تفسير سورة الكهف

فتح الرحمن في تفسير القرآن
تفسير سورة سورة الكهف من كتاب فتح الرحمن في تفسير القرآن .
لمؤلفه تعيلب . المتوفي سنة 2004 هـ
مكية وآياتها ١١٠

لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ ولم يجعل له شيئاً من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه، وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه.
فإن قلت : بم انتصب ﴿ قَيِّماً ﴾ ؟ قلت : الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالاً من الكتاب ؛ لأنّ قوله ﴿ وَلَمْ يَجْعَل ﴾ معطوف على أنزل، فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالاً من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره : ولم يجعل له عوجا جعله قيماً ؛ لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة. فإن قلت : ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الآخر ؟ قلت : فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح. وقيل : قيما على سائر الكتب مصدقاً لها، شاهداً بصحتها. وقيل : قيماً بمصالح العباد وما لا بدّ لهم منه من الشرائع وقرىء «قيماً » «أنذر » متعدّ إلى مفعولين، كقوله ﴿ إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً ﴾ [ النبأ : ٤٠ ] فاقتصر على أحدهما، وأصله ﴿ لِّيُنذِرَ ﴾ الذين كفروا ﴿ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ والبأس من قوله ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ [ الأعراف : ١٦٥ ] وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأساً وبآسة ﴿ مِّن لَّدُنْهُ ﴾ صادراً من عنده. وقرىء «من لدنه » بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون ﴿ وَيُبَشِّرُ ﴾ بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت : لم اقتصر على أحد مفعولى أنذر ؟ قلت : قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه. والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله ﴿ وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا ( ٤ ) ﴾ متعلقاً بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، كما ذكر المبشر به في قوله :﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ استغناء بتقدّم ذكره. والأجر الحسن : الجنة
﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي بالولد أو باتخاذه، يعني أنّ قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء، وقد اشتملته آباؤهم من الشيطان وتسويله. فإن قلت : اتخاذ الله ولداً في نفسه محال، فكيف قيل : ما لهم به من علم ؟ قلت : معناه ما لهم به من علم ؛ لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وانتفاء العلم بالشيء إمّا للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به. قرىء «كبرت كلمة »، وكلمة : بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية، والنصب أقوى وأبلغ. وفيه معنى التعجب، كأنه قيل : ما أكبرها كلمة. و ﴿ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ صفة للكلمة تفيد استعظاماً لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم، فإن كثيراً مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدّثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوّهوا به ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا من إظهاره، فكيف بمثل هذا المنكر ؟ وقرىء «كبْرت » بسكون الباء مع إشمام الضمة. فإن قلت : إلام يرجع الضمير في كبرت ؟ قلت : إلى قولهم ﴿ اتخذ الله وَلَدًا ﴾ وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.
شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجداً عليهم وتلهفاً على فراقهم. وقرىء «باخع نفسك »، على الأصل، وعلى الإضافة : أي قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ «إن لم يؤمنوا » وللمضي فيمن قرأ «أن لم يؤمنوا » بمعنى : لأن لم يؤمنوا ﴿ بهذا الحديث ﴾ بالقرآن ﴿ أَسَفاً ﴾ مفعول له، أي : لفرط الحزن. ويجوز أن يكون حالا والأسف : المبالغة في الحزن والغضب. يقال : رجل أسف وأسيف.
﴿ مَا عَلَى الأرض ﴾ يعني ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها ﴿ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وحسن العمل : الزهد فيها وترك الاغترار بها، ثم زهد في الميل إليها بقوله ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا ﴾.
وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا }من هذه الزينة ﴿ صَعِيداً جُرُزاً ﴾ يعني مثل أرض بيضاء لانبات فيها، بعد أن كانت خضراء معشبة، في إزالة بهجته، وإماطه حسنه، وإبطال ما به كان زينة : من إماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار، ونحو ذلك ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض مما خلق فوقها من الأجناس التي لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن.
ثم قال ﴿ أَمْ حَسِبْتَ ﴾ يعني أن ذلك أعظم من قصة أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدّة طويلة. والكهف : الغار الواسع في الجبل ﴿ والرقيم ﴾ اسم كلبهم. قال أمية ابن أبي الصلت :
وَلَيْسَ بِهَا إلاَّ الرَّقِيمُ مُجَاوِراً وَصِيدَهُمُ وَالْقَوْمُ في الْكَهْفِ هُمَّدُ
وقيل : هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف. وقيل : إن الناس رقموا حديثهم نقراً في الجبل. وقيل : هو الوادي الذي فيه الكهف. وقيل : الجبل. وقيل : قريتهم. وقيل : مكانهم بين غضبان وأيلة دون فلسطين ﴿ كَانُواْ ﴾ آية ﴿ عَجَبًا ﴾ من آياتنا وصفاً بالمصدر، أو على : ذات عجب.
﴿ مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي رحمة من خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رَشَدًا ﴾ حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشداً كله، كقولك : رأيت منك أسداً.
﴿ فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ ﴾ أي ضربنا عليها حجاباً من أن تسمع، يعني : أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال : بنى على امرأته، يريدون : بنى عليها القبة ﴿ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ ذوات عدد، فيحتمل أن يريد الكثرة وأن يريد القلة ؛ لأن الكثير قليل عنده، كقوله :﴿ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ ﴾ [ الأحقاف : ٣٥ ] وقال الزجاج : إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعدّ، وإذا كثر احتاج إلى أن يعد.
﴿ أَيُّ ﴾ يتضمن معنى الاستفهام، فعلق عنه ﴿ لَنَعْلَمَ ﴾ فلم يعمل فيه. وقرىء «ليعلم » وهو معلق عنه أيضاً ؛ لأن ارتفاعه بالابتداء لا بإسناد «يعلم » إليه وفاعل «يعلم » مضمون الجملة كما أنه مفعول «نعلم » ﴿ أَيُّ الحِزْبَيْنِ ﴾ المختلفين منهم في مدّة لبثهم ؛ لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك، وذلك قوله ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ [ الكهف : ١٩ ] وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم : هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم، و ﴿ أحصى ﴾ فعل ماض أي أيهم ضبط ﴿ أَمَدًا ﴾ لأوقات لبثهم. فإن قلت : فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل ؟ قلت : ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرّد ليس بقياس. ونحو «أعدى من الجرب »، و «أفلس من ابن المذلق » شاذ. والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به ؟ ولأن ﴿ أَمَدًا ﴾ لا يخلو : إما أن ينتصب بأفعل فأفعل لا يعمل. وإما أن ينصب بلبثوا، فلا يسدّ عليه المعنى. فإن زعمت أني أنصبه بإضمار فعل يدل عليه أحصى، كما أضمر في قوله :
وَأَضْرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ القَوَانِسَا ***
على : نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون أحصى فعلاً، ثم رجعت مضطراً إلى تقديره وإضماره. فإن قلت : كيف جعل الله تعالى العلم بإحصائهم المدّة غرضاً في الضرب على آذانهم ؟ قلت : الله عز وجل لم يزل عالماً بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم، ليزدادوا إيماناً واعتباراً، ويكون لطفاً لمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفاره.
﴿ وزدناهم هُدًى ﴾ بالتوفيق والتثبيت.
﴿ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ ﴾ وقويناها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام ﴿ إِذْ قَامُواْ ﴾ بين يدي الجبار وهو دقيانوس، من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم ﴿ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السموات والأرض..... شَطَطًا ﴾ قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه، من شط : إذا بعد. ومنه أشط في السوم وفي غيره.
﴿ هَؤُلاء ﴾ مبتدأ، و ﴿ قَوْمُنَا ﴾ عطف بيان ﴿ واتخذوا ﴾ خبر وهو إخبار في معنى إنكار ﴿ لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم ﴾ هلا يأتون على عبادتهم، فحذف المضاف ﴿ بسلطان بَيّنٍ ﴾ وهو تبكيت ؛ لأنّ الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدين من الحجة حتى يصح ويثبت ﴿ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ بنسبة الشريك إليه.
﴿ وَإِذِ اعتزلتموهم ﴾ خطاب من بعضهم لبعض، حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم ﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ ﴾ نصب، عطف على الضمير، يعني : وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم ﴿ إِلاَّ الله ﴾ يجوز أن يكون استثناء متصلاً، على ما روي : أنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه كما أهل مكة. وأن يكون منقطعاً. وقيل : هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفئة أنهم لم يعبدوا غير الله ﴿ مّرْفَقًا ﴾ قرىء «بفتح الميم وكسرها » وهو ما يرتفق به : أي ينتفع، إما أن يقولوا ذلك ثقة بفضل الله وقوّة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم. وإما أن يخبرهم به نبي في عصرهم، وإما أن يكون بعضهم نبياً.
﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ أي تمايل، أصله تتزاور فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها. وقد قرىء «بهما ». وقرىء «تزورّ وتزوارّ » بوزن تحمرّ وتحمارّ، وكلها من الزور وهو الميل. ومنه زاره إذا مال إليه. والزور : الميل عن الصدق ﴿ ذَاتَ اليمين ﴾ جهة اليمين وحقيقتها. الجهة المسماة باليمين ﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ تقطعهم لا تقربهم من معنى القطيعة والصرم. قال ذو الرمة :
إلَى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أَقْوَازَ مُشْرِف شَمِالاً وَعَنْ أَيْمَانِهنَّ الْفَوَارِسُ
﴿ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ ﴾ وهم في متسع من الكهف. والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرّض لإصابة الشمس لولا أنّ الله يحجبها عنهم. وقيل : في متفسح من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ولا يحسون كرب الغار ﴿ ذلك منءايات الله ﴾ أي ما صنعه الله بهم - من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة - آية من آياته، يعني : أنّ ما كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم، اختصاصاً لهم بالكرامة. وقيل : باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش، فهم في مقنأة أبداً ومعنى ( ذلك من آيات الله ) أنّ شأنهم وحديثهم من آيات الله ﴿ مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد ﴾ ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم، فلطف بهم وأعانهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية والاختصاص بالآية العظيمة، وأن كل من سلك طريقة المهتدين الراشدين فهو الذي أصاب الفلاح، واهتدى إلى السعادة، ومن تعرّض للخذلان، فلن يجد من يليه ويرشده بعد خذلان الله.
﴿ وَتَحْسَبُهُمْ ﴾ بكسر السين وفتحها : خطاب لكل أحد والأيقاظ : جمع يقظ، كأنكاد في نكد. قيل : عيونهم مفتحة وهم نيام، فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً وقيل : لكثرة تقلبهم وقيل : لهم تقلبتان في السنة وقيل : تقلبة واحدة في يوم عاشوراء. وقرىء «ويقلبهم » بالياء والضمير لله تعالى. وقرىء «وتقلبهم » على المصدر منصوباً، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا ﴾ كأنه قيل : وترى وتشاهد تقلبهم. وقرأ جعفر الصادق «وكالبهم » أي وصاحب كلبهم ﴿ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ حكاية حال ماضية ؛ لأنّ اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقية معرفة، كغلام زيد، إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية. والوصيد : الفناء، وقيل : العتبة. وقيل : الباب. وأنشد :
بِأَرْضٍ فَضَاء لاَ يُسَدُّ وَصِيدُهَا عَلَىَّ وَمَعْرُوفِي بِهَا غَيْرُ مُنْكَرِ
وقرىء «ولملئت » بتشديد اللام للمبالغة. وقرىء «بتخفيف الهمزة وقلبها ياء ». و ﴿ رُعْبًا ﴾ بالتخفيف والتثقيل، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة. وقيل : لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم. وقيل : لوحشة مكانهم. وعن معاوية أنه غزا الروم فمرّ بالكهف فقال : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضي الله عنه : ليس لك ذلك، قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال :﴿ لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ﴾ فقال معاوية، لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناساً وقال لهم : اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأحرقتهم. وقرىء :«لوُ اطلعت »، بضم الواو.
﴿ وكذلك بعثناهم ﴾ وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم، إدكاراً بقدرته على الإنامة والبعث جميعاً ليسأل بعضهم بعضاً ويعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا، ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ويزدادوا يقيناً، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به ﴿ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ جواب مبني على غالب الظن. وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذباً وإن جاز أن يكون خطأ ﴿ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدّة لبثهم، كأنّ هؤلاء قد علموا بالأدلة أو بإلهام من الله أنّ المدة متطاولة، وأنّ مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله. وروي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال، فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك. فإن قلت : كيف وصلوا قولهم ﴿ فابعثوا ﴾ بتذاكر حديث المدة ؟ قلت : كأنهم قالوا : ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق : الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة. ومنه الحديث. " أنّ عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب " وقرىء :«بورْقكم » بسكون الراء والواو مفتوحة أو مكسورة. وقرأ ابن كثير «بورِقكم »، بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف. وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين لا على حده. وقيل : المدينة طرسوس. قالوا : وتزوّدهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم : دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأي المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. ومنه قول عائشة رضي الله عنها - لمن سألها عن محرم يشدّ عليه هميانه - : أوثق عليك نفقتك. وما حكي عن بعض صعاليك العلماء أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزق حج بيت الله، وتعولم منه ذلك، فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم منهم فوج على حج أتوه فبذلوا له أن يحجوا به وألحوا عليه، فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده : ما لهذا السفر إلا شيئان : شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ أيّ أهلها، فحذف الأهل كما في قوله ﴿ واسئل القرية ﴾ [ يوسف : ٨٢ ]، ﴿ أزكى طَعَامًا ﴾ أحلّ وأطيب وأكثر وأرخص ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ وليتكلف اللطف والنيقة فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. أو في أمر التخفي حتى لا يعرف ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ يعني : ولا يفعلنّ ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ذلك إشعاراً منه بهم ؛ لأنه سبب فيه الضمير في ﴿ إِنَّهُمْ ﴾.
﴿ إِنَّهُمْ ﴾راجع إلى الأهل المقدر في ﴿ أَيُّهَا ﴾. ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم، وكانت عادتهم ﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ ﴾ أو يدخلوكم ﴿ فِى مِلَّتِهِمْ ﴾ بالإكراه العنيف ويصيروكم إليها. والعود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم، يقولون : ما عدت أفعل كذا، يريدون ابتداء الفعل ﴿ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا ﴾ إذ دخلتم في دينهم.
﴿ وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ وكما أنمناهم وبعثناهم، لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم، ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم ﴿ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ وهو البعث ؛ لأن حالهم في نومتهم وانتباهتهم بعدها كحال من يموت ثم يبعث. و ﴿ إِذْ يتنازعون ﴾ متعلق بأعثرنا. أي : أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث، فكان بعضهم يقول : تبعث الأرواح دون الأجساد. وبعضهم يقول : تبعث الأجساد مع الأرواح، ليرتفع الخلاف، وليتبين أنّ الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت ﴿ فَقَالُواْ ﴾ حين توفى الله أصحاب الكهف ﴿ ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا ﴾ أي على باب كهفهم. لئلا يتطرّق إليهم الناس ضناً بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحظيرة ﴿ قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ ﴾ من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ ﴾ على باب الكهف ﴿ مَّسْجِدًا ﴾ يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. وقيل : إذ يتنازعون بينهم أمرهم أي : يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف، ويتكلمون في قصتهم وما أظهر الله من الآية فيهم. أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا، كيف يخفون مكانهم ؟ وكيف يسدّون الطريق إليهم، فقالوا : ابنوا على باب كهفهم بنيانا، روي أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها، وممن شدد في ذلك دقيانوس، فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه، ثم هربوا إلى الكهف ومرّوا بكلب فتبعهم فطردوه، فأنطقه الله فقال : ما تريدون مني، أنا أحبّ أحباء الله، فناموا وأنا أحرسكم. وقيل : مرّوا براع معه كلب فتبعهم على دينهم، ودخلوا الكهف فكانوا يعبدون الله فيه، ثم ضرب الله على آذانهم، وقبل أن يبعثهم الله ملك مدينتهم رجل صالح مؤمن. وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين، فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحاً وجلس على رماد، وسأل ربه أن يبين لهم الحق، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ماسدّ به فم الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه، ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقصّ عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم، وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث، ثم قالت الفتية للملك : نستودعك الله ونعيذك به من شرّ الجنّ والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجداً ﴿ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا : ربهم أعلم بهم. أو هو من كلام الله عز وجل ردّ لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.
﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ الضمير لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمؤمنين، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخباراً بما سيجري بينهم من اختلافهم في عددهم، وأنّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. قال ابن عباس رضي الله عنه : أنا من أولئك القليل. وروي أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيد وكان يعقوبياً : كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب وكان نسطورياً : كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون : كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين. وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لسان جبريل عليه السلام. وعن عليّ رضي الله عنه : هم سبعة نفر أسماؤهم : يمليخاً، ومكشليتيا، ومشلينيا : هؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره : مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره والسابع : الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس. واسم مدينتهم : أفسوس. واسم كلبهم : قطمير. فإن قلت : لم جاء بسين الاستقبال في الأوّل دون الآخرين ؟ قلت : فيه وجهان : أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما تقول : قد أكرم وأنعم، تريد معنى التوقع في الفعلين جميعاً، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ رمياً بالخبر الخفي وإتياناً به كقوله ﴿ وَيَقْذِفُونَ بالغيب ﴾ [ سبأ : ٥٣ ] أي يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظنّ، فكأنه قيل : ظناً بالغيب ؛ لأنهم أكثروا أن يقولوا رجم بالظنّ مكان قولهم ظنّ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين، ألا ترى إلى قول زهير :
وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ المُرَجَّمِ ***
أي المظنون. وقرىء «ثلاثّ رابعهم » بإدغام الثاء في تاء التأنيث. و ﴿ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي : هم ثلاثة. وكذلك ﴿ خَمْسَةٌ ﴾ و ﴿ سَبْعَةٌ ﴾ و ﴿ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ جملة من مبتدأ وخبر واقعة صفة لثلاثة، وكذلك ﴿ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾، ﴿ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾. فإن قلت : فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوّلين ؟ قلت : هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في نحو قولك : جاءني رجل ومعه آخر. ومررت بزيد وفي يده سيف. ومنه قوله تعالى :﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ ﴾ [ الحجر : ٤ ] وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا : سبعة وثامنهم كلبهم، قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم.
والدليل عليه أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ وأتبع القول الثالث قوله ﴿ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ وقال ابن عباس رضي الله عنه : حين وقعت الواو انقطعت العدّة، أي : لم يبق بعدها عدّة عادّ يلتفت إليها. وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والبتات. وقيل : إلا قليل من أهل الكتاب. والضمير في ﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ على هذا لأهل الكتاب خاصة، أي : سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظنّ وتخمين ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ ﴾ فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالاً ظاهراً غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب، ولا تزيد، من غير تجهيل لهم ولا تعنيف بهم في الردّ عليهم، كما قال ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ [ النحل : ١٢٥ ]. ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ ﴾ ولا تسأل أحداً منهم عن قصتهم سؤال متعنت له، حتى يقول شيئاً فتردّه عليه وتزيف ما عنده ؛ لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المداراة والمجاملة، ولا سؤال مسترشد ؛ لأن الله قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم.
﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىْءٍ ﴾ ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه ﴿ إِنّى فَاعِلٌ ذلك ﴾ الشيء ﴿ غَداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان. ولم يرد الغد خاصة.
﴿ إِلاَّ أَن يَشاءَ الله ﴾ متعلق بالنهي لا بقوله : إني فاعل لأنه لو قال إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله، كان معناه : إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله، وذلك مما لا مدخل فيه للنهي، وتعلقه بالنهي على وجهين، أحدهما : ولا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه. والثاني : ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي : إلا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال. يعني : إلا ملتبساً بمشيئة الله قائلاً : إن شاء الله وفيه وجه ثالث، وهو : أن يكون ﴿ أن يشاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل ولا تقولنه أبداً. ونحوه قوله ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله ﴾ [ الأعراف : ٨٩ ] لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله. وهذا نهي تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش : سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين. فسألوه فقال : ائتوني غداً أخبركم ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش ﴿ واذكر رَّبَّكَ ﴾ أي مشيئة ربك وقل : إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك. والمعنى : إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر. وعن ابن عباس رضي الله عنه : ولو بعد سنة ما لم تحنث. وعن سعيد بن جبير : ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة. وعن طاوس : هو على ثنياه ما دام في مجلسه. وعن الحسن نحوه. وعن عطاء : يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة. وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً. ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس رضي الله عنه في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه : فقال أبو حنيفة : هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك ؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه. ويجوز أن يكون المعنى : واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، تشديداً في البعث على الاهتمام بها. وقيل : واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل : واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي، وقد حمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. و ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف. ومعناه : لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني نبيّ صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلّ، والظاهر أن يكون المعنى : إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك. وذكر ربك عند نسيانه أن تقول : عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رَشَدًا ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة. ولعل النسيان كان خيرة، كقوله ﴿ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا ﴾ [ البقرة : ١٠٦ ].
﴿ وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثلاث مِاْئَةٍ سِنِينَ ﴾ يريد لبثهم فيه أحياء مضروباً على آذانهم هذه المدّة، وهو بيان لما أجمل في قوله ﴿ فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ فِى الكهف سِنِينَ عَدَدًا ﴾ ومعنى قوله :﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدّة لبثهم، والحق ما أخبرك الله به. وعن قتادة : أنه حكاية لكلام أهل الكتاب.
و ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ ﴾ رد عليهم. وقال في حرف عبد الله : وقالوا لبثوا. وسنين : عطف بيان لثلثمائة. وقرىء «ثلثمائة سنين »، بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله ﴿ بالاخسرين أعمالا ﴾ [ الكهف : ١٠٣ ] وفي قراءة أبيّ «ثلثمائة سنة » ﴿ تِسْعًا ﴾ تسع سنين ؛ لأن ما قبله يدل عليه. وقرأ الحسن «تسعاً » بالفتح، ثم ذكر اختصاصه بما غاب في السموات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها ومن غيرها وأنه هو وحده العالم به، وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها كما يدرك أكبرها حجماً وأكثفها جرماً، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر ﴿ مَّا لَهُم ﴾ الضمير لأهل السموات والأرض ﴿ مِن وَلِىٍّ ﴾ من متول لأمورهم ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ ﴾ في قضائه ﴿ أَحَدًا ﴾ منهم. وقرأ الحسن : ولا تشرك، بالتاء والجزم على النهي.
كانوا يقولون له : ائت بقرآن غير هذا أو بدله، فقيل له ﴿ واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ ﴾ من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل، فلا مبدل لكمات ربك، أي : لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها، وإنما يقدر على ذلك هو وحده ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ ﴾ [ النحل : ١٠١ ]. ﴿ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك.
وقال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : نحِّ هؤلاء الموالي الذين كأن ريحهم ريح الضأن، وهم : صهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء المسلمين، حتى نجالسك كما قال نوح :﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون ﴾ [ الشعراء : ١١١ ] فنزلت :﴿ واصبر نَفْسَكَ ﴾ وأحبسها معهم وثبتها. قال أبو ذؤيب :
فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً تَرْسُوا إذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ
﴿ بالغداة والعشى ﴾ دائبين على الدعاء في كل وقت. وقيل : المراد صلاة الفجر والعصر. وقرىء :«بالغدوة » وبالغداة أجود ؛ لأن غدوة علم في أكثر الاستعمال. وإدخال اللام على تأويل التنكير كما قال :
...... وَالزَّيْدُ زَيْدُ المَعَارِكِ ***
ونحوه قليل في كلامهم، يقال : عداه إذا جاوزه ومنه قولهم. عدا طوره. وجاءني القوم عدا زيداً. وإنماعدي بعن، لتضمين عدا معنى نبا وعلا، في قولك : نبت عنه عينه وعلت عنه عينه : إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت : أي غرض في هذا التضمين ؟ وهلا قيل : ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم ؟ قلت الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك : ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم ؟ ونحوه قوله تعالى :﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ [ النساء : ٢ ] أي ولا تضموها إليها أكلين لها. وقرىء «ولا تعد عينيك، ولا تعدّ عينيك » من أعداه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو. ومنه قوله :
فَعُدْ عَمَّا تَرَى إذْ لاَ ارْتِجَاعَ لَهُ ***
لأن معناه : فعد همك عما ترى. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزدرى بفقراء المؤمنين، وأن تنبو عينه عن رثاثة زيهم طموحاً إلى زيّ الأغنياء وحسن شارتهم ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا ﴾ في موضع الحال ﴿ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر بالخذلان. أو وجدناه غافلاً عنه، كقولك : أجبنته وأفحمته وأبخلته، إذا وجدته كذلك. أو من أغفل إبله إذا تركها بغير سمة، أي : لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله ﴿ واتبع هواه ﴾ وقرىء «أغفلنا قلبه » بإسناد الفعل إلى القلب على معنى : حسبنا قلبه غافلين، من أغفلته إذا وجدته غافلاً ﴿ فُرُطًا ﴾ متقدّماً للحق والصواب نابذاً له وراء ظهره من قولهم «فرس فرط » متقدّم للخيل.
﴿ وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ ﴾ الحق خبر مبتدأ محذوف. والمعنى : جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير، لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين. شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وبيت مسردق : ذو سرادق وقيل : هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار. وقيل : حائط من نار يطيف بهم ﴿ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل ﴾ كقوله :
...... فَأَعْتَبُوا بِالصَّيْلَمِ***
وفيه تهكم. والمهل : ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل : درديّ الزيت ﴿ يَشْوِى الوجوه ﴾ إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته. عن النبي صلى الله عليه وسلم :«هو كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه » ﴿ بِئْسَ الشراب ﴾ ذلك ﴿ وَسَاءتْ ﴾ النار ﴿ مُرْتَفَقًا ﴾ متكأ من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله ﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ [ الكهف : ٣١ ] وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء، إلا أن يكون من قوله :
إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقا كَأَنَّ عَيْنِي فِيهَا الصَّابُ مَذبُوح
﴿ أولئك ﴾ خبر إن و ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ اعتراض، ولك أن تجعل ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ خبرين معاً. أو تجعل ﴿ أولئك ﴾ كلاماً مستأنفاً بياناً للأجر المبهم. فإن قلت : إذا جعلت ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ خبراً، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ ؟ قلت :﴿ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ و ﴿ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ ينتظمهما معنى واحد، فقام :﴿ مَنْ أَحْسَنَ ﴾ مقام الضمير. أو أردت : من أحسن عملا منهم، فكان كقولك : السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء. والثانية للتبيين وتنكير ﴿ أَسَاوِرَ ﴾ لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس : وهو مارقّ من الديباج، وبين الإستبرق : وهو الغليظ منه، جمعاً بين النوعين وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٠:﴿ أولئك ﴾ خبر إن و ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ اعتراض، ولك أن تجعل ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ خبرين معاً. أو تجعل ﴿ أولئك ﴾ كلاماً مستأنفاً بياناً للأجر المبهم. فإن قلت : إذا جعلت ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ خبراً، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ ؟ قلت :﴿ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ و ﴿ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ ينتظمهما معنى واحد، فقام :﴿ مَنْ أَحْسَنَ ﴾ مقام الضمير. أو أردت : من أحسن عملا منهم، فكان كقولك : السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء. والثانية للتبيين وتنكير ﴿ أَسَاوِرَ ﴾ لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس : وهو مارقّ من الديباج، وبين الإستبرق : وهو الغليظ منه، جمعاً بين النوعين وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم.
﴿ واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ﴾ أي ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل : أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا. وقيل : هما المذكوران في سورة الصافات في قوله ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ ﴾ [ الصافات : ٥١ ] ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها. فاشترى الكافر أرضاً بألف، فقال المؤمن : اللهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار، وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف، فتصدّق به. ثم بنى أخوه داراً بألف، فقال : اللهم إني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدّق به. ثم تزوّج أخوه امرأة بألف، فقال : اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور. ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف، فقال : اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدّق به ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه فمرّ به في حشمه، فتعرّض له، فطرده ووبخه على التصدّق بماله، وقيل : هما مثل لأخوين من بني مخزوم : مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد، وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد ﴿ جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب ﴾ بستانين من كروم ﴿ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ﴾ وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم : أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة. يقال : حفوه، إذا أطافوا به : وحففته بهم. أي جعلتهم حافين حوله، وهو متعدّ إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً، كقولك : غشيه، وغشيته به ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴾ جعلناها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه. ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بماء وهو أصل الخير ومادّته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به، وهو السيح بالنهر الجاري فيها.
والأكل : الثمر. وقرىء «بضم الكاف » ﴿ وَلَمْ تَظْلِمِ ﴾ ولم تنقص. وآتت : حمل على اللفظ، لأنّ ﴿ كِلْتَا ﴾ لفظه لفظ مفرد، ولو قيل : آتتا على المعنى : لجاز وقرىء «وفجرنا » على التخفيف وقرأ عبد الله «كل الجنتين آتى أكله » بردّ الضمير على كل.
﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ أي أنواع من المال، من ثمر ماله إذا كثر. وعن مجاهد : الذهب والفضة، أي : كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، متمكناً من عمارة الأرض كيف شاء ﴿ وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ يعني أنصاراً وحشماً. وقيل : أولاداً ذكوراً، لأنهم ينفرون معه دون الإناث، يحاوره : يراجعه الكلام، من حار يحور إذا رجع، وسألته فما أحار كلمة.
يعني قطروس أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويعجبه منهما ويفاخره بما ملك من المال دونه. فإن قلت : فلم أفرد الجنة بعد التثنية ؟ قلت : معناه ودخل ما هو جنته ماله جنة غيرها، يعني أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما ﴿ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ وهو معجب بما أوتي مفتخر به كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته : لطول أمله واستيلاء الحرص عليه وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله. وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه.
﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى ﴾ إقسام منه على أنه إن ردَّ إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وكما يزعم صاحبه ليجدنّ في الآخرة خيراً من جنته في الدنيا، تطمعاً وتمنياً على الله، وادّعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله، وأنّ معه هذا الاستحقاق أينما توجه، كقوله ﴿ إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ [ فصلت : ٥٠ ]، ﴿ لاَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ [ مريم : ٧٧ ]. وقرىء :«خيراً منهما » ردّا على الجنتين ﴿ مُنْقَلَباً ﴾ مرجعاً وعاقبة. وانتصابه على التمييز، أي : منقلب تلك، خير من منقلب هذه، لأنها فانية وتلك باقية.
﴿ خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ﴾ أي خلق أصلك، لأنّ خلق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقاً له ﴿ سَوَّاكَ ﴾ عدلك وكملك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال. جعله كافراً بالله جاحداً لأنعمه لشكه في البعث، كما يكون المكذب بالرسول صلى الله عليه وسلم كافراً.
﴿ لَّكِنَّ هُوَ الله رَبّى ﴾ أصله لكن أنا، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن، فتلاقت النونان فكان الإدغام. ونحوه قول القائل :
وَتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذْنِب وَتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيَّاكِ لاَ أقْلِي
أي : لكن أنا لا أقليك وهو ضمير الشأن، والشأن الله ربي، والجملة خبر أنا، والراجع منها إليه ياء الضمير. وقرأ ابن عامر بإثبات ألف أنا في الوصل والوقف جميعاً، وحسن ذلك وقوع الألف عوضاً من حذف الهمزة. وغيره لا يثبتها إلا في الوقف. وعن أبي عمرو أنه وقف بالهاء : لكنه. وقرىء «لكن هو الله ربي »، بسكون النون وطرح أنا. وقرأ أبيّ بن كعب :«لكن أنا » على الأصل. وفي قراءة عبد الله «لكن أنا لا إله إلا هو ربي ». فإن قلت : هو استدراك لماذا ؟ قلت : لقوله ﴿ أَكَفَرْتَ ﴾ قال لأخيه : أنت كافر بالله، لكني مؤمن موحد، كما تقول : زيد غائب، لكن عمراً حاضر.
﴿ مَا شَاء الله ﴾ يجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره : الأمر ما شاء الله. أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى : أي شيء شاء الله كان. ونظيرها في حذف الجواب ﴿ لَوْ ﴾ في قوله :﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال ﴾ [ الرعد : ٣١ ] والمعنى : هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله، اعترافاً بأنها وكلّ خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده : إن شاء تركها عامرة وإن شاء خرّبها، وقلت ﴿ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله ﴾ إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى. وعن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب، فيدخل من شاء. وكان إذا دخله ردّد هذه الآية حتى يخرج. من قرأ ﴿ أَقُلْ ﴾ بالنصب فقد جعل أنا فصلاً، ومن رفع جعله مبتدأ وأقلّ خبره، والجملة مفعولاً ثانياً لترني. وفي قوله ﴿ وَوَلَدًا ﴾ نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله ﴿ وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ [ الكهف : ٣٤ ] والمعنى إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى، فيرزقني لإيماني جنة.
﴿ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ ﴾ ويسلبك لكفرك نعمته ويخرّب بستانك. والحسبان : مصدر كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب، أي : مقداراً قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها وقال الزجاج : عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. وقيل حسباناً مرامي الواحدة حسبانة وهي الصواعق ﴿ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها لملاستها زلقاً.
و ﴿ غَوْرًا ﴾ كلاهما وصف بالمصدر.
﴿ وَأُحِيطَ ﴾ به عبارة عن إهلاكه. وأصله من أحاط به العدوّ ؛ لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه، ثم استعمل في كل إهلاك. ومنه قوله تعالى ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ [ يوسف : ٦٦ ] ومثله قولهم : أتى عليه، إذا أهلكه، من أتى عليهم العدوّ : إذا جاءهم مستعلياً عليهم. وتقليب الكفين : كناية عن الندم والتحسر، لأنّ النادم يقلب كفيه ظهراً لبطن، كنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد، ولأنه في معنى الندم عدّى تعديته بعلى، كأنه قيل : فأصبح يندم ﴿ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ أي أنفق في عمارتها ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ يعني أنّ كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض، وسقطت فوقها الكروم. قيل : أرسل الله عليها ناراً فأكلتها ﴿ ياويلتا لَيْتَنِى ﴾ تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه، فتمنى لو لم يكن مشركاً حتى لا يهلك الله بستانه. ويجوز أن يكون توبة من الشرك، وندماً على ما كان منه، ودخولاً في الإيمان.
وقرىء :«ولم يكن » بالياء والتاء، وحمل ﴿ يَنصُرُونَهُ ﴾ على المعنى دون اللفظ، كقوله ﴿ فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ ﴾ [ آل عمران : ١٣ ]. فإن قلت : ما معنى قوله :﴿ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله ﴾ ؟ قلت : معناه يقدرون على نصرته من دون الله، أي : هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لصارف وهو استيجابه أن يخذل ﴿ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ﴾ وما كان ممتنعاً بقوّته عن انتقام الله.
﴿ الولاية ﴾ بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، وقد قرىء بهما. والمعنى هنالك، أي : في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده، لا يملكها غيره، ولا يستطيعها أحد سواه، تقريراً لقوله :﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله ﴾ [ الكهف : ٤٣ ] أو : هنالك السلطان والملك لله لا يغلب ولا يمتنع منه. أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطرّ. يعني أنّ قوله ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ [ الكهف : ٤٢ ] كلمة ألجيء إليها فقالها جزعاً مما دهاه من شؤم كفره، ولولا ذلك لم يقلها. ويجوز أن يكون المعنى : هالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم، ويشفي صدورهم من أعدائهم، يعني : أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن، وصدّق قوله :﴿ عسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السماء ﴾ [ الكهف : ٤٠ ] ويعضده قوله ﴿ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴾ أي لأوليائه وقيل ﴿ هُنَالِكَ ﴾ إشارة إلى الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله، كقوله ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ [ غافر : ١٦ ] وقرىء :«الحق » بالرفع والجرّ صفة للولاية والله. وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد، كقولك : هذا عبد الله الحق لا الباطل، وهي قراءة حسنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم. وقرىء «عقباً » بضم القاف وسكونها، وعقبى على فعلى، وكلها بمعنى العاقبة.
﴿ فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ﴾ فالتفّ بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً. وقيل : نجع في النبات الماء فاختلط به حتى روي ورف رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير : فاختلط بنبات الأرض. ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه. والهشيم : ما تهشم وتحطم، الواحدة هشيمة. وقرىء «تذروه الريح » وعن ابن عباس : تذريه الرياح، من أذرى : شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون أخضر وارفاً ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء ﴾ من الإنشاء والإفناء ﴿ مُّقْتَدِرًا ﴾.
﴿ والباقيات ؛ الصالحات ﴾ أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان وتفنى عنه كل ما تطمح إليه نفسه من حظوظ الدنيا. وقيل : هي الصلوات الخمس، وقيل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر. وعن قتادة : كل ما أريد به وجه الله ﴿ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا ﴾ أي ما يتعلق بها من الثواب وما يتعلق بها من الأمل ؛ لأن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله، ويصيبه في الآخرة.
قرىء :«تسير » من سيرت، ونسير من سيرنا «وتسير » من سارت، أي : تسير في الجو. أو يذهب بها، بأن تجعل هباء منبثاً. وقرىء :«وترَى الأرض » على البناء للمفعول ﴿ بَارِزَةً ﴾ ليس عليها ما يسيرها مما كان عليها ﴿ وحشرناهم ﴾ وجمعناهم إلى الموقف. وقرىء :«فلم نغادر » بالنون والياء، يقال : غادره وأغدره إذا تركه. ومنه الغدر. ترك الوفاء. والغدير : ما غادره السيل. وشبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان.
﴿ صَفَّا ﴾ مصطفين ظاهرين، يرى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾ أي قلنا لهم : لقد جئتمونا. وهذا المضمر هو عامل النصب في يوم نسير. ويجوز أن ينصب بإضمار اذكر. والمعنى لقد بعثناكم كما أنشأناكم ﴿ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وقيل : جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أوّلاً، كقوله :﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى ﴾ [ الأنعام : ٩٤ ]. فإن قلت : لم جيء بحشرناهم ماضياً بعد نسير وترى ؟ قلت : للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز، ليعاينوا تلك الأهوال العظائم، كأنه قيل : وحشرناهم قبل ذلك ﴿ مَّوْعِدًا ﴾ وقتاً لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور.
﴿ الكتاب ﴾ للجنس وهو صحف الأعمال ﴿ يا ويلتنا ﴾ ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات ﴿ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ هنة صغيرة ولا كبيرة، وهي عبارة عن الإحاطة، يعني : لا يترك شيئاً من المعاصي إلاّ أحصاه، أي : أحصاها كلها كما تقول : ما أعطاني قليلاً ولا كثيراً ؛ لأن الأشياء إمّا صغار وإمّا كبار. ويجوز أن يريد : وإمّا كان عندهم صغائر وكبائر. وقيل : لم يجتنبوا الكبائر فكتبت عليهم الصغائر وهي المناقشة. وعن ابن عباس : الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير : الصغيرة المسيس، والكبيرة الزنا. وعن الفضيل : كان إذا قرأها قال : ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر ﴿ إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ إلاّ ضبطها وحصرها ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا ﴾ في الصحف عتيداً. أو جزاء ما عملوا ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ فيكتب عليه ما لم يعمل. أو يزيد في عقاب المستحق، أو يعذبه بغير جرم، كما يزعم من ظُلْم الله في تعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم.
﴿ كَانَ مِنَ الجن ﴾ كلام مستأنف جار مجرى التقليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلاً قال : ما له لم يسجد ؟ فقيل : كان من الجن ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ والفاء للتسبيب أيضاً، جعل كونه من الجن سبباً في فسقه ؛ لأنه لو كان ملكاً كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأنّ الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس، كما قال :﴿ اَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ [ الأنبياء : ٢٧ ] وهذا الكلام المعترض تعمد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم. فما أبعد البون بين ما تعمده الله، وبين قول من ضادّه وزعم أنه كان ملكاً ورئيساً على الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ شيطاناً، ثم ورّكه على ابن عباس. ومعنى ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ خرج عما أمره به ربه من السجود. قال :
فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا ***
أو صار فاسقاً كافراً بسبب أمر ربه الذي هو قوله :﴿ اسجدوا لآدَمَ ﴾. ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ ﴾ الهمزة للإنكار والتعجيب، كأنه قيل : أعقيب ما وجد منه تتخذونه ﴿ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ﴾ وتستبدلونهم بي، بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله، فأطاعه بدل طاعته.
﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ وقرىء :«ما أشهدناهم »، يعني : أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما كانوا يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله :﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض ﴾ لأعتضد بهم في خلقها ﴿ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله :﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ [ النساء : ٢٩ ]. ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين ﴾ بمعنى وما كنت متخذهم ﴿ عَضُداً ﴾ أي أعواناً، فوضع المضلين موضع الضمير ذمّاً لهم بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة ؟ وقرىء :«وما كُنْتَ » بالفتح : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى : وما صحّ لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم. وقرأ علي رضي الله عنه :«وما كنت متخذاً المضلين » بالتنوين على الأصل. وقرأ الحسن :«عضدا » بسكون الضاد، ونقل ضمتها إلى العين. وقرىء :«عُضْداً » بالفتح وسكون الضاد. و «عُضُدا » بضمتين و «عَضَداً » بفتحتين : جمع عاضد، كخادم وخدم، وراصد ورصد، ومن عضده : إذا قواه وأعانه.
﴿ يِقُولُ ﴾ بالياء والنون. وإضافة الشركاء إليه على زعمهم : توبيخاً لهم وأراد الجنّ والموبق : المهلك، من وبق يبق وبوقاً، ووبق يوبق وبقاً : إذا هلك. وأوبقه غيره. ويجوز أن يكون مصدراً كالمورد والموعد، يعني : وجعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم هو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركاً يهلكون فيه جميعاً. وعن الحسن ﴿ مَّوْبِقاً ﴾ عداوة. والمعنى : عداوة هي في شدتها هلاك، كقوله لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً. وقال الفراء : البين الوصل أي : وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة. ويجوز أن يريد الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم، وبالموبق : البرزخ البعيد، أي : وجعلنا بينهم أمداً بعيداً تهلك فيه الأشواط لفرط بعده ؛ لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.
﴿ فَظَنُّواْ ﴾ فأيقنوا ﴿ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ مخالطوها واقعون فيها ﴿ مَصْرِفًا ﴾ معدلاً. قال :
أَزُهَيْرَ هَلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِنْ مَصْرِفِ ***
﴿ أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً ﴾ أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها واحداً بعد واحد، خصومة ومماراة بالباطل. وانتصاب ﴿ جَدَلاً ﴾ على التمييز، يعني : أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء. ونحوه :﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ [ النحل : ٤ ].
﴿ أن ﴾ الأولى نصب. والثانية رفع، وقبلها مضاف محذوف تقديره ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس ﴾ الإيمان والاستغفار ﴿ إِلا ﴾ انتظار ﴿ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين ﴾ وهي الإهلاك ﴿ أَوْ ﴾ انتظار أن ﴿ يَأْتِيهِمُ العذاب ﴾ يعني عذاب الآخرة ﴿ قُبُلاً ﴾ عياناً. وقرىء :«قِبَلا » أنواعاً : جمع قبيل. و «قَبَلا »، بفتحتين : مستقبلاً.
﴿ لِيُدْحِضُواْ ﴾ ليزيلوا ويبطلوا، من إدحاض القدم وهو إزلاقها وإزالتها عن موطئها ﴿ وَمَا أُنْذِرُواْ ﴾ يجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ موصولة، ويكون الراجع من الصلة محذوفاً، أي : وما أنذروه من العذاب. أو مصدرية بمعنى : وإنذارهم. وقرىء :«هزأ »، بالسكون، أي : اتخذوها موضع استهزاء. وجدالهم : قولهم للرسل :﴿ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا وَلَوْ شَاء الله لأَنزَلَ ملائكة ﴾ [ المؤمنون : ٢٤ ] وما أشبه ذلك.
﴿ بأيات رَبِّهِ ﴾ بالقرآن، ولذلك رجع إليها الضمير مذكراً في قوله :﴿ أَن يَفْقَهُوهُ ﴾. ﴿ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر ﴿ وَنَسِىَ ﴾ عاقبة ﴿ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ من الكفر والمعاصي، غير متفكر فيها ولا ناظر في أنّ المسيء والمحسن لا بدّ لهما من جزاء. ثم علّل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، وجمع بعد الإفراد حملاً على لفظ من ومعناه ﴿ فَلَنْ يَهْتَدُواْ ﴾ فلا يكون منهم اهتداء البتة، كأنه محال منهم لشدّة تصميمهم ﴿ أَبَدًا ﴾ مدّة التكليف كلها. و ﴿ إِذَا ﴾ جزاء وجواب، فدلّ على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سبباً في انتفائه، وعلى أنه جواب للرسول على تقدير قوله : ما لي لا أدعوهم حرصاً على إسلامهم ؟ فقيل : وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا.
﴿ الغفور ﴾ البليغ المغفرة ﴿ ذُو الرحمة ﴾ الموصوف بالرحمة، ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهال مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ ﴾ وهو يوم بدر ﴿ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً ﴾ منجى ولا ملجأ. يقال :«وأل » إذا نجا، و «وأل إليه » إذا لجأ إليه.
﴿ وَتِلْكَ القرى ﴾ يريد قرى الأوّلين من ثمود وقوم لوط وغيرهم : أشار لهم إليها ليعتبروا. ﴿ تِلْكَ ﴾ مبتدأ، و ﴿ القرى ﴾ صفة : لأنّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس، و ﴿ أهلكناهم ﴾ خبر. ويجوز أن يكون ﴿ تِلْكَ القرى ﴾ نصباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير. والمعنى وتلك أصحاب القرى أهلكناهم ﴿ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾ مثل ظلم أهل مكة ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الإهلاك ووقته. وقرىء :«لمَهلكهم » بفتح الميم، واللام مفتوحة أو مكسورة، أي : لهلاكهم أو وقت هلاكهم. والموعد : وقت، أو مصدر.
﴿ لفتاه ﴾ لعبده. وفي الحديث : " ليقل أحدكم فتاي وفتاتي "، ولا يقل : عبدي وأمتي. وقيل : هو يوشع بن نون. وإنما قيل : فتاه ؛ لأنه كان يخدمه ويتبعه. وقيل : كان يأخذ منه العلم. فإن قلت :﴿ لا أَبْرَحُ ﴾ إن كان بمعنى لا أزول - من برح المكان - فقد دلّ على الإقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى : لا أزال، فلا بدّ من الخبر، قلت : هو بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر ؛ لأنّ الحال والكلام معاً يدلان عليه. أمّا الحال فلأنها كانت حال سفر. وأمّا الكلام فلأن قوله :﴿ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين ﴾ غاية مضروبة وتستدعي ما هي غاية له، فلا بدّ أن يكون المعنى : لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. ووجه آخر : وهو أن يكون المعنى : لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو وجه لطيف. ويجوز أن يكون. المعنى : لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى : ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول : لا أبرح المكان. ومجمع البحرين : المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر عليهما السلام، وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق. وقيل : طنجة. وقيل : أفريقية. ومن بدع التفاسير : أن البحرين موسى والخضر، لأنهما كانا بحرين في العلم. وقرىء :«مجمع » بكسر الميم، وهي في الشذوذ من يفعل، كالمشرق والمطلع من يفعل ﴿ أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً ﴾ أو أسير زماناً طويلاً. والحقب ثمانون سنة. وروي أنه لما ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل واستقرّوا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله وقال : إنه اصطفى نبيكم وكلمه. فقالوا له : قد علمنا هذا، فأي الناس أعلم ؟ قال : أنا. فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه : بل أعلم منك عبدٌ لي عند مجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى عليه السلام، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام موسى. وقيل : إنّ موسى سأل ربه : أيّ عبادك أحبّ إليك ؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني. قال : فأيّ عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال : فأيّ عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى، أو تردّه عن ردى. فقال : إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه. قال : أعلم منك الخضر. قال : أين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة.
قال : يا ربِ، كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتاً في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان، فرقد موسى، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت، فأخبره فتاه بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، فقال : وأني بأرضنا السلام، فعرّفه نفسه، فقال : يا موسى، أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر : ما ينقص علمي وعلمك من علم الله [ إلا ] مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر ﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾ أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة. وقيل : نسي يوشع أن يقدّمه، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل : كان الحوت سمكة مملوحة. وقيل : إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل، فنزلا ليلة على شاطىء عين تسمى عين الحياة، ونام موسى، فلما أصاب السمكة برد الماء وروحه عاشت. وروي : أنهما أكلا منها. وقيل : توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء ﴿ سَرَباً ﴾ أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب معجزة لموسى أو للخضر.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠:﴿ لفتاه ﴾ لعبده. وفي الحديث :" ليقل أحدكم فتاي وفتاتي "، ولا يقل : عبدي وأمتي. وقيل : هو يوشع بن نون. وإنما قيل : فتاه ؛ لأنه كان يخدمه ويتبعه. وقيل : كان يأخذ منه العلم. فإن قلت :﴿ لا أَبْرَحُ ﴾ إن كان بمعنى لا أزول - من برح المكان - فقد دلّ على الإقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى : لا أزال، فلا بدّ من الخبر، قلت : هو بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر ؛ لأنّ الحال والكلام معاً يدلان عليه. أمّا الحال فلأنها كانت حال سفر. وأمّا الكلام فلأن قوله :﴿ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين ﴾ غاية مضروبة وتستدعي ما هي غاية له، فلا بدّ أن يكون المعنى : لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. ووجه آخر : وهو أن يكون المعنى : لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو وجه لطيف. ويجوز أن يكون. المعنى : لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى : ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول : لا أبرح المكان. ومجمع البحرين : المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر عليهما السلام، وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق. وقيل : طنجة. وقيل : أفريقية. ومن بدع التفاسير : أن البحرين موسى والخضر، لأنهما كانا بحرين في العلم. وقرىء :«مجمع » بكسر الميم، وهي في الشذوذ من يفعل، كالمشرق والمطلع من يفعل ﴿ أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً ﴾ أو أسير زماناً طويلاً. والحقب ثمانون سنة. وروي أنه لما ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل واستقرّوا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله وقال : إنه اصطفى نبيكم وكلمه. فقالوا له : قد علمنا هذا، فأي الناس أعلم ؟ قال : أنا. فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه : بل أعلم منك عبدٌ لي عند مجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى عليه السلام، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام موسى. وقيل : إنّ موسى سأل ربه : أيّ عبادك أحبّ إليك ؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني. قال : فأيّ عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال : فأيّ عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى، أو تردّه عن ردى. فقال : إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه. قال : أعلم منك الخضر. قال : أين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة.
قال : يا ربِ، كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتاً في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان، فرقد موسى، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت، فأخبره فتاه بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، فقال : وأني بأرضنا السلام، فعرّفه نفسه، فقال : يا موسى، أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر : ما ينقص علمي وعلمك من علم الله [ إلا ] مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر ﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾ أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة. وقيل : نسي يوشع أن يقدّمه، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل : كان الحوت سمكة مملوحة. وقيل : إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل، فنزلا ليلة على شاطىء عين تسمى عين الحياة، ونام موسى، فلما أصاب السمكة برد الماء وروحه عاشت. وروي : أنهما أكلا منها. وقيل : توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء ﴿ سَرَباً ﴾ أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب معجزة لموسى أو للخضر.

﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا ﴾ الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر الحوت وما كان منه. ونسيان يوشع أن يذكر لموسى ما رأى من حياته ووقوعه في البحر. وقيل : سارا بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغد إلى الظهر، وألقي على موسى النصب والجوع حين جاوز الموعد، ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك، فتذكر الحوت وطلبه. وقوله :﴿ مِن سَفَرِنَا هذا ﴾ إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة. فإن قلت : كيف نسي يوشع ذلك، ومثله لا ينسى لكونه أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها لكونه معجزتين ثنتين : وهما حياة السمكة المملوحة المأكول منها - وقيل : ما كانت إلاّ شق سمكة - وقياء الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه ؟ ثم كيف استمرّ به النسيان حتى خلفا الموعد وسارا مسيرة ليلة إلى ظهر الغد، وحتى طلب موسى عليه السلام الحوت ؟ قلت : قد شغله الشيطان بوساوسه فذهب بفكره كل مذهب حتى اعتراه النسيان وانضم إلى ذلك أنه ضري بمشاهدة أمثاله عند موسى عليه السلام من العجائب، واستأنس بإخوانه فأعان الإلف على قلة الاهتمام.
﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ بمعنى أخبرني. فإن قلت : ما وجه التئام هذا الكلام، فإن كل واحد من ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ و ﴿ إِذْ أَوَيْنَا ﴾ و ﴿ فَإِنّى نَسِيتُ الحوت ﴾ لا متعلق له ؟ قلت : لما طلب موسى عليه السلام الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك، كأنه قال : أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة ؟ فإني نسيت الحوت، فحذف ذلك.
وقيل : هي الصخرة التي دون نهر الزيت. و ﴿ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ بدل من الهاء في ﴿ أَنْسَانِيهُ ﴾ أي : وما أنساني ذكره إلاّ الشيطان. وفي قراءة عبد الله :«أن اذكركه » و ﴿ عَجَبًا ﴾ ثاني مفعولي اتخذ، مثل ﴿ سَرَباً ﴾ يعني : واتخذ سبيله سبيلاً عجباً، وهو كونه شبيه السرب. أو قال : عجباً في آخر كلامه، تعجباً من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها أو مما رأى من المعجزتين، وقوله :﴿ أنسانيه إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وقيل : إن ﴿ عَجَبًا ﴾ حكاية لتعجب موسى عليه السلام، وليس بذاك.
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى اتخاذه سبيلاً، أي : ذلك الذي كنا نطلب، لأنه أمارة الظفر بالطلبة من لقاء الخضر عليه السلام. وقرىء :«نبغ » لغير ياء في الوصل، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو، وأمّا الوقف، فالأكثر فيه طرح الياء اتباعاً لخط المصحف ﴿ فارتدا ﴾ فرجعا في أدراجهما ﴿ قَصَصًا ﴾ يقصان قصصاً، أي : يتبعان آثارهما اتباعاً. أو فارتدّا مقتصين ﴿ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا ﴾ هي الوحي والنبوة ﴿ مّن لَّدُنَّا ﴾ مما يختص بنا من العلم، وهو الإخبار عن الغيوب.
﴿ رَشَدًا ﴾ قرىء :«بفتحتين » و «بضمة وسكون » أي : علما ذا رشد، أرشد به في ديني. فإن قلت : أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه - كما قيل - موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران لأنّ النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه في أبواب الدين ؟ قلت : لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبيّ مثله : وإنما يغض منه أن يأخذه ممن دونه. وعن سعيد ابن جبير أنه قال لابن عباس : إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أنّ الخضر ليس بصاحب موسى، وأنّ موسى هو موسى بن ميشا، فقال : كذب عدوّ الله.
نفي استطاعة الصبر على وجه التأكيد، كأنهما مما لا يصحّ ولا يستقيم، وعلل ذلك بأنه يتولى أموراً هي في ظاهرها مناكير. والرجل الصالح فكيف إذا كان نبياً لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض ويجزع إذا رأى ذلك ويأخذ في الإنكار.
و ﴿ خُبْراً ﴾ تمييز، أي : لم يحط به خبرك [ أو لأن لم تحط به ] بمعنى لم تخبره، فنصبه نصب المصدر.
﴿ وَلاَ أَعْصِى ﴾ في محل النصب عطفاً على ﴿ صَابِراً ﴾ أي : ستجدني صابراً وغير عاص. أو لا في محل، عطفاً على ستجدني. رجا موسى عليه السلام لحرصه على العلم وازدياده، أن يستطيع معه صبراً بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر، فوعده بالصبر معلقاً بمشيئة الله، علماً منه بشدّة الأمر وصعوبته، وإن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق، هذا مع علمه أن النبيّ المعصوم الذي أمره الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم منه، بريء من أن يباشر ما فيه غميزة في الدين، وأنه لا بدّ لما يستسمج ظاهره من باطن حسن جميل، فكيف إذا لم يعلم.
قرىء :«فلا تسئلني » بالنون الثقيلة، يعني : فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت مني شيئاً - وقد علمت أنه صحيح إلاّ أنه غبي عليك وجه صحته فحميت وأنكرت في نفسك - أن لا تفاتحني بالسؤال، ولا تراجعني فيه، حتى أكون أنا الفاتح عليك. وهذا من آداب المتعلم مع العالم والمتبوع مع التابع.
﴿ فانطلقا ﴾ على ساحل البحر يطلبان السفينة، فلما ركبا قال أهلها : هما من اللصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة : أرى وجوه الأنبياء. وقيل : عرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، فلما لججوا أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء فجعل موسى يسدّ الخرق بثيابه ويقول :﴿ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾ وقرىء :«لتغرّق » بالتشديد و «ليغرق أهلها » من غرق وأهلها مرفوع ﴿ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴾ أتيت شيئاً عظيماً، من أَمر الأمر : إذا عظم، قال :
دَاهِيةً دَهْيَاءَ إدًّا إمْراً ***
﴿ بِمَا نَسِيتُ ﴾ بالذي نسيته، أو بشيء نسيته، أو بنسياني : أراد أنه نسي وصيته و لا مؤاخذة على الناسي. أو أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان يوهمه أنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وهو من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب، مع التوصل إلى الغرض، كقول إبراهيم : هذه أختي، وإني سقيم. أو أراد بالنسيان : الترك، أي : لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرّة. يقال : رهقه إذا غشيه، وأرهقه إياه. أي : ولا تغشني ﴿ عُسْراً ﴾ من أمري، وهو اتباعه إياه، يعني : ولا تعسر عليَّ متابعتك، ويسرها عليّ بالإغضاء وترك المناقشة. وقرىء :«عُسُراً »، بضمتين.
﴿ فَقَتَلَهُ ﴾ قيل : كان قتله فتل عنقه. وقيل : ضرب برأسه الحائط، وعن سعيد بن جبير : أضجعه ثم ذبحه بالسكين. فإن قلت : لم قيل ﴿ حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة خَرَقَهَا ﴾ بغير فاء و ﴿ حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ ﴾ قلت : جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتله من جملة الشرط معطوفاً عليه، والجزاء ﴿ قَالَ أَقَتَلْتَ ﴾. فإن قلت : فلم خولف بينهما ؟ قلت : لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقّب القتل لقاء الغلام. وقرىء :«زاكية » و «زكية »، وهي الطاهرة من الذنوب، إما لأنها ظاهرة عنده لأنه لم يرها قد أذنبت، وإما لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ يعني لم تقتل نفساً فيقتص منها. وعن ابن عباس : أن نجدة الحروري كتب إليه : كيف جاز قتله، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان ؟ فكتب إليه : إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل ﴿ نُّكْراً ﴾. وقرىء :«بضمتين » وهو المنكر وقيل النكر أقل من الإمر ؛ لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. وقيل : معناه جئت شيئاً أنكر من الأوّل، لأن ذلك كان خرقاً يمكن تداركه بالسدّ، وهذا لا سبيل إلى تداركه.
فإن قلت : ما معنى زيادة ﴿ لَكَ ﴾ ؟ قلت : زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية.
﴿ بَعْدَهَا ﴾ بعد هذه الكرة أو المسألة ﴿ فَلاَ تُصَاحِبْنِى ﴾ فلا تقاربني، وإن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك. وقرىء :«فلا تصحبني » فلا تكن صاحبي. وقرىء :«فلا تصحبني » أي فلا تصحبني إياك ولا تجعلني صاحبك ﴿ مِن لَّدُنّى عُذْراً ﴾ قد أعذرت. وقرىء :«لدني »، بتخفيف النون «ولدْنِي » بسكون الدال وكسر النون، كقولهم في عضد : عضد. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك "، وقال : " رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب ".
﴿ أَهْلَ قََرْيَةٍ ﴾ هي إنطاكية. وقيل : الأبلة، وهي أبعد أرض الله من السماء ﴿ أَن يُضَيّفُوهُمَا ﴾. وقرىء :«يضيفوهما » يقال : ضافه إذا كان له ضيفاً. وحقيقته : مال إليه، من ضاف السهم عن الغرض، ونظيره : زاره من الازورار. وأضافه وضيفه : أنزله وجعله ضيفه وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " كانوا أهل قرية لئاماً " وقيل : شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حقه ﴿ يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ﴾ استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير الهمّ والعزم لذلك. قال الراعي :
فِي مَهْمَهٍ قَلِقَتْ بِهِ هَامَاتُهَا قَلَقَ الْفُئُوسِ إذَا أَرَدْنَ نُصُولاَ
وقال :
يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاء وَيَعْدِلُ عَنْ دِمَارِ بَنِي عَقِيلٍ
وقال حسان :
إنَّ دَهْراً يَلِفُّ شَمْلِي بِجُمْلٍ لَزَمَانٌ يَهُمُّ بِالإحْسَانِ
وسمعت من يقول : عزم السراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول والنطق والشكاية والصدق والكذب والسكوت والتمرد والإباء والعزة والطواعية وغير ذلك مستعار للجماد ولما لا يعقل، فما بال الإرادة ؟ قال :
إذَا قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ ***
تَقُولُ سِنِّي لِلنَّوَاةِ طِنِّي ***
لاَ يَنْطقُ اللَّهْوُ حَتَّى يَنْطِقَ العُودُ ***
وَشَكا إلَيَّ بَعْبرَةٍ وَتَحَمْحُم ***
فَإنْ يَكُ ظَنِّي صَادِقاً وَهْوَ صَادِقِي ***
﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ [ الأعراف : ١٥٤ ] :
تَمَرَّدَ مَارِدٌ وَعَزَّ الأَبْلَقُ ***
ولبعضهم :
يَأْبَى عَلَى أَجْفَانِهِ إغْفَاءَه هَمٌّ إذَا انْقَادِ الْهُمُومُ تَمَرَّدَا
أَبَتِ الرَّوَادِفُ وَالثُّدِيُّ لِقُمْصِهَا مَسَّ الْبُطُونِ وَأَنْ تَمَسَّ ظُهُورَا
﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ [ فصلت : ١١ ] ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم، كان يجعل الضمير للخضر ؛ لأنّ ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم، أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة، فتمحل ليردّه إلى ما هو عنده أصحّ وأفصح، وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز. وانقض : إذا أسرع سقوطه، من انقضاض الطائر وهو انفعل، مطاوع قضضته. وقيل : افعلّ من النقض، كاحمرّ من الحمرة. وقرىء :«أن ينقض » من النقض، «وأن ينقاص » من انقاصت السن إذا انشقت طولاً، قال ذو الرمّة :
......... مِنْقَاصٌ وَمُنْكَثِبُ ***
بالصاد غير معجمة ﴿ فَأَقَامَهُ ﴾ قيل : أقامه بيده. وقيل : مسحه بيده فقام واستوى. وقيل : أقامه بعمود عمده به. وقيل : نقضه وبناه. وقيل : كان طول الجدار في السماء مائة ذراع، كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، ولقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة، فلم يجدا مواسياً، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن ﴿ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ وطلبت على عملك جعلاً حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة وقرىء :«لتخذت »، والتاء في تخذ، أصل كما في تبع، واتخذ افتعل منه، كاتبع من تبع، وليس من الأخذ في شيء.
فإن قلت :﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ماذا ؟ قلت : قد تصوّر فراق بينهما عند حلول ميعاده على ما قال موسى عليه السلام : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه، كما تقول : هذا أخوك، فلا يكون «هذا » إشارة إلى غير الأخ، ويجوز أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث، أي : هذا الاعتراض سبب الفراق، والأصل : هذا فراق بيني وبينك. وقد قرأ به ابن أبي عبلة، فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به.
﴿ لمساكين ﴾ قيل كانت لعشرة إخوة، خمسة منهم زمنى، وخمسة يعملون في البحر ﴿ وَرَاءهُم ﴾ أمامهم، كقوله تعالى :﴿ مّن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ [ المؤمنون : ١٠٠ ] وقيل : خلفهم، وكان طريقهم في رجوعهم عليه وما كان عندهم خبره، فأعلم الله به الخضر وهو «جلندي ». فإن قلت : قوله :﴿ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلم قدّم عليه ؟ قلت : النية به التأخير، وإنما قدم للعناية، ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلة قولك : زيد ظني مقيم. وقيل في قراءة أبيّ وعبد الله : كل سفينة صالحة.
وقرأ الجحدري :«وكان أبواه مؤمنان » على أن «كان » فيه ضمير الشأن ﴿ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا وَكُفْراً ﴾ فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغياناً عليهما، وكفراً لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، ويلحق بهما شراً وبلاء، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدّا بسببه ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان وإنما خشي الخضر منه ذلك ؛ لأن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سرّ أمره. وأمره إياه بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته. وفي قراءة أبيّ :«فخاف ربك » والمعنى : فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر فغيره. ويجوز أن يكون قوله ﴿ فَخَشِينَا ﴾ حكاية لقول الله تعالى، بمعنى : فكرهنا، كقوله ﴿ لأهَبَ لَكِ ﴾ [ مريم : ١٩ ].
وقرىء :«يبدّلهما » بالتشديد. والزكاة : الطهارة والنقاء من الذنوب. والرحم : الرحمة والعطف. وروي أنه ولدت لهما جارية نزوّجها نبيّ، فولدت نبياً هدى الله على يديه أمّة من الأمم. وقيل ولدت سبعين نبياً. وقيل : أبدلهما ابناً مؤمناً مثلهما. قيل اسما الغلامين : أصرم، وصريم. والغلام المقتول : اسمه الحسين. واختلف في الكنز، فقيل : مال مدفون من ذهب وفضة. وقيل : لوح من ذهب مكتوب فيه :( عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل. وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ). وقيل : صحف فيها علم. والظاهر لإطلاقه : أنه مال. وعن قتادة : أحل الكنز لمن قبلنا وحرّم علينا، وحرّمت الغنيمة عليهم وأحّلت لنا : أراد قوله تعالى :﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ [ التوبة : ٣٤ ].
﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا ﴾ اعتداد بصلاح أبيهما وحفظ لحقه فيهما. وعن جعفر بن محمد الصادق : كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء. وعن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما : بم حفظ الله الغلامين ؟ قال : بصلاح أبيهما. قال : فأبي وجدّي خير منه. فقال : قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون ﴿ رَحْمَةً ﴾ مفعول له. أو مصدر منصوب بأراد ربك، لأنه في معنى رحمهما ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ ﴾ وما فعلت ما رأيت ﴿ عَنْ أَمْرِى ﴾ عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله.
ذو القرنين : هو الإسكندر الذي ملك الدنيا. قيل : ملكها مؤمنان : ذو القرنين، وسليمان. وكافران : نمروذ، وبختنصر، وكان بعد نمرود. واختلف فيه فقيل : كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وقيل : نبياً. وقيل : ملكاً من الملائكة. وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول : يا ذا القرنين، فقال : اللَّهم غفراً ما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، وعن علي رضي الله عنه. سخر له السحاب، ومدّت له الأسباب، وبسط له النور وسئل عنه فقال : أحبه الله فأحبه. وسأله ابن الكوّا : ما ذو القرنين أملك أم نبيّ ؟ فقال : ليس بملك ولا نبيّ، ولكن كان عبداً صالحاً، ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمي ذو القرنين وفيكم مثله. قيل : كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها " وقيل : كان له قرنان، أي ضفيرتان. وقيل : انقرض في وقته قرنان من الناس. وعن وهب : لأنه ملك الروم وفارس. وروي : الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل : كان لتاجه قرنان. وقيل : كان على رأسه ما يشبه القرنين. ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشاً لأنه ينطح أقرانه، وكان من الروم ولد عجوز ليس لها ولد غيره. والسائلون : هم اليهود سألوه على جهة الامتحان. وقيل : سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ لأحد الفريقين.
﴿ مِن كُلّ شَىْء ﴾ أي من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه ﴿ سَبَباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب.
﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سبباً، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سبباً.
وقرىء :«فأتبع » قرىء :«حمئة »، من حمئت البئر إذا صار فيها الحمأة. وحامية بمعنى حارّة. وعن أبي ذرّ : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجمل، فرأى الشمس حين غابت فقال :( يا أبا ذرّ، أتدري أين تغرب هذه ؟ ) فقلت : الله ورسوله أعلم. قال ( فإنها تغرب في عين حامية )، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن. وقرأ ابن عباس : حمئة. وكان ابن عباس عند معاوية ؛ فقرأ معاوية : حامية فقال ابن عباس : حمئة. فقال معاوية لعبد الله بن عمرو : كيف تقرأ ؟ قال : كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار.
كيف تجد الشمس تغرب ؟ قال : في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة. وروي : في ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع :
فَرَأَى مَغِيبَ الشّمْسِ عِنْدَ مَآبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَاطٍ حَرْمَدِ
أي في عين ماء ذي طين وحمإ أسود، ولا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعه للوصفين جميعاً.
كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم فقال : أمّا من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك : فذلك هو المعذب في الدارين.
﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ ﴾ ما يقتضيه الإيمان ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ وقيل : خيّره بين القتل والأسر، وسماه إحساناً في مقابلة القتل ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ فله أن يجازي المثوبة الحسنى. أو فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة. وقرىء :«فله جزاء الحسنى » أي : فله الفعلة الحسنى جزاء. وعن قتادة : كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر. ومن آمن أعطاه وكساه ﴿ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ أي لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره : ذا يسر، كقوله :﴿ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴾ [ الإسراء : ٢٨ ] وقرىء :«يُسُراً »، بضمتين.
وقرىء :«مطلع » فتح اللام وهو مصدر. والمعنى : بلغ مكان مطلع الشمس، كقوله :
كَأَنَّ مَجَرَّ الرَّامِسَاتِ ذُيُولَهَا ***
يريد : كأن آثار مجرّ الرامسات ﴿ على قَوْمٍ ﴾ قيل : هم الزنج.
والستر : الأبنية، وعن كعب : أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوها. فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم، وعن بعضهم : خرجت حتى جاوزت الصين، فسألت عن هؤلاء فقيل : بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى، ومعي صاحب يعرف لسانهم فقالوا له : جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس ؟ قال : فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصة فغشي عليّ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلوها سرباً لهم، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وقيل : الستر اللباس. وعن مجاهد : من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض.
﴿ كذلك ﴾ أي أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه تعظيماً لأمره ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ ﴾ من الجنود والآلات وأسباب الملك ﴿ خُبْراً ﴾ تكثيراً لذلك. وقيل : لم نجعل لهم من دونها ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كل جنس، والثياب من كل صنف. وقيل : بلغ مطلع الشمس مثل ذلك، أي : كما بلغ مغربها. وقيل : تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، يعني أنهم كفرة مثلهم وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر، وإحسانه إلى من آمن منهم.
﴿ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ﴾ بين الجبلين وهما جبلان سدّ ذو القرنين مما بينهما. قرىء :«بالضم والفتح ». وقيل : ما كان من خلق الله تعالى فهو مضموم، وما كان من عمل العباد فهو مفتوح ؛ لأنّ السدّ بالضم فعل بمعنى مفعول، أي : هو مما فعله الله تعالى وخلقه. والسدّ - بالفتح - : مصدر حدث يحدثه الناس. وانتصب ﴿ بَيْنَ ﴾ على أنه مفعول به مبلوغ، كما انجر على الإضافة في قوله :﴿ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ﴾ [ الكهف : ٧٨ ] وكما ارتفع في قوله :﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ [ الأنعام : ٩٤ ] لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفاً، وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق ﴿ مِن دُونِهِمَا قَوْماً ﴾ هم الترك ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ لا يكادون يفهمونه إلاّ بجهد ومشقّة من إشارة ونحوها كما يفهم إلبكم وقرىء :«يفقهون » أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه، لأنّ لغتهم غريبة مجهولة.
﴿ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴾ اسمان أعجميان بدليل منع الصرف. وقرىء :«مهموزين ». وقرأ رؤبة :«آجوج وماجوج »، وهما من ولد يافث. وقيل : يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم. ﴿ مُفْسِدُونَ فِى الأرض ﴾ قيل : كانوا يأكلون الناس، وقيل : كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئاً أخضر إلاّ أكلوه، ولا يابساً إلاّ احتملوه، وكانوا يلقون منهم قتلاً وأذى شديداً. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم في صفتهم : " لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح " وقيل : هم على صنفين، طوال مفرطو الطول، وقصار مفرطو القصر. وقرىء :«خرجاً » و «خراجا »، أي جعلاً نخرجه من أموالنا : ونظيرهما : النول والنوال. وقرىء :«سدا » و «سدا »، بالفتح والضم.
﴿ مَا مَكَّنّى فِيهِ رَبّى خَيْرٌ ﴾ ما جعلني فيه مكيناً من كثرة المال واليسار، خير مما تبذلون لي من الخراج، فلا حاجة بي إليه، كما قال سليمان صلوات الله عليه :﴿ فَمَا ءاتانى الله خَيْرٌ مّمَّا ءاتاكم ﴾ [ النمل : ٣٦ ]. قرىء : بالإدغام وبفكه. ﴿ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ ﴾ بفعله وصناع يحسنون البناء والعمل، وبالآلات ﴿ رَدْمًا ﴾ حاجزاً حصيناً موثقاً. والردم أكبر من السدّ، من قولهم : ثوب مردم، رقاع فوق رقاع. وقيل : حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد، بينهما الحطب والفحم حتى سدّ ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، صبّ النحاس المذاب على الحديد المحمي فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً. وقيل : بعد ما بين السدّين مائة فرسخ.
وقرىء :«سوّى »، و «سووى ». وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنّ رجلاً أخبره به فقال : كيف رأيته ؟ قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال :«قد رأيته » والصدفان - بفتحتين - : جانبا الجبلين، لأنهما يتصادقان أي : يتقابلان، وقرىء :«الصدفين » بضمتين. و «الصدفين » بضمة وسكون. «الصدفين » بفتحة وضمة. والقطر، النحاس المذاب لأنه يقطر و ﴿ قِطراً ﴾ منصوب بأفرغ وتقديره آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. وقرىء :«قال ائتوني »، أي جيئوني.
﴿ فَمَا اسطاعوا ﴾ بحذف التاء للخفة ؛ لأنّ التاء قريبة المخرج من الطاء. وقرىء :«فما اصطاعوا »، بقلب السين صادا. وأما من قرأ بإدغام التاء في الطاء، فملاق بين ساكنين على غير الحدّ ﴿ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ أي يعلوه، أي : لا حيلة لهم فيه من صعود. لارتفاعه وانملاسه، ولا نقب لصلابته وثخانته.
﴿ هذا ﴾ إشارة إلى السدّ أي : هذا السد نعمة من الله و ﴿ رَحْمَةً ﴾ على عباده. أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته ﴿ فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى ﴾ يعني فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي جعل السد ﴿ دَكّاً ﴾ أي مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض، وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك. ومنه : الجمل الأدك : المنبسط السنام. وقرىء :«دكاء » بالمد : أي أرضاً مستوية ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبّى حَقّاً ﴾ آخر حكاية قول ذي القرنين.
﴿ وَتَرَكْنَا ﴾ وجعلنا ﴿ بَعْضُهُمْ ﴾ بعض الخلق ﴿ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ ﴾ أي يضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى. ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج، وأنهم يموجون حين يخرجون من وراء السدّ مزدحمين في البلاد. وروي : يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر، ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس، ثم يبعث الله نغفاً في أقفائهم فيدخل في آذانهم فيموتون.
﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ ﴾ وبرّزناها لهم فرأوها وشاهدوها.
﴿ عَن ذِكْرِى ﴾ عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم. أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها، ونحوه ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ [ البقرة : ١٨ ]. ﴿ وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ يعني وكانوا صماً عنه، إلاّ أنه أبلغ ؛ لأنّ الأصمّ قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء كأنهم أصمت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع.
﴿ عِبَادِى مِن دُونِى أَوْلِيَاء ﴾ هم الملائكة، يعني : أنهم لا يكونون لهم أولياء، كما حكى عنهم ﴿ سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ [ سبأ : ٤١ ]. وقرأ ابن مسعود :«أفظن الذين كفروا »، وقراءة علي رضي الله عنه أفحسب الذين كفروا، أي : أفاكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر. أو على الفعل والفاعل ؛ لأنّ اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل، كقولك : أقائم الزيدان. والمعنى أنّ ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. وهي قراءة محكمة جيدة النزل : ما يقام للنزيل وهو الضيف، ونحوه ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [ آل عمران : ٢١ ].
﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ﴾ ضاع وبطل وهم الرهبان. عن علي رضي الله عنه، كقوله :﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَة ﴾ [ الغاشية : ٣ ] وعن مجاهد : أهل الكتاب. وعن علي رضي الله عنه : أنّ ابن الكوّا سأله عنهم ؟ فقال : منهم أهل حروراء. وعن أبي سعيد الخدري : يأتي ناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً.
﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً ﴾ فنزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار. وقيل : لا يقام لهم ميزان ؛ لأنّ الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين. وقرىء :«فلا يقيم »، بالياء. فإن قلت : الذين ضلّ سعيهم في أي محلّ هو ؟ قلت : الأوجه أن يكون في محل الرفع، على : هم الذين ضلّ سعيهم ؛ لأنه جواب عن السؤال. ويجوز أن يكون نصباً على الذمّ، أو جرّ على البدل.
﴿ جَهَنَّمَ ﴾ عطف بيان لقوله :﴿ جَزَآؤُهُمْ ﴾.
الحول : التحوّل. يقال : حال من مكانه حولاً، كقولك : عادني حبها عوداً، يعني : لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم. وهذه غاية الوصف ؛ لأن الإنسان في الدنيا في أيّ نعيم كان فهو طامح الطرف إلى أرفع منه. ويجوز أن يراد نفي التحوّل وتأكيد الخلود.
المداد : اسم ما تمدّ به الدواة من الحبر وما يمدّ به السراج من السليط. ويقال : السماد مداد الأرض. والمعنى : لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان البحر مداداً لها، والمراد بالبحر الجنس ﴿ لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ ﴾ الكلمات ﴿ وَلَوْ جِئْنَا ﴾ بمثل البحر مداداً لنفد أيضاً. والكلمات غير نافدة. و ﴿ مِدَاداً ﴾ تمييز، كقولك : لي مثله رجلاً. والمدد مثل المداد، وهو ما يمدّ به. وعن ابن عباس رضي الله عنه : بمثله مداداً. وقرأ الأعرج : مدداً، بكسر الميم جمع مدّة، وهي ما يستمده الكاتب فيكتب به. وقرىء :«ينفد » بالياء. وقيل : قال حييّ بن أخطب : في كتابكم ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [ البقرة : ٢٦٩ ] ثم تقرءون :﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [ الإسراء : ٨٥ ] فنزلت، يعني : أنّ ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ ﴾ فمن كان يؤمل حسن لقاء ربه، وأن يلقاه لقاء رضا وقبول. وقد فسرنا اللقاء. أو : أفمن كان يخاف سوء لقائه. والمراد بالنهي عن الإشراك بالعبادة : أن لا يرائي بعمله، وأن لا يبتغي به إلاّ وجه ربه خالصاً لا يخلط به غيره. وقيل : نزلت في جندب بن زهير، قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أعمل العمل لله، فإذا اطلع عليه سرّني، فقال :( إنّ الله لا يقبل ما شورك فيه ). وروي أنه قال : " لك أجران : أجر السر، وأجر العلانية " وذلك إذا قصد أن يقتدى به. وعنه صلى الله عليه وسلم : " اتقوا الشرك الأصغر " قالوا : وما الشرك الأصغر ؟ قال :«الرياء ».
Icon