و بعد أن أمر سبحانه المؤمنين أن يسارعوا في التصدق على المحتاجين وأن يجتنبوا الربا والمرابين وبين لهم ان أموالهم تزكو وتنمو بالإنفاق في وجوه الخير وتمحق وتذهب بتعاطي الربا بعد ان وضح كل ذلك ساق لهم آية جامعة متى اتبعوا توجيهاتها واستطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق وأشرف وسيلة وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عندما يعطي أحدهم أخاه شيئا من المال على سبيل الدين او القرض الحسن المنزه عن الربا استمع إلى القرآن وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض المعاملات التجارية الحاضرة فيقول :
يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو وضيعا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونوا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم
قال ابن كثير : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها وقد نبه على ذلك في آخر الآية حيث قال : ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا .
و روى البخاري عن ابن عباس أنه قال : أشهد ان السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فيه ثم قرأ : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم.. الآية.
و ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلقون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " ( ٨٩ ).
و معنى تداينتم تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا، وحقيقة الدين كما يقول القرطبي : " عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة فإن العين عند العرب ما كان حاضرا والدين ما كان غائبا " ( ٩٠ ).
و الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد واجل الإنسان الوقت المحدد لانقضاء عمره وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه في المستقبل وأصله من التأخير يقال أجل الشيء يأجل أي تأخر والآجل نقيض العاجل.
و المعنى : أيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت معين فاكتبوا هذا الدين لأن في هذه الكتابة حفظا له وضبطا لمقداره ومنعا للتنازع من ان يقع بينكم.
قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا قيل إذا تداينتم إلى أجل مسمى وأي حاجة إلى ذكر الدين ؟ قلت : ذكر لفظ الدين ليرجع الضمير إليه في قوله : فاكتبوه إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال.
فإن قلت : ما فائدة قوله : مسمى. قلت : ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام ولو قال إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية " ( ٩١ ).
و جمهور العلماء على ان الأمر في قوله : " فاكتبوه " للندب ولأن الله تعالى قد قال بعد ذلك : فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم الدائنين بكتابة ديونهم ولا المدينين بأن يكتبوها.
و قال الظاهرية إن الأمر هنا للوجوب ومن لم يفعل ذلك كان آثما لأن الأصل في الأمر للوجوب...
وقوله : وليكتب بينكم كاتبا بالعدل بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإجمال.
أي : عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها وما يكون من الشروط موافقا لشريعة الإسلام وما يكون منها غير موافق.
و على هذا الكتاب أن يلتزم الحق مع الدائن والمدين في كتابته لأن الله تعالى يقول : و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ( المائدة : ٨ ). فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين ان يختاروا لكتابته شخصا تتوافر فيه إجادة الكتابة والخبرة بشروط العقود وتوثيقها كما تتوافر فيه الاستقامة وتحري الحق. ومفعول " يكتب " محذوف ثقة بالفهامة أي وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل والتقييد والظرف بينكم للإيذان بأنه ينبغي للكتاب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين لأن في هذا الانفراد تهمة يجب ان يربأ بنفسه عنها.
و الجار والمجرور وهو : " بالعدل " متعلق بمحذوف صفة لكاتب المتصدى للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين أو متعلق بالفعل يكتب أي وليكتب بالحق.
ثم نهى الله تعالى من كان قادرا على الكتابة عن الامتناع عنها متى دعى إليها فقال ولا يأب كاتب أن يكتب عما علمه الله فليكتب.
أي : ولا يمتنع كاتب من ان يكتب للمتداينين ديونهما بالطريقة التي علمه الله بأن يتحرى العدل والحق في كتابته وان يلتزم فيها ما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية.
فالكاف ومجرورها في قوله تعالى : كما علمه الله نعت لمصدر محذوف والتقدير : فليكتب كتابه مثل ما علمه الله تعالى بمعنى أن يلتزم الحق والعدل فيها.
و يجوز ان تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى لا يمتنع عن الكتابة لأنه كما علمه الله إياها ويسرها له ونفعه بها فعليه ان ينفع غيره بها فهو كقوله تعالى : و أحسن كما أحسن الله إليك ( القصص ٧٧ ). وفي الحديث الشريف :" إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق " ( ٩٢ ). وفي حديث " من كتم علما يعلمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " ( ٩٣ ).
و قوله : فليكتب تفريع على قوله : و لا يأب كاتب أي فليكتب الكتابة التي علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله ولا يأب كاتب أي فليكتب الكتابة التي علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله ولا يأب كاتب ويجوز أن يكون توكيدا للأمر الصريح في قوله وليكتب بينكم كاتب بالعدل.
قال القرطبي : واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد فقال الطبري : واجب الكاتب إذا أمر أن يكتب وقال الحسن : ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع فإن كان كذلك فهو فريضة وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام بها غيره " ( ٩٤ ).
و إلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة في الدين وبينت كيفية الكتابة وأشارت إلى إجادة الكاتب لها ونهته عن الامتناع عنها إذا دعى لها.
ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإملاء فقال تعالى : و لملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا .
و الإملال معناه الإملاء فهما لغتان معناهما واحد وقد جاء القرآن باللغتين فقال تعالى : وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . ( الفرقان : ٥ ).
أي وعلى المدين الذي عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب هذا الدين وذلك ليكون إملاؤه إقرارا به وبالحقوق التي يجب عليه الوفاء بها. وعليه كذلك أن يراقب الله تعالى في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه شيئا لأن هذا الإنقاص ظلم حرمه الله تعالى وقد أمر الله تعالى بأن يكون الذي يملي على الكاتب هو المدين لانه هو المكلف بأداء مضمون الكتابة ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه ولأنه لو أملى الدائن فربما يزيد في الدين أو يملي شيئا ليس محل اتفاق بينه وبين المدين في الغالب في موقف ضعيف فأعطاه الله تعالى حق الإملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن.
فأنت ترى أن الله تعالى قد مكن المدين من الإملاء على الكاتب حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره و لكنه في الوقت نفسه أوجب عليه أمرين تقوى الله وعدم الإنقاص من الدين الذي عليه وان ذلك لتشريع حكيم عادل لا ظلم فيه للدائن ولا للمدين.
ثم بين سبحانه الحكم فيما إذا كان الذي عليه الدين لا يحسن الإملاء فقال تعالى : فإن كان الذي عليه الحق وهو المدين سفيها أي جاهلا بالإملاء أو ناقص العقل أو متلافا مبذرا لا يحسن تدبير أمره.
أو ضعيفا بان يكون صبيا أو شيخا تقدمت به الشيخوخة.
أو لا يستطيع ان يمل هو بان يكون عييا أو أخرسا أو لا خبرة له بإملاء أمثال هذه المكاتبات.
فليملل وليه بالعدل أي فعلى ولي أمره أو من يهمه شأنه ولا يرضى له أن يضيع حقه أن يتولى الإملاء متحريا الحق والعدل فيما يكلف به.
و بعد هذا البيان الحكيم عن الكتابة وأحكامها في شأن الديون انتقل القرآن إلى الحديث عن الإشهاد فيه قال تعالى :{ واستشهدوا شهيدين من رجالكم أي اطلبوا شاهدين عدليين من الرجال ليشهدوا على ما يجري بينكم من معاملات مؤجلة لأن هذا الإشهاد يعطي الديون والكتابة وتثبيتا والسين والتاء في قوله :
" واستشهدوا " للطلب.
قال الألوسي : " و في اختيار صيغة المبالغة في شهيدين للإيماء إلى من تكررت منه الشهادة فهو عالم بها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزا إلى العدالة لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ولعله لم يقل رجلين لذلك والامر وللندب أو للوجوب على الخلاف في ذلك " ( ٩٥ ).
و قوله : من رجالكم متعلق بقوله : و استشهدوا ومن لابتداء الغاية ويجوز ان يكون متعلقا بمحذوف صفة لشهيدين ومن للتبعيض أي من رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام في معاملاتهم.
ثم بين سبحانه الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء .
و قوله : ممن ترضون
متعلق بمحذوف على انه صفة لرجل وامرأتان أي فإن لم يتيسر رجلان للشهادة فليشهد رجل وامرأتان كائنون مرضيين عندكم بعدالتهم.
وهذا الوصف وإن كان في جميع الشهود إلا انه ذكر هنا للتشدد في اعتباره لأن اتصاف النساء به قد لا يتوافر كثيرا.
وقوله : من الشهداء متعلق بمحذوف حال من ضمير المفعول المقدر في " ترضون " العائد إلى الموصول : أي فليشهد رجل وامرأتان ممن ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وثقتكم بهم.
و قوله تعالى : ممن ترضون من الشهداء أدق في الدلالة على صدق الشهادة من العدالة لأن الإنسان العدل قد يكون مرضيا في دينه وخلقه و لكنه يتأثر بالمشاهد المؤثرة فتخونه ذاكرته في وقت الحاجة إليها وقد يكون ممن يمنعه منصبه وجاهه ومقامه في الناس من الكذب إلا أنه قد يرتكب بعض المعاصي فجاء سبحانه بهذه الجملة الحكيمة لكي يقول للناس : اختاروا الشهداء من الذين يرتضى قولهم ويقيمون الشهادة على وجهها بدون التأثر بأي نوع من أنواع المأثرات.
هذا وشهادة النساء مع الرجال عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة وكل شيء إلا الحدود والقصاص
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة