قال تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحاقا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ١
وفيها مسألة واحدة.
[ ٩٤ ] : المسألة : المراد بالإحصار.
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
اختلف الصحابة ومن بعدهم في الإحصار٢ :
فروينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال : لا إحصار إلا من عدو٣.
ومن طريق مسلم نا إسحاق بن إبراهيم – هو ابن راهوية – أنا عيسى ابن يونس نا زكرينا – هو ابن أبي زائدة – عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب قال :( ( لما أحضر النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيبقى بها ثلاثا ولا يدخلها إلا بجلبان٤ السلاح السيف وقرابه، ولا يخرج بأحد معه من أهلها، ولا يمنع أحدا يمكث ممن كان معه ) )٥.
فسمى البراء منع العدو : إحصارا.
وروينا عن إبراهيم النخعي : الإحصار من الخوف والمرض، والكسر٦.
ومن طريق ابن جريج عن عطاء قال : الإحصار من كل شيء يحبسه٧.
وأما الحصر : فروينا عن مجاهد عن ابن مسعود أنه قال : الحصر : المرض، والكسر وشبهه٨ ومن طريق ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال : لا حصر إلا من حبسه عدو٩.
وعن طاووس قال : لا حصر الآن، وقد ذهب الحصر١٠.
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال : الحصر ما حبسه من حابس من وجع أو خوف، أو ابتغاء ضالة١١. وعن معمر عن الزهري قال : الحصر ما منعه من وجع، أو عدو حتى يفوته الحج١٢.
وفرق قوم بين الإحصار والحصر :
فروينا عن الكسائي١٣ قال : ما كان من المرض فإنه يقال فيفه أحصر، فهو محصر، وما كان من حبس قيل حصر١٤.
وقال أبو عبيد١٥ : قال أبو عبيدة١٦ : ما كان من مرض، أو ذهاب نفقة، قيل فيه أحصر فهو محصر، وما كان من حبس. قيل : حصر : وبه يقول أبو عبيد١٧.
قال أبو محمد : هذا لا معنى له، قول الله تعالى هو الحجة في اللغة والشريعة قال الله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ١٨ وإنما نزلت هذه الآية في أمر الحديبية إذ منع الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم من إتمام عمرته١٩، وسمى الله تعالى منع العدو إحصارا.
وكذلك قال البراء بن عازب، وابن عمر، وإبراهيم النخعي، وهم في اللغة فوق أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائي.
قال الله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحاقا ٢٠ فهذا هو منع العدو لا شك، لأن المهاجرين إنما منعهم من الضرب في الأرض الكفار بلا شك، وبين ذلك بقوله في سبيل الله ٢١.
فصح أن الإحصار والحصر بمعنى واحد، وأنهما إسمان يقعان على كل مانع من عدو، أو مرض، أو غير ذلك أي شيء كان٢٢.
٢ الإحصار: الحاء والصاد والراء أصل واحد، وهو الجمع والحبس والمنع. معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٢/٧٢)، الصحاح للجوهري (١/٥٢١).
قال ابن عبد البر: وأصل الحصر في اللغة الحبس والمنع. التمهيد (١٥/١٩٤).
قال ابن فارس: والكلام في حصره وأحصره، مشتبه عندي غاية الاشتباه، أناسا يجمعون بينهما وآخرون يفرقون، وليس فرق من فرق بين ذلك ولا جمع من جمعا ناقضا للقياس الذي ذكرناه، بل الأمر كله دال على الحبس. المعجم (٢/٧٢)..
٣ تخريج الأثر: الأم للشافعي (٢/١٧٨)، مصنف ابن أبي شيبة (٤/٢٩٣)، شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/٢٥٢)، سنن البيهقي (٥/٢١٩)، قال الحافظ ابن حجر بعد أن عزاه للشافعي: إسناده صحيح. التلخيص الحبير (٢/٢٨٨).
ترجمة رجال الإسناد:
وكيع بن الجراح: ثقة، تقدم، انظر ص (١٦٧).
سفيان الثوري: ثقة، تقدم، انظر ص (١٤٨).
موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة، فقيه، إمام في المغازي، لم يصح أن ابن معين ليّنه مات سنة ١٤١ هـ وقيل بعد ذلك. التقريب (٧٢٧٣).
نافع مولى ابن عمر: ثقة، تقدم، انظر ص (١٥٢).
الحكم: إسناده صحيح..
٤ الجُلبان: - بضم الجيم وسكون اللام – شبه الجراب من الأدم يوضع السيف مغمودا، أو السوط، أو الأدات، الفائق (١/٢٢٧)، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١/٢٨٢)..
٥ صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير / باب صلح الحديبية (٣/١٤١٠) حديث رقم (١٧٨٣)..
٦ مصنف ابن أبي شيبة (٣/٢١٣)، تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٣٥)..
٧ مصنف ابن أبي شيبة (٣/٢١٣)، جامع البيان للطبري (٤/٢٢)، تغليق التعليق لابن حجر (٣/١٢٢)، وعزاه لعبد بن حميد في تفسيره، فتح الباري (١/١٠٥)..
٨ تفسير عبد الرزاق (١/٣١٧)..
٩ مصنف ابن أبي شيبة (٣/٢١٣)، الأم للشافعي (٢/١٧٨)، جامع البيان للطبري (٤/٢٤)، سنن البيهقي (٥/٢١٩)، قال الحافظ بن حجر: إسناده صحيح. التلخيص الحبير (٢/٢٨٨)..
١٠ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٣٦)..
١١ مصنف ابن أبي شيبة (٣/٢١٣)، جامع البيان للطبري (٤/٢٢)..
١٢ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٣٦)..
١٣ علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، بالولاء، أبو الحسن الكسائي، إمام في اللغة والنحو والقراءة، وهو مؤدب الرشيد العباسي، مات سنة ١٨٩ هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي (٩/١٣١)..
١٤ أحكام القرآن للجصاص (١/٣٢٥)، الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ص (١٣١)..
١٥ أبو عبيد القاسم بن سلام: تقدم، انظر ص (١٧٧)..
١٦ معمر بن المثنى التيمي، بالولاء البصري، أبو عبيدة النحوي، من أئمة العلم بالأدب واللغة، قال الحافظ: لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه، وقال الذهبي: كان من بحور العلم ومع ذلك لم يكن بالماهر بكتاب الله تعالى ولا العارق بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا البصير بالفقه، واختلاف أئمة الاجتهاد. من كتبه ((مجاز القرآن)) وكتاب ((غريب الحديث) مات سنة ٢٠٩ هـ. السير للذهبي (٩/٤٤٥)..
١٧ فتح الباري (٤/٦)، الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ص (١٣١)..
١٨ سورة البقرة: من آ]ة ١٩٦..
١٩ قال الشافعي: لم أسمع مخالفا ممن حفظت عنه من أهل العلم بالتفسير في أنها نزلت في الحديبية. الأم (٢/١٧٨). قال ابن الملقن: صحيح مشهور بالاتفاق كما قاله الشافعي. خلاصة البدر المنير (٢/٤٥)..
٢٠ سورة البقرة: من آية ٢٧٣..
٢١ سورة البقرة: من آية ٢٧٣..
٢٢ المحلى لابن حزم (٥/٢٢٠-٢٢١) باختصار يسير..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري