لمن تعطى الصدقة وبعض أحكامها [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٢ الى ٢٧٤]
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
المفردات:
هُداهُمْ: هدايتهم إلى الإسلام. أُحْصِرُوا أى: حبسوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله. ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أى: سيرا فيها. التَّعَفُّفِ أى: العفة.
بِسِيماهُمْ السيما: العلامة. إِلْحافاً: بالإلحاح.
المعنى:
قد أطلق الله في الآية السابقة إيتاء الصدقة للفقراء مسلمين وغير مسلمين، وقد أرشدنا الله في هذه الآية إلى عدم التحرج في إعطاء غير المسلمين بحجة عدم الاهتداء إلى الدين فإن الهداية من الله، والشفقة تقتضي إعطاء الإنسان المحتاج مطلقا بقطع النظر عن دينه.
وقد ذكروا في أسباب النزول روايات كثيرة كلها تدور حول هذا،
فعن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يأمرنا بألا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية.
وإذا كان الله يخاطب النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: ليس عليك هدايتهم ولكن الله يهدى من يشاء إلى دينه فالمسلمون من باب أولى.
ولا يصح أن يكون الباعث على الإنفاق الرغبة في دخول الناس في الإسلام وإنما الباعث عليه هو أن الإنفاق لنا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ نعم هو لنا في الدنيا إذ لا ينكر أحد ما للإنفاق من الأثر البين في جذب القلوب وسلّم السخائم والأحقاد ونشر الأمن والطمأنينة ومنع السرقة وقطع الأفكار السامة والمبادئ الهدامة، وأما في الآخرة فجزاؤه يوفى إلينا، ولا يصح أن يكون الإنفاق إلا في الخير ابتغاء وجه الله لا وجه الدنيا والشيطان، وعلى ذلك فلا منّ ولا إيذاء لأنك ما فعلت لأحد شيئا وإنما قدمت لنفسك ما ينفعها ولا رياء ولا سمعة حيث تقصد وجه الله.
وما تنفقوا من مال قل أو كثر يوف إليكم أجره في الآخرة وأنتم لا تظلمون شيئا فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين [سورة الأنبياء آية ٤٧].
علم مما مر أن الإنفاق يكون للفقراء عامة ولا حرج على من ينفق على غير المسلم، ثم بين هنا أحق الناس بالصدقة وهم الفقراء بأوصافهم.
الصفة الأولى:
الذين أحصروا في سبيل الله، أى: منعوا أنفسهم من الكسب وحبسوها على الجهاد في سبيل الله. نزلت هذه الآية في أهل الصفة وهم فقراء المهاجرين الذين هاجروا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتركوا مالهم وكان عددهم حوالى أربعمائة رجل.
ولم يكن لهم مأوى فكانوا يأكلون عند النبي صلّى الله عليه وسلّم وعند غيره ثم يبيتون في المسجد تحت جزء مسقوف يقال له الصّفّة، وقد كان عملهم الجهاد وحفظ القرآن الكريم والخروج مع السرايا التي يرسلها النبي صلّى الله عليه وسلّم وهكذا من يشاكلهم ممن حبس نفسه على الجهاد في سبيل الله، فالجنود وطلبة العلم بشرط أن لا يمكنهم الكسب ممن يدخل تحت هذا.
الصفة الثانية:
لا يستطيعون سفرا ولا سيرا في الأرض للتجارة والكسب وذلك بأن يكونوا ممنوعين لعجز أو كبر أو ضرورة.
الصفة الثالثة:
يحسبهم الذي يجهل حالهم أغنياء من عفتهم وصبرهم وقناعتهم فعندهم عزة المؤمنين وتوكل المتوكلين.
الصفة الرابعة:
تعرفهم بسيماهم وعلامتهم، فعلامتهم الضمور والنحول والضعف ورثاثة الثياب، وفي الواقع هذا متروك لفراسة المؤمن، فرب فقير له مظهر وغنّى رث الثياب لحوف في السؤال.
الصفة الخامسة:
لا يسألون الناس أصلا، أو لا يسألون الناس ملحين وملحفين، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرءوا إن شئتم قوله- تعالى-: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً والسؤال في الإسلام محرم إلا لضرورة،
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسألة لا تحل إلا لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع» «١».
وما تنفقوا من خير قل أو كثر فإن الله به عليم ومجاز عليه.
ويشير القرآن الكريم في آخر آية في الإنفاق إلى عموم الأحوال والأزمنة في الصدقة فبين أن الذين يتصدقون بأموالهم ليلا أو نهارا، سرّا أو علانية هؤلاء لهم الأجر الكامل عند ربهم الذي ربّاهم وتعهدهم في بطون الأرحام، ولا خوف عليهم أصلا في الدنيا ولا في الآخرة ولا هم يحزنون أبدا، وهكذا كل من سار بسيرة القرآن واهتدى بهديه أولئك هم المفلحون.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي