن كثر، أو لامه في نسائه إذا بلغ الأربع، فقد عصى الله تعالى ؛ لقوله تعالى :( فإنهم غير ملومين ) وقال أيضا : من تزوج [ بأربع ]١ نسوة، أو تسرى بمماليك، فلا خلل في زهده في الدنيا، فإن عليا - رضي الله - عنه قتل عن أربع عقائل [ وتسع عشرة ] سرية وكان أزهد الصحابة. وفي الآية دليل على تحريم المتعة. وسئلت عائشة عن المتعة فقالت : بيني وبينكم كتاب الله، وتلت هذه الآية. وسئل ابن عمر عن ذلك فقال : هو زنا. فقيل : إن فلانا يبيحها، فقال : أفلا ترمرم به في زمان عمر، والله لو أخذه فيها لرجمه.
١ - في ((الأصل، وك)) : بأربعة، و الصواب ما أثبتناه..

آية رقم ٣١
وَقَوله: ﴿فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون﴾ هُوَ دَلِيل على مَا بَينا.
والعادي والمتعادي وَاحِد.
آية رقم ٣٢
وَقَوله: ﴿وَالَّذين هم لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدهمْ رَاعُونَ﴾ أَي: حافظون.
وَقيل: أصل الْأَمَانَة أَن كلمة التَّوْحِيد ائْتمن الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ عَلَيْهَا.
آية رقم ٣٣
وَقَوله: ﴿وَالَّذين هم بِشَهَادَتِهِم قائمون﴾ وَقُرِئَ: " بشهاداتهم " إِحْدَاهمَا بِمَعْنى الْجمع، وَالْأُخْرَى بِمَعْنى الوحدان.
وَمعنى ﴿قائمون﴾ أَي: يؤدونها على وَجههَا.
آية رقم ٣٤
وَقَوله: ﴿وَالَّذين هم على صلَاتهم يُحَافِظُونَ﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
آية رقم ٣٥
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ فِي جنَّات مكرمون﴾ أَي: بساتين يكرمهم الله بأنواع النعم.
آية رقم ٣٦
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمَال الَّذين كفرُوا قبلك مهطعين﴾ أَي: مُسْرِعين.
قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: وَالْآيَة فِي الْمَعْنى مشكلة، وَالْمرَاد وَالله أعلم: فَمَا للَّذين كفرُوا يسرعون إِلَيْك لاستماع الْقُرْآن، ثمَّ يتفرقون بِلَا قبُول لَهُ وَالْإِيمَان بِهِ.
وَفِي التَّفْسِير: أَنهم كَانُوا يأْتونَ ويجلسون حول النَّبِي وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ نظر الْبغضَاء والعداوة، ويستمعون الْقُرْآن اسْتِمَاع الِاسْتِهْزَاء والتكذيب.
آية رقم ٣٧
وَقَوله: ﴿عَن الْيَمين وَعَن الشمَال عزين﴾ أَي: مُتَفَرّقين حلقا حلقا.
وروى أَن
— 50 —
﴿أيطمع كل امْرِئ مِنْهُم أَن يدْخل جنَّة النَّعيم (٣٨) كلا إِنَّا خلقناهم مِمَّا يعلمُونَ (٣٩) فَلَا أقسم بِرَبّ الْمَشَارِق والمغارب إِنَّا لقادرون (٤٠) على أَن نبدل خيرا مِنْهُم﴾
النَّبِي خرج إِلَى الْمَسْجِد وَأَصْحَابه متفرقون كل جمَاعَة فِي مَوضِع، فَقَالَ: " مَالِي أَرَاكُم عزين ".
وَالسّنة أَن يجلسوا حَلقَة وَاحِدَة، أَو بَعضهم خلف بعض، وَلَا يتفرقون فِي الْجُلُوس.
— 51 —
آية رقم ٣٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿أيطمع كل امْرِئ مِنْهُم أَن يدْخل جنَّة نعيم﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما ذكر الله تَعَالَى الْجنَّة للْمُؤْمِنين قَالَ الْكفَّار: وَنحن أَيْضا ندخل مَعكُمْ؛
آية رقم ٣٩
فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿كلا﴾ أَي: لَا يكون الْأَمر كَمَا يطْمع ويظن.
وَقَوله: ﴿إِنَّا خلقناهم مِمَّا يعلمُونَ﴾ أَي: من الأقذار والنجاسات.
وَالْمعْنَى: أَنه لَيْسَ إِدْخَال من يدْخل الْجنَّة بِكَوْنِهِ مخلوقا؛ لِأَنَّهُ خلق من شَيْء نجس قذر، فَلَا يسْتَحق دُخُول الْجنَّة، وَإِنَّمَا يسْتَحق دُخُول الْجنَّة بالتقوى وَالدّين.
وَيُقَال: إِنَّا خلقناهم من أجل مَا [يعلمُونَ]، وَهُوَ عبَادَة الله وَالْإِيمَان بِهِ.
قَالَ الشَّاعِر:
(أأزمعت من آل ليلى ابتكارا وشطت على ذِي هوى أَن تزارا)
أَي: من أجل آل ليلى.
وَقيل: ﴿إِنَّا خلقناهم مِمَّا يعلمُونَ﴾ أَي: مِمَّن يعلمُونَ.
وَالْقَوْل الْأَصَح هُوَ الأول.
— 51 —
﴿وَمَا نَحن بمسبوقين (٤١) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حَتَّى يلاقوا يومهم الَّذِي يوعدون (٤٢) يَوْم يخرجُون من الأجداث سرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نصب يوفضون (٤٣) خاشعة أَبْصَارهم ترهقهم ذلة ذَلِك الْيَوْم الَّذِي كَانُوا يوعدون (٤٤) ﴾.
— 52 —
آية رقم ٤٠
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا أقسم بِرَبّ الْمَشَارِق والمغارب﴾ مَعْنَاهُ: أقسم، وَهُوَ على مَذْهَب الْعَرَب، وَكَانُوا يَقُولُونَ هَكَذَا.
وَذكر هَاهُنَا الْمَشَارِق والمغارب؛ لِأَن الشَّمْس فِي كل يَوْم تشرق من مَكَان آخر غير مَا كَانَ فِي الْيَوْم الأول، وَكَذَلِكَ فِي الْمغرب.
وَفِي التَّفْسِير: أَنَّهَا تطلع كل يَوْم من كوَّة أُخْرَى، وتغرب من كوَّة أُخْرَى.
وَقَوله: ﴿إِنَّا لقادرون على أَن نبدل خيرا مِنْهُم﴾ أَي: أطوع لله مِنْهُم، وأمثل مِنْهُم.
وَقَوله: ﴿وَمَا نَحن بمسبوقين﴾ أَي: معاجزين، وَقد بَينا من قبل.
آية رقم ٤١
وقوله :( وما نحن بمسبوقين ) أي : معاجزين، وقد بينا من قبل.
آية رقم ٤٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حَتَّى يلاقوا يومهم الَّذِي يوعدون﴾ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة.
وَهُوَ مَذْكُور على طَرِيق التهديد لَا على طَرِيق الْإِطْلَاق وَالْإِذْن.
آية رقم ٤٣
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَوْم يخرجُون من الأجداث سرَاعًا﴾ أَي: من الْقُبُور. والجدث: الْقَبْر، والأجداث الْجمع.
وَقَوله: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نصب يوفضون﴾ أَي: يخرجُون سرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى علم نصب لَهُم يسرعون، وَقُرِئَ: " نصب يوفضون " بِضَم النُّون، والنُصُب والنَصَب بِمَعْنى الْأَصْنَام، وَقد كَانُوا يسرعون إِلَى أصنامهم إِذا ذَهَبُوا إِلَيْهَا، فيعظموها ويستلموها.
وَقَوله: ﴿خاشعة أَبْصَارهم﴾ أَي: ذليلة أَبْصَارهم ﴿ترهقهم ذلة﴾ أَي: مذلة.
وَقَوله: ﴿ذَلِك الْيَوْم الَّذِي كَانُوا يوعدون﴾ أَي: يُقَال لَهُم: هَذَا الْيَوْم هُوَ الْيَوْم الَّذِي وعدتم فِي الدُّنْيَا.
وَالله أعلم.
— 52 —

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه أَن أنذر قَوْمك من قبل أَن يَأْتِيهم عَذَاب أَلِيم (١) قَالَ يَا قوم إِنِّي لكم نَذِير مُبين (٢) أَن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (٣) يغْفر لكم﴾
تَفْسِير سُورَة نوح عَلَيْهِ السَّلَام
وَهِي مَكِّيَّة
وَهُوَ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أَخْنُوخ.
وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه بعث وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة.
وَعَن عَوْف بن أبي شَدَّاد: أَنه بعث وَهُوَ ابْن ثلثمِائة وَخمسين سنة.
وَيُقَال: سمي نوحًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ ينوح على نَفسه.
وَالله أعلم.
— 53 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

44 مقطع من التفسير