ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم * وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم .
ذكر الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى في وجوه الاتصال بين هاتين الآيتين وما قبلهما صفوة ما قال المفسرون موضحا، ونذكر ما قاله كذلك : الكلام في الأموال بدأ بالترغيب في الصدقات والإنفاق في سبيل الله وذلك محض الرحمة وثنى بالنهي عن الربا الذي هو محض القساوة. ثم جاء بأحكام الدين والتجارة والرهن. أقول : وهي محض العدالة فقد أمرنا الله ببذل المال حيث ينبغي البذل وهو الصدقة والإنفاق في سبيله، وبتركه حيث ينبغي الترك وهو الربا، وبتأخيره حيث ينبغي التأخير وهو إنظار المعسر، وبحفظه حيث ينبغي الحفظ وهو كتابة الدين والإشهاد عليه وعلى غيره من المعاوضات وأخذ الرهن إذا لم يتيسر الاستيثاق بالكتابة والإشهاد. ذلك بأن من يضيع ماله بإهمال المحافظة عليه لا يكون محمودا عند الناس ولا مأجورا عند الله، كما قال الحسن عليه الرضوان في المغبون بالبيع.
قال الأستاذ الإمام : ولما كانت سلطة صاحب الربا قد زالت بتحريمه ولم يبق له إلا رأس المال وقد أمر بإنظار المعسر فيه وكان لا بد لحفظه من كتابته إذ ربما يخشى ضياعه بالإنظار إلى الأجل ـ جاء بعد أحكام الربا بأحكام الدين ونحوه وبقول بعض المعسرين : وله الحق، إنه تقدم في الآيات طلب الإنفاق والتصدق ثم حكم الربا الذي يناقض الصدقة ثم جاء هنا بما يحفظ المال الحلال لأن الذي يؤمر بالإنفاق والصدقة، ويترك الربا لا بد له من كسب ينمي ماله ويحفظه من الضياع ليتسنى له القيام بالإنفاق في سبيل الله ولا يضطر بالفاقة إلى الوقوع فيما حرم الله. وهذا يدل على أن المال ليس مذموما لذاته في دين الله ولا مبغضا عنده تعالى على الإطلاق كيف وقد شرع لنا الكسب الحلال وهدانا إلى حفظ المال وعدم تضييعه وإلى اختيار الطرق النافعة في إنفاقه بأن نستعمل عقولنا في تعرفها ونوجه إرادتنا إلى العمل بخير ما نعرفه منها.
ففي آية الدين بعد ما تقدم احتراس أو استدراك مزيل ما عساه يتوهم من الكلام السابق وهو أن المبالغة في الترغيب في الإنفاق في سبيل الله والتشديد في تحريم الربا يدلان على أن جمع المال وحفظه مذموم على الإطلاق كما هو ظاهر نصوص بعض الأديان السابقة. فكأنه يقول إنا لا نأمركم بإضاعة المال وإهماله، ولا بترك استثماره واستغلاله، إنما نأمركم بأن تكسبوه من طرق الحل وتنفقوا منه في طرق الخير والبر، أقول ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى في سورة النساء ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما [ النساء : ٥ ] أي تقوم وثبت بها منافعكم ومصالحكم وحديث " نعم المال الصالح للمرء الصالح " (١) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمرو بن العاص بسند صحيح وإنما المذموم في الشرع أن يكون الإنسان عبدا للمال، يبخل به ويجمعه من الحرام والحلال، كما ورد في حديث أبي هريرة عند البخاري " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم " (٢) الحديث. ولولا أن إزالة هذا الوهم مقصود لما جاءت آية الدين بما جاءت به من المبالغة والتأكيد في كتابة الدين والإشهاد عليه مع ما يعهد في أسلوب القرآن من الإيجاز لا سيما في الأحكام العلمية وقد عد القفال هذه التأكيدات في الآية فبلغت تسعة. أقول وفي الآية الأولى خمسة عشر أمرا ونهيا.
وذكر الرازي وجها آخر للاتصال في النظم عزاه إلى قوم المفسرين " قالوا إن المراد بالمدانية السلم فالله سبحانه لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ولهذا قال بعض العلماء لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضع الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل تلك طريقا حلالا وسبيلا مشروعا " اهـ
وأقول : إن الفرق بين الربا القطعي المحرم في القرآن وبين السلم أن الربح في السلم ليس من شأنه أن يكون أضعافا مضاعفة كربا النسيئة ولولا ذلك لم يظهر لتحريم الربا مع إباحة السلم فائدة إذ ليس في أمور المكاسب والمعايش تعبد لا تقبل.
وإذ قد فهمت وجه اتصال الآيتين بما قبلهما فهاك تفسيرهما وفيهما عدة أحكام :
١ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه تداينتم داين بعضكم بعضا، وهو يأتي بمعنى تعاملتم بالدين وبمعنى تجازيتم. ولما قال بدين تعين المعنى بالنص القطعي. والمراد بالدين المال الذي يكون في الذمة لا المصدر. وقد حمل المداينة بعضهم على السلف ( السلم ) وروي عن ابن عباس. فقد أخرج البخاري وغيره عنه أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله قد أحله وقرأ هذه الآية. وبعضهم على القرض وضعفه الرازي بأن القرض لا يمكن أن يشترط فيه الأجل وما في الآية قد اشترط فيه الأجل. وقوله هذا هو الضعيف. وقال الجمهور إن الدين عام يشمل القرض والسلم وبيع الأعيان إلى أجل وهو الصواب. والأجل الوقت المضروب لانتهاء شيء والمسمى المعين بالتسمية كشهر وسنة مثلا. بعد أن أمر بالكتابة إجمالا بين كيفيتها ومن يتولاها فقال :
٢ وليكتب بينكم كاتب بالعدل أي ليكن فيكم كاتب للديون عادل في كتابته يساوي بين المتعاملين لا يميل إلى أحدهما فيجعل له من الحق ما ليس له ولا يميل عن الآخر فيبخسه من حقه شيئا. وقال الأستاذ الإمام إن قوله تعالى : فاكتبوه أمر عام للمتعاملين وفيهم الأمي الذي لا يكتب ولذلك احتيج إلى هذه الجملة : وقد ذكروا أن العدل في الكاتب يستلزم العلم بشروط المعاملات التي تحفظ الحقوق لأن الكاتب الجاهل قد يترك بعض الشروط أو يزيد فيها أو يبهم في الكتابة بجهله فيلتبس بذلك الحق بالباطل ويضيع حق أحد المتعاملين كما يضيع بتعمد الترك أو الزيادة أو الإبهام إذا لم يكن عادلا. وافقهم الأستاذ الإمام على ذلك. أقول : وقد يغني عن أخذ ذلك بطريق اللزوم قوله :
٣ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فإن تعليم الله إياه ليس خاصا بصناعة الكتابة، بل هو ما وفقه له من علم الأحكام والفقه فيها. فالكتابة لا تكون ضمانا تاما إلا إذا كان الكاتب عالما بما يجب عمله في ذلك من الأحكام الشرعية والشروط المرعية والاصطلاحات العرفية، وكان عادلا مستقيما لا غرض له إلا بيان الحق كما هو من غير محاباة ولا مراعاة. وإنما قدم صفة العدالة على صفة العلم بذلك لأن من كان عدلا يسهل عليه أن يتعلم ما ينبغي لكتابة الوثائق، لأن العدالة تهديه إلى ذلك ومن كان عالما غير عدل فإن العلم بذلك لا يهديه إلى العدالة. قلما يقع فساد من عدل ناقص العلم، وإنما أكثر الفساد من العلماء الفاقدين لملكة العدالة.
وقال الأستاذ الإمام : إن كاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة الفاضلة بين الناس وليس كل من يخط بالقلم أهلا لذلك. وإنما أهله من يصح أن يكون قاضي العدل والإنصاف. وقال إن ما ذكر في وصف الكاتب إرشاد من الله تعالى لتلك الأمة الأمية إلى نظام معروف، وهو أن يكون كاتب الديوان عادلا عارفا بالحقوق والأحكام فيها حتى لا يقع التنازع بعد ذلك فيما يكتبه. وإرشاد للمسلمين إلى أنه ينبغي أن يكون فيهم هذا الصنف من الكتاب. فهذه قاعدة شرعية لإيجاد المقتدرين على كتابة العقود وهو ما يسمونه اليوم العقود الرسمية. ويتحتم ذلك على القول بأن الكتابة واجبة.
قال : وفيه أيضا أن الكاتب ينبغي أن يكون غير المتعاقدين، وإن كانا يحسنان الكتابة، لئلا يغالط أحدهما الآخر أو يغشه. وكأن هذا أمر حتم وعليه العمل الآن فإن للعقود الرسمية كتابا يختصون بها. أقول : وفي قوله ( ولا يأب كاتب ) الخ دليل على أن العلم بما فيه مصلحة الناس يجب عليه إذا دعي إلى القيام بها أن يجيب الدعوة. ولذلك لم يكتف بالنهي عن الإباء عن الكتابة بل أمر بها أمرا صريحا فقال ( فليكتب ) وهذا ظاهر لاسيما على قول من قال من أهل الأصول إن النهي عن الشيء ليس أمر بضده. وقال الأستاذ الإمام : إنه تأكيد لأن الموضوع غريب في نظر الأميين الذين خوطبوا به أولا.
٤ وليملل الذي عليه الحق أي وليلق على الكاتب ما يكتبه من عليه الحق من المتعاملين، ليكون إملاله حجة عليه تبينها الكتابة وتحفظها والإملال والإملاء واحد، يقال أمل على الكاتب وأملى عليه إذا ألقى عليه ما يكتبه والأصل فيه اللام. وليتق الله ربه في إملاله بأن يبين الحق الذي عليه كاملا ولا يبخس منه شيئا أي لا ينقص منه شيئا ما، وإن قل. أمر الذي عليه الحق بتقوى الله في إملاله على الكاتب وذكره بأن الله ربه الذي غذاه بنعمه وسخر له قلب الدائن، فبذل له ماله ليحمله بالتذكير بجلال الذات الإلهية، وهو من قبيل الترهيب، وبجمال نعم الربوبية، وهو من قبيل الترغيب على شكر الله بالاستقامة، وشكر الدائن بالاعتراف بحقه على وجه الكمال لأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس(٣) كما ورد في الحديث ثم نهاه بعد هذا الأمر المؤكد أن يبخس من الحق شيئا لأن الإنسان عرضة للطمع فربما يستخفه طمعه إلى نقص شيء من الحق أو الإبهام في الإقرار الذي يملي على الكاتب تمهيدا للمحاولة والمماطلة ونحو ذلك. فهذا تأكيد بالنهي بعد الأمر لمقاومة هذا الأمر.
٥ فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ذكر الذي عليه الحق مظهرا في موضع الإضمار لزيادة الكشف والبيان كما قالوا وفسر السفيه بضعيف الرأي أي من لا يحسن التصرف في المال لضعف عقله، واختاره الأستاذ الإمام وقيل هو العاجز الأحمق وقيل الجاهل بالإملال وقال الإمام الشافعي هو المبذر لماله المفسد لدينه وهو بمعنى الأول. والضعيف الصبي والشيخ الهرم. ومن لا يستطيع الإملال هو الجاهل والألكن والأخرس. وولي الإنسان من يتولى أموره ويقوم بها عنه وقد اكتفى في أمر الولي بالعدل كالكاتب ولم يؤمر وليه بمثل ما أمر ونهي به من عليه الحق لأن من يبيع دينه بدنيا غيره قليل بالنسبة إلى من يبيع دينه بدنيا نفسه.
٦ واستشهدوا شهيدين من رجالكم أي اطلبوا أن يشهد على ذلك رجلان ممن حضر ذلك منكم أو أشهدوهما على ذلك. فالشهيد من شهد الشيء وحضره بإمعان كما يؤخذ من صيغة المبالغة، واستشهده سأله أن يشهد أي أن يكون شاهدا بذلك عند الحاجة إليه. ويطلق الشهيد على الأمين في الشهادة كما في القاموس ولعل الوصف منتزع من صيغة المبالغة ولكن حمل هذا التفسير على الشهيد اسما لله تعالى ولا دليل على االتخصيص. والسياق يدل مع الصيغة على أن وصف الكمال معتبر فيمن يستشهد كما اعتبر مثله في الكاتب والولي. وما بيناه في معنى الشهيد يرد قول القائلين إن المراد بالشهيدين من سيكونان شاهدين بذلك الحق من باب مجاز الأول. وقوله " من رجالكم " والخطاب للمؤمنين يدل على أنهم لا يستشهدون من لم يكن منهم. وكون استشهاد غيرهم ليس مشروعا لهم أو ليس جائزا عملا بمفهوم الصفة لا يعد نصا على أن شهادته إذا هو شهد لا تصح أولا تدل على شيء ولكن العلماء اتفقوا على شروط الشهادة الشرعية منها الإسلام والعدالة لهذه الآية ولقوله : وأشهدوا ذوي عدل منكم [ الطلاق : ٢ ] وجعلوا قوله تعالى في آية الوصية اثنان ذوي عدل منكم أو آخران من غيركم [ المائدة : ١٠٦ ] خاصا بمثل تلك الواقعة. وأولها بعضهم بغير ذلك كما يأتي في محله. ولا أحفظ عن الأستاذ الإمام شيئا في المسألة وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة في الشرع أعم من الشهادة فكل ما يتبين به الحق بينة كالقرائن القطعية ويمكن أن تدخل غير المسلم في البينة بهذا المعنى الذي استدل عليه بالكتاب والسنة واللغة إذا تبين للحاكم بها الحق.
٧و٨ فإن لم يكونا أي من تستشهدونهما رجلين وجعل المفسرون الضمير للشاهدين بحسب الإرادة والقصد فرجل وامرأتان يستشهدان أو فليستشهد رجل وامرأتان. وتقديرنا أولى من تقدير الجمهور الإشهاد وإنما وافقوا اصطلاح الفقهاء واتبعنا نظم القرآن ممن ترضون من الشهداء قالوا أي ممن ترضون دينهم وعدالتهم حال كونهم من الشهداء وإنما وصف الرجل مع المرأتين بهذا الوصف لضعف شهادة النساء وقلة ثقة الناس بها، ولذلك وكل الأمر فيه إلى رضى المستشهدين ثم بين علة جعل المرأتين بمنزلة رجل واحد بقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى أي حذر أن تضل إحداهما أي تخطئ لعدم ضبطها وقلة عنايتها فتذكر كل منهما الأخرى بما كان فتكون شهادتها متممة لشهادتها. أي إن كلا منهما عرضة للخطأ والضلال أي للضياع وعدم الاهتداء إلى ما كان وقع بالضبط فاحتيج إلى إقامة الاثنتين مقام الرجل الواحد لأنهما بتذكير كل منهما للأخرى تقومان مقام الرجل. ولهذا أعاد لفظ " إحداهما " مظهرا وليس بمعنى لئلا تنسى واحدة فتذكرها الثانية كما فهم كثير من المفسرين. وقال بعضهم ( وهو الحسين بن علي المغربي ) معناه أن تضل إحدى الشهادتين عن إحدى المرأتين فتذكرها بها المرأة الأخرى، فجعل إحدى الأولى للشهادة والثانية للمرأة، وأيده الطبرسي بأن نسيان الشهادة لا يسمى ضلالا، لأن الضلال معناه الضياع والمرأة لا تضيع واستدل على التفرقة بين الضلال والنسيان بقوله تعالى : ضلوا عنا [ الأعراف : ٣٧ ] ومثله لا يضل ربي ولا ينسى [ طه : ٥٢ ] وكأن الأستاذ الإمام أقره عندما ذكره، ورده بعضهم بما فيه من التفكيك وبأن تفسير الضلال بالنسيان مروي عن سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما ونقله ابن الأثير لغة. أقول : وما ذكرته يغني عن هذا وذكر الألوسي في وجه العدول عن قوله : فتذكرها إلى قوله : فتذكر إحداهما الأخرى أنه رأى في طراز المجالس أن الخفاجي سأل قاضي القضاة شهاب الدين الغزنوي عن سر تكرار " إحدى " معرضا بما ذكره المغربي فقال :

يا رأس أهل العلو السادة البررة ومن نداه على كل الورى نشره
ما سر تكرار ( إحدى ) دون ( تذكر ها ) في آية لذوي الإشهاد في البقره
وظاهر الحال إيجاز الضمير على تكرار ( إحداهما ) لو أنه ذكره
وحمل الإحدى على نفس الشهادة في أولاهما ليس مرضيا لدى المهره
فغص بفكرك لاستخراج جوهره من بحر علمك ثم ابعث لنا درره
فأجاب القاضي :
يا من فوائده بالعلم منتشره ومن فضائله بالكون مشتهره
يا من تفرد في كشف العلو لقد وافى سؤالك والأسرار مستتره
" تضل إحداهما " فالقول محتمل كليهما فهي للإظهار مفتقره
ولو أتى بضمير كان مقتضيا تعيين واحدة للحكم معتبره
ومن رددتم عليه الحل فهو كما أشرتم ليس مرضيا لمن سبره
هذا الذي سمح الذهن الكليل به والله أعلم في الفحوى بما ذكره
وقد علل بعضهم كون النساء عرضة للضلال أو النسيان بأنهن ناقصات عقل ودين، وعلله بعضهم بكثرة الرطوبة في أمزجتهن وقال الأستاذ الإمام : تكلم المفسرون في هذا وجعلوا سببه المزاج، فقالوا إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان وهذا غير متحقق. والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل يعني أن من طبع البشر ذكرانا وإناثا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها. ولا ينافي ذلك اشتغال بعض نساء الأجانب في هذا العصر بالأعمال المالية فإنه قليل لا يعول عليه. والأحكام العامة إنما تناط بالأكثر في الأشياء وبالأصل فيها.
وقال الإمام الأستاذ : إن الله تعالى جعل شهادة المرأتين شهادة واحدة فإذا تركت إحداهما شيئا من الشهادة كأن نسيته أو ضل عنها تذكرها الأخرى
٣ وروى أيضا الحديث بلفظ: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" أخرجه أبو داود في الأدب باب ١١، الترمذي في البر باب ٣٥، وأحمد في المسند ٢/٢٥٨، ٢٩٥، ٣٠٣، ٣٨٨، ٤٦١، ٤٩٢، ٣/٣٢، ٧٤، ٤/٢٧٨، ٣٧٥، ٥/٢١١، ٢١٢..

يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم * وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم .
ذكر الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى في وجوه الاتصال بين هاتين الآيتين وما قبلهما صفوة ما قال المفسرون موضحا، ونذكر ما قاله كذلك : الكلام في الأموال بدأ بالترغيب في الصدقات والإنفاق في سبيل الله وذلك محض الرحمة وثنى بالنهي عن الربا الذي هو محض القساوة. ثم جاء بأحكام الدين والتجارة والرهن. أقول : وهي محض العدالة فقد أمرنا الله ببذل المال حيث ينبغي البذل وهو الصدقة والإنفاق في سبيله، وبتركه حيث ينبغي الترك وهو الربا، وبتأخيره حيث ينبغي التأخير وهو إنظار المعسر، وبحفظه حيث ينبغي الحفظ وهو كتابة الدين والإشهاد عليه وعلى غيره من المعاوضات وأخذ الرهن إذا لم يتيسر الاستيثاق بالكتابة والإشهاد. ذلك بأن من يضيع ماله بإهمال المحافظة عليه لا يكون محمودا عند الناس ولا مأجورا عند الله، كما قال الحسن عليه الرضوان في المغبون بالبيع.
قال الأستاذ الإمام : ولما كانت سلطة صاحب الربا قد زالت بتحريمه ولم يبق له إلا رأس المال وقد أمر بإنظار المعسر فيه وكان لا بد لحفظه من كتابته إذ ربما يخشى ضياعه بالإنظار إلى الأجل ـ جاء بعد أحكام الربا بأحكام الدين ونحوه وبقول بعض المعسرين : وله الحق، إنه تقدم في الآيات طلب الإنفاق والتصدق ثم حكم الربا الذي يناقض الصدقة ثم جاء هنا بما يحفظ المال الحلال لأن الذي يؤمر بالإنفاق والصدقة، ويترك الربا لا بد له من كسب ينمي ماله ويحفظه من الضياع ليتسنى له القيام بالإنفاق في سبيل الله ولا يضطر بالفاقة إلى الوقوع فيما حرم الله. وهذا يدل على أن المال ليس مذموما لذاته في دين الله ولا مبغضا عنده تعالى على الإطلاق كيف وقد شرع لنا الكسب الحلال وهدانا إلى حفظ المال وعدم تضييعه وإلى اختيار الطرق النافعة في إنفاقه بأن نستعمل عقولنا في تعرفها ونوجه إرادتنا إلى العمل بخير ما نعرفه منها.
ففي آية الدين بعد ما تقدم احتراس أو استدراك مزيل ما عساه يتوهم من الكلام السابق وهو أن المبالغة في الترغيب في الإنفاق في سبيل الله والتشديد في تحريم الربا يدلان على أن جمع المال وحفظه مذموم على الإطلاق كما هو ظاهر نصوص بعض الأديان السابقة. فكأنه يقول إنا لا نأمركم بإضاعة المال وإهماله، ولا بترك استثماره واستغلاله، إنما نأمركم بأن تكسبوه من طرق الحل وتنفقوا منه في طرق الخير والبر، أقول ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى في سورة النساء ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما [ النساء : ٥ ] أي تقوم وثبت بها منافعكم ومصالحكم وحديث " نعم المال الصالح للمرء الصالح " (١) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمرو بن العاص بسند صحيح وإنما المذموم في الشرع أن يكون الإنسان عبدا للمال، يبخل به ويجمعه من الحرام والحلال، كما ورد في حديث أبي هريرة عند البخاري " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم " (٢) الحديث. ولولا أن إزالة هذا الوهم مقصود لما جاءت آية الدين بما جاءت به من المبالغة والتأكيد في كتابة الدين والإشهاد عليه مع ما يعهد في أسلوب القرآن من الإيجاز لا سيما في الأحكام العلمية وقد عد القفال هذه التأكيدات في الآية فبلغت تسعة. أقول وفي الآية الأولى خمسة عشر أمرا ونهيا.
وذكر الرازي وجها آخر للاتصال في النظم عزاه إلى قوم المفسرين " قالوا إن المراد بالمدانية السلم فالله سبحانه لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ولهذا قال بعض العلماء لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضع الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل تلك طريقا حلالا وسبيلا مشروعا " اهـ
وأقول : إن الفرق بين الربا القطعي المحرم في القرآن وبين السلم أن الربح في السلم ليس من شأنه أن يكون أضعافا مضاعفة كربا النسيئة ولولا ذلك لم يظهر لتحريم الربا مع إباحة السلم فائدة إذ ليس في أمور المكاسب والمعايش تعبد لا تقبل.
وإذ قد فهمت وجه اتصال الآيتين بما قبلهما فهاك تفسيرهما وفيهما عدة أحكام :

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير