قوله عَزَّ وَجَلَّ : لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ؛ قيل : معناهُ : ما أنفقتُم من نفقةٍ للفقراء، وقيل : معناهُ : عليكم بالنفقةِ للفقراءِ الذين حُبسُوا في طاعةِ اللهِ ؛ أي أحْصَرَهُمْ فرضُ الجهادِ فمنعَهم من التصرُّفِ والسيرِ لطلب المعاشِ، وهؤلاء أصحابُ الصُّفَّةِ حَبَسُوا أنفسَهم لطلب العلمِ ؛ وفضل الجمعة ؛ وخدمةِ رسولِ الله ﷺ من أربعمائةِ رجلٍ لم يكن لهم مساكنُ ولا عشائرُ ؛ كانوا معتكفينَ في المسجدِ في صُفَّته ؛ قالوا : نخرجُ في كلِّ سَرِيَّةٍ يبعثُها رسولُ الله ﷺ في سبيلِ الله، فحثَّ اللهُ على الصدقةِ عليهم، فكان الرجلُ إذا بقيَ عنده فضلٌ أتاهم به.
وقوله تعالى : لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ الضربُ في اللغة : السَّيْرُ، يعني لا يستطيعون سَيْراً في الأرضِ للتجارة وطلب المعيشة، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [النساء : ١٠١] وقَوْلُهُ تَعَالَى : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ [المزمل : ٢٠]. وقالَ الشاعرُ : لَحِفْظُ الْمَالِ أيْسَرُ مِنْ فَنَائِهِ وَضَرْبٌ فِي الْبِلاَدِ بغَيْرِ زَادِوقال ابنُ زيد :(مِنْ كَثْرَةِ مَا جَاهَدُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ، فَصَارَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا حَرْباً عَلَيْهِمْ ؛ لاَ يَتَوَجَّهُونَ فِيْهَا جِهَةً إلاَّ وَلَهُمْ فِيْهَا عَدُوٌّ). وكان السديُّ يقول :(مَعْنَى أُحصِرُواْ أيْ مَنَعَهُمُ الْكُفَّارُ بالْخَوْفِ مِنْهُمْ ؛ فَلاَ يَسْتَطِيْعُونَ تَفَرُّقاً فِي الأَرْضِ لِمَنْعِ الْكُفَّار إيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ). وقيلَ : هذا لا يصحُّ ؛ لأنه لو كان كذلكَ لقال : حُصِروا، بغير ألِفٍ.
وقال سعيدُ بن جبير :(هَؤُلاَءِ قَوْمٌ أصَابَتْهُمُ جِرَاحَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَصَارُواْ زُمَناً وَأحْصَرَهُمُ الْمَرَضُ وَالزَّمَانَةُ عَنِ الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ). فاختارَ الكسائيُّ هذا القولَ لأنه يقال : أُحْصِرُواْ من المرضِ والزَّمَانَةِ عن الضرب في الأرض، ولو أراد الحبسَ قال : حُصِرُواْ، وإنَّما الإحصارُ من الخوفِ أو المرضِ، والحَصْرُ : الحبسُ في غيرهما.
قَوْلُُهُ تَعَالَى : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ قرأ الحسنُ وأبو جعفر وشيبة وابنُ عامر والأعمشُ وعاصم وحمزةُ :(يَحْسَبُهُمْ) بفتحِ السينِ في جميع القرآن، والباقون بالكسرِ.
ومعنى الآية : يظنُّهم الجاهلُ بأمرِهم وشأنِهم أغنياءَ من التعفُّفِ عن السؤالِ ؛ لِتَجَمُّلِهِمْ باللباسِ وكَفِّهِم عن المسألةِ. والتعفُّفُ يُذْكَرُ ويراد به تَرْكَ المسألةِ كما قالَ ﷺ :" مَنِ اسْتَغْنَى أغْنَاهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللهُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى : تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ؛ أي تعرفهم أنتَ يا محمدُ بعلامةِ فقرهم ورَثَاثَةِ حالِهم. وقيلَ : بتخشُّعهم وتواضُعِهم. وقيلَ : بصفرة ألوانِهم من الجوعِ وقيامِ الليل وصيامِ النهار. وقيلَ : بفَرَحِهِمْ واستقامةِ حالِهم عند تواردِ البلاءِ عليهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى : لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ؛ قال عطاءُ :(إذَا كَانَ عِنْدَهُ غَدَاءٌ لاَ يَسْأَلُ عَشَاءً، وَإنْ كَانَ عِنْدَهُ عَشَاءٌ لاَ يَسْأَلُ غَدَاءً). وقال أهلُ المعاني : لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ولا غيرَ إلحافٍ ؛ أي ليس لهم سؤالٌ فيكون إلحافاً، والإلْحَافُ : الإلْحَاحُ، دليلُ هذا القولِ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي من القناعةِ، ولو كانوا يسألونَ لكان يعرفُهم بالسؤالِ لا بالسيماءِ.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني