تفسير سورة سورة الكهف

أسعد محمود حومد

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

أيسر التفاسير

أسعد محمود حومد

﴿الكتاب﴾
(١) - يَحْمَدُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةِ عِنْدَ فَوَاتِحِ الأُمُورِ وَعِنْدَ خَوَاتِيمِهَا، وَهُنَا يَحْمَدُ نَفْسَهُ عَلَى إِنْزَالِهِ القُرْآنَ (الكِتَابَ) عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، إِذْ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النَّوْرِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ كِتَابَهُ مُسْتَقِيماً لاَ عِوَجَ فِيهِ وَلاَ زَيْغَ.
عِوَجَا - اخْتِلاَفاً، أَوْ اخْتِلاَلاً أَوِ انْحِرَافاً عَنِ الحَقِّ.
﴿الصالحات﴾
(٢) - وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى كِتَابَهُ مُعْتَدِلاً (قََيِّماً) لاَ إِفْرَاطَ فِيهِ، فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَالِيفِ، وَلاَ تَفْرِيطَ فِيهِ بِإِهْمَالِ مَا تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيْهِ، لِيُنْذِرَ بِهِ مَنْ خَالَفَهُ وَكَذَّبَهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُ بِهِ، عُقُوبَةً عَاجِلَةً فِي الدُّنْيَا، وَآجِلَةً فِي الآخِرَةِ، مِنْ عِنْدِ اللهِ (مِنْ لَدُنْهُ)، وَيُبَشِّرَ، بِهَذا القُرْآنِ، المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَيَّدُوا إِيمَانَهُمْ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، بِالعَمَلِ الصَّالِحِ، أَنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ ثَوَاباً حَسَناً جَزِيلاً، هُوَ الجَنَّةُ.
قَيِّماً - مُسْتَقِيماً مُعْتَدِلاً.
بَأْساً - عَذَاباً آجِلاً أَوْ عَاجِلاً.
آية رقم ٣
﴿مَّاكِثِينَ﴾
(٣) - وَإِنَّهُمْ يَبْقَوْنَ فِي الجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ أَبَداً، لاَ يَحُولُونَ عَنْهَا، وَلاَ يَزُولُونَ.
فِيهِ - يَعْنِي مَاكِثِينَ فِي أَجْرِهِمْ وَثَوَابِهِمْ الحَسنِ.
آية رقم ٤
(٤) - وَلِيُنْذِرَ وَيُحَذِّرَ، مُنِبِينَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارِ، الَّذِينَ قَالُوا: اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً، وَهُمْ مُشْرِكُو العَرَبِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنَ نَعْبُدُ المَلاَئِكَةَ بَنَاتِ اللهِ، وَهُنَاكَ مِنْ النَّصَارَى مَنْ جَعَلَ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، وَمِنَ اليَهُودِ مَنْ جَعَلَ عُزَيراً ابْنُ اللهِ - فَالإِنْذَارُ يَشْمَلُ جَمِيعَ هؤُلاَءِ، وَيَشْمَلُ كُلَّ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللهِ وَلَداً.
﴿لآبَائِهِمْ﴾ ﴿أَفْوَاهِهِمْ﴾
(٥) - وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ لاَ بُرْهَانَ لَهُمْ، وَلاَ دَلِيلَ، عَلَى مَا يَفْتَرُونَ، وَمَا يَنْسُبُونَ إِلَى اللهِ مِنَ الوَلَدِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لآبَائِهِمْ عِلْمٌ وَلاَ بُرْهَانٌ عَلَى هَذِهِ الفِرْيَةِ. وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً فِي الكُفْرِ (كَبُرَتْ كَلِمَةً). وَهَذا القَوْلُ الَّذِي يَقُولُونَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ.
كَبُرَتْ كَلِمَةً - مَا أَكْبَرهَا وَمَا أَعْظَمَها فِي القُبْحِ مِنْ كَلِمَةٍ.
﴿بَاخِعٌ﴾ ﴿آثَارِهِمْ﴾
(٦) - لاَ تُهْلِك يَا مُحَمَّدُ نَفْسَكَ حُزْناً عَلَى هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ لأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَبِهَذا القُرْآنِ (بِهَذَا الحَدِيثِ)، بَلْ أَبْلِغْهُمْ أَنْتَ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَادْعُهُمْ إِلَى اللهِ، وَهَذِهِ هِيَ مُهِمَّتُكَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا.
بَخَعَ نَفْسَهُ - قَتَلَهَا وَأَهْلَكَهَا.
أَسَفاً - حُزْناً أَوْ غَيْظاً.
(٧) - إِنَّ اللهَ جَعَلَ الدُّنْيا حُلْوةً خَضِرَةً، لِيَنْظُرَ مَاذَا يَعْمَلُ النَّاسُ - كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ -، وَجَعَلَ مَا عَلَى هَذِهِ الأَرْضُ مِنْ نَبَاتٍ وَجَمَادٍ وَحَيَوانٍ.. زِينَةً لَهَا وَلأَهْلِهَا لِيَخْتَبِرَهُمْ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ تِلْكَ الزِّينَةِ، التِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَلِيَبْتَلِيَهُمْ أَيُّهُمْ يُحْسِنُ العَمَلَ فِيهَا، وِفْقاً لِلْمَقَاصِدِ التِي أَرَادَهَا اللهُ.
لِيَبْلُوَهُمْ - لِيَخْتَبِرَهُمْ مَعَ عِلْمِ اللهِ بِحَالِهِمْ.
أَحْسَنُ عَمَلاً - أَزْهَدُ فِيهَا وَأَسْرَعُ فِي طَاعَةِ اللهِ.
آية رقم ٨
﴿لَجَاعِلُونَ﴾
(٨) - ثُمَّ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْ زَوَالِ الدُّنْيَا وَذَهَابِهَا، وَذَهَابِ مَا عَلَيْهَا، إِذْ يَجْعَلُ اللهُ جَمِيعَ مَا عَلَيْهَا خَرَاباً يَبَاباً، وَبَلْقَعاً لاَ نَبْتَ فِيهِ (صَعِيداً جُرُزاً)، بَعْدَ أَنْ كَانَ خَضِراً نَضِراً، مُبْهِجاً، تُسَرُّ بِهِ العُيُونُ.
صَعِيداً جُرُزاً - تُرَاباً أَجْرَدَ لاَ نَبَاتَ فِيهِ.
﴿أَصْحَابَ﴾ ﴿آيَاتِنَا﴾
(٩) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ هذِهِ السُّورَةِ: إِنَّ قُرَيْشاً أَرْسَلَتْ شَخْصَيْنِ إِلَى يَهُودِ المَدِينَةِ يَسَأَلُونَهُمْ رَأَيهُمْ فِي دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ اليَهُودُ لِرَسُولَي قُرَيْشٍ: اسْأَلُوهُ عَنْ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ، فَإِنْ أَجَابَكُمْ عَلَيهِنَّ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ، فَتَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ.
- سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الأَوَّلِ، مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ.
- وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، مَا كَانَ نَبؤه؟
- وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ مَا هُوَ؟
وَلَمَا سَأَلَتْ قُرَيْشٌ النَّبِيَّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، اسْتَمْهَلَهُمْ إِلَى الغَدِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ (أَيْ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ)، فَتَأَخَّرَ الوَحْيُ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَحَزِنَ الرَّسُولُ لِذلِكَ، وَتَقَوَّلَ المُشْرِكُونَ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِهذِهِ السُّورَةِ.
وَيَبْدَأُ تَعَالَى بِسَرْدِ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ، وَهُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الأَوَّلِ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ إِنَّ أَمْرَهُمْ لَيْسَ عَجِيباً فِي قُدْرَتِنَا وَسُلْطَانِنَا، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَخَلَقَ كُلَّ ذَلِكَ أَعْجَبُ مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الكَهْفِ. وَيَقُولُ تَعَالَى مُبْتَدِئاً سَرْدَ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ: لاَ تَحْسَبْ أَنَّ قِصَّةَ أَهْلِ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ، الَّذِينَ نَامُوا أَمَداً طَوِيلاً، هِيَ الآيَةُ العَجِيبَةُ وَحْدَهَا مِنْ بَيْنِ آيَاتِنَا التِي لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى، وَالتِي تَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِنَا، فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، أَعْجَبُ مِنْ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ.
أَمْ حَسِبْتَ - بَلْ ظَنَنْتَ.
الكَهْفِ - النَّقَبِ المُتَّسِعِ فِي الجَبَلِ.
الرَّقِيمِ - اللَّوْحِ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الكَهْفِ وَقِصَّتُهُمْ.
﴿آتِنَا﴾
(١٠) - اذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ قِصَّةَ الفِتْيَةِ الَّذِينَ فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، لِئَلاَّ يَفْتِنُوهُمْ عَنْهُ، فَلَجَؤُوا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، لِيَخْتَفُوا فِيهِ عَنْ عُيُونِ قَوْمِهِمْ. فَلَمَّا دَخَلُوهُ سَأَلُوا اللهَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَاقِبَتَهُمْ رُشْداً وَهُدًى.
أَوَى الفِتْيَةُ - التَجَؤُوا هَرَباً بِدِينِهِمْ.
رَشَداً - اهْتِدَاءً إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ.
آية رقم ١١
﴿آذَانِهِمْ﴾
(١١) - فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ حِجَاباً يَمْنَعُهُمْ مِنَ السَّمَاعِ، وَأَنَمْنَاهُمْ فِي الكَهْفِ عَدَداً مِنَ السِّنِينَ.
فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ - أَنَمْنَاهُمْ إِنَامَةً ثَقِيلَةً.
آية رقم ١٢
﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾
(١٢) - ثُمَّ أَيْقَظْنَاهُمْ مِنْ رَقْدَتِهِمْ تِلْكَ، لِنَعْلَمَ أَيُّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ (الحِزْبَيْنِ)، وَالمُخْتَلِفَيْنِ فِيهِمْ أَدَق إِحْصَاءً، وَأَعْرَف بِالمُدَّةِ التِي نَامُوهَا فِي الكَهْفِ.
بَعَثْنَاهُمْ - أَيْقَظْنَاهُمْ مِنْ نَوْمِهِمْ.
أَمَداً - مُدَّةً وَعَدَداً مِنَ السِّنِينَ، أَوْ غَايَةً.
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿وَزِدْنَاهُمْ﴾
(١٣) - نَحْنُ نُخْبِرُكَ بِنَبإِ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ الَّذِينَ آوَوْا إِلَى الكَهْفِ كَمَا وَقَعَ، وَلاَ مَحَلَّ فِيهِ للرِّيبَةِ أَوِ الشَّكِّ.
إِنَّهُمْ شُبَّانٌ فِي مُقْتَبَلِ العُمْرِ (فِتْيَةٌ)، اهْتَدُوا إِلَى الإِيمَانِ بِرَبِّهِمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، فَعَبَدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ زَادَهُمْ رَبُّهُمْ هُدًى عَلَى هُدَاهُمْ، بِتَثْبِيتِهِمْ عَلَى الإِيمَانِ، وَتَوْفِيقِهِمْ إِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا.
(وَيَرَى ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ قِصَّةَ أَهْلِ الكَهْفِ كَانَتْ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرَانِيَّةِ لاَ بَعْدَهَا، لأَنَّ أَحْبَارَ اليَهُودِ كَانُوا يَعْرِفُونَها، وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَى قُرَيْشٍ لِسُؤَالِ النَّبِيِّ عَنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّعْجِيزِ)، (وَاسْتَدَلَّ الفُقَهَاءُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ).
﴿السماوات﴾ ﴿نَّدْعُوَاْ﴾
(١٤) - وَيُقَالُ إِنَّ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةَ نَظَرُوا إِلَى مَا يَعْبُدُهُ قَوْمُهُمْ مِنْ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ فَنَفَرُوا مِنْهَا، فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ مَكَاناً يَتَعَبَّدُونَ اللهَ فِيهِ، فَعَلِمَ بِهِمْ قَوْمُهُمْ، فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إِلَى المَلِكِ، وَكَانَ مَلِكاً جَبَّاراً عَنِيداً، فَاسْتَحْضَرَهُمْ وَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ، وَمَا يَعْبُدُونَ، فَأَلْهَمَهُمُ اللهُ قُوَّةَ العَزِيمَةِ، وَشَدَّدَ قُلُوبَهُمْ بِنُورِ الإِيمَانِ، فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِنُفُورِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، وَبِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللهَ وَحْدَهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ. ثُمَّ دَعَوْهُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ﴾. وَلَمَّا أَرَادَ المَلِكُ أَنْ يُقْنِعَهُمْ بِالعَوْدَةِ إِلَى دِينِ قَوْمِهِمْ قَالُوا لَهُ: إِنَّ دِينَهُمْ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الحَقُّ، وَلَنْ يَرْجِعُوا إِلَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ أَبَداً، لأَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بُهْتَاناً وَبَاطِلاً (لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً).
رَبَطْنَا - شَدَدْنَا وَقَوَّيْنَا بِالصَّبْرِ.
شَطَطاً - قَوْلاً مُفْرِطاً فِي البُعْدِ عَنِ الحَقِّ.
﴿آلِهَةً﴾ ﴿بِسُلْطَانٍ﴾
(١٥) - لَقَدِ اتَّخَذَ قَوْمُنَا آلِهَةً مِنْ دُوْنِ اللهِ، هِيَ أَصْنَامٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي عِبَادَتِهَا مِنْ حُجَّةٍ وَلاَ بُرْهَانٍ وَلاَ دَلِيلٍ، فَهَلاَّ جَاؤُوا عَلَى صِدْقِ قَوْلِهِمْ فِي أَنَّهَا آلِهَةً بِدَلِيلٍ مُقْنِعٍ. ؟ فَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ، وَنَسَبَ إِلَيْهِ تَعَالَى قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ، وَأَمراً لَمْ يَأْمُرْ بِهِ ﴿افترى عَلَى الله كَذِباً﴾.
﴿فَأْوُوا﴾
(١٦) - وَيُقَالُ: إِنَّ المَلِكَ هَدَّدَهُمْ إِنْ لَمْ يَعُودُوا إِلَى دِينِ قَوْمِهِمْ، وَسَجْنِهِمْ، فَفَرُّوا مِنَ السِّجْنِ، وَالْتَجَؤُوا إِلَى الكَهْفِ. وَلِهَذا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّكُمْ اعْتَزَلْتُمْ قَوْمَكُمْ وَخَالَفْتُمُوهُمْ فِيمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، فَابْتَعِدُوا عَنْهُمْ، وَفَارِقُوهُمْ وَاذْهَبُوا إِلَى الكَهْفِ، يَبْسُطُ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ رَحْمَةً يَسْتركُمْ بِهَا مِنْ قَوْمِكُمْ، وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمُ الذِي أَنْتُمْ فِيهِ، أَمْراً تَرْتَفِقُونَ بِهِ وَتَنْتَفِعُونَ (مِرْفَقاً). فَخَرَجُوا إِلَى الكَهْفِ، وَالْتَجَؤُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهِمْ قَوْمُهُمْ.
مِرْفَقاً - مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي عَيْشِكُمْ.
﴿تَّزَاوَرُ﴾ ﴿آيَاتِ﴾
(١٧) - وَكَانَ وَضْعُ الكَهْفِ الذِي آوَى الفِتْيَةُ إِلَيْهِ، أَنَّهُ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ عَنْهُ ذَاتَ اليَمِينِ، وَإِذَا مَالَتْ لِلْغُرُوبِ، دَخَلَتْ غَارَهُمْ مِنْ شَمَالِيِّ بَابِهِ (تَقْرِضُهُمْ)، (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَى تَقْرِضُهُمْ هُوَ: تَتْرُكُهُمْ، وَتَعْدِلُ عَنْهُمْ)، وَكَانَ الفِتْيَةُ فِي مَكَانٍ مُتَّسِعٍ، دَاخِلَ الكَهْفِ ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ لاَ تَمَسُّهُمْ فِيهِ الشَّمْسُ. وَمِنْ آيَاتِ اللهِ وَلُطْفِهِ بِهِمْ أَنَّهُ أَرْشَدَهُمْ إِلَى الإِيمَانِ، وَثَبَّتَهُمْ عَلَيْهِ، حِينَ قَامُوا بَيْنَ يَدَي المَلِكِ الجَبَّارِ، ثُمَّ أَنَّهُ هَدَاهُمْ إِلَى هَذا الكَهْفِ الَّذِي يَدْخُلُهُ النُّورُ وَالهَوَاءُ وَالشَّمْسُ لِتَبْقَى أَبْدَانُهُمْ سَلِيمَةً. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي هَدَى هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَالإِيمَانِ بِهِ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِمْ، وَمَنْ هَدَاهُ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِي، وَمَنْ أَضَلَّهُ اللهُ فَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَهْدِيهِ وَيُرْشِدُهُ إِلَى الحَقِّ وَالصَّوَابِ.
قَرَضَتِ المَكَانَ - عَدَلَتْ عَنْهُ.
تَزَاوَرُ - تَتَنَحَّى وَتَمِيلُ.
فَجْوَةٍ - مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ.
﴿بَاسِطٌ﴾
(١٨) - وَيُقَالُ: إِنَّ الفِتْيَة نَامُوا وَعُيُونُهُمْ مَفْتُوحَةٌ لِكَيْلاَ يُسْرِعَ إِلَيْهَا البِلَى، فَيَحْسَبُ النَّاظِرُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَيْقَاظٌ، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ نِيَامٌ (رُقُودٌ)، وَيُقَلِّبُهُمْ اللهُ عَلَى جَنْبَيْهِمْ: ذَاتَ اليَمِينِ، وَذَاتَ الشِّمَالِ، لِئَلاَّ تَأْكُلَ الأَرْضُ أَجْسَادَهُمْ، وَيُسْرِعَ إِلَيْهَا البِلَى، وَكَلْبُهُمْ رَابِضٌ فِي فَنَاءِ الكَهْفِ (أَوْ عِنْدَ بَابِهِ) - (بِالوَصِيدِ) عَلَى هَيْئَتِهِ فِي جُلُوسِهِ حَالَ الحِرَاسَةِ، وَكَأَنَّهُ يَحْرُسُهُمْ، وَأَضْفَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَهَابَةً، لِكَيْلا يَقْتَرِبَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلِكَيْلاَ تَمَسَّهُمُ الأَيْدِي حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ نَاظِرٌ امْتَلأَتْ نَفْسُهُ مِنْهُمْ مَهَابَةً وَخَوْفاً.
بِالوَصِيدِ - بِفَنَاءِ الكَهْفِ، أَوْ عَتَبَةِ بَابِهِ.
رُعْباً - خَوْفاً وَفَزَعاً.
﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ ﴿قَائِلٌ﴾
(١٩) - وَكَمَا أَرْقَدَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي الكَهْفِ وَحَفِظَ أَجْسَادَهُمْ مِنَ البِلَى، بَعَثَهُمْ مِنْ رُقُودِهِمْ، وَأَبْدَانِهِمْ سَلِيمَةٌ، وَشُعُورُهُمْ وَأَبْشَارُهُمْ سَلِيمَةٌ، فَسَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً كَمْ كَانَتْ مُدَّةُ رَقْدَتِكُمْ؟ قَالُوا: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ (إِذْ يُقَالُ إِنَّهُمْ دَخَلوا الكَهْفَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَاسْتَيْقَظُوا فِي آخِرِهِ)، فَقَالُوا وَكَأَنَّهُمْ اسْتَكْثَرُوا نَوْمَهُمْ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ. وَالمُهِمُّ الآنَ أَنْ تَبْعَثُوا وَاحِداً مِنْكُمْ إِلَى المَدِينَةِ بِمَا مَعَكُمْ مِنْ عِمْلَةٍ مِنَ الفِضَّةِ (وَرَقِكُمْ)، فَلْيَبْحَثْ لَكُمْ عَنْ أَطْيَبِ طَعَامٍ وَأَطْهَرَهُ، وَلْيَأْتِكُمْ بِشَيءٍ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا الرَّسُولِ أَنْ يُحَاوِلَ قَدْرَ جُهْدِهِ عَدَمَ لَفْتِ الأَنْظَارِ إِلَيْهِ، وَلْيَتَلَطَّفُ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، لِكَيْلاَ يَشْعُرَ أَحَداً بِمَكَانِكُمْ.
بَعَثْنَاهُمْ - أَيْقَظْنَاهُمْ مِنْ نَوْمِهِمْ.
بِوَرَقِكُمْ - بِدَرَاهِمِكُمْ المَضْرُوبَةِ مِنَ الفِضَّةِ.
أَزْكَى طَعَاماً - أَكْثَرُ حِلاًّ، أَوْ أَجْوَدُ طَعَاماً.
(٢٠) - لأَنَّ قَوْمَكُمْ إِنْ عَلِمُوا بِمَكَانِكُمْ عَذَّبُوكُمْ، وآذَوْكُمْ إِلَى أَنْ يَضْطَرُّوكُمْ إِلَى العَوْدَةِ فِي مِلَّتِهِمْ، أَوْ يَبْلُغُوا بِكُمُ المَوْتَ رَجْماً بِالحِجَارَةِ، وَإِذَا وَافَقْتُمُوهُمْ عَلَى العَوْدَةِ إِلَى دِينِهِمْ فَلاَ فَلاَحَ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلاَ فِي الآخِرَةِ.
يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ - يَطَّلِعُوا عَلَيْكُمْ، أَوْ يَغْلِبُوكُمْ.
﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ ﴿بُنْيَاناً﴾
(٢١) - وَكَمَا أَرْقَدْنَاهُمْ وَأَيْقَظْنَاهُمْ بِهَيْئَاتِهِمْ، أَطْلَعْنَا عَلَيْهِمْ أَهْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ، لِيَعْلَمَ الشَّاكُّونَ بِالبَعْثِ وَالحَشْرِ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَأَنَّ القِيَامَةَ سَتَقُومُ فِي الوَقْتِ الَّذِي حَدَّدَهُ اللهُ لَهَا، بِدُونِ شَكٍّ. وَأَخَذَ النَّاسُ يَتَنَازَعُونَ فِي أَمْرِ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: سُدُّوا عَلَيْهِمْ بَابَ الكَهْفِ بِبِنَاءٍ وَاتْرُكُوهُمْ لإِرَادَةِ اللهِ. وَقَالَ آخَرُونَ (وَهُمُ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمُ الغَلَبَةُ فِي الحُكْمِ)، إِنَّهُمْ سَيُقِيمُونَ عَلَى كَهْفِهِمْ مَعْبَداً يُصَلِّي النَّاسُ فِيهِ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾.
أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ - أَطْلَعْنَا النَّاسَ عَلَيْهِمْ.
﴿ثَلاثَةٌ﴾ ﴿ظَاهِراً﴾
(٢٢) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُمْ ثَلاَثَةٌ، وَكَلْبُهُمْ رَابِعُهُمْ. وَقَالَ آخَرُوْنَ: إِنَّهُمْ خَمْسَةٌ وَكَلْبُهُمْ سَادِسُهُمْ. وَضَعَّفَ اللهُ تَعَالَى كُلا القَوْلَيْنِ وَعَدَّهُما مِنْ قَبِيلِ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ، وَالقَوْلِ بِلاَ عِلْمٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِنَّهُمْ سَبْعَةٌ وَكَلْبُهُمْ ثَامِنُهُمْ، وَلَم يُضَعِّفِ اللهُ هَذا القَوْلَ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْهُ إِنَّهُ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِنَّهُ هُوَ الحَقِيقَةُ - كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ-.
ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: إِنَّهُ مِنَ الأَفْضَلِ فِي مِثْلِ هذا المَقَامِ رَدُّ العِلْمِ إِلَى اللهِ، إِذْ لاَ ضَرُورَةَ لِلْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ بِلاَ عِلْمٍ. فَلاَ يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ.
وَيُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ، مِنْ خِلاَلِ خِطَابِهِ لِلرَّسُولِ، أَنْ لاَ يَخُوضُوا، وَلاَ يُجَادِلُوا فِي ذَلِكَ الأَمْرِ إِلاَّ خَوْضاً سَهْلاً هَيِّناً، لأَنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ لاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فَائِدَةً كَبِيرةً، وَأَنْ لاَ يَسْأَلُوا أَحَداً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِمَّنْ يَدَّعُونَ العِلْمَ فِي أَمْرِ أَهْلِ الكَهْفِ فَإِنَّهُمْ لاَ عِلْمَ لَهُمْ بِشَيءٍ، وَإِنَّ مَا يَقُولُونَهُ إِنَّمَا هُوَ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، وَقَوْلٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لاَ مُسْتَنَدَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فِي أَمْرِ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لاَ مِرْيَةَ فِيهِ وَلاَ شَكَّ، وَالمُهِمُّ فِي المَوْضُوعِ لَيْسَ مَعْرِفَةَ العَدَدِ، وَلَكِنِ الاعْتِبَارَ بِالقِصَّةِ.
رَجْماً بِالغَيْبِ - قَذْفاً بِالظَّنِّ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ.
فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ - فَلاَ تُجَادِلْ فِي عدِّتِهِمْ وَشَأْنِهِمْ.
إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً - تِلاَوَةَ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ فِي أَمْرِهِمْ.
آية رقم ٢٣
﴿لِشَيْءٍ﴾
(٢٣) - يُرْشِدُ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ إِلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ إِذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ شَيءٍ فِي المُسْتَقْبَلِ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ. أَيْ وَلاَ تَقُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ إِنِّي سَأَفْعَلُ ذَلِكَ الشَّيءَ غَداً إِلاَّ أَنْ تَقُولَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لأَنَّهُ قَدْ يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِنَ الوَفَاءِ بِمَا قَالَ فَيَكُونُ مُخْلِفاً.
(٢٤) - حِينَمَا سَأَلَ الكُفَّارُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ سَيُجِيبُهُمْ غَداً، وَلَمْ يَسْتَثْنِ (أَيْ لَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ) فَتَأَخَّرَ الوَحْيُ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَنَبَّهَ اللهُ رَسُولَهُ إِلَى وُجُوبِ رَدِّ المَشِيئَةِ إِلَى اللهِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ إِذَا نَسِيَ أَنْ يَسْتَثْنِي وَيَقُولُ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلْيَذْكُرِ اللهَ، فَإِنَّ ذِكْرَ اللهِ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ. وَإِذَا سُئِلَ عَنْ شَيءٍ لاَ يَعْرِفُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى اللهِ فِيهِ لِيَسْأَلَهُ أَنْ يُوَفِّقَهُ إِلَى الصَّوَابِ.
رَشَداً - هِدَايَةً وَإِرْشَاداً لِلنَّاسِ.
آية رقم ٢٥
﴿ثَلاثَ مِئَةٍ﴾
(٢٥) - وَكَانَتْ مُدَّةُ رَقْدَتِهِمْ فِي الكَهْفِ، مُنْذُ دُخُولِهِمْ إِلَيْهِ حَتَّى بَعَثْهِمْ، وَتَسَاؤُلِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ: ثَلاَثَمِئَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ (وَهِيَ السَّنَةُ التِي كَانَ يَتَعَامَلُ بِهَا أَهْلُ الكِتَابِ)، تُعَادِلُ ثَلاَثَمِئَةٍ وَتِسْعِ سَنَوَاتٍ قَمَرِيَّةٍ، (وَهِيَ السَّنَةُ التِي كَانَ يَتَعَامَلُ بِهَا العَرَبُ).
﴿السماوات﴾
(٢٦) - ثُمَّ أَكَّدَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ المُدَّةَ التِي نَامَهَا الفِتْيَةُ فِي الكَهْفِ هِيَ التِي بَيَّنَهَا تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ، فَقَالَ لِهؤُلاَءِ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي عَدَدِهِمْ، وَفِي مُدَّةِ لَبْثِهِمْ فِي الكَهْفِ، إِنَّ اللهَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِهِمْ، وَبِعَدَدِهِمْ، وَبِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ، وَقَدْ أَخَبْرَ عَنْ مُدَّتِهِمْ، وَقَوْلِهِ الحَقُّ الذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ وَلاَ شَكَّ. وَللهِ عِلْمُ مَا غَابَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَفِيَ مِنْ أَحْوَالِهِمَا وَأَحْوَالِ أَهْلِهِمَا، لاَ يَغْرُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ مِنْهُ. ؟
وَمَا أَبْصَرَ اللهَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ! وَمَا أَسْمَعَهُ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ! لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وَهُوَ تَعَالَى الَّذِي يَمْلِكُ الخَلْقَ وَالأَمْرَ، وَلاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَلاَ مُشِيرٌ، تَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ.
أَبْصِرْ بِهِ - مَا أَبْصَرَ اللهُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ!
﴿لِكَلِمَاتِهِ﴾
(٢٧) - وَاتْلُ الكِتَابَ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْكَ رَبُّكَ، وَالزَمِ العَمَلَ بِهِ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ مِنْ أَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، فَلاَ أَحَدْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا فِيهِ مِنْ وَعِيدٍ لأَهْلِ المَعَاصِي، وَمِنْ وَعْدٍ لأَهْلِ الطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ، وَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَتْبَعْهُ نَالَكَ وَعِيدُ اللهِ الَّذِي أَوْعَدَ بِهِ العُصَاةَ، فَلَنْ تَجِدَ مَوْئِلاً مِنْ دُونِهِ، وَلاَ مَلْجَأً تَلْجَأُ إِلَيْهِ.
مُلْتَحَداً - مَلْجَأً وَمَوْئِلاً.
﴿بالغداة﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿هَوَاهُ﴾
(٢٨) - وَاجْلِسْ مَعَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ، وَيَحْمَدُونَهُ وَيُسَبِّحُونَهُ، وَيَسْأَلُونَهُ مِنْ فَضْلِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، وَهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، سَواءً كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ (وَيُقَالُ إِنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ حِينَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنْ لاَ يُجَالِسِ الفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ مِنَ المُسْلِمِينَ). ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ لاَ يُجَاوِزَ هؤُلاَءِ المُؤْمِنِينَ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الشَّرَفِ وَالثَّرْوَةِ، وَبِأَنْ لاَ يُطِيعَ مَنْ شُغِلَ بِالدُّنْيا عَنِ الدِّينِ، وَعَنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَمَنْ تَجَاوَزَ فِي أَعْمَالِهِ حُدُودَ اللهِ، وَتَمَادَى فِي ارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالآثَامِ، وَكَانَ مُفْرِطاً سَفِيهاً فِي أَمْرِهِ.
اصْبِرْ نَفْسَكَ - احْبِسْهَا وَثَبِّتْهَا.
لاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ - لاَ تَصْرِفْ عَيْنَاكَ النَّظَرَ إِلَيْهِمْ.
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ - جَعَلْنَا قَلْبَهُ غَافِلاً سَاهِياً.
فُرُطاً - إِسْرَافاً، أَوْ تَضْيِيقاً وَهَلاَكاً.
﴿لِلظَّالِمِينَ﴾
(٢٩) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: إِنَّ هَذا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ رَبِّكُمْ هُوَ الحَقُّ الَّذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ، وَلاَ شَكَّ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ بِهِ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، فَقَدْ أَعْدَدْنَا وَأَرْصَدْنَا لِلكَافِرِينَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ، نَاراً لَهَا سُورٌ يُحِيطُ بِمَنْ يَدْخُلُونَهَا (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا). وَإِذَا اسْتَغَاثَ أَهْلُ النَّارِ لِيُطْفِئُوا عَطَشَهُمْ يُغَاثُونَ بِمَاءٍ شَدِيدِ الحَرَارَةِ، فَإِذَا قَرَّبُوهُ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ اشْتَوَتْ وُجُوهَهُمْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، وَبِئْسَ هَذا الشَّرَابُ شَرَاباً، وَسَاءَتِ النَّارُ مَنْزِلاً لِلارْتِفَاقِ، وَالاتِّكَاءِ لِلرَّاحَةِ، وَسَاءَتْ مَقِيلاً.
سُرَادِقُهَا - فُسْطَاطُهَا أَوْ لَهِيبُهَا أَوْ دُخَانُهَا.
كالْمُهْلِ - كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ أَوِ الذَّائِبِ مِنَ المَعَادِنِ.
سَآءَتْ مُرْتَفَقاً - سَاءَتِ النَّارُ مَقَرّاً أَوْ مُتَّكَأً.
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾
(٣٠) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ الأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ حَالِ السُّعَدَاءِ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَخْلُوقٍ مِنْ عِبَادِهِ آمَنَ بِالحَقِّ الَّذِي يُوحَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَعَمِلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَلاَ يَظْلِمُهُ نَقِيراً.
﴿أولئك﴾ ﴿جَنَّاتُ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿الأرآئك﴾
(٣١) - فَهؤُلاَءِ السُّعَدَاءُ الأَبْرَارُ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لِيُقِيمُوا فِيهَا أَبَداً، وَتَجْرِي الأَنْهَارُ وَالمِيَاهُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَيَلْبِسُونَ فِيهَا حُلِيّاً، هِيَ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ، وَيَلْبَسُونَ فِيهَا ثِيَاباً مِنَ الحَرِيرِ خَضْرَاءَ اللَّوْنِ (كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى)، مِنْهَا ثِيَابٌ رَقِيقَةٌ كَالقُمْصَانِ، وَمَا مَاثَلَهَا، (مِنْ سُنْدُسٍ)، وَمِنْهَا ثِيَابٌ غَلِيظَةٌ، كَالدِّيبَاجِ لَهُ بَرِيقٌ (مَنْ إِسْتَبْرَقٍ)، وَيَجْلِسُونَ عَلَى الأَرَائِكِ وَالأَسِرَّةِ مُسْتَنِدِينَ (مُتَّكِئِينَ)، لِيَرْتَاحُوا فِي جَلْسَتِهِمْ. وَحَسُنَتِ الجَنَّةُ ثَوَاباً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَحَسُنَت مَنْزِلاً وَمَقِيلاً.
جَنَّاتُ عَدْنٍ - جَنَّاتُ إِقَامَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ.
سُنْدُسٍ - رَقِيقِ الدِّيبَاجِ.
وَإِسْتَبْرَقٍ - غَلِيظِ الدِّيبَاجِ.
الأَرَآئِكِ - السُّرُرِ.
﴿أَعْنَابٍ﴾ ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا﴾
(٣٢) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ: اضْرِبْ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ، الَّذِينَ سَأَلُوكَ أَنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، مَثَلاً بِرَجُلَيْنِ أَغْنَى اللهُ أَحَدَهُمَا وَآتَاهَ بُسْتَانَيْنِ مِنْ كَرْمِ العِنَبِ، وَأَحَاطَهُمَا بِأَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَجَعَلَ وَسَطَ هَذَيْنِ البُسْتَانَيْنِ زَرْعاً يُنْتَفَعُ بِهِ.
جَنَّتَيْنِ - بُسْتَانَيْنش.
حَفَفْنَاهُمَا - أَحَطْنَاهُمَا.
﴿آتَتْ﴾ ﴿خِلالَهُمَا﴾
(٣٣) - وَقَدْ أَخْرَجَتْ كُلٌّ مِنَ الجَنَّتَيْنِ ثَمَرَهَا، وَلَمْ تُنْقِصْ مِنْهُ شَيْئاً فِي سَائِرِ الأَعْوَامِ، عَلَى خِلاَفِ مَا يُعْهَدُ فِي الكُرُومِ وَالأَشْجَارِ، مِنْ أَنَّهَا تَكْثُرُ غَلَّتُهَا أَعْوَاماً، وَتَقِلُّ أَعْوَاماً أُخْرَى. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى وَسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهْراً كَبِيراً تَتَفَرَّعُ مِنْهُ الجَدَاوِلَ، لِيَدُومَ رِيُّ أَشْجَارِهَا وَزَرْعُهَا، فَيَزِيدَ بَهَاؤُهَا، وَتَكْثُرَ غَلَّتُهَا.
أُكُلُهَا - ثَمَرُهَا الَّذِي يُؤْكَلُ.
لَمْ تَظْلِمْ - لَمْ تُنْقِصْ مِنْ أُكُلِهَا.
فَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا - شَقَقْنَا وَأَجْرَيْنَا وَسَطَهُمَا.
﴿لِصَاحِبِهِ﴾
(٣٤) - وَفِي يَوْمٍ كَانَتْ فِيهِ الثِّمَارُ تَعْلُو الأَشْجَارَ فِي البُسْتَانَيْنِ، فَالْتَقَى صَاحِبُ البُسْتَانَيْنِ بِصَاحِبٍ لَهُ مُؤْمِنٌ، كَانَ يَدعُوهُ إِلَى الإِيمَانِ، وَيُذَكِّرُهُ بِأَنَّ الدُّنْيا فَانِيَةٌ، وَأَنَّ عَلَى العَاقِلِ أَنْ لاَ يَغْتَرَّ بِهَا، وَأَنَّ ثَوَابَ اللهِ وَرِضْوَانَهُ فِي الآخِرَةِ أَعْظَمُ لِلْمُؤْمِنِ المُتَّقِي مِنْ كُلِّ مَا فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ يُحَذِّرُهُ مِنْ عِقَابِ اللهِ وَعَذَابِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ البُسْتَانَيْنِ لِصَاحِبِهِ المُؤْمِنُ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، وَيُجَادِلُهُ: أَلاَ تَرَى أَنِّي أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً، فَلَدَيَّ زُرُوعٌ وَبَسَاتِينُ وَأَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنِّي أَعَزُّ مِنْكَ عَشِيرَةً وَرَهْطاً، فَيَنْفُرُ مَعِيَ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي، إِذَا اسْتَنْفَرْتُهُمْ لِنُصْرَتِي وَعَوْنِي عِنْدَ الحَاجَةِ.
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ - كَانَتْ لَهُ ثِمَارٌ عَلَى أَشْجَارِهِ وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ أُخْرَى يُثَمِّرُها، وَيَسْتَفِيدُ مِنْهَا.
َأَعَزُّ نَفَراً - أَقْوَىأَعْوَاناً وَعَشِيرَةً.
(٣٥) - وَدَخَلَ الغَنِيُّ، المُفَاخِرُ بِمَالِهِ، وَعَشِيرَتِهِ وَنَفَرِهِ، إِلَى بُسْتَانِهِ، وَرَأَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنٍ وَبَهَاءٍ، وَثِمَارٍ، وَخَصْبٍ، فَاغْتَرَّ بِالدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَقَالَ لِصَاحِبِهِ، المُؤْمِنُ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَفْنَى هَذِهِ الجَنَّةُ أَبداً، وَلاَ أَنْ تَخْرَبَ.
أَن تَبِيدَ - أَنْ تَهْلِكَ وَتَفْنَى وَتَخْرَبَ.
﴿قَائِمَةً﴾ ﴿وَلَئِن﴾
(٣٦) - وَقَادَهُ غُرُورُهُ إِلَى الكُفْرِ بِاللهِ، وَبِالآخِرَةِ وَبِالمِعَادِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يَظُنُّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَشْرٌ، وَلاَ مَعَادٌ، وَلاَ حِسَابٌ. وَأَرْدَفَ قَائِلاً: إِنَّهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ سَاعَةٌ وَحَشْرٍ وَمَعَادٍ إِلَى اللهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِدُ عِنْدَ اللهِ خَيْراً مِنْ هَذا البُسْتَانِ، لأَنَّهُ لَولاَ كَرَامَتُهُ عَلَى اللهِ لَمَا أَعْطَاهُ هَذا الرِّزْقَ الوَفِيرَ فِي الدُّنْيَا.
مُنْقَلَباً - مَرْجِعاً وَعَاقِبَةً.
﴿سَوَّاكَ﴾
(٣٧) - فَأَجَابَهُ صَاحِبُهُ المُؤْمِنُ يَعِظُهُ، وَيَزْجُرُهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَالغَيِّ، وَالاغْتِرَارِ: أَتَكْفُرُ بِاللهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً قَوِيّاً بَالِغاً؟
(٣٩) - وَلَقَدْ كَانَ الأَوْلَى بِكَ (وَلَوْلاَ)، إِذْ أَعْجَبَتْكَ جِنَّتُكَ حِينَ دَخَلْتَهَا، وَنَظَرْتَ إِلَيْهَا، أَنْ تَحْمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وَأَعْطَاكَ مِنَ المَالِ وَالوَلَدِ، وَأَنْ تَقُولَ: هَذَا مَا شَاءَ اللهُ، وَلاَ قُوَّةَ لِي عَلَى تَحْصِيلِهِ إِلاَّ بِمَعُونَةِ اللهِ. وَإِنَّكَ إِذَا كُنْتَ تَرَانِي أَفْقَرُ مِنْكَ، وَأَقَلُّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً.
(٤٠) - فَإِنِّي أَرْجُو اللهَ أَنْ يَقْلِبَ الآيَةَ، فَيَجْعَلَكَ فَقِيراً، قَلِيلَ المَالِ، وَالوَلَدِ، وَأَنْ يَرْزُقَنِي رَبِّي الغِنَى وَالوَلَدَ لإِيمَانِي وَإِخْلاَصِي للهِ، وَأَنْ يَرْزُقَنِي جَنَّةً تَكُونُ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ، وَيَسْلُبَكَ بِكُفْرِكَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وَيُخَرِّبَ جَنَّتَكَ بِأَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهَا مَطَراً مِنَ السَّمَاءِ، يُدَمِّرُ زُرُوعَهَا، وَيَقْتَلِعُ أَشْجَارَهَا، فَتُصْبِحُ بَلْقَعاً لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾.
حُسْبَاناً - مَطَراً شَدِيداً أَوْ عَذَاباً كَالصَّوَاعِقِ وَالآفَاتِ.
صَعِيداً زَلَقاً - بَلْقَعاً لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً أَوْ رَمْلاً هَائِلاً يَزْلَقُ مَنْ يَسِيرُ عَلَيْهَا.
آية رقم ٤١
(٤١) - أَوْ يَعُوزُ مَاؤُهَا فِي الأَرْضِ وَيَتَوَارَى، فَلاَ تَسْتَطِيعُ العُثُورَ عَلَيْهِ لإِخْرَاجِهِ لِسَقْيِها.
غَوْراً - غَائِراً ذَاهِباً فِي الأَرْضِ.
﴿ياليتني﴾
(٤٢) - وَأَحَاطَتِ الكَوَارِثُ بِثِمَارِ جَنَّتِهِ الَّتِي يَقُولُ إِنَّهُ لاَ يَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ أَبَداً، وَحَلَّ بِهَا مَا كَانَ يُحَذِّرُهُ مِنْهُ صَاحِبُهُ المُؤْمِنُ، مِنْ دَمَارٍ وَغَوْرِ مَاءٍ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾، فَأَصْبَحَتِ الجّنَّةُ بَلْقَعاً يَبَاباً خَاوَيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، فَأَخَذَ يَضْرِبُ كَفّاً بِكَفٍّ أَسَفاً وَنَدَماً وَحُزْناً عَلَى مَا حَلَّ بِهَا، وَعَلَى مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالٍ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي ثُبْتُ لِرُشْدِي فَلَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً.
أُحِيطَ بِثَمَرِهِ - أُهْلِكَتْ أَمْوَالُهُ مَعَ جَنَّتَيْهِ.
يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ - كِنَايَةً عَنْ النَّدَمِ وَالتَّحَسُّرِ.
خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا - سَاقِطَةٌ سُقُوفُهَا عَلَى قِيعَانِهَا.
(٤٣) - وَلَمْ تَكُنْ لَهُ جَمَاعَةٌ (فِئَةٌ) مِنْ عَشِيرَةٍ، أَوْ أَهْلٍ، وَوَلَدٍ، مِمَّنْ كَانَ يَفْتَخِرُ بِهِمْ، وَيَغْتَرٌّ، يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُ، وَمَنْعَ مَا أَرَادَهُ اللهُ بِهِ. وَبِجَنَّتَيْهِ مِنْ خَرَابٍ وَدَمَارٍ، وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقَامِ اللهِ مِنْهُ.
﴿الولاية﴾
(٤٤) - وَفِي مِثْلِ هذِهِ الحَالِ مِنَ الشَّدَائِد وَالمِحَنِ، تَكُونُ المُوَالاَةُ، وَتَكُونُ النُّصْرَةُ للهِ وَحْدَهُ. وَفِي الشَّدَائِدِ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، يُعْلِنُونَ خُضُوعَهُمْ وَاعْتِرَافَهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ، فَهُوَ خَيْرُ مَنْ أَثَابَ، وَخَيْرُ مَنْ جَازَى. وَالأَعْمَالُ التِي تَكُونُ خَالِصَةً للهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَكُونُ عَاقِبَتُهَا خَيْراً وَرَشَداً لِفَاعِلِيهَا.
الوَلاَيَةُ - النُّصْرَةُ لَهُ تَعَالَى وَحْدَهُ.
خَيْرٌ عُقْباً - خَيْرٌ عَاقِبَةً لأَوْلِيَائِهِ.
﴿الحياة﴾ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ ﴿الرياح﴾
(٤٥) - وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ مَثَلاً بِالحَيَاةِ الدُّنْيا، فِي نُضْرَتِهَا، ثُمَّ فِي صَيْرُورَتِهَا إِلَى زَوَالٍ، وَانْقِضَائِهَا، بِمَاءٍ أَنْزَلَهُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَصَابَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ بُذُورٍ وَحَبٍّ، فَنَبَتَ وَحَسُنَ مَنْظَرُهُ، وَعَلاَهُ الزَّهْرُ، وَالنُّورُ، وَالنُّضْرَةُ، ثُمَّ أَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ يَابِساً، هَشِيماً، مُتَكَسِّراً. تُبَعْثِرُهُ الرِّيَاحُ، وَتُفَرِّقُهُ وَتَطْرَحُهُ يَمِيناً وَشِمَالاً ﴿تَذَرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. فَالحَيَاةُ الدُّنْيا مُتْعَةٌ قَلِيلَةٌ ثُمَّ لاَ تَلْبَثُ أَنْ تَفْنَى وَتَنْطَفِىءَ.
هَشِيماً - يَابِساً مُتَفَتِّتاً.
تَذَرُوهُ الرِّيَاحُ - تُفَرِّقُهُ وَتَنْسِفُهُ.
﴿الحياة﴾ ﴿والباقيات﴾ ﴿الصالحات﴾
(٤٦) - المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَبَهْجَتُهَا. وَالإِقْبَالُ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَالتَّفَرُّغُ لِلْعَمَلِ بِمَا يُرْضِي اللهَ، خَيْرٌ مِنَ المَالِ وَمِنَ البَنِينِ، عِنْدَ اللهِ فِي الآخِرَةِ، لأَنَّ العَمْلَ الصَّالِحَ يَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَالمَالُ وَالبَنُونَ لاَ يَنْفَعُونَهُ فِيهِ شَيْئاً، وَالعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ خَيْرٌ أَمَلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الإِنْسَانُ.
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ "). (أَخْرَجُهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ).
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾
(٤٧) - وَاذْكُرْ، أَيُّهَا الرَّسُولُ، مَا يَكُونُ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ مِنَ الأُمُورِ العِظَامِ، إِذْ يَقْتَلِعُ اللهُ تَعَالَى الجِبَالَ مِنْ أَمَاكِنِهَا، وَيُسَيِّرُهَا فِي الجَوِّ كَالسَّحَابِ، وَيَجْعَلُهَا هَبَاءً مَنْثُوراً، فَتَذْهَبُ الجِبَالُ، وَتَتَسَاوَى المِهَادُ، وَتُصْبِحُ الأَرْضُ قَاعاً صَفْصَفاً، لاَ تَرَى فِيهِ عِوَجاً وَلاَ أَمَتاً، وَلاَ أَدِيماً، وَلاَ جَبَلاً. وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ تَظْهَرُ الأَرْضُ وَلَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ وَاحِدٌ، وَلاَ بِنَاءٌ، وَلاَ شَجَرٌ، وَلاَ مَكَانٌ يُوَارِي أَحَداً، بَلْ يَكُونُ الخَلقُ كُلُّهُمْ ضَاحُونَ لِرَبِّهِمْ، وَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، وَيَحْشُرُ اللهُ تَعَالَى الخَلاَئِقَ كُلَّهُمْ فَيَجْمَعُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَلاَ يَتْرُكُ مِنْهُمْ صَغِيراً وَلاَ كَبِيراً.
بَارِزَةً - ظَاهِرَةً لاَ يَسْتُرُهَا شَيْءٌ.
﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ ﴿أَلَّن﴾
(٤٨) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَحْشُرُ اللهُ الخَلاَئِقَ، فَيَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَفّاً وَاحِداً، وَيُقَرِّعُ اللهُ تَعَالَى الكُفَّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ وَالنُّشُورِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَكُنْتُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ هَذا لَنْ يَكُونَ، وَالآنَ اسْتَبَانَ لَكُمْ أَنَّهُ حَقٌّ.
مَوْعِداً - وَقْتاً لإِنْجَازِ الوَعْدِ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
﴿الكتاب﴾ ﴿ياويلتنا﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿أَحْصَاهَا﴾ ﴿مَالِ هذا﴾
(٤٩) - وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ فَرْدٍ كِتَابُ أَعْمَالِهِ، وَفِيهِ جَمِيعُ مَا عَمِلَهُ فِي حَيَاتِهِ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، وَمِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ. وَيَرَى المُجْرِمُونَ أَعْمَالَهُمُ القَبِيحَةُ مُحْصَاةً بِتَمَامِهَا، لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيءٌ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ العَذَابَ وَاقِعٌ بِهِمْ، فَيُشْفِقُونَ مِمَّا سَيَحُلُّ بِهِمْ، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: يَا وَيْلَتَنَا، وَيَا حَسْرَتَنَا، عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيا، مَا لِهَذا الكِتَابِ لاَ يَتْرُكُ صَغِيراً مِنْ أَعْمَالِنَا وَذُنُوبِنَا، وَلاَ كَبِيراً إِلاَّ أَحْصَاهُ وَوَعَاهُ؟ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ حَاضِراً لِيُحَاسَبُوا عَلَيْهِ، وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ.
وَإِنَّمَا يُحَاسِبُ العِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ بِالعَدْلِ التَّامِّ.
وُضِعَ الكِتَابُ - صُحُفُ الأَعْمَالِ فِي أَيْدِي أَصْحَابِهَا.
مُشْفِقِينَ - خَائِفِينَ وَجِلِينَ.
يَا وَيْلَتَنَا - يَا هَلاَكَنَا.
لاَ يُغَادِرُ - لاَ يَتْرُكُ وَلاَ يُبْقِي.
أَحْصَاهَا - عَدَّهَا وَضَبَطَهَا وَأَثْبَتَهَا.
﴿للملائكة﴾ ﴿لأَدَمََ﴾ ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾
(٥٠) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ إِلَى عَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لَهُمْ، وَلأَبِيهِمْ آدَمَ، قَبْلَهُمْ، وَيُقَرِّعُهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ إِبْلِيسَ، وَمُخَالَفَةِ الخَالِقِ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: اذْكُرْ لِقَوْمِكَ إِذْ قَالَ اللهُ لِلْمَلاَئِكَةِ: اسْجُدُوا لآدَمَ، اعْتِرَافاً بِفَضْلِهِ، وَاعْتِذَاراً عَمَّا قَالُوهُ بِحَقِّهِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾. فَامْتَثَلُوا جَمِيعاً لأَمْرِ رَبِّهِمِ الكَرِيمِ، إِلاَّ إِبْلِيسَ، الَّذِي كَانَ مِنَ الجِنِّ، فَامْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ، وَخَرَجَ عَنْ أَمْرِ اللهِ (فَسَقَ)، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَسْجُدَ لِمَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللهُ مِنَ الطِّين، وَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ. فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَ، يَا بَنِي آدَمَ، هَذا العَدُوَّ لَكُمْ، هُوَ وَذُرِّيَتَهُ، أَوْليَاءَ لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، وَتُطِيعُونَ أَوَامِرَهُمْ، وَهُمْ عَلَى مَا عَرَفْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَاوَةِ لآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، فَبِئْسَ مَا فَعَلْتُمْ ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾.
اسْجُدُوا لآدَمَ - سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَتَعْظِيمٍ لاَ سُجُودَ عِبَادَةٍ.
﴿السماوات﴾
(٥١) - وَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي (إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ)، هُمْ عَبِيدٌ مِثْلُكُمْ، لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً، وَلاَ أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلاَ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الحِينِ، وَلاَ أَشْهَدْتُ بَعْضَهُمْ خَلْقَ بَعْضٍ، وَأَنَا وَحْدِي المُسَتَقِل بِخَلْقِ الأَشْيَاءِ كُلِّها وَمُدَبِّرُهَا وَمُقَدِّرُهَا، وَمَا كُنْتُ لأَتَّخِذَ المُضِلِّينَ الَّذِينَ لاَ يَهْدُونَ إِلَى الحَقِّ أَعْوَاناً وَأَنْصَاراً.
عَضُداً - أَعْوَاناً وَأَنْصَاراً.
﴿شُرَكَآئِيَ﴾
(٥٢) - وَاذْكُرْ، أَيُّهَا الرَّسُولُ، لِقَوْمِكَ أَيْضاً مَا يَقَعُ يَوْمَ الجَمْعِ (يَوْمَ القِيَامَةِ)، إِذْ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ، تَقْرِيعاً لَهُمْ وَتَوْبِيخاً: ادْعُوا اليَوْمَ مَنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا أَنَّهُمْ شُرَكَائِي فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَفِي خَلْقِ هَذا الكَوْنِ وَتَدْبِيرِهِ، فَيَدْعُونَهُمْ فَلاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ، وَيَجِدُونَ أَنَّهُ لاَ سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى الوُصُولِ إِلَى أَرْبَابِهِمْ، إِذْ جَعَلَ اللهُ، بَيْنَ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ، مَهَالِكَ وَأَهْوَالاً.
مُوْبِقاً - مُهْلِكاً يَشْتَرِكُونَ فِيهِ وَهُوَ النَّارُ.
﴿وَرَأَى﴾
(٥٣) - وَحِينَمَا يُعَاينُ المُجْرِمُونَ نَارَ جَهَنَّمَ تَتَلَظَّى يَتَحَقَّقُونَ مِنْ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهَا لاَ مَحَالَةَ (مُوَاقِعُوهَا)، وَأَنَّهُمْ لاَ مُصْرِفَ لَهُمْ وَلاَ مُحِيدَ عَنْهَا، لأَنَّ اللهَ حَتَّمَ ذَلِكَ، وَلأَنَّهَا أَحَاطَتْ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
(وَرُؤْيَةُ جَهَنَّمَ، وَتَأَكُّدُ المُجْرِمِ مِنْ أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهَا لاَ مُحَالَةَ، هُمَا عَذَابٌ نَاجِزٌ).
مُوَاقِعُوهَا - وَاقِعُونَ فِيهَا، وَدَاخِلُونَ فِيهَا.
مَصْرِفاً - مَعْدِلاً وَمَكَاناً يَنْصَرِفُونَ إِلَيْهِ.
﴿القرآن﴾ ﴿الإنسان﴾
(٥٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ بَيَّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ كُلَّ مَا هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ، وَفَصَّلَهُ لِكَيْلاَ يَضِلُّوا عَنِ الحَقِّ، وَيَخْرُجُوا عَنْ طَرِيقِ الهُدَى وَالصَّوَابِ، وَلِيَذْكُرُوا فَيُنِيبُوا إِلَى رَبِّهِمْ وَيَعْتَبِرُوا، وَيَزْدَجِرُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَسُوءِ العَمَلِ. وَمَعَ هَذا البَيَانِ وَالتَّوْضِيحِ فَإِنَّ الكَافِرِينَ طَلَبُوا مُعْجِزَاتٍ أُخْرَى غَيْرِ القُرْآنِ، وَالإِنْسَانُ فِي طَبِيعَتِهِ حُبُّ الجَدَلِ، وَمُعَارَضَةُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ، إِلاَّ مَنْ هَدَى اللهُ.
صَرَّفْنَا - كَرَّرْنَا القَوْلَ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةً.
كُلِّ مَثَلٍ - مَعْنًى غَرِيبٍ كَالمَثَلِ فِي غَرَابَتِهِ.
(٥٥) - وَمَا مَنَعَ هَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ مِنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَبِرُسُلِهِ، وَكُتُبِهِ، حِينَ جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ، وَعَلِمُوا صِحَّةَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ بِالتَّوْبَةِ عَمَّا فَرَطَ مِنْهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، إِلاَّ تَعَنُّتُهُمْ وَعِنَادُهُمْ، الَّذِي جَعَلَ بَعْضَهُمْ يَطْلُبُ مُشَاهَدَةَ العَذَابِ الَّذِي أَوْعَدَهُمْ بِهِ اللهُ، فَقَالُوا: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الآخَرُ يَطْلُبُ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ العَذَابِ وَالبَلاَءِ يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضاً، وَهُمْ فِي الدُّنْيا، وَهُمْ يُشَاهِدُونَ ذَلِكَ، وَيَرَوْنَهُ عِيَاناً، أَوْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ اللهِ فِي الأَوَّلِينَ، وَهِيَ الهَلاَكُ المُسْتَأَصِلُ، الَّذِي أَتَى الأَوَّلِينَ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ.
سُنَّةُ الأَوَّلِينَ - عَذَابُ الاسْتِئْصَالِ إِذا لَمْ يُؤْمِنُوا.
قُبُلاً - أَنْوَاعاً وَأَلْوَاناً، أَوْ عِيَاناً وَمُقَابَلَةً.
﴿وَيُجَادِلُ﴾ ﴿بالباطل﴾ ﴿آيَاتِي﴾
(٥٦) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّهُ لاَ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ مِنْ صَدَّقَهُمْ، وَآمَنَ بِدَعْوَتِهِمْ، بِأَنَّ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم الحُسْنَى؛ وَمُنْذِرِينَ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَخَالَفَهُمْ، عِقَابَ اللهِ وَعَذَابَهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُرْسِلُ المُرْسَلِينَ لِيَقْتَرِحَ عَلَيْهِمُ الظَّالِمُونَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، وَيَطْلُبُوا مِنْهُمْ مَا لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهِ. وَالظَّالِمُونَ الكُفَّارُ لاَ يُجَادِلُونَ، وَلا يَقْتَرِحُونَ لِلاسْتِرْشَادِ وَالاهْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا يُجَادِلُونَ بِالبَاطِلِ لِيُضْعِفُوا الحَقَّ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَيُبْطِلُوهُ (لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ)، وَلَنْ يَبْلُغُوا غَايَتَهُمْ. وَقَدِ اتَّخَذُوا جَمِيعَ الحُجَجِ وَالمُعْجِزَاتِ التِي جَاءَهُمْ بِهَا رُسُلُهُمْ، وَالعَذَابِ الَّذِي حَذَّرُوهُمْ مِنْهُ، وَخَوّفُوهُمْ مِنْ نُزُولِهِ بِهِمْ... هُزْواً وَسُخْرِيَةً.
لِيُدْحِضُوا - لِيُبْطِلُوا وَيُزِيلُوا
هُزُواً - اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً.
﴿بآيات﴾ ﴿آذَانِهِمْ﴾
(٥٧) - وَلاَ أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ وُعِظَ بِآيَاتِ اللهِ، وَدَلَّ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَدَبَّرْهَا، وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِهَا، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي عَوَاقِبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الظُّلْمِ، وَالكُفْرِ، وَالمَعَاصِي (نَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)، فَلَمْ يُنِبْ إِلَى اللهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ تَائِباً مُسْتَغْفِراً.
وَقَدْ كَانَ إِعْرَاضُ الكَافِرِينَ عَمَّا ذَكَرُوا لأَنَّ اللهَ جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةً وَأَغْلِفَةً لِكَيْلاَ يَفْقَهُوا مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ (أَكْنَّةً) وَلأَنَّهُ جَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَثِقَلاً لِكَيْلاَ يَسْمَعُوهُ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ دَعْوَتَكَ إِيَّاهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِلَى الهُدَى وَالإِيمَانِ بِاللهِ وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِهِ، لَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمْ، وَلَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهَا أَبَداً.
أَكِنَّةً - أَغْطِيَةً كَثِيرَةً مَانِعَةً.
وَقْراً - صَمَماً ثَقِيلاً فِي السَّمْعِ.
﴿مَوْئِلاً﴾
(٥٨) - وَرَبُّكَ هُوَ اللهُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، يُمْهِلُ النَّاسَ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيُؤْمِنُونَ، وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ، فَيَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَيَرْحَمَهُمْ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَوْ أَنَّهُ آخَذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، لَعَجَّلَ لَهُمُ العُقُوبَةَ وَلأَهْلَكَهُمْ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً مُعَيَّناً لاَ مَهْرَبَ لَهُمْ مِنْهُ، وَلاَ مُحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ.
مَوْئِلاً - مَنْجًى أَوْ مَلْجَأً أَوْ مَخْلَصاً.
آية رقم ٥٩
﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾
(٥٩) - لَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ الأُمَمَ السَّالِفَةَ: عَاداً وَثَمُودَ وَقَوْمَ نُوحٍ وَقَوْمَ لُوطٍ وَأَصْحَابَ الأَيْكَةِ.. وَدَمَّرَ قُرَاهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَعِنَادِهِمْ، وَجَعَلَ لِمَهْلِكِهِمْ وَقْتاً مُعَيَّناً (مَوْعِداً)، لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ، فَاحْذَرُوا، أَيُّهَا المُشْرِكُونَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِنْ تَمَادَيْتُمْ فِي تَكْذِيبِ رَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ.
لِمَهْلِكِهِمْ - لِهَلاَكِهِمْ.
﴿لِفَتَاهُ لا﴾
(٦٠) - قِيلَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إِنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللهِ مَوْجُوداً فِي مَجْمَعِ البَحْرِينِ، عِنْدَهُ عِلْمٌ لَمْ تُحِطْ بِهِ أَنْتَ، فَأَحَبَّ مُوسَى الرَّحِيلَ إِلَيْهِ لِيَسْمَعَ مِنْهُ. فَقَالَ لِفَتَاهُ (وَقِيلَ إِنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَهُوَ مِنْ نَسْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِنَّي سَأَسِيرُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وَأَلْتَقِي بِالرَّجُلِ، وَلَوْ سِرْتُ أَمَداً طَوِيلاً.
مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ - مُلْتَقَاهُمَا.
أَمْضِيَ حُقُباً - أَسيرَ زَمَناً طَوِيلاً.
(٦١) - وَكَانَ قِيلَ لِمُوسَى أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ حُوتاً مُمَلَّحاً، وَفِي المَكَانِ الَّذِي يَفْقِدُ فِيهِ الحُوتَ فَإِنَّهُ يَلْتَقِي بِذَلِكَ الرَّجُلِ العَالِمِ. فَسَارَ مَعَ فَتَاهُ حَتَّى بَلَغَا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَسَقَطَ الحُوتُ فِي المَاءِ، فَأَخَذَ يَسْبَحُ فِيهِ، وَكَانَ يَشُقُّهُ شَقّاً، وَيَتْرُكُ وَرَاءَهُ مِثْلَ السَّرَبِ (النَّفَقِ).
سَرَباً - مَسْلَكاً وَمَنْفَذاً.
﴿لِفَتَاهُ﴾ ﴿آتِنَا﴾
(٦٢) - فَلَمَّا جَاوَزَا المَكَانَ الَّذِي أَضَاعَا فِيهِ الحُوتَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: هَاتِ الغَدَاءَ، فَقَدْ أَتْعَبَنَا المَسِيرُ.
نَصَباً - تَعَباً وَشِدَّةً وَإِعْيَاءً.
﴿أَرَأَيْتَ﴾ ﴿أَنْسَانِيهُ﴾ ﴿الشيطان﴾
(٦٣) - فَقَالَ الفَتَى لِمُوسَى: لَقَدْ نَسِيتُ الحُوتَ حِينَمَا جَلَسْنَا نَرْتَاحُ إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ (إِذْ أَوَيْنا الصَّخْرَة)، وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ لَكَ لأَنَّ الشَّيْطَانَ أَنْسَانِيهِ، فَاتَّخَذَ الحُوتُ طَرِيقَهُ فِي البَحْرِ بِصُورَةٍ عَجِيبَةٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ، لأَنَّهُ حُوتٌ مَيِّتٌ، وَكَانَ يَشُقُّ المَاءَ، وَهُوَ يَسْبَحُ، فَيَكُونُ المَاءُ فَوْقَهُ كَالنَّفَقِ، أَوِ الشَّقِّ فِي الأَرْضِ (السَّرَبِ).
أَوَيْنَا - جَلَسْنَا لِلاسْتِرَاحَةِ.
عَجَباً - سَبِيلاً أَوْ اتِّخَاذاً يَتَعَجَّبُ مِنْهُ.
﴿آثَارِهِمَا﴾
(٦٤) - فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ذَلِكَ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَبْغِيهِ وَنُرِيدُهُ مِنْ سَفَرِنَا - وَهُوَ فَقْدُ الحُوتِ - لأَنَّنَا وُعِدْنَا بِلِقَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فِي المَكَانِ الَّّذِي نَفْقِدُ فِيهِ الحُوتَ، فَرَجَعَا يَقُصَّانِ أَثَرَهُمَا فِي السَّيّرِ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلى الصَّخْرَةِ.
مَا كُنَّا نَبْغِ - الَّذِي كُنَّا نَطْلُبُهُ وَنَلْتَمِسُهُ.
فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا - رَجَعَا فِي طَرِيقِهِمَا الَّذِي جَاءَا فِيهِ.
﴿آتَيْنَاهُ﴾ ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾
(٦٥) - فَوَجَدَ مُوسَى وَفَتَاهُ رَجُلاً عِنْدَ الصَّخْرَةِ مُسَجًّى بِثَوْبٍ أَبْيَضَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ إِنَّ أَهْلَ أَرْضِكَ لاَ يَعْرِفُونَ السَّلاَمَ. وَيَصِفُ اللهُ تَعَالَى الرَّجُلَ بِأَنَّ اللهُ آتَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ، وَعَلَّمَهُ مِنْ عِلْمِهِ.
(٦٦) - قَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّهُ مُوسَى نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّهُ جَاءَهُ لِيُعَلِّمَهُ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، لِيَسْتَرْشِدَ بِهِ، فَهَلْ يَسْمَحُ لَهُ بِمُرَافَقَتِهِ؟
رُشْداً - صَوَاباً أَوْ إِصَابَةَ خَيْرٍ.
آية رقم ٦٧
(٦٧) - فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّهُ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللهِ لاَ يَعْلَمُهُ مُوسَى، وَلاَ يَسْتَطِيعُ مُوسَى أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مُرَافَقَتِهِ حَتَّى يَتَعَلَّمَهُ.
آية رقم ٦٨
(٦٨) - ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ عَلَى أُمُورٍ لاَ تَعْرِفُ أَنْتَ خَفَايَاهَا، وَالمَصْلَحَةُ البَاطِنَةُ فِيهَا، التِي أَطْلَعَنِي اللهُ عَلَيْهَا؟
خُبْراً - عِلْماً وَمَعْرِفَةً.
(٦٩) - فَقَالَ لَهُ مُوسَى: سَتَجِدُنِي صَابِراً إِنْ شَاءَ اللهُ عَلَى مَا سَأَرَى مِنَ الأُمُورِ مِنْكَ، وَلَنْ أَعْصِي أَمْراً لَكَ، وَلَنْ أُخَالِفَكَ فِي شَيْءٍ.
﴿تَسْأَلْني﴾
(٧٠) - فَقَالَ الرَّجُلُ لِمُوسَى: إِذَا أَرْدْتَ أَنْ تُرَافِقَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ يِبْدُو لَكَ غَرِيباً، غَيْرَ مَفْهُومٍ، مِنْ أَفْعَالِي، حَتَّى أَبْدَأَكَ أَنَا بِالحَدِيثِ عَنْهُ، وَأَشْرَحَهُ لَكَ.
(٧١) - وَبَعْدَ أَنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُرَافِق مُوسَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ، رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ فِي البَحْرِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِمْ تَمْخُرُ عَبَابَ البَحْرِ، وَلَمَّا أَوْغَلَتِ السَّفِينَةُ فِي البَحْرِ، قَامَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ بِأَنِ اسْتَخْرَجَ لَوْحاً مِنْ أَلْوَاحِهَا، ثُمَّ وَضَعَ مَكَانَهُ لَوْحاً آخَرَ، فَأَصْبَحَتِ السَّفِينَةُ وَكَأَنَّهَا مَرْقُوعَةٌ، فَلَمْ يَتَمَالَكْ مُوسَى نَفْسَهُ، فَقَالَ مُنْكِراً: إِنْ خَرْقَكَ السَّفِينَةَ يُؤَدِّي إِلَى إِغْرَاقِ مَنْ فِيهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً عَجِيباً مُنْكَراَ.
شَيْئاً إِمْراً - شَيْئاً عَظِيماً مُنْكَراً، أَوْ عَجِيباً.
آية رقم ٧٢
(٧٢) - فَقَالَ الرَّجُلُ لِمُوسَى: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّكَ لَنْ تَسَتَطِيعَ صَبْراً عَلَى مَا سَتَرَاهُ مِنْ فِعْلِي؟ وَإِنَّمَا أَنَا قُمْتُ بِمَا قُمْتُ بِهِ لِمَصْلَحَةٍ لاَ تَعْرِفُهَا أَنْتَ.
(٧٣) - فَقَالَ لَهُ مُوسَى مُعْتَذِراً: إِنَّهُ نَسِيَ مَا كَانَ مِنِ اتِّفَاقٍ بَيْنَهُمَا، وَرَجَاهُ أَنْ لاَ يَضِيقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُرْهِقَهُ بِالمُؤَاخَذَةِ.
لاَ تُرْهِقْنِي - لاَ تَحْمِلْنِي.
عُسْراً - صُعُوبَةً أَوْ مَشَقَّةً.
﴿غُلاَماً﴾
(٧٤) - وَبَعْدَ أَنْ نَزَلاَ مِنَ السَّفِينَةِ، سَارَا فِي سَبِيلِهِمَا فَوَجَدَا غُلاَماً فِي إِحْدَى القُرَى يَلْعَبُ مَعْ أَتْرَابِهِ، فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَقَتَلَهُ، فَاسْتَنْكَرَ مُوسَى ذَلِكَ. وَقَالَ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ: إِنَّكَ قَدِ ارْتَكَبْتَ أَمْراً تُنْكِرُهُ العُقُولُ (نُكْراً)، بِقَتْلِكَ نَفْساً زَكِيَّةً طَاهِرَةً، بِدُونِ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا قَتْلٌ تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ العُقُوبَةَ.
شَيْئاً نُكْراً - شَيْئاً مُنْكَراً فَظِيعاً تُنْكِرُهُ العُقُولُ.
(٧٥) - فَقَالَ الرَّجُلُ مُذَكِّراً بِمَا قَالَهُ فِي بِدْءِ الرِّحْلَةِ، وَهُوَ أَنَّ مُوسَى لَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ سَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الأَسَبَابَ الخَفِيَّةَ لِلْفِعْلِ؟
﴿تُصَاحِبْنِي﴾
(٧٦) - فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنِ اعْتَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي شَيءٍ بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، فَلاَ تُصَاحِبْنِي لأَنَّكَ أَعْذَرْتَ إِلَيَّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
﴿لَتَّخَذْتَ﴾
(٧٧) - فَسَارَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي سَبِيلِهِمَا حَتَّى أَتَيَا قَرْيَةً، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا زَادٌ، فَسَأَلاَ أَهْلَهَا الطَّعَامَ، فَلَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ فِيهَا أَنْ يُطْعِمْهُمَا. وَبَيْنَمَا كَانَا يَسِيرَانِ فِي القَرْيَةِ وَجَدَا جِدَاراً مُتَدَاعِياً لِلسُّقُوطِ، فَقَامَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بِإِقَامَتِهِ وَتَدْعِيمِهِ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّ أَهْلَ القَرْيَةِ لَمْ يُطْعِمُوهُمَا، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَقُومَ لَهُمْ بِعَمَلٍ بِدًونِ أَجْرٍ.
فَأَبَوْا - فَامْتَنَعُوا.
يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ - مُتَدَاعِياً لِلسُّقًُوطِ.
(٧٨) - فَقَالَ الرَّجُلُ لِمُوسَى: إِنَّكَ اشْتَرَطْتَ وَقْتَ قَتْلِ الغُلاَمِ أَنْ لاَ أُصَاحِبَكَ إِنْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيءٍ دُونَ أَنْ أُحَدِّثُكَ أَنَا بِأَمْرِهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنِّي أُفَارِقُكَ، وَلَكِنَّنِي سَأًُخْبِرُكَ بِتَفْسِيرِ (تَأْوِيلِ) مَا قُمْتُ بِهِ مِنْ أَعْمَالٍ اسْتَنْكَرْتَهَا أَنْتَ، وَاسْتَغْرَبْتَهَا، وَلَمْ تَسْتَطِعْ صَبْراً عَلَيْهَا.
بِتَأْوِيلِ - بِمَآلِ وَعَاقِبَةِ، أَوْ تَفْسِيرِ.
﴿لِمَسَاكِينَ﴾
(٧٩) - وَبَدَأَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بِشَرْحِ الأَسْبَابِ التِي حَمَلَتْهُ عَلَى خَرْقِ السَّفِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِنَّمَا قَامَ بِخَرْقِ السَّفِينَةِ لِيُحْدِثَ فِيهَا عَيْباً، لأَنَّهُمْ كَانُوا سَيَمُرُّونَ فِي طَرِيقِهِمْ عَلَى مَلِكٍ ظَالِمٍ، يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ حَسَنَةِ المَنْظَرِ، غَصْباً، وَإِحْدَاثِ العَيْبِ فِي السَّفِينَةِ يُنْقِذُهَا مِنْ شَرِّ هَذَا المَلِكِ الظَّالِمِ، وَالسَّفِينَةُ يَمْلِكُهَا جَمَاعَةٌ مَسَاكِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيءٌ غَيْرَهَا يَرْتَزِقُونَ مِنْهُ.
وَرَاءَهُمْ - أَمَامَهُمْ أَوْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.
غَصْباً - اسْتِلاَباً بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿الغلام﴾ ﴿طُغْيَاناً﴾
(٨٠) - أَمَّا الغُلاَمُ الَّذِي قَتَلَهُ، فَإِنَّهُ فِيمَا قَدَّرَ اللهُ، قَدْ طُبِعَ عَلَى الكُفْرِ، وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنِينَ صَالِحَيْنِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُمَا لابْنِهِمَا عَلَى مُتَابَعَتِهِ عَلَى كُفْرِهِ، فَيَكُونَ فِي ذَلِكَ هَلاَكُهُمَا.
يُرْهِقُهُمَا - يُكَلِّفُهُمَا أَوْ يُغْشِيهُمَا.
آية رقم ٨١
﴿زَكَاةً﴾
(٨١) - فَأَرَادَ أَنْ يُبْدِلَهُمَا اللهُ بِهِ وَلَداً أَزْكَى مِنْهُ نَفْساً (خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً)، وَأَكْثَرَ بِرّاً بِوَالِدَيْهِ.
زَكَاةً - طَهَارَةً مِنَ السُّوءِ، أَوْ دِيناً وَصَلاَحاً.
وَأَقْرَبَ رُحْماً - رَحْمَةً عَلَيْهِمَا وَبِرّاً بِهِمَا.
﴿لِغُلاَمَيْنِ﴾ ﴿صَالِحاً﴾
(٨٢) - أَمَّا الجِدَارُ الَّذِي أَقَامَهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، وَدَعَّمَهُ دُونَ أَجْرٍ، فَقَدْ كَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي القَرْيَةِ، وَكَانَ أَبُوهُمَا رَجُلاً صَالِحاً، وَكَانَ تَحْتَ الجِدَارِ المَائِلِ لِلانْهِدَامِ، كَنْزٌ مَدْفُونٌ لاَ يَعْرِفُ مَكَانَهُ أَحَدٌ، فَإِذَا انْهَارَ الجِدَارُ، وَهُمَا صَغِيرَانِ، فَقَدْ يَضِيعُ الكَنْزُ، وَلاَ يَنْتَفِعَانِ بِهِ، لِذَلِكَ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الجِدَارَ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الكَنْزِ الَّذِي تَحْتَهُ، حَتَّى يَبْلُغَ الغُلاَمَانِ أَشُدَّهُمَا، وَيَسْتَطِيعَا اسْتِخْرَاجَهُ وَالانْتِفَاعَ بِهِ.
وَأَضَافَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَائِلاً: إِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الحَالاَتِ الثَّلاَثِ إِنَّمَا كَانَ رَحْمَةً مِنَ اللهِ بِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَبِوَالِدَي الغُلاَمِ الَّذِي قَتَلَهُ، وَباِليَتِمَينِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَنْ أَمْرِ اللهِ وَوَحْيِهِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ تَفْسِيرٌ لَلأَفْعَالِ التِي لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى الصَّبْرَ عَلَيْهَا.
بَلَغَا أَشُدَّهُمَا - قُوَّتَهُمَا وَشِدَّتَهُمَا وَكَمَالَ عَقْلِهِمَا.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿سَأَتْلُواْ﴾
(٨٣) - وَتَسْأَلُكَ قُرَيْشٌ يَا مُحَمَّدُ - بِتَلْقِينٍ مِنَ اليَهُودِ - عَنْ خَبَرِ ذِي القَرْنَيْنِ، فَقُلْ لَهُمْ سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ قِصَّتَهُ كَمَا أَخْبَرَنِي بِهَا رَبِّي.
(وَلا يَعْرِفُ أَحٌَ مَنْ هُوَ ذُو القَرْنَيْنِ هَذا المَقْصُودُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ ذَا القَرْنَيْنِ المُشَارُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ رَجُلٌ مٌؤْمِنٌ، يَعْرِفُ اللهَ وَيَمْتَثِلُ لأَمْرِهِ).
﴿وَآتَيْنَاهُ﴾
(٨٤) - إِنَّا أَعْطَيْنَاهُ مُلْكاً عَظِيماً ثَابِتاً مُمَكَّناً لَهُ فِيهِ، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، وَبَسَطْنَا لَهُ اليَدَ، وَقَدَّرْنَا لَهُ الأَسْبَابَ التِي تُوصِلُهُ إِلَى مَا يُرِيدُ.
سَبَباً - عِلْماً وَطَرِيقاً يُوصِلُهُ إِلَيْهِ.
آية رقم ٨٥
(٨٥) - فَأَرَادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ، فَأَتْبَعَ طَرِيقاً يُوصِلُهُ إِلَيْهِ، أَيْ سَلَكَ طَرِيقاً يُوصِلُهُ إِلَيْهِ.
﴿ياذا القرنين﴾
(٨٦) - فَسَلَكَ هَذا الطَّرِيقَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ السَّائِرُ، نَحْوَ الغَرْبِ (وَقِيلَ إِنَّهُ وَقَفَ عَلَى سَاحِلِ المُحِيطِ الأَطْلَسِي)، فَرَأَى الشَّمْسَ وَكَأَنَّهَا تَغْرُبُ، فِي البَحْرِ، فِي عَيْنٍ مِنْ طِينٍ أَسْوَدَ، وَوَجَدَ فِي المَكَانِ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ فِي سَيْرِهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ كُفَّاراً، وَقَدْ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الإِلْهَامِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلَهُمْ، إِنْ هُمْ لَمْ يُقِرُّوا بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَ بِتَعْلِيمِهِمْ طَرِيقَ الهُدَى وَالرَّشَادِ، وَيُبَصِّرَهُمْ بِأَحْكَامِ الشَّرَائِعِ وَالقَوَانِينِ.
تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ - بِحَسَبِ رَأْيِ العَيْنِ.
حِمْئَةٍ - ذَاتِ حَمْأَةٍ وَالحَمْأَةُ هِيَ الطِّينُ الأَسْوَدُ وَهُنَاكَ مَنْ قَرَأَهَا فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ أَيِ حَارَّةٍ.
حُسْناً - الدَّعْوَةُ إِلَى الحَقِّ وَالهُدَى بِالمَعْرُوفِ وَالإِحْسَانِ.
(٨٧) - فَأَعْلَنَ ذُو القَرْنَيْنِ فِي أَفْرَادِ هَذِهِ الأُمَّةِ أَنَّهُ مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ نَفْسَهُ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَشِرْكِهِ بِرَبِّهِ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ بِالْقَتْلِ فِي الدُّنْيا، وَحِينَ يَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَإِنَّهُ سَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً شَدِيداً مُؤْلِماً.
عَذَاباً نُكْراً - مُنْكَراً فَظِيْعاً.
﴿آمَنَ﴾ ﴿صَالِحاً﴾
(٨٨) - وَأَمَّا مَنْ تَابَعَنَا عَلَى مَا نَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَلَهُ المَثُوبَةُ الحُسْنَى فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، جَزَاءً لَهُ عَلَى إِيمَانِهِ وَعَمَلِهِ الصَّالِحِ، وَسَنُعَامِلُهُ بِرِفْقٍ فِي الدُّنْيَا، وَسَنُعَلِّمُهُ مَا يَتَيَسَّرُ لَنَا تَعْلِيمُهُ مِمَّا يُقَرِّبُهُ إِلَى رَبِّهِ، وَيَلِينُ لَهُ قَلْبُهُ، وَلاَ يَشُقُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ.
آية رقم ٨٩
(٨٩) - ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعاً فَسَلَكَ الطَّرِيقَ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلَى مَشْرِقِهَا.
(٩٠) - فَلَمَّا بَلَغَ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ فِي سَيْرِهِ بَاتِّجَاهِ الشَّرْقِ مِنَ الأَرْضِ (مَطْلِعَ الشَّمْسِ) وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ لَيْسَ لَهُمْ بِنَاءٌ يُكِنُّهُمْ، وَلاَ أَشْجَارٌ تُظِلُّهُمْ وَتَسْتُرُهُمْ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ وَلَفْحِهَا، فَهُمْ يَغِيْبُونَ فِي سَرَادِيبَ فِي النَّهَارِ، تَقِيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَلَفْحِهَا، وَيَخْرُجُونَ مِنْ هَذِهِ السَّرَادِيبِ لَيْلاً لِكَسْبِ عَيْشِهِمْ.
سِتْراً - سَاتِراً مِنَ اللِّبَاسِ أَوِ البِنَاءِ.
آية رقم ٩١
(٩١) - لَقَدْ كَانَ حَالُ ذِي القَرْنَيْنِ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ قَبْلُ: مَكَّنَا لَهُ فِي الأَرْضِ، وَبَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَمَغْرِبَهَا، وَنَحْنُ عَلَى عِلْمٍ وَاطِّلاَعٍ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَأَحْوَالِ جَيْشِهِ، لاَ يَخْفَى عَلَيْنَا مِنْهُ شَيءٌ.
خُبْراً - عِلْماً شَامِلاً.
آية رقم ٩٢
(٩٢) - ثُمَّ أَتْبَعَ طَرِيقاً ثَالِثاً مُعْتَرِضاً مِنْ مَشَارِقِ الأَرْضِ إِلَى الشِّمَالِ.
(٩٣) - حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، وَجَدَ، دُوْنَ السَّدَّيْنِ، قَوْماً لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً، لاَسْتِعْجَامِ كَلاَمِهِمْ، وَبُعْدِ لُغَتِهِمْ عَنْ لُغَاتِ النَّاسِ، مَعَ قِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ، إِذْ لَوْ كَانَتْ لَهُمْ فِطْنَةٌ لَفَهِمُوا مَا يُرَادُ مِنَ القَوْلِ بِالْقَرَائِنِ، وَمُقْتَضَيَاتِ الحَالِ.
السَّدَّيْنِ - جَبَلَيْنِ مُتَنَاوِحَيْنِ بَيْنَهُمَا ثَغْرَةٌ يَخْرُجُ مِنْهَا قَوْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ عَلَى بِلاَدِ التُّرْكِ، فَيَعِيثُونَ فِيهَا فَسَاداً، وَيُهْلِكُونَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ.
﴿ياذا القرنين﴾
(٩٤) - فَقَالُوا: يَا ذَا القَرْنَيْنِ إِنَّ قَوْمَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هُمْ قَوْمٌ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ، وَيَعِيثُونَ فِي أَرْضِنَا فَسَاداً، فَيَقْتُلُونَ وَيُخَرِّبُونَ. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ جُعْلاً مِنْ أَمْوَالِنَا لِتَبْنِيَ لَنَا سَدّاً يَحُولُ دُونَ وُصُولِهِمْ إِلَيْنَا؟
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ - قَبِيلَتَانِ.
خَرْجاً - جُعْلاً مِنَ المَالِ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي البِنَاءِ.
(٩٥) - فَقَالَ لَهُمْ ذُو الْقَرْنَينِ: إِنَّ الَّذِي أَعْطَانِي اللهُ رَبِّي مِنَ المَالِ وَالقُوَّةِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ هُوَ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي تَبْذُلُونَهُ لِي، فَلاَ حَاجَةَ لِي بِهِ، وَلَكِنْ سَاعِدُونِي بِعَمَلِكُمْ، وَبِآلاَتِ البِنَاءِ (بِقُوَّةٍ)، أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ سَدّاً مَنِيعاً، وَحَاجِزاً حَصِيناً مَتِيناً (رَدْماً).
﴿آتُونِي﴾
(٩٦) - قَالَ ائْتُونِي بِقِطَعِ الحَدِيدِ، فَأَتَوْهُ بِهَا، فَأَخَذَ يُنَضِّدُهَا بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ الأَسَاسِ، حَتَّى إِذَا حَاذَى بِهَا رُؤُوسَ الجِبَالِ طَوْلاً وَعَرْضاً، أَضْرَمَ النَّارَ، حَتَّى إِذَا صَارَ الحَدِيدُ كُلُّهُ نَاراً، قَالَ: اتُونِي بِالنُّحَاسِ الذَّائِبِ لِيَصُبَّهُ عَلَى الحَدِيدِ المُحَمَّي. فَصَارَ السَدُّ كُلُّهُ كُتْلَةً وَاحِدَةً.
زُبَرَ الْحَدِيدِ - وَاحِدُها زُبْرةٌ أَيْ قِطْعَةٌ ضَخْمَةٌ.
قِطْراً - النٌّحَاسُ الذَّائِبُ.
الصَّدَفَيْنِ - جَانِبَيِ الجَبَلَيْنِ - أَوْ رَأْسَ الجَبَلَيْنِ.
آية رقم ٩٧
﴿اسطاعوا﴾ ﴿استطاعوا﴾
(٩٧) - فَمَا اسْتَطَاعَ قَوْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَنْ يَصْعَدُوا فَوْقَ السَّدِّ لارْتِفَاعِهِ وَمَلاَسَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا نَقْبَهُ لَصَلاَبَتِهِ وَسَمَاكَتِهِ.
أَنْ يَظْهَرُوهُ - أَنْ يَعْلُوا ظَهْرَهُ لارْتِفَاعِهِ.
نَقْباً - خَرْقاً وَثُقْباً لِصَلاَبَتِهِ وَثَخَانَتِهِ.
(٩٨) - وَلَمَّا انْتَهَى ذُو القَرْنَيْنِ مِنْ إِقَامَةِ السَّدِّ قَالَ: هَذا السَّدُّ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِالنَّاسِ، إِذْ حَالَ دُونَ يَأْجُوجٍ وَمَأْجُوجٍ وَالْعَيْثِ وَالفَسَادِ فِي الأَرْضِ، فَإِذا اقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ، وَحَانَ مَوْعِدُ خُرُوجِهِمْ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ، دَكَّهُ اللهُ، وَسَوَّاهُ بِالأَرْضِ، وَكَانَ وَعْدُ اللهِ حَقّاً مَفْعُولاً لاَ مَحَالَةَ.
جَعَلَهُ دَكَّآءَ - مَدْكُوكاً مِنْ أَسَاسِهِ وَمُسَوَّى بِالأَرْضِ. وَتَقُولُ العَرَبُ نَاقَةٌ دَكَّاءُ أَيْ لاَ سَنَامَ لَهَا.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ﴾
(٩٩) - وَيَوْمَ يَدُكُّ اللهُ هَذَا السَّدَّ يَخْرُجُ هؤُلاَءِ فَيَمُوجُونَ فِي النَّاسِ، وَيُفْسِدُونَ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيُتْلِفُونَ أَشْيَاءَهُمْ. وَحِينَ يَحِينُ مَوْعِدُ قِيَامِ السَّاعَةِ يَنْفُخُ المَلَكُ فِي الصُّورِ، وَيَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ جَمِيعاً إِلَيْهِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
يَمُوجُ - يَخْتَلِطُ وَيَضْطَرِبُ.
نُفِخَ فِي الصُّورِ - نُفِخَ فِي القَرْنِ نَفْخَةُ البَعْثِ؛ وَالصُّورُ قَرْنٌ إِذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتاً.
آية رقم ١٠٠
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾
(١٠٠) - وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ يَعْرِضُ اللهُ تَعَالَى جَهَنَّمَ عَلَى الكَافِرِينَ، وَيُبْرِزُهَا لَهُمْ لِيَرَوْا مَا فِيهَا مِنَ الهَوْلِ وَالنَّكَالِ، قَبْلَ أَنْ يَقْذِفَهُمْ فِيهَا، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي تَعْجِيلِ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ وَالأَلَمِ لَهُمْ.
(١٠١) - وَهَؤُلاَءِ الكَافِرُونَ، الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا هَذا العِقَابَ، هُمُ الَّذِينَ تَغَافَلُوا عَنْ قَبُولِ الهُدَى، وَاتِّبَاعِ الحَقِّ، وَكَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ عَنِ اللِه أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.
غِطَاءٍ - غِشَاءٍ غَلِيظٍ، وَسِتْرٍ كَثِيفٍ.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(١٠٢) - أَفَظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِي، وَاتَّخَذُوا عِبَادِي، الَّذِينَ هُمْ فِي قَبْضَتِي، وَتَحْتَ سُلْطَانِي، كَالمَلاَئِكَةِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ... مَعْبُودَاتٍ مِنْ دُونِي أَنَّ هَؤُلاَءَ المَعْبُودِينَ سَيَنْفَعُونَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ إِنَّ ذَلِكَ لَنْ يُجْدِيهِمْ نَفْعاً، وَلَنْ يُنَجِّيهِمْ مِمَّا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ النَّكَالِ وَالوَبَالِ، وَلَنْ يُنْجِيَهُمْ مِنَ العَذَابِ، فَقَدْ هَيَّأْنَا جَهَنَّمَ وَأَعْدَدْنَاهَا لِهَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ لِتَكُونَ لَهُمْ مَقَرّاً وَمُسْتَقَرّاً (نُزُلاً).
نُزُلاً - مَنْزِلاً أَوْ شَيْئاً يَمْتَنِعُونَ بِهِ.
آية رقم ١٠٣
﴿أَعْمَالاً﴾
(١٠٣) - قُلْ، أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَكَ بِالبَاطِلِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ: هَلْ تُرِيدُونَ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً؟ إِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا اللهَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةٍ يَرْضَاهَا تَعَالَى، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُصِيبُونَ فِيهَا، وَأَنَّ عَمَلَهُمْ مَقْبُولٌ. وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ مُخْطِئُونَ وَاهِمُونَ، وَعَمَلُهُمْ مَرْدُودٌ.
﴿الحياة﴾
(١٠٤) - يُفَسِّرُ اللهُ تَعَالَى هُنَا مَعْنَى (الأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً)، وَيَدُلٌّ عَلَيْهِمْ، فَيَقُولُ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا أَعْمَالاً بَاطِلَةً عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ مِنَ الهُدَى وَالصَّوَابِ، وَأَنَّهُمْ مَقْبُولُونَ وَمَحْبُوبُونَ، وَأَنَّ أَعْمَالَهُمْ حَسَنَةٌ يَقْبَلُهَا اللهُ تَعَالَى.
﴿أولئك﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿وَلِقَائِهِ﴾ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ ﴿القيامة﴾
(١٠٥) - وَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، وَكَفَرُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَكَفَرُوا بِحُجَجِ رَبِّهِمْ وَبَرَاهِينِهِ وَدَلاَئِلِهِ التِي أَقَامَهَا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ، وَكَذَّبُوا بِالآخِرَةِ وَالحِسَابِ، فَهَلَكَتْ أَعْمَالُهُمْ وَبَطَلَتْ (حَبِطَتْ)، فَلاَ تَزِنُ أَعْمَالُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ شَيْئاً، وَلاَ يَكُونُ فِي كَفَّةِ أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَلٌ صَالِحٌ يُرَجِّحُهَا، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ خَالِيَةٌ مِنْ عَمَلِ خَيْرٍ، وَالمَوَازِينُ لاَ تَرْجَحُ وَلاَ تَثْقُلُ إِلاَّ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ.
(وَفِي الحَدِيثِ: " يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِرَجُلٍ عَظِيمٍ طَوِيلٍ فَلاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جُنَاحَ بَعُوضَةٍ "). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).
وَزْناً - مِقْدَاراً وَاعْتِبَاراً لِحُبُوطِ أَعْمَالِهِمْ وَتَلاَشِيهَا.
آية رقم ١٠٦
﴿آيَاتِي﴾
(١٠٦) - وَيَكُونُ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللهِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، العَذَابَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَقَدْ جَازَاهُمُ اللهُ بِهَذا الجَزَاءِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَاتِّخَاذِهِمْ، آيَاتِ اللهِ وَرُسُلِهِ وَنُذُرِهِ هُزْواً، فَاسْتَهْزَؤُوا وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ أَشَدَّ التَّكْذِيبِ.
آية رقم ١٠٧
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿جَنَّاتُ﴾
(١٠٧) - أَمَّا السُّعَدَاءُ فَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ التِي تُرْضِي اللهَ، وَهَؤُلاَءِ يَكُونُ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللهِ جَنَّاتٍ تَجْرِي فِيهَا الأَنْهَارِ، وَتَكُونُ مَنْزِلاً لَهُمْ.
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ - " الفِرْدَوْسُ مِنْ رَبْوَةِ الجَنَّةِ هِيَ أَوْسَطُهَا وَأَحْسَنُهَا ").
آية رقم ١٠٨
﴿خَالِدِينَ﴾
(١٠٨) - وَيُقِيمُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، لاَ يَنْتَقِلُونَ مِنْهَا وَلاَ يَخْتَارُونَ عَنْهَا بَدِيلاً، وَلاَ يَرْضَوْنَ بِسِوَاهَا مَنْزِلاً وَمُتَحَوَّلاً.
حِوَلاً - تَحَوُّلاً وَانْتِقَالاً.
﴿لِّكَلِمَاتِ﴾ ﴿كَلِمَاتُ﴾
(١٠٩) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كَانَ مَاءُ البَحْرِ كُلُّهُ حِبْراً (مِدَاداً) لِلْقَلَمِ الَّذِي تُكْتَبُ بِهِ كَلِمَاتُ اللهِ، وَحِكَمُهُ وَآيَاتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ، لَنَفِدَ مَاءُ البَحْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِي كِتَابَةُ ذَلِكَ وَتُسْتَنْفَدُ، وَلَوْ كَانَ وَرَاءَ البَحْرِ بُحُورٌ أُخْرَى تَمُدُّهُ.
المِدَادُ - المَادَّةُ التِي يُكْتَبُ بِهَا - الحِبْرُ.
﴿وَاحِدٌ﴾ ﴿صَالِحاً﴾ ﴿يَرْجُواْ﴾
(١١٠) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِرِسَالَتِكَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، فَمَنْ زَعَمَ أَنِّي كَاذِبٌ فَلْيَأْتِ بِمِثْلِ مَا جِئْتُ بِهِ، فَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ فِيمَا أُخْبِرُكُمْ بِهِ، مِنَ المَاضِي، عَمَّا سَأَلْتُمْ مِنْ قِصَصِ أَهْلِ الكَهْفِ، وَخَبَرِ ذِي القَرْنَيْنِ، مِمَّا هُوَ مُطَابِقٌ لِلْحَقِيقَةِ وَوَاقِعُ الحَالِ، وَلَوْ لَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ اللهُ رَبِّي لِمَا عَلِمْتُهُ.
وَأَنَا أُخَبِرُكُمْ أَنَّ إِلهَكُمُ الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ لاَ شَرِيكَ لَهُ. فَمَنْ كَانَ يَرْجُو ثَوَابَ اللهِ (لِقَاءَ رَبِّهِ)، وَجَزَاءَهُ الحَسَنَ فِي الآخِرَةِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً خَيِّراً مُوَافِقَاً لِلْشَّرْعِ، وَلاَ يُرِدْ بِهِ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى.
(وَمُوَافَقَةُ العَمَلِ لِلْشَرْعِ، وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللهِ بِهِ هُمَا الرُّكْنَانِ الأَسَاسِيَّانِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يَتَقَبَّلُهُ اللهُ).
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

109 مقطع من التفسير