ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

قَوْله تَعَالَى: للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله يَعْنِي: تِلْكَ الصَّدقَات الَّتِي سبق ذكرهَا للْفُقَرَاء.
قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين من مَكَّة.
وَأما قَوْله: أحْصرُوا فِي سَبِيل الله فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
[أَحدهَا] : قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي: حَبسهم الْعَدو والفقر عَن سَبِيل الله وَالْجهَاد، فصاروا مَحْصُورين عَنهُ.

صفحة رقم 276

الأَرْض يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: أَرَادَ بِهِ: أَنهم خَرجُوا إِلَى الْحَرْب، فَأَصَابَتْهُمْ جراحات، فصاروا محصرين عَن الْجِهَاد بِسَبَب الْجِرَاحَات.
وَقَالَ قَتَادَة - وَهُوَ أحسن الْأَقْوَال -: مَعْنَاهُ: أَنهم حبسوا أنفسهم على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَتركُوا الْخُرُوج للتِّجَارَة والمعاش، ووقفوا أنفسهم على الْحَرْب.
وَقد ورد ذَلِك فِي أهل الصّفة، كَانُوا قَرِيبا من أَرْبَعمِائَة نفر، اجْتَمعُوا فِي مَسْجِد رَسُول الله وَكَانُوا لَا يأوون إِلَى أهل وَلَا إِلَى مَال، وَكَانَ يبْعَث النَّاس إِلَيْهِم بِفضل قوتهم، وَكَانُوا وقفُوا أنفسهم على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَقَالُوا: لَا تخرج سَرِيَّة إِلَّا وَنخرج مَعهَا، فَهَذَا معنى قَوْله: أحْصرُوا فِي سَبِيل الله.
وَقَوله: لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض هَذَا على الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين يرجع إِلَى الضَّرْب فِي الأَرْض للْجِهَاد.
وعَلى القَوْل الثَّالِث: هُوَ الضَّرْب فِي الأَرْض للمعاش وَالتِّجَارَة.
وَقَوله: يَحْسبهُم الْجَاهِل قَالَ قَالَ مُجَاهِد: لَيْسَ المُرَاد بِهَذَا الْجَاهِل خلاف الْعَالم وَإِنَّمَا هُوَ الَّذِي لَا خبْرَة لَهُ وَلَا معرفَة بحالهم.
وَقَوله: أَغْنِيَاء من التعفف يَعْنِي: من القناعة الَّتِي لَهُم يظنهم من لم يعرفهُمْ أَغْنِيَاء.
قَوْله: تعرفهم بِسِيمَاهُمْ قيل: بالتخشع الَّذِي كَانَ لَهُم.
وَقَالَ الضَّحَّاك: بصفرة الألوان.
وَقَالَ ابْن زيد: برثاثة الثِّيَاب.
وَقيل: أثر الْجُوع والجهد.
وَقَوله: (لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا) أَي: إلحاحا.

صفحة رقم 277

وَمَا تنفقوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم (٢٧٣) الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سرا
وَقيل: أَصله من إلحاف؛ فالإلحاف: السُّؤَال على الْعُمُوم، كَأَنَّهُ يسْأَل كل من يلقى.
وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بِهِ ترك السُّؤَال أصلا؛ فَإِنَّهُ إِذا سَأَلَ فقد ألحف، يعْنى: لَا يسْأَلُون أصلا.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قَالَ: أَغْنِيَاء من التعفف وَإِذا سَأَلَ لَا يكون متعففا، وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من سَأَلَ وَعِنْده أُوقِيَّة فقد ألحف ". يَعْنِي: عِنْده أَرْبَعُونَ درهما.
وروى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لِأَن يَأْخُذ أحدكُم حبله فيحتطب على ظَهره، خير لَهُ من يسْأَل النَّاس أعْطى أَو منع ".
وَقَوله: وَمَا تنفقوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم ظَاهر الْمَعْنى.

صفحة رقم 278

تفسير السمعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تحقيق

ياسر بن إبراهيم

الناشر دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر 1418 - 1997
الطبعة الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية