ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

أحدهما: أن المراد منه تحقيق الإضافة؛ لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام أنه له ولغيره، وذلك أنكَ لمَّا ذكرتَ الوجه ومعناه النفس، دل على أنك تصرِف الوهم عن الإشراك إلى تحقيق الاختصاص، فكنت بذلك محققًا للإضافة ومزيلًا لإبهام الشركة.
القول الثاني: أنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد، كان أشرفَ في الذكر من: فعلتُه له، لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صارَ يدل على شرف الذكر في الصفة فقط من غير تحقيق وجه، ألا ترى أنك تقول: وجه الدليل كذا، وهذا وجه الرأي، ووجه الأمر، فلا تريد تحقيق الوجه، وإنما تريد أشرف ما فيه، من جهة شدةِ ظهورِهِ وحسن بيانه.
وقوله تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي: يوفِّر لكم جزاءه، قال ابن عباس: يريد: يجازيكم في الآخرة (١).
وإنما حسن إِلَيْكُمْ مع التوفية؛ لأنها تضمنت معنى التأدية (٢).
وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئًا، كقوله تعالى: آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣]، يريد: لم تنقص (٣) (٤).
٢٧٣ - قوله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ الآية. قال المفسرون: هؤلاء فقراء المهاجرين، كانوا نحوًا من أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكنُ بالمدينة ولا عشائر، حثّ الله عز وجل الناس (٥) على الإنفاق

(١) ذكره في "الوسيط" ١/ ٣٨٨. وهذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.
(٢) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ١٦٦٠.
(٣) في (ي): (ولم تنقص)، وهي ساقطة من (م).
(٤) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٦٠.
(٥) سقطت من (ش).

صفحة رقم 447

عليهم، فكان (١) مَن عنده فضل أتاهم به إذا أمسى (٢).
واللام في قوله: لِلْفُقَرَاءِ متعلق بمحذوف، تأويله: هذه الصدقات، أو النفقة للفقراء، وقد تقدَّم ما يدل عليه؛ لأنه قد سبق ذكر الإنفاق والصدقات.
قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: عاقل لبيب، إذا تقدم وصف رجل، والمعنى: الموصوف عاقل لبيب (٣) وكذلك كتبوا على الأكياس: ألفان ومائتان، والمعنى: الذي في الكيس ألفان، وأنشد:

تَسْألُنِي عن بَعْلِها أيُّ فَتَى خَبٌّ جَزُوعٌ وإذا (٤) جَاعَ بَكَى (٥)
أراد: هو خَبٌّ، فَحَذَف المبتدأ وأبقَى خبره.
وكثير من الناس قالوا: هذه اللام مردودة على موضع اللام من قوله: فَلِأَنْفُسِكُمْ كأنه قال: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، للفقراء، فأبدل الفقراء من الأنفس (٦)، وهذا غلط؛ لأن بدل الشيء من غيره لا يكون إلا والمعنى مشتمل عليه، وليس كذلك ذكر النفس هاهنا؛ لأن (٧) الإنفاق لها
(١) في (ي): (وكان).
(٢) ينظر: "تفسير مقاتل" ١/ ١٤٤، "بحر العلوم" ١/ ٢٣٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٦١، و"العجاب" ١/ ٦٣٣، "الدر المنثور" ١/ ٦٣٣.
(٣) من قوله: (إذا تقدم)، ساقط من (ي).
(٤) في (ي): (إذا).
(٥) هما بيتان وردا هكذا:
يسألها عن بعلها أي فتى خب جبان وإذا جاع بكى
والبيتان لشماخ بن ضرار، في "ديوانه" ص ١٢٨.
(٦) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٦٠ - ١٦٦١، "البحر المحيط" ٢/ ٣٢٨.
(٧) في (م): (لأن المعنى).

صفحة رقم 448

من حيث هو عائد عليها، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم، وليس من وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة.
ولا يجوز أيضًا أن يكون العامل في هذه اللام (تنفقوا) إلا الأخير في الآية المتقدمة؛ لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه، كما لا يجوز: كانت زيدًا الحُمّى تأْخُذُ (١).
وقوله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الإحصار في اللغة: أن يعرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين سفره، من مرض أو كسر أو عدوٍّ أو ذهابِ نفقةٍ أو عَطَبِ رِكَابٍ، أو ما جرى مجرى هذه الأشياء. يقال: أُحْصِرَ الرجل فهو مُحْصَر، ومضى الكلام في معنى الإحصار عند قوله: فَإِنْ أحُصِرتُم [البقرة: ١٩٦] بما يغني عن الإعادة.
فأما التفسير، فقد فسرت (٢) هذه الآية بجميع الوجوه والأعذار (٣) التي ذكرنا في معنى الإحصار، فقال قتادة: حبسوا أنفسهم في سبيل الله، أي: في طاعته للغزو، فلا يتفرغون إلى طلب المعاش (٤)، وبقريب (٥) من

(١) ينظر في إعراب الآية: "تفسير الطبري" ٣/ ٩٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٦٠ - ١٦٦١، و"إعراب مشكل القرآن" ١/ ١٤٢، "التبيان" ص ١٦٤، "البحر المحيط" ٢/ ٣٢٨، واستبعد قول من قال: التقدير: إن تبدوا الصدقات للفقراء، وكذلك من علقه بقوله: "وما تنفقوا من خير" وكذلك من جعل (للفقراء) بدلًا من قوله: (فلأنفسكم) لكثرة الفواصل المانعة من ذلك.
(٢) في (م): (فسر).
(٣) في (أ) و (م) كتبت كلمة لم أستطع قراءتها.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٠٩، والطبري ٣/ ٩٦، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤٠.
(٥) في (أ) و (ي) و (م): (ويقرب).

صفحة رقم 449

هذا القول قال ابن زيد، لأنه يقول: من كثرة ما جاهدوا صارت الأرض كلُّها حربًا عليهم، لا يتوجهون جهةً إلا ولهم فيها عدو (١)، فهذا القول كالأول، من حيث إن خوف العدو منعهم عن السفر، إلا أن الخوف في هذا القول على أنفسهم لو خرجوا، وفي الأول على بيضة الإسلام بقوة العدو واستيلائهم (٢) لو خرجوا لطلب المعاش. وقال سعيد بن المسيب (٣): هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله، وصاروا زَمْنَى، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض (٤)، فعلى هذا القول هم محصرون (٥) بالمرض والزمانة، وهذا القول اختيار الكسائي (٦)؛ لأنه يجعل الإحصار من الخوف والمرض. وقال ابن عباس، في رواية عطاء: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله، فقال: لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يريد: الجهاد (٧)، وعلى

(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٩٦ - ٩٧، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٦٧، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٣٧.
(٢) في (ي): (لاستيلائهم).
(٣) كذا في الأصل، والذي عند ابن أبي حاتم ٢/ ٥٤٠، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٦٧، وفي "الدر المنثور" ١/ ٦٣٣ هو سعيد بن جبير.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤٠، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٦٧، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٣٧، وعزاه في الدر ١/ ٦٣٣: إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) في (ي): (محصورون).
(٦) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٦٧، و"باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن" لمحمود النيسابوري ١/ ٢٦٦، و"زاد المسير" ١/ ٣٢٨.
(٧) هذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة. وذكرها في "زاد المسير" ٣٢٨ والواحدي في "الوسيط" ١/ ٣٨٨.

صفحة رقم 450

هذا القول هم محصرون بذهاب النفقة وعدم الرِكاب.
وقوله تعالى: لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يقال: ضَربْتُ في الأرض ضَرْبًا ومضربًا، إذا سرت فيها. قال الشاعر:

لَحِفْظُ المَالِ أَيْسَرُ من بُغَاه وضربٍ في البلادِ بِغَيْرِ زَادِ (١)
والضرب يقع على معان كثيرة (٢)، وهؤلاء إنما لا يستطيعون الضرب في الأرض، لأن الفقر منعهم عن جهاد العدو، على قول ابن عباس، والضرب في الأرض على هذا السفر للجهاد، وهم لا يستطيعون ذلك للفقر، وعلى قول سعيد للزمانة لا يمكنهم السفر، وعلى قول ابن زيد، إشفاقًا على أنفسهم من الاغتيال وإيقاع المكروه بهم لا يمكنهم السفر، وعلى قول قتادة، لا يستطيعون ضربًا لأنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد، فمنعهم ذلك من ليس أنهم لا يقدرون أن يتصرفوا، وهذا كقولك: أمرني الوالي أن أقيم فما أقدر أن أخرج، فالمعنى: أني قد ألزمت نفسي طاعته، لا أنه لا يقدر على الحركة وهو صحيح سَوِيّ.
وقوله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ يقال: حَسِبْتُ الشيءَ أَحْسَبُهُ وأَحْسِبُه حُسْبَانًا، وقرئ في القرآن ما كان من (٣) الحسبان باللغتين جميعًا،
(١) البيت للمتلمس جرير بن عبد المسيح في "ديوانه" ص ١٧٢ وقبله:
قليل المال تُصْلِحه فيبقى ولا يبقى الكثير مع الفساد
وينظر "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص ١٠٢، "الأغاني" ٢٣/ ٥٧٠، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٦٦، "فصل المقال في شرح كتاب الأمثال" ١/ ٢٨٣.
(٢) ينظر في ضرب: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٠٣ - ٢١٠٦، "المفردات" ص ٢٩٨، "اللسان" ٥/ ٢٥٦٥ - ٢٥٧٠. قال الراغب: الضرب: إيقاع شيء على شيء، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها.
(٣) من سقطت من (ش) وفي (ي): (في).

صفحة رقم 451

الفتح والكسر، والفتح عند أهل اللغة أقيس، لأن الماضي إذا كان على فَعِلَ نحو: حَسِبَ، كان المضارع على يفعَل، مثل: فرِق يفرَق، وشرِبَ يشرَبُ، وشذ يحسِبُ فجاء على يفعِل في حروف أُخر، والكسر حسن لمجيء السمع به، وإن كان شاذًّا عن القياس (١).
وقوله تعالى: الْجَاهِلُ لم يرد الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ (٢)، وهو تفَعُّلٌ من العِفّة، ومعنى العِفَّةِ في اللغة: تَرْكُ الشيءِ والكَفُّ عنه، قال رؤبة:
فعَفَّ عن أسرَارِها بَعْدَ العَسَق (٣) (٤)
أي: تركها (٥). وأراد: من التعفُّف عن السؤال، فتركه للعلم به، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التحمل وتركهم المسألة.

(١) من "الحجة" لأبي علي ٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣ بتصرف، وينظر "تهذيب اللغة" ١/ ٨٠٩ - ٨١٢ مادة "حسب".
(٢) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٧٠
(٣) في (م): (العشق)، وفي (أ): (الغشق)، وفي (ش): (عند) بدل (عن).
(٤) البيت في "ديوانه" ص ١٠٤ من قصيدة وصف المفازة، وينظر "الزاهر" ٢/ ٣٢٤، "مجاز القرآن" ١/ ٧٦، والطبري في "تفسيره" ٣/ ٩٧، ومعنى العسق: عسق بالشيء إذا لزق به، ينظر "عمدة القوي والضعيف" ص ٧، "الوسيط" للواحدي ١/ ٣٨٩.
(٥) ينظر في عفف: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٠٠، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٧١، "المفردات" ص٣٤٢،"اللسان" ٥/ ٣٠١٥، قال الراغب: العفة: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، المتعفف: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، وأصله: الاقتصار على تناول الشيء القيل الجاري مجرى العفافة.

صفحة رقم 452

وقوله: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ السِّيْمَا والسِّيْمَاءُ والسِّيْمِيَاءُ: العَلاَمَةُ التي يُعْرف بها الشيء، وأصلها من السِّمَة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين، ووزنه يكون: عِفْلَى، كما قالوا: له جَاهٌ في الناس، أي: وجه، وأرض خَامة، أي: وَخْمَةٌ، واضْمَحَلَّ الشىء وامْضَحَلّ، ذكره الفراء في كتاب "المصادر" في سورة الأعراف.
وقال قوم: أصل السيما الارتفاع؛ لأنها علامة رفعت للظهور (١).
قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع (٢).
وقال الربيع (٣) والسدي (٤): أثر الجهد من الحاجة والفقر. الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع والضر (٥).
ابن زيد: رثاثة ثيابهم، والجوع خفي (٦).
وقوله تعالى: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا الإلحاف في اللغة: هو الإلحاح في المسألة (٧)، ومنه الحديث: "من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف (٨) ".

(١) ينظر في السيما: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٦٠٠ - ١٦٠٢ مادة "سام"، "المفردات" ص ٢٢٥ - ٢٢٦، "اللسان" ٤/ ٢١٥٨ - ٢١٥٩ (مادة: سوم).
(٢) في "تفسيره" ١/ ١١٧، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٠٩، والطبري في "تفسيره" ٣/ ٩٨، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤١.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٩٨، "ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٤١.
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٩٨، "ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٤١ بمعناه.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٧٢، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٣٨، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٣٨٩.
(٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٩٨، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٧٢.
(٧) ينظر: "المفردات" ص ٤٥٢، "اللسان" ٤/ ٤٠٠٩ (مادة: لحف).
(٨) الحديث رواه الطبراني في "الكبير" ٢/ ١٥٠، وعنه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ١٦١،=

صفحة رقم 453

وقال أبو الأسود الديلي: ليس للسائل الملحف متل الرد الحامس. قال الزجاج: ومعنى ألحف: شَمِلَ بالمسألة، واللحاف (١) سمي لحافًا؛ لأنه شَمِلَ الإنسانَ في التغطية (٢)، فالإلحاف في المسألة، هو أن (٣) يشتمل على وجوه الطلب في المسألة، كاشتمال اللحاف في التغطية، في قول الزجاج.
وقال غيره: معنى الإلحاف في المسألة: مأخوذ من قولهم: ألحف الرجل، إذا مشى في لَحْفِ الجبل، وهو أصله، كأنه استعمل الخشونة في الطلب (٤). فأما التفسير، فقال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول: إذا كان عنده غداءٌ لم يسأل عشاءً، وإذا كان عنده عشاءٌ لم يسأل غداءً (٥). فعلى

= ورواه الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٧٤ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/ ٣٣٤: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس، وهو ثقة. قال الدكتور المنيع في تحقيقه "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٧٦: وله شواهد يترقى بها للحسن لغيره، ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه النسائي ٥/ ٩٨، كتاب: الزكاة، باب من الملحف، وابن خزيمة ٤/ ١٠١، والبيهقي ٧/ ٢٤، وحديث عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد به مطولًا، رواه مالك في الموطأ ٢/ ٩٩٩، وأبو داود (١٦٢٧) كتاب: الزكاة، باب: من يعطي من الصدقة وَحَدُّ الغني، والنسائي ٥/ ٩٨، كتاب: الرعاب، باب: من الملحف، وأحمد ٤/ ٣٦.
(١) في (م): (باللحاف).
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٣٥٧.
(٣) في (م): (أنه).
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٩٩، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٣٠٤، "تفسير الثعلبي" ١/ ٣٠٤.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٧٣، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٣٨ عن عطاء، وذكره في "الوسيط" ١/ ٣٩٠. وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.

صفحة رقم 454

هذا التفسير يجوز أن يسألوا الناس غير إلحاف، لأن الله تعالى نفى عنهم السؤال إلحافًا، وهو أن يسألوا مع الاستغناء عن المسألة.
وقال الفراء (١) والزجاج (٢) وأكثر أهل المعاني (٣): لا يجوز أن يَسْألوا غير إلحافٍ أيضًا، لما وصفوا به من التعفف والمعرفة بسيماهم، دون الإفصاح (٤) بسؤالهم، إذ لو أفصحوا لم يحسبهم الجاهل أغنياء؛ لأنه إنما جهل ما لا ينال (٥) بالاستذلال.
ثم اختلفوا في وجه قوله: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا فقال الزجاج: المعنى: أنه ليس منهم سؤال فيكون إلحاف، كما قال امرؤ القيس:

على لاحبٍ لا يُهْتَدَى بمَنَارِه إذا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَّافيُّ جَرْجَرَا (٦)
المعنى: ليس به منار فيُهتدى به، كذلك ليس من هؤلاء سؤال فيقع
(١) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٨١.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٥٧.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٩٩، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٧٣، و"أمالي المرتضى" ١/ ٢٢٨.
(٤) في (م): (الالحاف صاح).
(٥) في (ش): (ما نال)، وفي (ي): (ما ينال).
(٦) البيت في "ديوانه" ص ٦٤، وأمالي المرتضى ١/ ١٦٥ "لسان العرب" ٣/ ١٤٦٦ مادة: ديف، ١٤٦٦٣ مادة: سوف ٤/ ٢١٥٣ مادة: لحف. وقوله: سلفه: شمه، العَوْدُ: المُسِنّ من الإبل - الدِّيافيّ: نسبة إلى دياف قرية بالشام، جرجرا: أخرج شقشقته وصاح، ولاحب: الطريق الواضح. ويروى النياطي، وهو الأكثر، بمعنى الضخم الجسيم، والشاعر يصف طريقًا إذا شمه البعير المُسن عرفه فاستبعده وذكر ما يلحقه فيه من المشقة فجرجر لذلك. ينظر (أمالي المرتضى١/ ٢٢٨ - ٢٢٩).

صفحة رقم 455

فيه (١) إلحاف (٢).
ونصر ابن الأنباري هذه الطريقة، وقال: تأويل الآية: لا يسألون ألبتة فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف، فجرى هذا مجرى قولك: فلان لا يُرجَى خيرُه، أي: ليس فيه خيرٌ ألبتة فَيُرْجَى، وأنشد قول امرئ القيس:

وَصُمٌّ صِلابٌ ما يَقِيْنَ من الوَجَى كأنَّ مَكَانَ الرِّدْفِ (٣) منه على رال (٤)
أراد: ليس بهن وَجًى فَيَشْتَكِينَ من أجله، وقوله: يقين يقال: مرَّ الفرسُ يقي ويتقي، إذا هابَ المشيَ من وَجًى أو حفًا، يقال: فرسٌ واقٍ، وخيلٌ أواقٍ.
وقال الأعشى:
لا يغمز السَّاقَ من أيْنٍ ولا وَصَبٍ ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفه الصَّفَرُ (٥)
معناه: ليس بساقه أينٌ ولا وصبٌ فيغمرها، ليس أن هناك أينًا ولا يَغْمِزُهُ هو (٦).
(١) سقطت من (ي).
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٣٥٨، ينظر: "المحرر الوجيز" ٢/ ٤٧١.
(٣) في (م): (الزحف).
(٤) البيت في "ديوانه" ص ١٢٨.
(٥) البيت في "غريب الحديث" ١/ ٢٦، و"الكامل" للمبرد ٤/ ٦٥، و"الخزانة" ١/ ١٩٧، و"لسان العرب"٤/ ٢٤٥٨ (مادة: صفر). ومعنى لا يعمز الساق: لا يحبسها، يصف جلده وتحمله المشاق، والأين: الإعياء، والوصب: الوجع، والشرسوف: العظم الزائد فوق القلب وأطراف الأضلاع. وينظر "الوسيط" للواحدي ١/ ٣٩٠.
(٦) ليست في (أ) و (م).

صفحة رقم 456

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية