ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

فَعَلْتُ هَذَا الْفِعْلَ لِوَجْهِهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّكَ فَعَلْتَ الْفِعْلَ لَهُ فَقَطْ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِ شَرِكَةٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إِلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مُخْتَصَّةً بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَرْفَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَبَاهُ غَيْرُهُ، وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: لَوْ كَانَ شَرَّ خَلْقِ اللَّهِ لَكَانَ لَكَ ثَوَابُ نَفَقَتِكَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أَيْ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جَزَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا حَسُنَ قَوْلُهُ إِلَيْكُمْ مَعَ التَّوْفِيَةِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَعْنَى التَّأْدِيَةِ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ أَيْ لَا تُنْقَصُونَ مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [الكهف: ٣٣] يريد لم تنقص.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٣]
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إِلَى أَيِّ فَقِيرٍ كَانَ، بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ أَشَدَّ النَّاسِ اسْتِحْقَاقًا بِصَرْفِ الصَّدَقَةِ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِلْفُقَراءِ مُتَعَلِّقٌ بِمَاذَا فِيهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: لَمَّا تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ الْكَثِيرَةُ فِي الْحَثِّ عَلَى الْإِنْفَاقِ، قَالَ بَعْدَهَا لِلْفُقَراءِ أَيْ ذَلِكَ الْإِنْفَاقُ الْمَحْثُوثُ عَلَيْهِ لِلْفُقَرَاءِ، وَهَذَا كَمَا إِذَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ رَجُلٍ فَتَقُولُ: عَاقِلٌ لَبِيبٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي مَرَّ وَصْفُهُ عَاقِلٌ لَبِيبٌ، وَكَذَلِكَ النَّاسُ يَكْتُبُونَ عَلَى الْكِيسِ الَّذِي يَجْعَلُونَ فِيهِ الذَّهَبَ وَالدَّرَاهِمَ: أَلْفَانِ وَمِائَتَانِ أَيْ ذَلِكَ الَّذِي فِي الْكِيسِ أَلْفَانِ وَمِائَتَانِ هَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ الثَّانِي: أَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ اعْمَدُوا لِلْفُقَرَاءِ وَاجْعَلُوا مَا تنفقون للقراء الثالث: يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف وَالتَّقْدِيرُ وَصَدَقَاتُكُمْ لِلْفُقَرَاءِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: نَزَلَتْ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانُوا نَحْوَ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسْكَنٌ وَلَا عَشَائِرُ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا مُلَازِمِينَ الْمَسْجِدَ، وَيَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ، وَيَصُومُونَ وَيَخْرُجُونَ فِي كُلِّ غَزْوَةٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى أَصْحَابِ الصُّفَّةِ فَرَأَى فَقْرَهُمْ وَجَدَّهُمْ فَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ، فَقَالَ:
(أَبْشِرُوا يَا أَصْحَابَ الصُّفَّةِ فَمَنْ لَقِيَنِي مِنْ أُمَّتِي عَلَى النَّعْتِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ رَاضِيًا بِمَا فِيهِ فَإِنَّهُ مِنْ رِفَاقِي).
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءَ بِصِفَاتٍ خَمْسٍ:
الصِّفَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٣] فَنَقُولُ: الْإِحْصَارُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَعْرِضَ لِلرَّجُلِ مَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَفَرِهِ، مِنْ مَرَضٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، يُقَالُ: أُحْصِرَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَمَضَى الْكَلَامُ فِي مَعْنَى الْإِحْصَارِ عند قوله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ بما يعني عَنِ الْإِعَادَةِ، أَمَّا التَّفْسِيرُ فَقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِجَمِيعِ الْأَعْدَادِ الْمُمْكِنَةِ فِي مَعْنَى الْإِحْصَارِ فَالْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ

صفحة رقم 67

حَصَرُوا أَنْفُسَهُمْ وَوَقَفُوهَا عَلَى الْجِهَادِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُخْتَصٌّ بِالْجِهَادِ فِي عُرْفِ الْقُرْآنِ، وَلِأَنَّ الْجِهَادَ كَانَ وَاجِبًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَ تَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إِلَى مَنْ يَحْبِسُ نَفْسَهُ لِلْمُجَاهَدَةِ مَعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِذَلِكَ، مَتَى مَسَّتِ الْحَاجَةُ، فَبَيَّنَ تَعَالَى فِي هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ أَنَّهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَمَنْ هَذَا حَالُهُ يَكُونُ وَضْعُ الصَّدَقَةِ فِيهِمْ يُفِيدُ وُجُوهًا مِنَ الْخَيْرِ أَحَدُهَا: إِزَالَةُ عَيْلَتِهِمْ وَالثَّانِي: تَقْوِيَةُ قَلْبِهِمْ لِمَا انْتَصَبُوا إِلَيْهِ وَثَالِثُهَا: تَقْوِيَةُ الْإِسْلَامِ بِتَقْوِيَةِ الْمُجَاهِدِينَ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ جِدًّا مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُظْهِرُونَ حَاجَتَهُمْ، عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى:
لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ: مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فِي التِّجَارَةِ لِلْمَعَاشِ خَوْفَ الْعَدُوِّ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا مَتَى وَجَدُوهُمْ قَتَلُوهُمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَاخْتِيَارُ الْكِسَائِيِّ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَارُوا زَمْنَى، فَأَحْصَرَهُمُ الْمَرَضُ وَالزَّمَانَةُ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَبَسَهُمُ الْفَقْرُ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَذَرَهُمُ اللَّهُ.
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ، وَكَانَتْ شِدَّةُ اسْتِغْرَاقِهِمْ فِي تِلْكَ الطَّاعَةِ أَحْصَرَتْهُمْ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِسَائِرِ الْمُهِمَّاتِ.
الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ لِهَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يُقَالُ ضَرَبْتُ فِي الْأَرْضِ ضَرْبًا إِذَا سِرْتَ فِيهَا، ثُمَّ عَدَمُ الِاسْتِطَاعَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُمْ بِصَلَاحِ الدِّينِ وَبِأَمْرِ الْجِهَادِ، يَمْنَعُهُمْ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، وَإِمَّا لِأَنَّ خَوْفَهُمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ يَمْنَعُهُمْ مِنَ السَّفَرِ، وَإِمَّا لِأَنَّ مَرَضَهُمْ وَعَجْزَهُمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ، وَعَلَى جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَلَا شَكَّ فِي شِدَّةِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى مَنْ يَكُونُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَى مُهِمَّاتِهِمْ.
الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ لَهُمْ: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ يَحْسَبُهُمُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا وَهُمَا اللَّتَانِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَقُرِئَ فِي الْقُرْآنِ مَا كَانَ مِنَ الْحُسْبَانِ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَالْفَتْحُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَقْيَسُ، لِأَنَّ الْمَاضِيَ إِذَا كَانَ عَلَى فَعِلَ، نَحْوُ حَسِبَ كَانَ الْمُضَارِعُ عَلَى يَفْعَلُ، مِثْلُ فَرِقَ يَفْرَقُ وَشَرِبَ يَشْرَبُ، وَشَذَّ حَسِبَ يَحْسِبُ فَجَاءَ عَلَى يَفْعِلُ مَعَ كَلِمَاتٍ أُخَرَ، وَالْكَسْرُ حَسَنٌ لِمَجِيءِ السَّمْعِ بِهِ وَإِنْ كَانَ شَاذًّا عَنِ الْقِيَاسِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْحُسْبَانُ هُوَ الظَّنُّ، وَقَوْلُهُ الْجاهِلُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْجَهْلَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجَهْلَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الِاخْتِبَارِ، يَقُولُ: يَحْسَبُهُمْ مَنْ لَمْ يَخْتَبِرْ أَمْرَهُمْ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنَ الْعِفَّةِ وَمَعْنَى الْعِفَّةِ فِي اللُّغَةِ تَرْكُ الشَّيْءِ وَالْكَفُّ عَنْهُ وَأَرَادَ مِنَ التَّعَفُّفِ عَنِ السُّؤَالِ فَتَرَكَهُ لِلْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يَحْسَبُهُمْ أَغْنِيَاءَ لِإِظْهَارِهِمُ التَّجَمُّلَ وَتَرْكِهِمُ الْمَسْأَلَةَ.
الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ لِهَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ السِّيمَا وَالسِّيمِيَا الْعَلَامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الشَّيْءُ، وَأَصْلُهَا مِنَ السِّمَةِ الَّتِي هِيَ الْعَلَامَةُ، قُلِبَتِ الْوَاوُ إِلَى مَوْضِعِ الْعَيْنِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وزنه يكون فعلا، كَمَا قَالُوا: لَهُ جَاهٌ عِنْدَ النَّاسِ أَيْ وَجْهٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: السِّيمَا الِارْتِفَاعُ لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ وُضِعَتْ لِلظُّهُورِ، قَالَ مُجَاهِدٌ

صفحة رقم 68

سِيمَاهُمْ التَّخَشُّعُ وَالتَّوَاضُعُ، قَالَ الرَّبِيعُ وَالسُّدِّيُّ: أَثَرُ الْجَهْدِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ وَقَالَ الضَّحَّاكُ صُفْرَةُ أَلْوَانِهِمْ مِنَ الْجُوعِ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ رَثَاثَةُ ثِيَابِهِمْ وَالْجُوعُ خَفِيٌ وَعِنْدِي أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرُوهُ عَلَامَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْفَقْرِ وَذَلِكَ يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ يَحْسَبُهُمُ/ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ بَلِ الْمُرَادُ شَيْءٌ آخَرُ هُوَ أَنَّ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ هَيْبَةً وَوَقْعًا فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، كُلُّ مَنْ رَآهُمْ تَأَثَّرَ مِنْهُمْ وَتَوَاضَعَ لَهُمْ وَذَلِكَ إِدْرَاكَاتٌ رُوحَانِيَّةٌ، لَا عِلَّاتٌ جُسْمَانِيَّةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَسَدَ إِذَا مَرَّ هَابَتْهُ سَائِرُ السِّبَاعِ بِطِبَاعِهَا لَا بِالتَّجْرِبَةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تِلْكَ التَّجْرِبَةَ مَا وَقَعَتْ، وَالْبَازِيُّ إِذَا طَارَ تَهْرُبُ مِنْهُ الطُّيُورُ الضَّعِيفَةُ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِدْرَاكَاتٌ رُوحَانِيَّةٌ لَا جسمانية، فكذا هاهنا، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ آثَارُ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الْفَتْحِ: ٢٩] وَأَيْضًا ظُهُورُ آثَارِ الْفِكْرِ، رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ اللَّيْلَ لِلتَّهَجُّدِ وَيَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ لِلتَّعَفُّفِ.
الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ لِهَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ: قَوْلُهُ تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَفِيفَ الْمُتَعَفِّفَ، وَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ الَّذِي إِنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا أَفْرَطَ فِي الْمَدْحِ، وَإِنْ أُعْطِيَ قَلِيلًا أَفْرَطَ فِي الذَّمِّ،
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَفْتَحُ أَحَدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا يَحْتَطِبُ فَيَبِيعُهُ بِمُدٍّ مِنْ تَمْرٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ».
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُشْكِلَةٌ، وَذَكَرُوا فِي تَأْوِيلِهَا وُجُوهًا الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِلْحَافَ هُوَ الْإِلْحَاحُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ سَأَلُوا بِتَلَطُّفٍ وَلَمْ يُلِحُّوا، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِالتَّعَفُّفِ عَنِ السُّؤَالِ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ وَذَلِكَ يُنَافِي صُدُورَ السُّؤَالِ عَنْهُمْ وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي خَطَرَ بِبَالِي عِنْدَ كِتَابَةِ هَذَا الْمَوْضُوعِ: أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَصْفَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يَتَعَفَّفُونَ عَنِ السُّؤَالِ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ الْبَتَّةَ فَقَدْ عُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلْحَافًا، بَلِ الْمُرَادُ التَّنْبِيهُ عَلَى سُوءِ طَرِيقَةِ مَنْ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا، وَمِثَالُهُ إِذَا حَضَرَ عِنْدَكَ رَجُلَانِ أَحَدَهُمَا عَاقِلٌ وَقُورٌ ثَابِتٌ، وَالْآخَرُ طَيَّاشٌ مِهْذَارٌ سَفِيهٌ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَمْدَحَ أَحَدَهُمَا وَتُعَرِّضَ بِذَمِّ الْآخَرِ قُلْتَ فُلَانٌ رَجُلٌ عَاقِلٌ وَقُورٌ قَلِيلُ الْكَلَامِ، لَا يَخُوضُ فِي التُّرَّهَاتِ، وَلَا يَشْرَعُ فِي السَّفَاهَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ غَرَضُكَ مِنْ قَوْلِكَ، لَا يَخُوضُ فِي التُّرَّهَاتِ وَالسَّفَاهَاتِ وَصْفَهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْحَسَنَةِ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، بَلْ غَرَضُكَ التَّنْبِيهُ عَلَى مَذَمَّةِ الثَّانِي وَكَذَا هاهنا قوله لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً بَعْدَ قَوْلِهِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا وَبَيَانُ مُبَايَنَةِ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ عَنِ الْآخَرِ فِي اسْتِيجَابِ الْمَدْحِ وَالتَّعْظِيمِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ الْمُلِحَّ هُوَ الَّذِي يستخرج المال بكثرة تلطفه، فقوله لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ بِالرِّفْقِ وَالتَّلَطُّفِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدِ السُّؤَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَبِأَنْ لَا يُوجَدَ عَلَى وَجْهِ الْعُنْفِ أَوْلَى فَإِذَا امْتَنَعَ الْقِسْمَانِ فَقَدِ امْتَنَعَ حُصُولُ السُّؤَالِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً كَالْمُوجِبِ لِعَدَمِ صُدُورِ السُّؤَالِ مِنْهُمْ أَصْلًا.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: هُوَ الَّذِي خَطَرَ بِبَالِي أَيْضًا فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِيمَا تَقَدَّمَ شِدَّةَ حَاجَةِ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ، وَمَنِ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ السُّؤَالِ إِلَّا بِإِلْحَاحٍ شَدِيدٍ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانُوا لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ

صفحة رقم 69

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية