٢٧٣- قوله تعالى :( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) إلى قوله :( إلحافا ) |البقرة : ٢٧٣|.
قال كثير من المفسرين إن اللام تتعلق بقوله :( وما تنفقوا من خير ) |البقرة : ٢٧٢| وعلى هذا يحتمل أن تكون اللام بمعنى على، فيكون التقدير على الفقراء، ويحتمل أن يكون ( للفقراء ) في موضع الحال من الضمير في ( تنفقوا ) كأنه قال وما تنفقوا باذلين ومتطوعين، ويجوز أن يكون في موضع الصفة لخير كأنه قال من خير مصنوع للفقراء. وقال بعضهم هو على إضمار فعل تقديره أعطوا للفقراء وهو تقدير ضعيف. وفي قوله :( الذين أحصروا ) قولان :
أحدهما : أن المعنى أحصرهم فضل الجهاد فمنعهم من التصرف١.
والثاني : أحصرهم عدوهم أي شيء لشغلهم بجهادهم.
ومعنى ( أحصروا ) صاروا إلى أن حصروا أنفسهم للجهاد كما تقول٢ رابط في سبيل الله٣. قال بعضهم : كان أصحاب الصفة عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أحصرهم الفقر. والصفة السقيفة وقال ابن جبير : هم قوم أخذتهم جراحات فلزمتهم٤ الزمانة.
وقال مجاهد وغيره : الآية يراد بها فقراء المسلمين بل المهاجرين٥. وهذا وإن كان كما قال فمجملها على العموم في كل من كانت صفته على هذا أولى لأنه لفظ عام ورد على سبب وفيه خلاف بين الأصوليين.
قوله تعالى :( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) |البقرة : ٢٧٣| يريد بالجاهل، الجاهل بهم.
وقوله :( تعرفهم بسيماهم ) |البقرة : ٢٧٣|.
اختلف في السيما ما هي : فقال السدي : أثر الفاقة والحاجة. وقال ابن زيد : رثاثة الثياب. وقال مجاهد : التواضع والخشوع٦. وهذه الأقوال على جهة التمثيل، فكل ما تعرف به أحوالهم، فهو داخل تحت قوله ( تعرفهم بسيماهم ). قال بعضهم : هذه الآية تدل على أن اسم الفقير يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة، ولا يمنع ذلك من إعطائه الزكاة٧. وهذا مما اتفق العلماء عليه، بل قد قال مالك : يعطى من الزكاة من له مسكن وخادم ولا فضل فيهما٨. وقال في موضع آخر : له مسكن ودابة لا غناء به عن أحدهما٩. وذكر ابن شعبان عن أبي حنيفة أنه : يعطى من له دار وخادم يساويان عشرة آلاف. وقاله الثوري١٠.
وفي " الموطأ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعطوا السائل وإن جاء على فرس " ١١ وهذا يدل على أن الفقير اسم ثابت لكل من عدم الفضل على ما لا بد له منه بحسب حاله. والآية على ما قدمت من تقدير تدل على ذلك.
وقال بعضهم : هذه الآية ترد قول١٢ من قال : إنه لا يجب أن يعطى من الصدقة من عنده ما يواري به عورته ويسد به جوعه. وهذا قول شاذ.
وقد اختلفوا في القدر الذي يخرج به الفقير من اسم الفقر إلى اسم الغنى حتى لا تحل له الزكاة، فقيل : من كانت له كفاية بمال وإن كانت دون نصاب للحديث : " من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافا " ١٣. وقد يكون للرجل أكثر من نصاب ولا كفاية له. وروي عن الشافعي، وذكر الباجي نحوه عن الشيخ أبي بكر١٤. وقيل : هو من له نصاب، وهو قول عبد الملك. وذكر بعضهم عن الشافعي أنه اعتبر في ذلك قوت سنة. وعن مالك رحمه الله أنه اعتبر أربعين درهما. وقال الثوري وأحمد : خمسون درهما١٥.
والأظهر من هذه الأقوال على ظاهر الآية اعتبار الكفاية، لأن الله تعالى قد أباح لهؤلاء الفقراء المهاجرين المذكورين في الآية أخذ الصدقات ولا بد أن لهم كسوة وسلاحا ودوابا.
وقد اختلف هل يعطى الفقير نصابا أم لا ؟ وظاهر الآية الجواز إذ لم يخص من النفقة يسيرا من كثير لهذا قلنا : إن من كان في الغزو لا يعطى من الزكاة إلا أن يكون فقيرا |أي|١٦ في الموضع الذي هو فيه غاز وهو ظاهر الآية لأن الله تعالى قد سمى فقراء الغزاة من المهاجرين فقراء فبذلك الدليل يجب إذا شرط في الغزاة الفقر بموضعهم وحينئذ يعطون من الزكاة خلافا لمن قال يعطى من الزكاة وإن كان غنيا في موضع الغزو وتعلقا بظاهر قوله –عليه السلام- : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز " الحديث١٧. واحتج بعضهم بهذه الآية، على أن القوي الصحيح في بدنه إذا لم يكن له شيء فقير تحل له الزكاة لأن قوله تعالى :( لا يستطيعون ضربا في الأرض ) |البقرة : ٢٧٣| يدل على أنهم لو زال عنهم الإحصار لقدروا على الضرب في الأرض فدل ذلك على أنهم ذوو مرة أقوياء. وقد أباح لهم تعالى أخذ الصدقة بالفقر خاصة وقوله –عليه السلام- : " لأن يأخذ أحدكم حبله فيحطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله " الحديث١٨. يدل على هذا المعنى لأنه لا يقدر على الاحتطاب إلا ذو المرة القوي. ولم يحرم عليه المسألة. وذهب الآخرون١٩ إلى الأخذ بقوله –عليه الصلاة والسلام- : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " ٢٠ |وجعلوا الصحة كالغنى، وهو قول الشافعي، وإسحاق، والقولان في المذهب|٢١.
وقوله –عليه السلام- : " ولا لذي مرة سوي " قال الطحاوي : إنما هذا في الصحيح الذي يقصد التكثر بما يأخذ٢٢.
واحتج بعضهم أيضا على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين بقوله تعالى :( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) الآية |البقرة : ٢٧٣| وبقوله تعالى :( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) |الكهف : ٧٩| قال أبو الحسن : ولما قال تعالى٢٣ :( تعرفهم بسيماهم ) دل على أن المراد بالسيما حال من يظهر عليه حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون٢٤، لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم |ذلك|٢٥ على حكم الدار في قول أكثر العلماء. ومثله قوله تعالى :( فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ) |محمد : ٣٠|٢٦.
وقد اختلف عندنا في المذهب إن وجد المذكور مختونا ففي " كتاب " ابن حبيب : أنه لا يصلى عليه لأن النصارى قد يختتنون. وقال ابن وهب : يصلى عليه.
قوله تعالى :( لا يسألون الناس إلحافا ) |البقرة : ٢٧٣|.
اختلف المفسرون فيه٢٧، فقيل : يسألون ولا يلحفون، وقيل : إنهم لا يسألون أصلا، أي لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف كما قال :
على لاحب لا يهتدى بمناره٢٨ ***.........................
واستدل على صحة هذا التأويل بوصفه تعالى لهم بالتعفف، وبقوله –عليه الصلاة والسلام- : " ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس " والحديث في " البخاري " ٢٩. واحتج من قال بالتأويل الآخر بقوله –عليه الصلاة والسلام- في حديث آخر وهو في البخاري أيضا٣٠ : " ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي، ولا يسأل الناس إلحافا " قال : والمسألة بغير إلحاف جائزة للمضطرين يدل على ذلك قوله – عليه السلام – ( من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " ٣١ فدل هذا على أنه من لم تكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ملوم، وهو متعفف. وقال الطحاوي٣٢ : هذا حديث منسوخ بقوله : " من سأل وله خمس أواق فقد سأل إلحافا " ٣٣. فجعل هذا حدا لمن تحل له الصدقة ومن لا تحل له وقد تقدم الكلام على هذا المعنى.
٢ يراجع كلام ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٦٢) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٣٨)..
٣ في ب "يقال"..
٤ في ب "فجرفتهم"..
٥ يراجع المحرر الوجيز (٢/٢٦٢) وتفسير الطبري (٣/١٢٥)..
٦ تراجع هذه الأقوال في تفسير الطبري (٣/١٢٧، ١٢٨) والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٦٤)..
٧ كذا في أحكام القرآن للهراسي (١/٢٣٠) وأصله في أحكام القرآن للجصاص (٢/١٨٠)..
٨ يراجع قول مالك في المدونة (١/٢٩٥) والإشراف على مسائل الخلاف لعبد الوهاب (١/٤٢٠/ رقم ٦١٣)..
٩ في ن "عنهما"..
١٠ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (١/٤٢٠)..
١١ في الجامع عن زيد بن أسلم مرفوعا فذكره، (٢/٥٩٥/٢٨٤٦). قال ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٩٤): "لا أعلم في إرسال هذا الحديث خلافا بين رواة مالك، وليس في هذا اللفظ مسند يحتج به فيما علمت"..
١٢ في ب "على قول"..
١٣ أخرجه مالك في الموطأ (٢/٥٩٩/٢٨٥٤) ومن طريقه أبو داود (١٦٢٧) والنسائي (٥/٩٨) والطحاوي في شرح المعاني (٢/٢١) والجوهري في مسند الموطأ (٣٥٠: بتحقيقي) والبيهقي (٦/٢١). وقد صححه ابن عبد البر في التمهيد (٤/٩٣، ٩٤) وينظر فتح الباري لابن حجر (٨/٢٠٣)..
١٤ يراجع المنتقى شرح الموطأ للباجي (٩/٥٠٩) – ط المحققة)..
١٥ تراجع أقوال الفقهاء في ذلك في التمهيد (٤/٩٦ -٤٠٥) وتحقيقه في ذلك وكذا في الاستذكار (٩/٢٠٦ -٢١٧)..
١٦ سقطت من أ..
١٧ تمام الحديث في الموطأ، الزكاة (١/٣٦٠/ رقم ٧١٨) عن بن يسار مرفوعا: ".. في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو رجل له رجل مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني" والحديث عند مالك كما ترى مرسل. ووصله معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه عبد الرزاق (٧١٥١) وأحمد (٣/٥٦) وأبو داود (١٦٣٦) وابن ماجه (١٨٤١) وابن خزيمة (٢٣٧٤) والحاكم (١/٤٠٧) والبيهقي (٧/١٥ و٢٢) ورجح ابن أبي حاتم والدارقطني الإرسال وهو الأصح يراجع العلل لابن حاتم (٦٤٢) وللدارقطني (١١/٢٧٠، ٢٧١)..
١٨ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في الزكاة (١٤٧٠) ومسلم في الزكاة (١٠٤٢)..
١٩ في ن "وذهب قوم آخرون"..
٢٠ أخرجه النسائي (٥/٩٩) وابن ماجه (١٨٣٩) وأحمد في المسند (٢/٣٧٧ و٣٨٩) وابن حبان في صحيحه (الإحسان: ٣٢٩٠) والطحاوي في شرح المعاني (٢/١٤) والدارقطني في السنن (٢/١١٨) والبيهقي (٧/١٤) عن أبي هريرة.
وصححه الألباني فيراجع إرواء (٣/ رقم ٨٧٧)..
٢١ سقطت من أ..
٢٢ يراجع شرح معاني الآثار (٢/٢١)..
٢٣ سقطت من أ وهي ثابتة في ب و "أحكام القرآن"..
٢٤ في أحكام القرآن للهراسي "محبوب"..
٢٥ سقطت من أ..
٢٦ أحكام القرآن للهراسي (١/٢٣٠)..
٢٧ يراجع تفسير الطبري (٣/١٢٨ -١٣٠) وأحكام القرآن للجصاص (٢/١٨١ -١٨٣) والمحرر الوجيز (٢/٢٦٤ -٢٦٧) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٣٨ -٢٤٠) وتفسير القرطبي (٣/٣٤٢ -٣٤٦)..
٢٨ وعجز البيت: إذا سافه العود النباطي جرجرا. وهو لامرئ القيس يراجع ديوانه (ص٩٥)..
٢٩ أخرجه في الزكاة من حديث أبي هريرة (١٤٧٩) ومسلم في الزكاة (١٠٣٩)..
٣٠ أخرجه أيضا من حديث أبي هريرة في الزكاة (١٤٧٦)..
٣١ تقدم الكلام على هذا الحديث الصحيح ص (٣٩٧). ومعنى الأوقية أربعون درهما من الفضة..
٣٢ يراجع مشكل الآثار (١/٢٠٤ -٢٠٦)..
٣٣ أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١/٢٠٤) وفي شرح المعاني (٤/٣٧٢) من حديث رجل من الصحابة وانظر لشواهد هذا الحديث ومعناه في فتح الباري (٣/٣٤١ -٣٤٣)..
أحكام القرآن
ابن الفرس