تفسير سورة سورة الحديد

محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

أوضح التفاسير

محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ت 1402 هـ)

الناشر

المطبعة المصرية ومكتبتها

الطبعة

السادسة، رمضان 1383 ه - فبراير 1964 م

﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي إن كل من عداه من مخلوقاته: يجله ويعظمه، ويسبح بحمده، حتى الجماد والوحش والطير؛ فإنها جميعاً تسبح بحمده ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ قبل كل شيء؛ بلا بداية ﴿وَالآخِرُ﴾ بعد كل شيء؛ بلا نهاية ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالأدلة والبراهين الدالة عليه:
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه الواحد
لكونه تعالى غير مدرك بالحواس؛ ولو أنه ظاهر في مخلوقاته وآثاره ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء يليق به؛ لا كاستواء المخلوقين؛ لأن الديان يتقدس عن المكان، وتعالى المعبود عن الحدود ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ ما يدخل فيها: من البذر، والقطر، والموتى ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات، والمعادن، وغيرهما ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ﴾ من الملائكة، والغيث، والشهب، وغيرها ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الأعمال والدعوات «إليه يصعد الكلم الطيب» ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ بحفظه وكلاءته
﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يتصرف فيهما كيف شاء ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فيقضي فيها بما أراد؛ لا راد لقضائه
﴿يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ﴾ يدخل أحدهما في الآخر؛ بنقصان هذا وزيادة ذاك
-[٦٦٦]- ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بخوافيها وما فيها
﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني إن الأموال التي في أيديكم: إنما هي أموال الله تعالى؛ استخلفكم عليها؛ فإن أحسنتم التصرف فيها، وأديتم زكاتها، وأنفقتم في سبيله: نمت أموالكم، وزادت حسناتكم. وإن أسأتم التصرف، وأدرككم الشح المردي، ومنعتم ذوي الحاجات حاجاتهم، وأرباب الحقوق حقوقهم: استوجبتم النيران، وحل بواديكم الخسران
﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ لا تقرون بوحدانيته وربوبيته ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ﴾ ويرشدكم إلى معرفته بالحجج القاطعة، والبراهين الدامغة؛ فليس لكم عذر بعد ذلك ﴿وَقَدْ أَخَذَ﴾ الله ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ في صلب آدم؛ حين قال ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وقلتم «بلى» (انظر آية ١٧٢ من سورة الأعراف)
﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ محكمات، واضحات ﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم (انظر آية ١٧ من سورة البقرة)
﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ في الدنيا. (انظر آية ٢٤٥ من سورة البقرة)
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ في الجنة ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم. والمراد بذلك: أن وجوه المؤمنين تصير مضيئة كضوء القمر في سواد الليل؛ تكريماً لهم وتشريفاً؛ ويؤيده ما بعده ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ وحقاً إن للمؤمن لنوراً يراه كل من أنار الله تعالى بصيرته في هذه الحياة الدنيا؛ فكيف بيوم القيامة: يوم الجزاء والوفاء
-[٦٦٧]- ﴿وَبِأَيْمَانِهِم﴾ أي يصير النور أمامهم وحواليهم؛ ويقال لهم ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ تدخلونها
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ وهم في العذاب والظلمات ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظُرُونَا﴾ أي انظروا إلينا ﴿نَقْتَبِسْ﴾ نأخذ ونستمد ﴿مِن نُّورِكُمْ﴾ فقد أعمانا ما نحن فيه من الظلمات ﴿قِيلَ﴾ أي قالت لهم الملائكة ﴿ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً﴾ أي ارجعوا إلى أعمالكم التي عملتموها في الدنيا: هل تجدون فيها ما يؤهلكم للاستمتاع بهذا النور الذي يشع من المؤمنين وعليهم؟ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم﴾ أي بين المؤمنين والمنافقين ﴿بِسُورٍ﴾ هو سور الأعراف ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي باطن السور فيه المؤمنون والجنة ﴿وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ﴾ من جهته ﴿الْعَذَابُ﴾ الكفار والنار أي ينادي المنافقون المؤمنين؛ قائلين لهم
﴿أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ في الدنيا: نصلي مثلما تصلون، ونصوم مثلما تصومون، ونحج مثلما تحجون؟ ﴿قَالُواْ﴾ أي قال المؤمنون للمنافقين ﴿بَلَى﴾ كنتم تعبدون معنا كما كنا نعبد، وتشهدون كما كنا نشهد ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أهلكتموها بالنفاق، وأوقعتموها في العذاب ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ انتظرتم بالمؤمنين الدوائر ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾
شككتم في أمر التوحيد ﴿وَغرَّتْكُمُ﴾ خدعتكم ﴿الأَمَانِيُّ﴾ الأطماع الكاذبة؛ فلم تجاهدوا مع المجاهدين، ولم تنفقوا مع المنفقين ﴿حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الموت ﴿وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الشيطان
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي ألم يجىء الأوان الذي فيه تخشع قلوب المؤمنين ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ القرآن ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ الأجل أو طال الزمن بين نزول الكتب إليهم، ونزول الرسل بعد ذلك ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وكفروا بما آمنوا به، وتنكروا لكتبهم وشوهوها وحرفوها
﴿اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي كما أنه تعالى يحيي الأرض بعد موتها؛ كذلك ذكره تعالى يحيي القلوب بعد قساوتها ﴿وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ﴾ أي والذين أقرضوا الله. والمقرض: هو الذي يبذل المال في الحياة الدنيا؛ رجاء ثواب الآخرة ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ الثواب والأجر ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ الذين سبقوا إلى التصديق. لأن التصديق لا يكون باللسان؛ بل بالجنان وهم آمنوا، وصدقوا، وأنفقوا يقول أصدق القائلين، وأحكم الحاكمين، وأكرم الأكرمين:
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ الذين آمنوا بي وبرسلي ﴿وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أنفقوا في سبيله تعالى؛ من غير رياء، ولا منَ، ولا أذى ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ أولئك هم ﴿الشُّهَدَآءِ﴾ أي في درجة الشهداء: في التنعم والقرب ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ في روضات الجنات ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ الذي أعده الله تعالى لهم ﴿وَنُورُهُمْ﴾
الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. أو المعنى: «أولئك» الذين مر ذكرهم
﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وانتهى القول عند ذلك ﴿وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ خبر جديد عن نوع آخر من خواص المؤمنين: وهم الشهداء
﴿اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي متاعها المعجل لكم: ما هو إلا ﴿لَعِبٌ﴾ تلعبونه ﴿وَلَهْوٌ﴾ تتلهون به ﴿وَزِينَةٌ﴾ تتزينون بها ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ﴾ يفخر بعضكم على بعض، ويسابق بعضكم بعضاً؛ بالأموال، والجاه، والأولاد. وذلك التفاخر والتكاثر، واللهو واللعب والزينة: مثله ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ مطر نزل على الأرض فازدهرت وأنبتت؛ وقد ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ الزراع ﴿نَبَاتُهُ﴾ أي نبات ذلك الغيث. وسمي المطر غيثاً: لأنه يغيث الناس من الجوع والفاقة؛ ولذا سمي الكلأ غيثاً: لأنه يغيث الماشية ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي يجف ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ بعد خضرته ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ يابساً متكسراً. شبه تعالى حال الدنيا، وسرعة انقضائها؛ مع قلة جدواها: بالنبات الذي يعجب الزراع لاستوائه وقوته ونمائه؛ وبعد ذلك يكون حطاماً، ويدركه الفناء. وكذلك حال الدنيا: «حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس» ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ للكفار؛ الذين ركنوا إلى لهو الدنيا ولعبها، وزينتها والتفاخر فيها ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ لمن آمن بالله، وصدق برسله ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ﴾ وما فيها من تمتع وزخرف ﴿إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي إلا متاع مزيف؛ لا أثر له. ورجل مغرور: مخدوع
﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ﴾ من الجدب، وآفات الزرع والثمار ﴿وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ من الأمراض والأوصاب والموت ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ هو اللوح المحفوظ. ما أصابنا: لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا: لم يكن ليصيبنا (انظر آية ١٥٦ من سورة البقرة) ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ أي من قبل أن نخلق الأنفس ﴿إِنَّ﴾ معرفة ﴿ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ هين؛ لا يصعب ولا يشق عليه أن يعلم ما كان، وما سيكون، وما هو كائن
﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ﴾ من الأسى: وهو الحزن. أي أعلمكم الله تعالى بذلك لئلا تحزنوا ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ في الدنيا من ربح ﴿وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ الله تعالى منها.
هذا ومن المعلوم أنه ما من أحد يعقل: إلا ويحزن على ما يفوته، ويفرح بما يأتيه. ولكن المراد من الآية الكريمة: ألا يحزن حزناً مذهباً للثواب، ولا يفرح فرحاً موجباً للعقاب ولكن من أصابته مصيبة فجعل منها صبراً، ومن أصابه خير فجعل منه شكراً: كان جزاؤه الجنة ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متكبر بما أوتي من الدنيا ﴿فَخُورٍ﴾ به على الناس
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بما آتاهم الله من فضله لا يكتفون ببخلهم الذي أهلكهم وأرداهم؛ بل ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ وهذا مشاهد فيمن أعمى الله تعالى بصائرهم، وقضى عليهم بالحرمان من لذة السخاء، وفرحة الإعطاء، وكتب لهم الشقاء. فهم في شقاء دائم في دنياهم، وعذاب واصب في أخراهم ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ يعرض عن الإنفاق
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الحجج الواضحات ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ الذي يوزن به. قيل: إن جبريل عليه الصلاة والسلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام؛ وقال له: مر قومك يزنوا به. ويجوز أن يراد بالميزان: القانون الذي يحكم به بين الناس ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ﴾ أظهرناه؛ وذلك لأن من معاني الإنزال: الإظهار؛ يدل على ذلك إنزال القرآن ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ وهو بمعنى إظهاره: إذ أن القرآن الكريم قديم - صفة الموصوف بالقدم - ونزوله: إظهاره للناس ﴿فِيهِ بَأْسٌ﴾ قوة ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وأي منافع فقد صار الحديد من ألزم لوازم الحياة، وإحدى الضرورات التي لا تستطيع أمة من الأمم أن تبني نهضتها ومجدها بما عداه: إذ منه تصنع القاطرات والطائرات، والسفن العظيمة التي تجوب المحيطات؛ وبغيره لا تكون الأسلحة على اختلاف درجاتها وأنواعها: من مدافع ودبابات وصواريخ وناسفات ذلك ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ علم ظهور للمخلوقات ﴿مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾ ينصر ﴿وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ حال كونه تعالى غائباً عن بصره، حاضراً في بصيرته: ينصره ولا يبصره
وهذا الوصف ينطبق تمام الانطباق على أمة سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام؛ فقد آمنا بالله
-[٦٧٠]- ورسله بالغيب، ونصرنا الله تعالى - بإعلاء دينه، والدعوة إلى توحيده - ونصرنا رسله بالإيمان بهم جميعاً. وكل ذلك من غير أن نرى ربنا، أو نطلب رؤيته بأعيننا؛ ومن غير أن نرى رسله تعالى، أو نسمع دعوتهم، ونشهد معجزاتهم؛ فاستحققنا بذلك أن نكون خير أمة أخرجت للناس؛ فللَّه الحمد على ما أنعم، والشكر على ما به تفضل
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ إلى الناس ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ اسم جنس؛ أريد به التوراة والإنجيل، والزبور، والقرآن؛ وهي في ذرية إبراهيم وحده ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من المرسل إليهم ﴿مُّهْتَدٍ﴾ إلى طريق الحق، مؤمن ب الله ورسله ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ كافرون
﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا﴾ أتبعنا ﴿عَلَى آثَارِهِم﴾ أي على آثار نوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أي اتبعوا عيسى وآمنوا به، وكانوا على شرعته ومنهاجه ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ وهما صفتان يمن الله تعالى بهما على من ارتضى من عباده، وجعله أهلاً لكرامته وجنته ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا﴾ أي اخترعوها؛ وهي أنهم كانوا يهجرون النساء، وكثيراً من المطاعم والملابس؛ بقصد التجرد من الملذات والشهوات، والتفرغ للعبادة ﴿مَا كَتَبْنَاهَا﴾ ما فرضناها ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولم يفعلوها ﴿إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ قاصدين بها وجهه الكريم؛ لكن من أتى بعدهم، وأراد السير على نهجهم: انتظم في سلك الرهبانية؛ قاصداً بذلك الصوالح الدنيوية؛ لذلك وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ كالذين سبقوهم إليها، وفرضوها على أنفسهم؛ ابتغاء ثواب الله تعالى
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾ خافوه واخشوا غضبه وعقابه ﴿وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾
أي اثبتوا على إيمانكم به ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ نصيبين ﴿مِن رَّحْمَتِهِ﴾ والمراد بالكفلين: كثرة الثواب، وعظم الأجر ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ المراد بالنور هنا: العقل؛ لأنه كالنور الذي يهتدى به: يرى الإنسان به الصواب فيتبعه، والخطأ فيجتنبه؛ كما أن النور يتجنب به الإنسان المهاوي والمزالق والمهالك ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ كثير المغفرة لمن تاب ﴿رَّحِيمٌ﴾ بعباده؛ أرحم بهم من أمهاتهم
﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي خشية أن يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على نيل شيء من فضل الله - لو أسلموا - مثل ما نلتموه أنتم بإسلامكم، واستوجبتموه، بتقواكم وإيمانكم ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ كلام مستأنف؛ أي اعلموا أيها المخاطبون أن الفضل بيد الله، لا بيد غيره؛ ولا طريق لنيله إلا بالتزام الطاعة، واجتناب المعصية، وتحري مرضاته تعالى ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقيل: الضمير في ﴿أَلاَّ يَقْدِرُونَ﴾ للذين آمنوا: الذين منحهم الله تعالى رفده
-[٦٧١]- وفضله؛ وآتاهم كفلين من رحمته، وجعل لهم نوراً يمشون به في الدنيا والآخرة، وغفر لهم ذنوبهم، وآتاهم تقواهم و «لئلا يعلم» أي ليعلم، و «لا» زائدة، ويؤيد ذلك: قراءة من قرأ «ليعلم» و «لكي يعلم» وما قلناه أولاً هو أقرب إلى الصواب، وأجدر بالتفهم؛ ولم يسبقنا أحد إليه.
— 670 —
سورة المجادلة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

— 671 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

27 مقطع من التفسير