- (وما تنفقوا..). تحتمل الواو للحال أي: (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) حال كونكم تقصدون به وجه اللَّه. وهذا خبر فِي معنى الطلب، إمّا الأمر أو النهي.
- (يوفَّ إليكم..) أي: في المقدار.
- (وأنتم لا تظلمون) أي: في الصفة، وهو تأسيس.
٢٧٣ - (سبيل الله). قال مالك في " كتاب الحبس ": هو وجوه الخير بالإطلاق كيفما كانت.
وقال ابن عبد البر: المشهور عن مالك: أنه الجهاد.
- (من التعفف..). لم يقل: من تعففهم إشارة إلى إتصافهم بأبلغ وجوه التعفف، وأنهم لم يتصفوا بتعففهم اللائق بهم، بل اتصفوا بالتعفف الأكمل، و (من) للتعليل، وهي متعلقة ب (يحسب) ولا يصح تعلقها بـ (أغنياء)، لأنه متى ظنَّهم ظان قد استغنوا من تعففهم علم أنهم فقراء من المال فلا يكون جاهلاً بحالهم. قاله ابن هشام.
ولبعضهم في المعنى:
| غنيّ بلا دنيا عن الناس كلهم | وإن الغنى الأعلى عن المال لا به |
- (لا يسألون الناس إلحافًا..) يحتمل أن يكون مثل: (وما ربك بظلَّام للعبيد)، أي: لو قُدِّر صدور السؤال منهم لما قُدِّر وقوعه إلّا بـ " الإِلحاف " لأجل ما نالهم من الجهد، والحاجة.
ويحتمل أن يكون مثل قوله تعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ).
، فيكون من باب نفي استلزام الأخص أمرًا، وإذا لم يستلزم الأخص أمرًا لم يستلزمه الأعم، والمعنى: لا يسألون الناس الإِلحاف في السؤال أي: لأجل سبب الإلحاف، وهو شدة الحاجة، وإذا لم يسألوهم، لأجل شدة الحاجة فأحرى أَلَّا يسألوهم؛ لأجل سبب عدم الإِلحاف، وهو مطلق الحاجة فقط.
" الفخر ": ويحتمل أن يكون المراد بالإِلحاف تأكيد صبرهم.
انتهى. فينبغي على هذا أن يوقف على قوله: (لا يسألون الناس).
و (إلحاف) مصدر أي: يلحفون إلحافًا أي: يبالغون في شدة صبرهم، وتجلدهم على الفقر. صفحة رقم 348
وجعل الزجَّاج معنى الآية كقول امرىء القيس:
| عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ | إِذَا سَافَهُ العَوْدُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرَا |
وقوله: لاَحِبٍ: طريق. وقولِه: لا يهتدي بمناره أي: ليس فيه علم، ولا منار فيهتدى به. يصف طريقَا غير مسلوك.
وقوله: إذا سافه العَوْد: أي: إذا شمه المُسِنُّ مُسِنُّ الإِبل صوَّت ورغا؛ لبعده وما يلقاه من مَشَقَّتِه، والنباطيِّ: المنسوب إلى النَّبط وهو: أشد الإبل، وأصبرها.
وقيل: هو الضَّخْم، وأِصل اللاحب: الطريق البين الذي لَحبَتْه الحوافر أي: أثَّرتْ فيه فصارت فيه طرائق، وآثار بيِّنة هذا أصله، ثم يستعمل لكل طريق بين، وخفى. صفحة رقم 349
وبناه على " فاعل "، وحقه أن يبني على " مفعول " كما قيل: (عيشة راضية)، بمعنى: مرضية، ومعنى جرجر: صوت.
ورُدَّ على الزجاج: بأن من لوازم المنار الاهتداء بخلاف السؤال فإنه أعم من الإِلحاف فلا يلزم من نفي " الإِلحاف " نفي السؤال، أو يلزم من نفي المنار نفى الاهتداء.
ووجَّه بعضهم قول الزجاج: أنه نفي للسؤال، و " الإلحاف " جميعًا بأن هؤلاء المذكورين بين رجلين رجل جاهل بهم يحسبهم أَغنياء، ورجل يعرفهم بسيماهم، وأنهم فقراء فلا يفتقرون إلى السؤال.
التقييد الكبير للبسيلي
أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد البسيلي التونسي