ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ [الأنعام: ٦٢] وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي [الكهف: ٣٦].
وقرأ أبو عمرو: (تَرْجعون) بفتح التاء وكسر الجيم، اعتبارًا بقوله: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] فأضاف المصدر إلى الفاعل، وقوله: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: ١٥٦]. وقوله: فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [يونس: ٤٦]. وقوله: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] (١).
وقوله: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ أي: جزاء ما كسبت من الأعمال، قال ابن عباس: يريدَ ثوابَ عَمَلِهَا، خيرًا بخير، وشرًّا بشر، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ يريد: وهم لا يُنْقَصُون، لا أهلُ الثوابِ ولا أهْلُ العِقَاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلقِ البرِّ والفاجِرِ (٢).
٢٨٢ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ قال ابن عباس: لم حرّم الله تعالى الرِّبا أباحَ السَّلَم فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ (٣) الآية.
التداين: تفاعل، من الدَّيْن، ومعناه: داين بعضكم بعضًا وتبايعتم بدين (٤)، قال أهل اللغة: القرضُ غير الدينِ؛ لأن القرض أن يقترض الإنسانُ دراهمَ أو دنانيرَ أو حَبًّا وتمرًا وما أشبه ذلك ولا يجوز فيه الأجل، والأجل في الدَّيْن جائز (٥).
(٢) ذكره في "الوسيط" ١/ ٣٩٩، وهو من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.
(٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٨/ ٥، والشافعي في "الأم" ٣/ ٩٣، والطبري في "تفسيره" ٣/ ١١٦ - ١١٧، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٥٤.
(٤) من قوله: (التداين)، ساقط من (ي).
(٥) ينظر "اللسان" ١/ ٣٢ (مادة: أجل).
ويقال من الدَّين: ادَّانَ: إذا باع سلعته (١) بثمن إلى أجل، ودان بدين: إذا أَقْرضَ، ودان استقرض، وأنشد الأحمر (٢):
| نَدِيْنُ ويَقْضِي اللهُ عَنّا وقد نَرَى | مَصارعَ قَوْمٍ لا يَدِينُونَ ضُيَّعا (٣) |
| يُعَيّرُني بالدَّيْن قَوْمِي وإنَّما | تَدَيَّنْتُ في أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُم حَمْدًا (٥) |
(٢) هو: علي بن الحسن المعروف بالأحمر، مؤدب المأمون العباسي، وشيخ النحاة في عصره، كان جنديًا على باب الرشيد، وأخذ العربيةَ عن الكسائي الذي أوصله إلى الرشيد، كان قوي الذاكرة يحفظ ٤٠ ألف بيتِ شعرٍ، توفي سنة ١٩٤هـ. انظر بغية الوعاة ٢/ ١٥٨ - ١٥٩، "الأعلام" ٤/ ٢٧١.
(٣) البيت للعجير السلولي، في "لسان العرب" ٣/ ١٤٦٨ (مادة: دين)، "تاج العروس" (مادة: دين)، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" ٢/ ١١٣٧، ينظر: "المعجم المفصل في شواهد اللغة" ٤/ ٢٤٩. قال ابن بَرِّي: صوابه ضُيّعِ بالخفض على الصفة لقوم وقبله:
| فَعِد صاحبَ اللَّحَّام سيفًا تبيعُه | وزد درهمًا فوق المُغَالينَ واخْنَعِ |
(٥) البيت للمقنع الكندي، ينظر "اللسان" ٣/ ١٤٦٨ مادة: (دين)، "تهذيب اللغة" ٢/ ١١٣٨، "البحر المحيط" ٢/ ٨ ويروى البيت هكذا:
| يعاتبني في الدين قومي وإنما | ديوني في أشياء تكسبهم حمدًا |
قال ابن الأنباري: إنما ذكر الدَّيْن مع أن تَدَايَنْتُمْ يدل عليه؛ لأن التداين يكون بمعنيين، أحدهما: التداين بالمال، والآخر: التداين بمعنى: المجازاة، من قولهم: كما تدين تُدان، والدين: الجزاء، فذكر الله تعالى الدين لتلخيص أحد المعنيين (١).
وقوله تعالى: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى معنى الأجل في اللغة: الوقتُ المضروبُ لانقضاء الأمد، وأَجَلُ الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأَجَلُ الدين: محَلُّه، لانقضاء التأخير فيه، وأصله من التأخير، يقال: أَجِلَ الشيء يَأْجَلُ أُجُولًا: إذا تأخر، والآجل: نقيضُ العاجل.
وقوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ الكِتابةُ والإِشهادُ اللذان ذكرا في هذه الآية للتداين، والمبايعة في قوله: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ قد اختلف الناس فيهما، فأوجبهما جماعة من أهل العلم، وقالوا: إن الله تعالى أمر في الحقوق المؤجلة بالكِتابة والإشهادِ حفظًا منه للأموال، وذلك أن الذي عليه الدين إذا كانت عليه الشهود والبينة قلّ تحديثه نفسه بالطمع في إذهابه، وهذا مذهب عطاء (٢) وابن جريح (٣) وإبراهيم (٤) واختيار محمد بن جرير (٥)، قال إبراهيم: يشهد ولو على دَسْتَجة (٦) بَقْل.
(٢) المغني ٦/ ٣٨١.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١١٧.
(٤) المغني ٦/ ٣٨١.
(٥) "تفسير الطبري" ٣/ ١١٩ - ١٢٠.
(٦) الدَّسْتَجَة: الحزمة. ينظر: "القاموس" ص ١٨٩ (مادة: دستج).
وقال قوم: هذا أمر ندب وإباحة كقوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة: ٢]، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا [الجمعة: ١٠] وهذا اختيار الفراء؛ لأنه يقول: هذا الأمر ليس بفريضة، إنما هو أدب ورحمة من الله، فإن كتب فحسن، وإن لم يكتب فلا بأس (١).
قال ابن الأنباري: وهو اختيارنا؛ لاتفاق أكثر العلماء عليه، ولأن الأمر لو كان حتمًا لم يكن المسلمون ليقدموا على خلاف نصّ القرآن في أسواقهم، ولكان فيه أعظم التشديد على الناس والتغليظ، والنبي - ﷺ - يقول: "بُعِثْتُ بالحنفية السمحة" (٢).
وقال آخرون: كانت الكتابة والإشهاد أو الرهن فرضًا، ثم نسخ ذلك بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ إن أشهدت فَحَزْم (٣)، وإن تركت ففي حلٍّ وسعة (٤).
وقال التيِمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهدَ، وإن شاء لم يُشْهِدْ، ألا تسمع قوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا (٥).
(٢) رواه أحمد ٥/ ٢٦٦. قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص١٠٩: وسنده حسن.
(٣) في (م) (فجزم).
(٤) وهذا قول الشعبي، رواه الثوري في "تفسيره" ص ٧٣، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٤٥، وابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ ٩٧، والطبري في "تفسيره" ٣/ ١١٨، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٧٠، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٢٦٣، وقال: وهذا ليس بنسخ؛ لأن الناسخ ينافي المنسوخ، ولم يقل هاهنا: فلا تكتبوا ولا تشهدوا، وإنما بين التسهيل في ذلك. وينظر: "تفسير القرطبي" ٣/ ٣٨٣، و"النسخ في القرآن" لمصطفى زيد ٢/ ٦٨٣.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١١٨، وفي "النكت والعيون" ١/ ٣٥٤ بمعناه.
قال أبو عبيد: والعلماء اليوم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم على هذا القول (١)، أن شهادة المبايعة ليست بحتم على الناس، والآية الناسخة بعدها قوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ويرون (٢) أن البَيِّعينِ مخيَّرانِ في الشهادة والترك (٣).
وقوله تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ أي: ليكتب كتاب الدين بين المستدين والمدين كاتب بالعدل، أي: بالحق والإنصاف، لا يكتب لصاحب الدين فضلًا على الذي عليه، ولا يُنْقِصُه (٤) من حَقِّه، ولا يقدِّم الأجلَ، ولا يؤخِّرُه، ولا يكتب شيئًا يبطل به حقًّا لأحدهما لا يعلمه هو، فهذا العدل (٥).
وقوله تعالى: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ أي: لا يمتنع، يقال: أبى فلان الشيء يَأبَاهُ، إذا امتنع عنه (٦) ولم يفعله، ويقال: أَخَذَه أُبَاءٌ، إذا كان يأْبى الطعامَ فلا يشتهيه (٧).
قال مجاهد (٨) والربيع (٩): واجب على الكاتب أن يكتبَ إذا أُمر؛ لأن
(٢) في (ش) (ويروي).
(٣) وينظر في المسألة: "المغني" ٦/ ٣٨١ - ٣٨٣، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٢٤٨، "تفسير القرطبي" ٣/ ٣٨٣.
(٤) في (ي) (ولا ينقصه عليه).
(٥) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٨٩.
(٦) في (م) (منه).
(٧) ينظر في أبى: "تهذيب اللغة" ١/ ١١٤، "اللسان" ١/ ١٤ قال الراغب في "المفردات": الإباء شدة الامتناع، وليس كل امتناع إباء.
(٨) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٨/ ٣٦٥، والطبري في "تفسيره" ٣/ ١١٩، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٥٦.
(٩) رواه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٠، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٥٥.
الله تعالى أَمَره أن لا يَأْبى. قال الفراء: أُمِرَ الكاتبُ أن لا يأبى، لقلةِ الكُتّاب كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - (١).
وقال الحسن: ذاك إذا لم يقدر على كاتب سواه فيضر بصاحب الدين إن امتنع (٢).
وقال الضحاك: كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد، فنسخها قوله: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ (٣).
وقوله تعالى: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ أي: لا يأبَ أن يكتبَ كما أمره الله عز وجل من الحق، فعلى هذا يكون قوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ متصلًا بقوله: أَن يَكْتُبَ كما أمره الله، ويحتمل أن يتمَّ الكلامُ عند قوله: أَن يَكتُبَ ثم قال: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ أي: كما فضله الله بالكتابة.
وقال ابن عباس: كما أفهمه الله، ولا يمنعن المعروف بكتابة (٤).
والوجهان ذكرهما الزجاج (٥).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٧٨٩، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٤٩.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٠، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٧٩٠، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٤٩، وفي "النكت والعيون" ١/ ٣٥٥، "تفسير القرطبي" ٣/ ٣٨٤، وقال معلقًا: هذا يتمشى على قول من رأى أو ظن أنه قد وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع، حتى نسخه قوله تعالي: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وهذا بعيد؛ فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من كان، ولو كانت الكتابة واجبة ما صح الاستئجار لها؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الوثيقة على كَتْب الوثيقة. وينظر "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٢٤٨.
(٤) هو من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٦٢.
وقوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الإِمْلال والإِملاءُ لغتان (١)، قال الفراء: أمْلَلْتُ عليه الكتابةَ لغةُ الحجاز وبني أسد، وأَمْلَيتُ لغة تميم (٢) وقيس، نزل القرآن باللغتين (٣)، قال الله تعالى في اللغة الثانية: فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥] ومعنى الآية: أن (٤) الذي عليه الدين يُملي؛ لأنه المشهود عليه، فيُقر على نفسه بلسانه، ليُعلم ما عليه.
وقوله تعالى: وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا البَخْسُ: النُّقْصَان، يقال: بَخَسه حَقَّه، إذا نَقَصَه (٥).
أُمِر من عليه الحق أن يُقرَّ بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئًا.
وقوله تعالى: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا قال مجاهد: جاهلا (٦) بالإملاء (٧).
وقال الضحاك (٨) والسدي (٩): طفلًا صغيرًا.
(٢) في (ي) (بني تميم).
(٣) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٢ (مادة: ملل)، وينظر "اللسان" ٧/ ٤٢٧١ (مادة: ملل).
(٤) سقطت من (أ) و (م).
(٥) ينظر في بخس: "تهذيب اللغة" ١/ ٢٢١: "المفردات" ص ٤٨، قال الراغب: البخس: نقص الشيء على سبيل الظلم.
(٦) سقطت من (ي).
(٧) رواه عبه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٢، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٥٩، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٧٩١.
(٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٢، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٧٩١.
(٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٢، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٥٩.
(أو ضعيفًا) يعني: عاجزًا أحمق، عن السدي (١) وابن زيد (٢).
(أو لا يستطيع أن يملّ هو) لخَرَسٍ أو عِيِّ أو (٣) جَهْلٍ بما له وعليه (٤).
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ. قال الضحاك (٥) وابن زيد (٦): أي: ولي السفيه والعاجز والطفل، يعنى: قيمه أو وارثه أو من يقوم مقامه في حقه.
وقال ابن عباس (٧) والربيع (٨) ومقاتل (٩): يعني: ولي الحق، وهو صاحب الدين؛ لأنه أعلم بدينه. بِالْعَدْلِ: بالصدق والحق والإنصاف. والقول الأول اختيار الزجاج (١٠) وصاحب النظم، وهو الأظهر والأصح.
قال الزجّاج: إن الله عز وجل أمر أن لا يؤتى السفهاء الأموال، وأمر أن يقام بهم (١١) فيها، فقال: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء: ٥]، فوليُّه: الذي يقوم مقامه في ماله. قال: وقول من قال: إنه ولي الدين، بعيد، كيف يقبل قول المدعي، وما حاجتنا إلى الكتابة والإشهاد، والقول قوله (١٢)؟
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٣.
(٣) غير واضح في (م).
(٤) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ١٧٩١.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٣ بمعناه.
(٦) المرجع السابق.
(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٣، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٧٩٢، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٤٩.
(٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٣، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٧٩٢.
(٩) "تفسير مقاتل" ١/ ٢٢٩.
(١٠) "معاني القرآن" ١/ ٣٦٣.
(١١) في (ي) و (ش) (لهم).
(١٢) "معاني القرآن" ١/ ٣٦٣.
وقال صاحب "النظم": الذي يدل عليه نظم هذا الفصل أنه ولي السفيه، لأن ولي السفيه (١) يقوم مقام (٢) السفيه، والسفيه هو الذي عليه الحق، وقد وسم الله عز وجل في أول الفصل صاحب الحق بوسْمٍ، وكان ما وسمه به أن قال: فَلْيَكْتُبْ ووسم الذي عليه الحق (٣) بوسم آخر، فقال: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ (٤) فلما قال هاهنا: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ، عُلِمَ أنه يعني: وليَّ السفيه؛ لأنه أقامه مقام السفيه، وهو الذي عليه الحق، ولو أراد صاحب الحق لقال: فليكتب وليه بالعدل، كما وسمه (٥) به في أول القصة.
وأجاز الفراء القولين جميعًا (٦).
وقوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا أي: أَشْهِدُوا، يقالُ: أَشْهَدتُّ الرجلَ واستشهدته بمعنى (٧)، وبه فسر قول النبي - ﷺ -: "يَشْهَدُون (٨) ولا يُستشهدون" (٩) أي: لا يشهدون.
(٢) في (م) (مقامه).
(٣) سقطت من (م).
(٤) في (ي) (قال فلما قال).
(٥) في (ي) (قال) بدل (وسمه به).
(٦) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٨٣.
(٧) ينظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٤٤ (مادة: شهد).
(٨) سقطت من (ي).
(٩) رواه البخاري (٣٧٥٠) كتاب: فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، ومسلم (٥٢٣٥) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة، عن عمران بن حصين.
وقوله تعالى: شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ يعني: من أهل ملتكم من الأحرار البالغين، دون الصبيان والعبيد (١).
وقوله تعالى: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ قال الزجاج: أي: (٢) فالذي يُستشهد إن لم يكن رجلان فرجل (٣) وامرأتان (٤).
قال الفراء: فليكن رجل وامرأتان فرفع بالرد على الكون (٥).
وقال صاحب "النظم": أي: فليكفكم رجل وامرأتان (٦). وقيل: فرجل وامرأتان (٧) يشهدون. كل هذه التقديرات جائز حسن.
قال أبو علي الفارسي: قال أبو الحسن الأخفش: التقدير: فليكن رجل وامرأتان (٨)، كما قال الفراء، ثم قال من عنده: يجوز أن تكون (٩) (كان) المضمرة في الآية الناصبة للخبر (١٠)، ويجوز أن تكون التامة التي لا
(٢) سقطت من (ي).
(٣) في (أ) و (م) و (ش) (رجل).
(٤) "معاني القرآن" ١/ ٣٦٣.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٨٤.
(٦) من قوله: (قال الفراء). ساقط من (أ) و (م).
(٧) من قوله: (قال الفراء). ساقط من (أ).
(٨) "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٨٩.
(٩) في (ي): (إن كانت كان).
(١٠) في (م): (للحال).
توجب خبرًا، فإن أضمرت التي تقتضي الخبر كان تقدير إضمار الخبر: فليكن من يشهدون رجل أو امرأتان، وإن (١) أضمرت التامة (٢) التي بمعنى الحدوث والوقوع كان أولى؛ لأنك إذا أضمرتها أضمرت شيئًا واحدًا، وإذا أضمرت الأخرى احتجت أن تضمر شيئين، وكلما قل الإضمار (٣) كان أسهل (٤)، وأيهما أضمرت فلابدّ من تقدير المضاف، المعنى: فليحدث شهادة رجل وامرأتين، أو يقع، ألا ترى أنه ليس المعنى: فليحدث رجل وامرأتان، ولكن لتحدُث شهادتهما أو تقع، أو تكون شهادة رجلٍ وامرأتين (٥) فيما يشهدون (٦).
واجماع أن شهادة النساء جائزة (٧) في الأموال (٨).
وقوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ قال ابن عباس: يريد: من
(٢) سقطت من (ي).
(٣) في (أ) و (م): (إضمار).
(٤) ذكر في "البحر المحيط" ٢/ ٣٤٦ أن الصحيح أن خبر كان لا يحذف لا اقتصارًا ولا اختصارًا.
(٥) في (ي): (أمرأة).
(٦) من "الحجة" ٢/ ٤١٩ - ٤٢١ بتصرف، وينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٤٤، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٤٤، "التبيان" ١/ ١٦٧، "البحر المحيط" ٢/ ٣٤٦.
(٧) سقطت من (م).
(٨) حكى الإجماع الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٧٩٣، وابن المنذر في "الإجماع" ص ٧٨، وينظر: "اختلاف الفقهاء" للمروزي ص ٢٨٤، "المغني" ١٤/ ١٣٠، "فتح الباري" ٥/ ٢٦٦، ووقع الخلاف في غير الأموال، فيرى مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأحمد وأبو ثور: أنها لا تجوز إلا في الأموال، ويرى أبو حنيفة وسفيان: أنها جائزة في كل شيء ما عدا الحدود والقصاص.
أهل الفضل والدين (١)، كما في الطلاق، وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢]. ودل هذا القول: أن في الشهود من ينبغي أن لا يُرضى (٢)، وجملة القول فيمن تقبل شهادته، أن يجتمع فيه عشر خصال: يكون حرًا، بالغًا، مُسلمًا، عدلًا، عالمًا بما يشهد به، ولا يجرُّ بشهادته إلى نفسه منفعة، ولا يدفع عن نفسه مضرةً، ولا يكون معروفًا بكثرة الغلط، ولا بترك المروءة، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عَصَبيّة (٣).
وقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى أن تتعلق بفعل مضمر، دل عليه ما قبله من الكلام، وذلك أن قوله: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ يدل على: فاستشهدوا رجلًا وامرأتين، فتعلق أن إنما (٤) هو بهذا الفعل المدلول عليه (٥)، ويجوز أن يتعلق الشيء بما ذكرنا من الفعل المقدر، في قول الفراء وأبي الحسن (٦) وهو: فليكن رجل وامرأتان، ويجوز أن يتعلق بشيء ثالث، وهو الخبر المضمر فيمن جعل التقدير: فرجل وامرأتان يشهدون (٧) (٨).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٦٣.
(٣) ينظر في ذكر الشروط: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٩٦، و"الكافي" لابن عبد البر ٢/ ٨٩٢، و"المغني" ١٤/ ١٤٥، و"روضة الطالبين" ١٤/ ١٤٥، "البحر المحيط" ٢/ ٣٤٧. وبين المذاهب خلاف في بعض هذه الشروط.
(٤) سقطت من (ي).
(٥) من "الحجة" ٢/ ٤١٩.
(٦) تقدمت أقوالهما عند قوله تعالى: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
(٧) من "الحجة" ٢/ ٤٢١.
(٨) ينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٨٤، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٤٥، "الحجة" ٢/ ٤١٩، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٤٤، "التبيان" ص ١٦٧.
وقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ قال ابن عباس (١) وجميع أهل التفسير والمعاني: تَضلّ: تنسى، والضلال يكون بمعنى النسيان؛ لأن الناسي للشيء عادل عنه وعن ذكره، قال الله عز وجل: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: ٢٠] أي: الناسين الذين ضلوا وجه الأمر، ومن هذا قولهم: ضَلِلْتُ الطريق والدار أَضِلُّه ضلالًا: إذا لم تدر أين هو (٢)، قال الفرزدق:
| ولَقَدْ ضَلَلْتَ أباَكَ يَدْعُو دَارِمًا | كضَلالِ مُلْتَمِسٍ طَرِيقَ وَبَارِ (٣) |
وقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا أي: تغيب عن حفظِها، أو يغيب حفظُها عنها، وإحدى: تأنيث الواحد.
قال أبو علي: أنثوه على غير بنائه، و (إحدى) لا تستعمل إلّا مضمومة إلى غيرها ومضافة، لا يقولون: رأيت إحدى، ولا جاءني إحدى. وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: (٥) يقال: أحد في جمع إحدى. يقال: فلان إحدى الإحد، وأحَدُ الأَحَدِيْن، وواحِدُ الآحَاد، كما يقال: واحد لا
(٢) ينظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٢٩ - ٢١٣١ (مادة: ضلّ)، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨٠٥، "المفردات" ٣٠٠ - ٣٠٢، وأطال النفس في ذكر أنواعه، "لسان العرب" ٥/ ٢٦٠١ - ٢٦٠٤ (مادة: ضلل)، وفيه قال أبو عمرو بن العلاء: إذا لم تعرف المكان قلت: ضلَلته، وإذا سقط من يدك شيء قلت: أضللته، يعني: أن المكان لا يضل وإنما أنت تضل عنه.
(٣) البيت من الكامل، وهو للفرزدق في "ديوانه" ص ٤٥٠، "لسان العرب" ٥/ ٢٦٠١ مادة: (ضلل).
(٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٣٠ (مادة: ضل).
(٥) في "الحجة": (وقال أحمد بن يحيى) ولم يروه عن ابن الأعرابي كما هنا.
مثل له، وأنشد:
| حتى استثاروا بي (١) إحْدَى (٢) الإِحَدِ | لَيْثًا هِزَبْرًا ذا سِلاحٍ مُعْتَدِي (٣) |
وموضع (أن) نصب، لأن المعنى: استشهدوا امرأتين، لأن تُذَكّر إحداهما الأخرى، ومن أجل أن تذكر (٧).
فإن قيل: إذا كان المعنى هذا فلم جاز: أن تضل، والشهادة لم توقع للضلال الذي هو النسيان، إنما وقعت للذكر والإذكار؟ والجواب عنه: أن
(٢) في (م): (أحد).
(٣) رجز للمرار الفقعسي. ينظر: "الأغاني" ١٠/ ٣٢٤، "الخزانة" ٣/ ٢٩٣.
(٤) في (ش): (فقال).
(٥) في (ش): (سدد).
(٦) "الحجة" ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣. وينظر في أحد: "اللسان" ١/ ٣٥، "عمدة الحفاظ" ١/ ٧١ - ٧٣.
(٧) ينظر في الإعراب: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٦٤، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٤٤، "التبيان" ص ١٦٨.
الإذكار لما كان سببه الإضلال، جاز أن يذكر (أن تضل)؛ لأن الضلال هو السبب الذي به وجب الإذكار، كما تقول: أعددت هذا (١) أن يميل الحائط فأدعمه (٢)، وإنما أعددت للدعم لا للميل، ولكن ذكر الميل لأنه سبب الدعم، كما ذكر الضلال لأنه سبب الإذكار، هذا قول سيبويه، وعليه البصريون (٣).
وقال الفراء: معنى الآية: فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، كي تُذَكِّر إحداهما الأخرى إن ضلت، فلما تقدم (٤) الجزاء اتصل بما قبله ففتحت أن، قال: ومثله من الكلام؛ إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى، معناه: إنه ليعجبني أن يعطى السائل أن سأل؛ لأنه إنما (٥) يعجبه الإعطاء لا السؤال (٦)، فلما قدموا السؤال على العطية أصحبوه أن المفتوحة ليكشف المعنى، فعنده (أن) في قوله: أَنْ تَضِلَّ للجزاء، إلا أنه قدم وفتح، وأصله التأخير. وأنكر البصريون هذا القول (٧).
قال أبو إسحاق: لست أعرف لم صار الجزاء إذا تقدم وهو في مكانه وغير مكانه وجب أن تفتح أن (٨).
(٢) في (ش) (فأدغمه).
(٣) ينظر: "الكتاب" لسيبويه ٣/ ٥٣، وعنه نقل الزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٣٦٤، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٤٤، "التبيان" ص ١٦٨.
(٤) في (م) (قدم).
(٥) في (ش) (إنه).
(٦) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٨٤، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨٠٤.
(٧) ينظر في رد هذا القول: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٤٥، "التبيان" ص ١٦٨.
(٨) "معاني القرآن" ١/ ٣٦٤.
وقال أبو علي: ما ذكره الفراء دعوى لا دلالة عليها، والقياس يفسدها (١)، ألا ترى أنا نجد الحرف العامل إذا تغيرت حركته لم يوجب ذلك تغيرًا في عمله ولا معناه، وذلك ما رواه أبو الحسن فتح اللام الجارة مع المظهر، عن يونس وأبي عبيدة وخلف الأحمر، فقال: لَزَيْدٍ، فكما أن هذا اللام لما فتحت لم يتغير من عملها ومعناها شيءٌ عما كان عليه من الكسر، كذلك (إن) الجزاء لو فُتِحَتْ لم يجب على قياس اللام أن يتغيَّرَ له معنى ولا عمل، ومما (٢) يبعد ذلك: أن الحروف العاملة إذا تقدمت كانت مثلها إذا تأخرت، لا تتغير بالتقدم عما (٣) كانت عليه في التأخير، ألا ترى أن من قال: بزيدٍ مررتُ، وإلى عمروٍ ذهبتُ، فقدم الحرف كان تقديمُه مثلَ تأخيرِه لا يُغَيِّرُ التقديم شيئًا كان عليه في التأخير (٤).
وقال صاحب النظم في هذه الآية: التقدير: مخافة أن تضل وخوفًا لكم، أن تضل أن تنسى، لما فيهن من النقص عن ذكر الرجال وحفظهم، كما قال عمرو بن كلثوم:
فَعجَّلْنَا القِرَى أن تَشْتِمُونَا (٥)
قيل فيه: مخافة أن (٦) يشتمونا، وهذا لا بأس به لو لم يكن بعد قوله:
(٢) في (ي): (ما).
(٣) في (أ) و (ش): (كما).
(٤) من "الحجة" ٢/ ٤٣٣ بتصرف.
(٥) شطره الأول:
نزلتم منزل الأضياف منا
والبيت من معلقته، ينظر: "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص ٣٦١، "جمهرة أشعار العرب" ١/ ٤١٢، "منتهى الطلب" ١/ ١١٦، "شرح شواهد المغني" ص ٤٤.
(٦) في (أ) و (م) (لا يشتمونا).
أَنْ تَضِلَّ فَتُذَكِّرَ، ولما عطف قوله: فَتُذَكِّرَ على أَنْ تَضِلَّ فسد هذا القول؛ لأن الخوف على الضلال يصح، والخوف على التذكير لا يصح؛ لأن إشهاد امرأتين للتذكير لا لخوف التذكير (١).
وقرأ حمزة (إن تَضَلَّ) بكسر الألف (فَتُذَكِّرُ) بالرفع (٢)، جعل (إن) للجزاء، و (تضل) في موضع جزم، وحركت بالفتح لالتقاء الساكنين، كقوله: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ [المائدة: ٥٤]. والفاء في قوله: فَتُذَكِّرَ جواب الجزاء، وقياس قول سيبويه في قوله: وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة: ٩٥] أن يكون بعد الفاء في فَتُذَكِّرَ مبتدأ محذوف (٣)، ولو أظهرته لكان: فيما (٤) تُذَكِّرُ إحداهما الأخرى، والذكر (٥) العائد إلى المبتدأ المحذوف: الضميرُ في قوله: إِحْدَاهُمَا.
وموضع الشرط وجوابه رفع بكونهما وصفًا للمنكرين (٦)، وهما المرأتان في قوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، لأن الشرط والجزاء جملة يوصف
(٢) وقرأ الباقون (أن تضل إحداهما فتُذَكِّر) بفتح همزة (أن) ونصب الراء من (تذكر) غير أن ابن كثير وأبا عمرو خففا الكاف وشددها الباقون. ينظر "السبعة" ص ١٩٤، "الحجة" ٢/ ٤١٨ - ٤١٩.
(٣) في (ي): (محذوف الضمير في).
(٤) في (ش): (فيهما). وفي (أ): (كأنها: فهما)، والمثبت من "الحجة".
(٥) في (ي) (والذكرى).
(٦) في (ش) (وضعا للمنكورين)، وفي (ي) (للمنكورين).
بها، كما يوصف (١) بها في نحو قوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ [الحج: ٤١] (٢).
وقوله تعالى فَتُذَكِّرَ قرئ بالتشديد والتخفيف (٣) (٤)، والذكر فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا ضعفت منه العين أو نقلته بالهمزة تعدى إلى مفعول آخر، مثل: فَرَّحْتُه وأَفْرَحْتُه، وغَرَّمْتُهُ وأَغْرَمْتُه، وكَرَّمْتُه وأَكْرَمْتُه. فمن قرأ بالتشديد كان ممن جعل التعدية بالتضعيف ومن حجته: قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: ٥٥] وقوله: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية: ٢١]، والتشديد أكثر استعمالًا من التخفيف، أنشد أبو علي:
| على أنَّنِي بَعْدَما قَدْ مَضَى | ثَلاثُون للهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلا |
| يُذَكّرُنيِكِ حَنِينُ العَجُولِ | ونَوْحُ الحَمَامَةِ تَدْعُو هَدِيلا (٥) |
(٢) من "الحجة" ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧ بتصرف وتقديم وتأخير.
(٣) في (ي) (بتشديد الكاف وتخفيف).
(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الكاف، وقرأ الباقون بالتشديد. ينظر: "السبعة" ص ١٩٤، "الحجة" ٢/ ٤١٩.
(٥) البيتان للعباس بن مرداس الصحابي في "ديوانه" ص ١٣٦، "الحجة" ٢/ ٤٣١، "لسان العرب" ٧/ ٣٩٣٠ مادة: (كمل). والحنين: ترجيع الناقة صوتها إثر ولدها، والعَجُول من الإبل: الواله التي فقدت ولدها بذبح أو موت أو هبة، ونوح الحمامة. صوت تستقبل بها صاحبها، والهديل: قال ابن قتيبة في "أدب الكاتب" ص ٢١٠: العرب تجعله مرةً فَرْخُا تزعم الأعراب أنه كان على عهد نوح لله، فصاده جارح من جوارح الطير، قالوا: فليس من حمامة إلا وتبكي عليه. ومرة يجعلونها الطائر نفسه، ومرة يجعلونه الصوت. ينظر "الخزانة" ١/ ٥٧٣ وشرح أبيات المغني ٧/ ٢٠٣، وتحقيق "الحجة" ٢/ ٤٣١.
ومن قرأ بالتخفيف جعل التعدية إلى المفعول الثاني بالنقل بالهمزة، والمفعول الثاني محذوف، المعنى: فتذكّر إحداهما الأخرى الشهادة التي احتملتاها (١).
وعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان، إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله: فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى أي: تجعلها ذَكَرًا (٢)، يعني: أنها إذا شهدت مع أخرى صارت شهادتهما كشهادة ذكر، وقد روي هذا أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء (٣)، أخبرناه أبو الحسن بن أبي عبد الله الفسوي، وأحمد بن محمد الفقيه، وأبو محمد الكراني (٤)، حدثنا عبد الله بن شبيب (٥)، حدثنا المنقري، حدثنا الأصمعى، قال: قال أبو عمرو بن العلا: من قرأ: فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بالتشديد فهو من طريق التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا وبحضرتنا فلان أو فلانة، حتى تذكر الشهادة، ومن قرأ: (فتذكر) بالتخفيف، قال: إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها، لأنهما تقومان مقام رجل، ونحو هذا روى
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٥، وذكره النحاس في "معاني القرآن" ١/ ٣١٨، وابن زنجلة في "حجة القراءات" ص ١٥١، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٨٠٦، والبغوي ١/ ٣٥١، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٣٣٨.
(٣) ذكره في "زاد المسير" ١/ ٣٣٨، "المحرر الوجيز" ٢/ ٥١١ - ٥١٢، "البحر المحيط" ٢/ ٣٤٩.
(٤) في (أ) و (م) (المكداني).
(٥) عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي، إخباري علامة، لكنه واهٍ ذاهب الحديث، كان يقلب الأخبار ويسرقها. ينظر: "ميزان الاعتدال" ٣/ ١٥٢، "تاريخ بغداد" ٩/ ٤٧٤.
أبو عمر عن ثعلب سواء.
وأنكر المفسرون هذا التفسير، وضعّفوه، من حيث إن النساءَ لو بلغن ما بلغن ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن حتى يكون معهنَّ رَجُل، فإذا كان الأمر على هذا لم تُذْكِرْها، والحاجة في نفاذ الشهادة إلى الرجل قائمة، ومما يبعد هذا التفسير: أن الضلال في قوله: تُضِلَّ إِحْدَاهُمَا فسر بالنسيان، والذي (١) ينبغي أن يعادله ما هو مقابل للنسيان من التذكير، وأيضًا فإن المرأة إذا انضمت إلى المرأة لو صيرتها ذكرًا لكانت شهادة المرأتين بمنزلة شهادة رجل في جميع الأحكام (٢).
وقوله تعالى: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن هذا في تحمل الشهادة، وكل من (٣) دعي لتحمل شهادة وجب عليه ترك الإباء، في قول قتادة (٤) والربيع (٥).
قال الشعبي: هذا إذا لم يوجد غيره فيتعين عليه الإجابة، فإن وجد غيره ممن يتحمل فهو مخير (٦).
(٢) ينظر في الرد: "الحجة" ٢/ ٤٣٣، وعنه نقل المؤلف أكثر الكلام، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨٠٦، "المحرر الوجيز" ١/ ٥١١ - ٥١٢، "البحر المحيط" ٢/ ٣٤٩، وعده الزمخشري في "الكشاف" من بدع التفاسير، وقال ابن عطية: وهذا تأويل بعيد غير فصيح، ولا يحسن في مقابلة الضلال إلا الذكر، وذكر أبو حيان في "البحر" أن هذا التأويل ينبو عنه اللفظ من جهة اللغة ومن جهة المعنى، ثم فصل ذلك.
(٣) في (ش) و (كلما).
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٦، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٦٣.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٧، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٦٣.
(٦) نفسه.
القول الثاني: أن هذا في إقامة الشهادة وأدائها، قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد: إذا استودعته الشهادة ثم احتجت إلى شهادة فلا ينبغي له أن يتخلف عنك حتى يأتي معك إلى الحاكم فيؤديها (١).
وهو قول مجاهد (٢) وعكرمة (٣) والسدي (٤) وسعيد بن جبير (٥).
القول الثالث: أن هذا في الأمرين جميعًا التحمل والأداء، إذا كان فارغًا، ولم يكن له عذر، وهذا قول الحسن (٦) واختيار أبي إسحاق. قال: والدليل على أن الشاهد ينبغي له إذا ما دعي ابتداءً أن يجيب قولهُ تعالى وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أي: لا تملوا أن تكتبوا ما شهدتم عليه، فقد أمروا بهذا، فهذا يؤكد أن أمر الشهادة فى الابتداء واجب، وأنه لا ينبغي أن تملوا (٧).
والسآمة: المَلاَلَةُ والضَّجَر، يقال: سَئِمْتُ الشيءَ أَسْأَمُهُ سَأَمًا وسَآمةً (٨).
(٢) في "تفسيره" ١/ ١١٨، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١١٠، والطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٨.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٨، "ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٦٣، "الوسيط" ١/ ٤٠٥.
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٨.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٢٨، "ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٦٣.
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١١٠، وسعيد بن منصور في "مسنده" ٣/ ٩٩٦، وابن أبي شيبة في "المصنف" ٧/ ٧١، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٥٦٣.
(٧) "معاني القرآن" ١/ ٣٦٥.
(٨) ينظر في سئم: "المفردات" ص ٢٢٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨٠٩، "اللسان" =
يقول: لا يمنعكم (١) الضَّجَر والملالةُ أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحقِّ صَغُر أو كَبُر، قلَّ أو كَثُر، و (أن) مع الفعل مصدر في محل النصب بوقوع السآمة عليه (٢).
والهاء في تَكْتُبُوهُ تعود على الحق، وكذلك الهاء في الأجل (٣).
هذا ما قيل في تفسير هذه الآية، وأظهر من هذا أن يُجْعَلَ قوله: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ خطابًا لأولياء الحق، يقول: لا تَمَلُّوا أن تكتبوا حقُوقَكُم التي دفعتموها إلى الناس دقّت أو جلَّت، وتذكروا في الكتاب أَجَلَها ومَحَلَّها، ويؤكد هذا الوجه: أن الآية من ابتدائها خطاب لأرباب الأموال والديون.
والقيراط والحبة لا تدخل في الندب إلى الكتاب؛ لأن هذا مضمن بالعادة وليس في العادة أن يكتبُوا التَّافِه.
وقوله تعالى: ذَلِكُمْ أي: الكتاب أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي: أعدل (٤)، وذكرنا الكلام في قسط وأقسط عند قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا [النساء: ٣] (٥) وإنما كانت الكتابة أعدل؛ لأن الله أمر به، واتباع
(١) في (ش) (لا يمنعنكم).
(٢) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٤٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨١٠.
(٣) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ١٨١٠.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨١١.
(٥) ينظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩٥٩، "التبيان" ص ٢٣١، قال الراغب في "المفردات" ص ٤٠٤: والقسط هو أن يأخذ قسط غيره وذلك جور، والإقساط أن يعطي قسط غيره، وذلك إنصاف، ولذلك قيل: قسط الرجل إذا جار، وأقسط إذا عدل.
أمره أعدل من تركه (١).
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم (٢) أقوم من أن لو شهدوا على ظن ومخيلة.
ومعنى وَأَقْوَمُ أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج، وذلك أن المنتصب القائم يكون ضد المنحني المعوج، وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل (٣).
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ أي: إلا أن تقع (٤) تجارة حاضرة في هذه الأشياء التي اقْتُصَّت وأمر فيها بالتوثقة بالإشهاد والارتهان، فلا جناح في ترك ذلك فيه؛ لأن ما يخاف في النَّسَاء والتأجيل يؤمن في البيع يدًا بيدٍ (٥).
والكونُ هنا بمعنى: الوقوع والحدوث، كما بينا في قوله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة: ٢٨٠].
وقال الفراء (٦): وان شئت جعلت تُدِيرُونَهَا في موضع نصب، فيكون لـ (كان) مرفوع ومنصوب (٧).
وعلى الوجه الأول تكون (٨) في موضع رفع كأنه قيل: إلا أن تقع
(٢) في (أ) و (م): (الشهادة).
(٣) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨١١.
(٤) من قوله: (تديرونها)، ساقط من (ش).
(٥) ينظر "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨١١ - ١٨١٢.
(٦) قوله: (وقال الفراء)، سقطت من (ش).
(٧) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٨٥.
(٨) من قوله: (في موضع نصب)، ساقط من (أ) و (م).
تجارةٌ حاضرةٌ دائرة بينكم (١).
وقرأ عاصم تِجَارَةً حَاضِرَةً بالنصب (٢)، قال أبو إسحاق: المعنى: إلا أن تكون المداينةُ تجارةً حاضرةً (٣).
قال أبو علي: لا يجوز أن يكون التداين اسم كان؛ لأن التداين معنى، والتجارة الحاضرة يراد بها العين، وحكم الاسم أن يكون الخبر في المعنى، والتداين حق في ذمة المستدين، للمدين المطالبة به، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون اسم كان؛ لاختلاف التداين والتجارة الحاضرة، ولا يجوز أيضًا (٤) أن يكون اسمها (الحق) الذي في قوله: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ للمعنى الذي ذكرنا في التداين؛ لأن ذلك الحق دين فإذا لم يجز هذا، لم يخل (٥) اسم كان من أحد شيئين:
أحدهما: أن هذه الأشياء التي اقْتُصَّتْ من الإشهاد والإرتهان قد عُلِمَ من فحواها التبايع، فأضمر لدلالة الحال عليه، كما أضمر لدلالة الحال في ما حكى سيبويه من قولهم: إذا كان غدًا فأتني، وينشد على هذا:
| أَعَيْنَيّ هَلّا تَبْكِيَانِ عِفَاقا | إذا كان طَعنًا بينهم وعِناقا (٦) |
(٢) قرأ عاصم وحده (تجارة) نصبًا، وقرأ الباقون بالرفع. ينظر: "السبعة" ص ١٩٤، "الحجة" ٢/ ٤٣٦.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٣٦٦.
(٤) سقطت من (ش).
(٥) في (م) (يجز).
(٦) ذكره الفراء في "معاني القرآن" ١/ ١٨٦ ولم ينسبه، وعفاق: اسم رجل، وقد يكون هذا عفاق بن مري الذي يقول فيه صاحب القاموس: أخذه الأحدب بن عمرو الباهلي في قحط وشواه وأكله، وقوله: إذا كان أي: إذا كان القتال والجلاد.
أي: إذا كان الأمر.
والثاني: أن يكون أضمر التجارة، كأنه قيل: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، ومثله: ما أنشده الفراء:
| فِدًى لِبَني ذُهَلِ بنِ شَيْبَانَ نَاقتي | إذا كان يومًا ذا كَوَاكِبَ أشْهَبَا (١) |
فأما التِّجَارَةُ فهي: تقليبُ الأموال وتصريفُها لطلبِ النَّمَاء (٣)، يقال: تَجَرَ الرجل يَتْجَر تِجَارَةً فهو تاجر (٤)، قال الشاعر:
| قد تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْربٌ | لا مرحبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَة (٥) |
(٢) من "الحجة" ٢/ ٤٤٠ بتصرف، والبيت الأول: أعيني هلا تبكيان، لم يذكره في "الحجة".
(٣) من "الحجة" ٢/ ٤٤١.
(٤) ينظر في تجر: "تهذيب اللغة" ١/ ٤٢٩، "المفردات" ص ٨٥، "اللسان" ١/ ٤٢٠، وضبط فيهما المضارع يتجر، بضم الجيم، قال في "المفردات": وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ، فأما تجاه فأصله وجاه، تجوب: التاء للمضارعة.
(٥) البيت للفضل بن عباس في "لسان العرب" ٥/ ٣٠٣٩ (مادة: عقرب).
(٦) في (م) (يقع).
الأمير، وهذا الثوب نسج اليمن، أي: مضروبه ومنسوجه، وكذلك قوله: بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ [المائدة: ٩٤] أي: المصيدة لأن الأيدي والرماح إنما تنالان الأعيان، وبين (١) أن المراد بالمصدر الذي هو تجارة العروض وغيرها مما يتقابض وصفها بالحضور وبالإدارة بيننا. وهذا من أوصاف الأعيان (٢).
وقوله: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ قد ذكرنا ما في هذا في أول الآية (٣).
وقوله تعالى: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ نهى الله عز وجل الكاتبَ والشاهدَ عن المضارَّة، وهو أن يزيد الكاتب أو ينقص أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لم يستشهد عليه، أو يمتنع من إقامة الشهادة، وهذا قول طاوس (٤) والحسن (٥) وقتادة (٦) وابن زيد (٧)، وعلى هذا القول أصله: يُضَارِرَ، والكاتب والشاهد فاعلان، ثم أدغمت الراء في الراء لحقّ التضعيف، وهما ساكنان، الأولى سكنت للإدغام، والثانية للنهي، ثم حركت بالفتح (٨).
(٢) من كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ٤٤٢، وذكر وجهًا ثالثًا وهو: أن يوصف بالمصدر فيراد به العين، كما يقال: عدل ورضا، يراد به: عادل ومرضي.
(٣) من قوله: (وقوله: وأشهدوا)، ساقط من (أ) و (م).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١١١، والطبري في "تفسيره" ٣/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٣٥، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٦٧.
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١١٠، والطبري في "تفسيره" ٣/ ١٣٥، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٦٧.
(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٣٥، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٨١٥.
(٨) ينظر "تفسير الطبري" ٣/ ١٣٥، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٦٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨١٤.
وقال ابن مسعود (١) وعطاء (٢) ومجاهد (٣): معنى الآية: لا يُدْعَى الكاتب وهو مشغول لا يمكنه ترك شغله إلا بضرر يدخل عليه، وكذلك لا يدعى الشاهد ومجيئه للشهادة
يُضِرُّ به، وعلى هذا القول، أصله: يُضَارَرَ على الفعل المجهول فاعله.
والقول الأول اختيار الزجاج، قال: لقوله: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ والفاسق أشبه بغير العدل، وبمن حَرَّف الكتابة منه بالذي دعا شاهدًا ليشهد وكاتبًا ليكتب وهو مشغول، وليس يسمى هذا فاسقًا، ولكن يسمَّى من كذب في الشهادة ومن حَرَّفَ في الكتاب فاسقًا (٤). ومَنْ نَصَرَ القولَ الثاني قال في الفسوق ما قاله ابن عباس، قال: يريد: إثمٌ عليكم وعصيان (٥).
وإذا أَضَرَّ بالكاتِبِ والشاهِدِ فقد أثم وعصى بترك أمر الله، ومعنى الفسوق: هو الخروج، وهذا خارج (٦) عن أمر الله إذا ارتكب من الضرار ما نهي عنه، ويؤكد هذا الثاني: قراءة عمر (٧) وأبي (٨) وابن مسعود (٩)
(٢) المرجع السابق.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٣٦، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٦٧.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٦٦.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٣٨، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٦٨.
(٦) في (ي) (خروج).
(٧) عزاها إليه ابن خالويه في "مختصر شواذ القرآن" ص ٢١، والفراء في "معاني القرآن" ١/ ١٥٠، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٨١٦.
(٨) وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٨١٦.
(٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٨١٦، والنحاس في "معاني القرآن" ١/ ٣٢٤، وابن خالويه في "مختصر شواذ القرآن" ص ٢٤، والقرطبي ٣/ ٤٠٦.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي