ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

قوله تعالى : للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض الآية. يعني، والله أعلم : النفقة المذكورة بديّاً، والمراد بها الصدقة. ورُوي عن مجاهد والسدي :" المراد فقراء المهاجرين ". وقوله تعالى : أحصروا في سبيل الله قيل إنهم منعوا أنفسهم التصرُّف في التجارة خوف العدوّ من الكفار ؛ رُوي ذلك عن قتادة، لأن الإحصار منع النفس عن التصرف لمرض أو حاجة أو مخافة، فإذا منعه العدو قيل أحْصَرَهُ.
وقوله تعالى : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف يعني والله أعلم : الجاهل بحالهم ؛ وهذا يدلّ على أن ظاهر هيئتهم وبزتهم يشبه حال الأغنياء، ولولا ذلك لما ظنهم الجاهل أغنياء ؛ لأن ما يظهر من دلالة الفقر شيئان : أحدهما بذاذة الهيئة ورثاثة الحال، والآخر : المسألة ؛ على أنه فقير فليس يكاد يحسبهم الجاهل أغنياء إلا لما يظهر له من حسن البزة الدالة على الغِنَى في الظاهر.
وفي هذه الآية دلالة على أن من له ثياب الكسوة ذات قيمة كثيرة لا تمنعه إعطاء الزكاة، لأن الله تعالى قد أمَرَنا بإعطاء الزكاة مَنْ ظاهر حاله مُشْبِهٌ لأحوال الأغنياء. ويدلّ على أن الصحيح الجسم جائز أن يُعْطَى من الزكاة، لأن الله تعالى أمر بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين كانوا يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين ولم يكونوا مَرْضَى ولا عُمياناً.
وقوله عز وجل : تعرفهم بسيماهم فإن السِّيما العلامة. قال مجاهد :" المراد به هنا التخشع ". وقال السدي والربيع بن أنس :" هو علامة الفقر " وقال الله تعالى : سيماهم في وجوههم من أثر السجود [ الفتح : ٢٩ ] يعني علامتهم. فجائز أن تكون العلامة المذكورة في قوله تعالى : تعرفهم بسيماهم ما يظهر في وجه الإنسان من كسوف البال وسوء الحال، وإن كانت بزتهم وثيابهم وظاهر هيئتهم حسنة جميلة ؛ وجائز أن يكون الله تعالى قد جَعَل لنبيه عَلَماً يستدلّ به إذا رآهم عليه على فقرهم ؛ وإن كنا لا نعرف ذلك منهم إلا بظهور المسألة منهم أو بما يظهر من بذاذة هيئتهم.
وهذا يدلّ على أن لما يظهر من السِّيما حظّاً في اعتبار حال من يظهر ذلك عليه. وقد اعتبر أصحابنا ذلك في الميت في دار الإسلام أو في دار الحرب إذا لم يُعْرَفْ أمره قبل ذلك في إسلام أو كفر، أنه ينظر إلى سِيمَاه فإن كانت عليه سِيما أهل الكفر من شَدِّ زُنَّار أو عدم خِتان وتَرْكِ الشعر على حسب ما يفعله رهبان النصارى، حُكِمَ له بحكم الكفار ولم يدفَنْ في مقابر المسلمين ولم يصلَّ عليه، وإن كان عليه سيما أهل الإسلام حُكِمَ له بحكم المسلمين في الصلاة والدفْنِ وإن لم يظهر عليه شيء من ذلك ؛ فإن كان في مِصْرٍ من الأمصار التي للمسلمين فهو مسلم، وإن كان في دار الحرب فمحكوم له بحكم الكفر ؛ فجعلوا اعتبار سيماه بنفسه أوْلى منه بموضعه الموجود فيه، فإذا عدمنا السِّيما حَكَمْنا له بحكم أهل الموضع ؛ وكذلك اعتبروا في اللقيط. ونظيرُهُ أيضاً قوله تعالى : إن كان قميصه قُدَّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين [ يوسف : ٢٦و ٢٧ ] فاعتبر العلامة ؛ ومن نحوه قوله تعالى : ولتعرفنهم في لَحْن القول [ محمد : ٣٠ ] وإخوة يوسف عليه السلام لَطَّخوا قميصه بدمٍ وجعلوه علامة لصدقهم، قال الله تعالى : وجاؤوا على قميصه بدم كذب [ يوسف : ١٨ ].
وقوله تعالى : لا يسألون الناس إلحافاً يعني والله أعلم : إلحاحاً وإدامةً للمسألة ؛ لأن الإلحاف في المسألة هو الاستقصاء فيها وإدامتها، وهذا يدل على كراهة الإلحاف في المسألة.
فإن قيل : فإنما قال الله عز وجل : لا يسألون الناس إلحافاً فنفى عنهم الإلحاف في المسألة ولم يَنْفِ عنهم المسألة رأساً ؟ قيل له : في فحوى الآية ومضمون المخاطبة ما يدلّ على نَفْي المسألة رأساً، وهو قوله تعالى : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف فلو كانوا أظهروا المسألة وإن لم تكن إلحافاً لما حسبهم أحدٌ أغنياء، وكذلك قوله تعالى : من التعفف لأن التعفُّفَ هو القناعة وترك المسألة، فدلّ ذلك على وصفهم بترك المسألة أصلاً. ويدل على أن التعفف هو ترك المسألة قولُ النبي صلى الله عليه وسلم :" مَنِ اسْتَغْنَى أغْنَاهُ الله ومَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّه الله ". وإذا ثبت بما ذكرنا من دلالة الآي أن ثياب الكسوة لا تمنع أخذ الزكاة وإن كانت سَرِيَّةً وجب أن يكون كذلك حكم المسكن والأثاث والفرس والخادم لعموم الحاجة إليه، فإذا كانت الحاجة إلى هذه الأشياء حاجة ماسَّة فهو غير غنيّ بها لأن الغِنى هو ما فضل عن مقدار الحاجة.
واختلف الفقهاء في مقدار ما يصير به غنياً، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر :" إذا فضل عن مسكنه وكسوته وأثاثه وخادمه وفرسه ما يساوي مائتي درهم لم تحلّ له الزكاة، وإن كان أقل من مائتي درهم حلت له الزكاة ". وقال مالك في رواية ابن القاسم :" يعْطَى من الزكاة من له أربعون درهماً ". ورَوَى غيره عن مالك " أنه لا يُعْطَى من له أربعون درهماً ". وقال الثوري والحسن بن صالح :" لا يأخذ الزكاة من له خمسون درهماً ". وقال عبيدالله بن الحسن :" من لا يكون عنده ما يَقُوتُه أو يكفيه سنةً فإنه يُعْطَى من الصدقة ". وقال الشافعي :" يُعْطَى الرجلُ على قدر حاجته حتى يخرجه ذلك من حدّ الفقر إلى الغنى كان ذلك تجب فيه الزكاة أو لا تجب، ولا أحُدّ في ذلك حَداً " ذكره المزني والربيع ؛ وحُكي عنه أنها لا تحل للقوي المكتسب وإن كان فقيراً.
والدليل على صحة ما ذكرنا من اعتبار مائتي درهم فاضلاً عما يحتاج إليه ما رَوَى عبدالحميد بن جعفر عن أبيه عن رجل من مُزَيْنة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول :" مَنِ اسْتَغْنَى أغْنَاهُ الله ومَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّه الله ومن سَألَ النّاسَ ولَهُ عِدْلُ خَمْسِ أواقٍ سأل إلحافاً " فدلّ ذكره لهذا المقدار أنه هو الذي يخرج به من حد الفقر إلى الغَنى ويوجب تحريم المسألة. ويدلّ عليه أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم :" أُمِرْتُ أن آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أغْنِيَائِكُمْ فأرُدَّها على فُقَرَائِكُمْ " ثم قال :" في مائتي دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ولَيْسَ فيما دُونَها شيءٌ " فجعل حدَّ الغنى مائتي درهم، فوجب اعتبارها دون غيرها ؛ ودلّ أيضاً على أن الذي لا يملك هذا القدر يُعْطَى من الزكاة، لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الناس صنْفَين : أغنياء وفقراء، فجعل الغَنيَّ من ملك هذا المقدار وأمر بأخذ الزكاة منه، وجعل الفقير الذي يُرَدُّ عليه هو الذي لا يملك هذا القدر. وقد رَوَى أبو كبشة السلوليّ عن سهل ابن الحنظلية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" مَنْ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فإنّما يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ " قلت يا رسول الله ما ظهر غناه ؟ قال :" أنْ يَعْلَمَ أنّ عِنْدَ أهْلِهِ ما يُغَدِّيهم ويُعَشّيهم ". وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وسمعته يقول لرجل :" مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وعِنْدَهُ أوقِيَّةٌ أو عِدْلُها فَقَدْ سأل إلحافاً " والأوقية يومئذ أربعون درهماً. ورَوَى محمد بن عبدالرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يسألُ عَبْدٌ مَسْأَلَةً وله ما يُغْنِيهِ إلا جَاءَتْ شَيْناً أو كُدُوحاً أو خُدُوشاً في وَجْهِهِ يَوْمَ القيامة " قيل : يا رسول الله وما غناه : قال :" خمسون دِرْهَماً أو حِسَابُها مِنَ الذّهَبِ " وهذه واردة في كراهة المسألة، ولا دلالة فيها على تحريم الصدقة عليه ؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحبّ ترك المسألة لمن يملك ما يغذّيه أو يعشّيه، إذ قد كان هناك من فقراء المسلمين وأهل الصُّفَّةِ من لا يقدر على غداء ولا عشاء، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم لمن يملك هذا القدر الاقتصار على ما يملكه والتعفّف بترك المسألة ليصل ذلك إلى من هو أحْوَجُ منه إليه لا على وجه التحريم. ولما اتّفق الجميع على أن سبيل استباحة الصدقة ليست سبيل الضرورة إلى الميْتة، إذْ كانت المَيْتة لا تحلّ إلا عند الخوف على النفس والصدقة تحلّ بإجماع المسلمين لمن احتاج ولم يخف الموت إذا لم يكن عنده شيء، فوجب أن يكون المبيح لها الفقر. وأيضاً لما كانت هذه الأخبارُ مختلفاً في استعمال حكمها وهي في نفسها مختلفة، واتّفق الجميع على استعمال الخبر الذي رَوَيْنا في مائتي درهم وتحريم الصدقة معها، وجب أن يكون ثابت الحكم، وما عداه إما أن يكون على وجه الكراهة للمسألة أو منسوخة بخبرنا إن كان المراد بها تحريم الصدقة.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير