تفسير سورة سورة النبأ

أبو بكر الحداد اليمني

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل

أبو بكر الحداد اليمني (ت 800 هـ)

﴿ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ ؛ قال المفسِّرون : لما بُعِثَ النبيُّ ﷺ وأخبرَهم بتوحيدِ الله والبعثِ بعد الموت، وتلاَ عليهم القرآنَ، جعلوا يتساءَلون بينهم ويقولون : ما نرَى الذي جاءَ به مُحَمَّدٌ ﷺ، وما الذي أتَى به، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ.
ومعناها : عن أيِّ شيء يتحدَّثون فيما بينهم، وهذا لفظه لفظُُ اللاستفهامِ، والمعنى تفخيمُ القصة. وأصله عَنْ مَا فأُدغمت النون في الميمِ وحُذفت الألف ؛ لأن العربَ إذا وضَعت (عن ما) في موضعِ الاستفهام حذفت نونَها فرقاً بينهما وبين أنْ تكون اسماً مثلَ قولهِ﴿ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴾[النازعات : ٤٣] و (عَلاَمَ تفعلُ)، بخلافِ قولِهم : سألتُ فلاناً عمَّا فعلَ، لا يجوزُ فيه حذفُ الألفِ ؛ لأن معناها الَّذي، وكذلك إذا كانت (مَا) للصلةِ كقوله تعالى :﴿ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ﴾[المؤمنون : ٤٠].
قولهُ تعالى :﴿ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ أي الخبرِ الشَّريف، وهو القرآنُ، فإنه خبرٌ عظيم الشَّأنِ، لأنه يُنبئُ عن التوحيدِ وتصديق الرسول، والخبرُ عمَّا يجوز وما لا يجوزُ، وعن البعثِ والنشور. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ؛ يعني أنَّهم اختلَفُوا في القرآنِ، فجعلَهُ بعضُهم سِحراً وبعضهم كهانةً وبعضهم شِعراً، وبعضهم أساطيرَ الأوَّلين.
ثم أوعدَ اللهُ مَن كذب بالقرآنِ فقال تعالى :﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ؛ أي ليس الأمر على ما قالوا، سيعلمون عاقبة تكذيبهم حتى تنكشف الأمور، ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ وعيدٌ على إثرِ وعيدٍ. وَقِيْلَ : معنى (كَلاَّ) ارتَدِعوا وانزَجِرُوا، فليس الأمرُ على ما تظنُّون، وسيعلَمُ الكفارُ عاقبةَ أمرِهم، ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ؛ أمرَ القيامةِ وأهوالها، وما لَهم من أنواعِ العذاب في النار.
الآيات من ٦ إلى ٧
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾ ؛ نَبَّهَ سبحانهُ على عظيمِ قُدرته، ولطيفِ حِكمَتهِ ؛ ليعرفوا توحيدَهُ. والْمِهَادُ : الوِطاءُ ؛ للتصرفُّ عليه من غير كُلفَةٍ، فالأرضُ مِهَادٌ يسيرون في مناكبها ويسكُنون في مساكنها، والْمِهَادُ والْمَهْدُ بمعنًى واحدٍ، والْمِهَادُ : الفراشُ، والجبالُ أوتادٌ للأرضِ ؛ لأنَّ الأرضَ كانت تنكفئُ بأهلِها على وجهِ الماء، فأرسَاها اللهُ بالجبالِ الثوابتِ حتى لا تَميدَ بأهلها، وكان أبو قَبيس أوَّلَ جبلٍ وُضِعَ على الأرضِ.
الآيات من ٨ إلى ١١
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ ؛ أي ذُكراناً وإناثاً، ويقالُ : ألوَاناً وأصنافاً، وكلُّكم ترجِعون إلى أبٍ واحد، ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾ ؛ أي راحةً لأبدانِكم، فكلُّ مَن تَعِبَ من الخلقِ إذا نامَ استراحَ، والسُّباتُ مأخوذٌ من السَّبت وهو القطعُ، والسُّبات قطعُ العملِ، والسُّبات ها هنا أن ينقطعَ عن الحركةِ، والروحُ في بدنهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَجَعَلْنَا الَّيلَ لِبَاساً ﴾ ؛ سَابغاً بظُلمتهِ وسوادهِ لكلِّ شيءٍ، ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ ؛ أي ذا ضياءٍ لطَلب المعاشِ بالحراثةِ والتجارة ونحوِهما.
الآيات من ١٢ إلى ١٣
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ ؛ أي رَفعنا فوقَ رُؤوسِكم سبعَ سمواتٍ غِلاظاً شديدَةَ الإتقانِ، قائمةً بإذن اللهِ لا تنهارُ ولا تتغيَّرُ من طولِ الزَّمان، غِلَظُ كلِّ سماءٍ خمسمائةِ عام، ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ ؛ أي وقَّاداً مُتَلأْلئاً مُشتَعلاً بالنور العظيم، تنضجُ الأشياءَ بحرِّها، وتضيءُ للناسِ بنُورها، والوَهَجُ مجمعُ النور والحرارة.
آية رقم ١٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً ﴾ ؛ قال مجاهدُ ومقاتل وقتادة والكلبي :((الْمُعْصِرَاتُ الرِّيَاحُ ؛ لأَنَّهَا تَعْصِرُ السَّحَابَ حَتَّى تُخرِجَ مِنْهُ الْمَطَرَ)). قال الأزهريُّ :((هِيَ الرِّيَاحُ ذوَاتُ الأَعَاصِيرِ))، و(مِنَ) معناها الباء كأنه قالَ : بالمعصراتِ ؛ ولأن الرياحَ تستدِرُّ المطرَ، وقال أبو العاليةِ والربيعُ والضحاك :((الْمُعْصِرَاتُ السَّحَابُ الَّتِي يَنْجَلِبُ مِنْهَا الْمَطَرُ، كَالْمَرْأةِ الْمَعْصُورَةِ وَهِيَ الَّتِي دَنَا حَيْضُهَا))، قال الشاعرُ : جَاريَةٌ بإبرقين دَارُهَا قَدْ أعْصَرَتْ أوْ قَدْ دَنَا إعْصَارُهَايَسْقُطُ مِنْ غُلْمَتِهَا إزَارُهَا تَمْشِي الْهُوَيْنَا سَاقِطاً خِمَارُهَاوقال يزيدُ بن أسلمَ :((الْمُعْصِرَاتُ : السَّمَوَاتُ))، وقال ابنُ كَيسان :((الْمُغَيَّبَاتُ)).
والماءُ الثَّجَّاجُ : هو السَّيَّالُ الصَّبَّابُ، والثَّجُّ : الصَّبُّ، كما رُوي في الحديثِ :" أفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُ " أرادَ بالعَجِّ : رفعُ الصوتِ بالتَّلبيةِ، وَالثَّجِّ : إراقةُ الدَّم. وقال مجاهدُ :((ثَجَّاجاً أيْ مِدْرَاراً)) وقال قتادةُ :((مُتَتَابعاً يَتْلُو بَعْضَهُ)).
الآيات من ١٥ إلى ١٦
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ ؛ أي لنُخرِجَ بالمطرِ حبّاً يأكلونَهُ ونَباتاً ترعاهُ أنعامُكم. ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ﴾ ؛ أي بسَاتين ملتفَّة الأشجار، واحدها لِفٌّ بالكسرِ، وجمعهُ لُفٌّ بالضمِّ، وجمعُ الجمعِ ألْفَافٌ.
الآيات من ١٧ إلى ١٨
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ يومَ الفصلِ بين الخلائقِ وهو يومُ القيامةِ كان مِيقَاتاً للأوَّلين والآخِرين أن يجتَمعوا فيه، ومِيقَاتاً لِمَا وعدَ اللهُ من الثواب والعقاب.
ثم بَيَّنَ متى يكونُ ذلك فقالَ تعالى :﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ يعني نفخةَ البعثِ فيأتي كلُّ أناسٍ بإمامِهم فَوجاً بعد فوجٍ، وزُمَراً بعد زُمَرٍ من كلِّ مكانٍ للحِسَاب. والصُّورُ : قَرْنٌ يَنفُخُ فيه إسرافيلُ.
وعن معاذِ بن جبلٍ قالَ :" قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ ؟ قَالَ :" يَا مُعَاذُ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ مِنَ الأَمْرِ " ثُمَّ بَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ :" يَا مُعَاذُ يُحْشَرُ النَّاسُ عَشْرَةَ أصْنَافٍ مِنْ أُمَّتِي أشْتَاتاً قَدْ بَدَّلَ اللهُ صُوَرَهُمْ وَغَيَّرَهُمْ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَبَعْضُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْخَنَازيرِ، وَبَعْضُهُمْ مُنَكَّسُونَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ وَأرْجُلُهُمْ فَوْقَ وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ، وَبَعْضُهُمْ عُمْيٌ يَتَرَدَّدُونَ، وَبَعْضُهُمْ صُمٌّ بُكْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ، وَبَعْضُهُمْ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهُمْ وَهِيَ مُدَلاَّةٌ عَلَى صُدُورهِمْ، يَسِيلُ الْقَيْحُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ لُعَاباً يَتَقَذرُهُمْ أهْلُ الْجَمْعِ، وَبَعْضُهُمْ مُقَطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُمْ، وَبَعْضُهُمْ مُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ، وَبَعْضُهُمْ أشَدُّ نَتْناً مِنَ الْجِيَفِ، وَبَعْضُهُمْ يَلْبَسُونَ جِبَاباً مِنْ قَطِرَانٍ لاَزقَةٍ بجُلُودِهِمْ.
فَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ النَّمَّامُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صُورَةِ الْخَنَازيرِ الأَكَّالُونَ السُّحْتَ، وَالَّذِينَ هُمْ مُنَكَّسُونَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ أكَلَةُ الرِّبَا، وَالْعُمْيَانُ الْجَائِرُونَ فِي الْحُكْمِ، وَالصُّمُّ الْبُكْمُ هُمُ الَّذِينَ يُعْجَبُونَ بأَعْمَالِهِمْ، وَالَّذِينَ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهُمْ الْعُلَمَاءُ الوُعَّاظُ الَّذِينَ خَالَفَ قَوْلُهُمْ أعْمَالَهُمْ، وَالْمُقَطَّعَةُ أيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْجِيرَانَ، وَالْمُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعِ النَّار السُّعَاةُ إلَى السُّلْطَانِ، وَالَّذِينَ هُمْ أشَدُّ نَتْناً مِنَ الْجِيَفِ هُمُ الَّذِينَ يَتَنَعَّمُونَ باللَّذاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَمَنَعُوا حَقَّ اللهِ مِنْ أمْوَالِهِمْ، وَالَّذِينَ يَلْبَسُونَ الْجِبَابَ هُمْ أهْلُ الْكِبْرِ وَالْفُجُور وَالْخُيَلاَءِ " ".
آية رقم ١٩
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ ؛ أي فُتحت لنُزولِ الملائكة، فكانت ذاتَ أبوابٍ، قرأ أهلُ الكوفة (وَفُتِحَتِ) بالتخفيف.
آية رقم ٢٠
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ ؛ أي سُيِّرت على وجهِ الأرضِ فصارَت كالتُّراب المنبَثِّ، إذا رآهُ الناظر يحسَبهُ سَراباً بعد شدَّتِها وصَلابَتِها. والسرابُ : الغبارُ المنبَثُّ في الهواءِ يحسَبهُ العطشانُ عندَ وقوعِ الشمسِ أنهم ماءٌ وليس بماءٍ.
الآيات من ٢١ إلى ٢٢
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ﴾ ؛ أي طَريقاً ومَمَرّاً للعبادِ، ولا سبيلَ إلى الجنَّة حتى تقطعَ النارَ، وقال مقاتلُ :((إنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مَحْبساً)) معدَّةً ﴿ لِّلطَّاغِينَ ﴾ ؛ أي للكافرِين، ﴿ مَآباً ﴾ ؛ أي مَرجِعاً يرجعون إليه، وفي الحديثِ :" أنَّهَا أعْرَفُ بأَصْحَابهَا مِنَ الْوَالِدَةِ بوَلَدِهَا ".
آية رقم ٢٣
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ ؛ قرأ حمزةُ (لَبثِينَ فِيهَا أحْقَاباً)، وقرأ الباقون (لاَبثِينَ) وهما بمعنىً واحد ؛ أي مَاكِثينَ فيها مُقيمين بها.
واختلفَ العلماءُ في معنى الْحُقُبُ، فرُوي عن عبدِالله بن عِمرَ :((أنَّ الْحُقُبَ الْوَاحِدَ أرْبَعُونَ سَنَةً، كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا ألْفُ سَنَةٍ))، فهذا هو الْحُقُبُ الواحدُ، وهي أحقابٌ لا يعلمُ عددَها إلاَّ اللهُ. وعن عليٍّ رضي الله عنه :((أنَّ الْحُقُبَ الْوَاحِدَ ثَمَانُونَ سَنَةً، كُلُّ سَنَةٍ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، كُلُّ شَهْرٍ ثَلاَثُونَ يَوْماً، كُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ)).
وعن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" وَاللهِ مَا يَخْرُجُ مِنَ النَّار مَنْ دَخَلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَكُونُوا فِيهَا أحْقَاباً، وَالْحُقُبُ بضْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَالسَّنَةُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسُتُّونَ يَوْماً، كُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ ".
وعن الحسنِ :((إنَّ اللهَ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئاً إلاَّ وَجَعَلَ لَهَا مُدَّةً يَنْتَهِي إلَيْهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لأَهْلِ النَّار مُدَّةً، بَلْ قَالَ :﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾، فَوَاللهِ مَا هِيَ إلاَّ إذا مَضَى حُقُبٌ دَخَلَ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ إلَى أبَدِ الآبدِينَ)). فليس للأحقاب عدَّةٌ إلاَّ الخلودُ في النار، ولكنْ قد ذُكرَ أنَّ الْحُقُبَ الواحدَ سبعون ألفَ سَنةٍ، كلُّ يومٍ منها ألفُ سَنة مما تعُدُّون.
وقال مقاتلُ :((الْحُقُبُ الْوَاحِدُ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ))، وَقَالَ :((هَذِهِ الآيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ يَعْنِي أنَّ الْعَدَدَ قَدِ انْقَطَعَ، وَأنَّ الْخُلُودَ قَدْ حَصَلَ))، وعن عبدِالله بن مسعود قالَ :((لَوْ عَلِمَ أهْلُ النَّار أنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي النَّار عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَفَرِحُواْ، وَلَوْ عَلِمَ أهْلُ الْجَنَّةِ أنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي الْجَنَّةِ عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَحَزِنُوا)).
الآيات من ٢٤ إلى ٢٥
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ ؛ أي لا يذُوقون في تلكَ الأحقاب نَوماً ولا شَراباً من الماءِ. وَقِيْلَ : معناهُ : لا يذوقون في جهنَّم من شدَّةِ حرِّها بَرداً ينفعُهم من حرِّها، ولا شَراباً ينفعُهم من عطشِها.
وَقِيْلَ : معناهُ : لا يذُوقون في جهنَّم بردَ ريحٍ ولا ظلاًّ ولا شَراباً بارداً، ﴿ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ﴾ ؛ أي إلاَّ ماءً حارّاً في غايةِ الحرارة، و(غَسَّاقاً) وهو ما يغسِقُ أي يسيلُ من صَديدِ أهلِ النَّار، وكلُّ ذلك يزيدُ في العطشِ.
وقال شهرُ بنُ حَوشَبَ :((الْغَسَّاقُ وَادٍ فِي النَّار، فِيْهِ ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثُونَ شِعْباً، فِي كُلِّ شِعْبٍ ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثُونَ بَيْتاً، فِي كُلِّ بَيْتٍ أرْبَعُ زَوَايَا، فِي كُلِّ زَاويَةٍ ثُعْبَانٌ كَأَعْظَمِ مَا خَلَقَ اللهُ، فِي رَأسِ كُلِّ ثُعْبَانٍ سُمٌّ قَاتِلٌ لاَ يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلاَّ اللهُ تَعَالَى)).
وعن أبي معاذٍ النَّحَوِيِّ قال فِي قولهِ تعالى :﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ :((أنَّ الْبَرْدَ النَّوْمُ))، ومثلهُ قال الكسائيُّ وأبو عبيدة، والعربُ تقول : مَنَعَ الْبَرْدُ الْبَرْدَ ؛ أي أذهبَ البردُ النومَ، ولأنَّ العطشَان لينامُ فيبَرَدُ غليلُه، فلذلك سُمي النومُ بَرداً، قال الشاعرُ : وإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ وَإنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاحاً وَلاَ بَرْداًأي نَوماً.
آية رقم ٢٦
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ ؛ انتصبَ على المصدر ؛ أي جُوزُوا على وفقِ أعمالهم جَزاءً. وَقِيْلَ : تقديره : جزَينَاهم جَزاءً، وقولهُ تعالى ﴿ وِفَاقاً ﴾ أي وُفِّقوا أعمالهم وفاقاً كما يقولُ : قاتِل قِتالاً، والمعنى : جُوزُوا بحسب أعمالهم، قال مقاتلُ :((وَافَقَ الْعَذابُ الذنْبَ، فَلاَ ذنْبَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، وَلاَ عَذابَ أعْظَمُ مِنَ النَّار)).
الآيات من ٢٧ إلى ٢٨
وقولهُ تعالى :﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ﴾ ؛ أي إنَّهم كانوا لا يَخَافون أنْ يُحاسَبوا، والمعنى : أنَّهم كانوا لا يُؤمنون بالبعثِ ولا بأنَّهم يُحاسَبون، ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً ﴾ ؛ أي وكذبوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ تَكذيباً، و(فِعَّالٌ) من مصادر التَّفعيلِ، قال الفرَّاءُ :(هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ يَمَانِيَّةٌ)، يقال حَرَّقْتُ القميصَ حِرَّاقاً.
الآيات من ٢٩ إلى ٣٠
قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ﴾ ؛ أي وكلَّ شيء مِن الأعمال بيَّنَّاهُ في اللوحِ المحفوظ، كقولهِ تعالى :﴿ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾[يس : ١٢]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ ؛ أي يقالُ لَهم : ذُوقوا العذابَ في النار، فلن نزيدَكم إلاَّ ألوانَ العذاب لَوْناً بعدَ لونٍ، وكلُّ عذابٍ يأتِي بعدَ الوقتِ، فهو زائدٌ على الأوَّلِ.
الآيات من ٣١ إلى ٣٢
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ﴾ ؛ الْمُتَّقِي هو المؤمنُ المطيعُ لله، الكافُّ عن جميعِ معاصيه. والْمَفَازُ : موضعُ الفَوْز وهو الجنَّة، والمعنى : أنَّ للمتَّقين فَوْزاً ونجاةً من النار. وقوله تعالى ﴿ حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً ﴾ ؛ تفسيرٌ لذلكَ الفوز. والحدائقُ : جمعُ الحديقةِ، وكلُّ ما أُحِيطَ به الحائطُ من الأشجار فهو حديقةٌ وهو البستان الجامعُ. والأعنابُ : أنواعُ العنَب في البستان، والمعنى :﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً ﴾ يعني أشجارَ الجنَّةِ وثِمارَها.
الآيات من ٣٣ إلى ٣٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً ﴾ ؛ الكَوَاعِبُ : جمعُ الكَاعِب، وهي الجاريةُ النَّاهِدُ الْمُفَلَّكَةُ الثديِ، وهي التي خرجَ ثديُها بأحسنِ الخروج، ولم يُفطَم بعدُ. والأترابُ : اللَّدَاتُ المستوياتُ في السنِّ، ويجوزُ أن يكون المعنى : مثلَ أزواجهنَّ في السنِّ والصورة والقدِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَكَأْساً دِهَاقاً ﴾ ؛ الكأسُ : الإناءُ الذي فيه الشَّراب، والدِّهَاقُ : الْمَلآنُ المتابع، والمعنى : وكَأْساً ممتلئةً.
آية رقم ٣٥
وقولهُ تعالى :﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً ﴾ ؛ أي لا يسمَعون في مجالسِهم في الجنَّة كَلاماً لا فائدةَ فيه، ولا يكذِّبُ بعضهم بعضاً، والمعنى : لا يسمَعون في الجنَّة إذا شَربوا الخمرَ بَاطلاً من الكلامِ، ولا يكذِّبُ بعضهم بعضاً، قال ابنُ عبَّاس :((ذلِكَ أنَّ أهْلَ الدُّنْيَا إذا شَرِبُوا تَكَلَّمُوا بَالْبَاطِلِ، وَأهْلُ الْجَنَّةِ إذا شَرِبُوا لَمْ يَتَكَلَّمُوا عَلَيْهَا شَيْئاً يَكْرَهُهُ اللهُ)). وقرأ الكسائيُّ :(وَلاَ كِذاباً) بالتخفيف ؛ أي لا يكذِبُ بعضُهم بعضاً، والكِذابُ مصدرُ الْمُكَاذبَةِ، وهو حسنُ المعنى.
آية رقم ٣٦
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً ﴾ ؛ أي جزَاهم اللهُ بهذه الأشياءِ من ربكَ وأعطاهُم عطاءً حِسَاباً، وقال ابنُ قتيبةَ :((عَطَاءً كَافِياً))، يقال : أحسَبْتُ فُلاناً ؛ أي أكثرتُ له وأعطيتهُ ما يَكفيهِ، قال الزجَّاج :((فِي ذلِكَ الْجَزَاءِ كُلُّ مَا يَشْتَهُونَ، وَمِنْ ذلِكَ : حَسْبي كَذا ؛ أيْ كَفَانِي)). والمعنى : جَزاءً من ربكَ عطاءً كَثيراً كافياً وَافياً.
قَوْلُهُ تَعََالَى :﴿ رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَـانِ ﴾ ؛ قرأ نافعُ وأبو عمرٍو وابنُ كثير :(رَبُّ السَّمَوَاتِ) برفع الباءِ، و(الرَّحْمَنُ) بالرفعِ أيضاً على معنى : هو ربُّ السَّموات والأرض وما بينَهما وهو الرحمنُ، وإن شئتَ قُلتَ :(رَبُّ) مبتدأ و(الرَّحْمَنُ) خبرهُ.
وقرأ ابنُ عامر ويعقوب كلاهُما بالخفضِ على البدلِ من (رَبكَ). وقرأ حمزة والكسائي وخلف (رَبِّ) بالخفض، و(الرَّحْمَنُ) رفعاً، قال أبو عُبيدة :((وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ أعْدَلُهَا عِنْدِي ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿ رَّبِّ ﴾ قَرِيبٌ مِنَ (رَبِّكَ) فَيَكُونُ نَعْتاً لَهُ. وَارْتَفَعَ (الرَّحْمَنُ) لِبُعْدِهِ عَنْهُ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ)).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ﴾ ؛ قال مقاتلُ :((لاَ تَقْدِرُ الْخَلْقُ أنْ يُكَلِّمُوا الرَّبَّ إلاَّ بإذْنِهِ)). وقال الكلبيُّ :((مَعْنَاهُ : لاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ بإذْنِهِ)). وَقِيْلَ : لا يتجرَّأُ أحدٌ أنْ يتكلَّمَ في عَرصَاتِ القيامةِ إلاَّ بإذنهِ، ثُم وصفَ ذلك اليومَ فقال تعالى :﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً ﴾ ؛ قِيْلَ : معناهُ : في يومٍ يقومُ الرُّوح.
واختلَفُوا في الرُّوح، قال الشعبيُّ والضحاك :((هُوَ جِبْرِيلُ الَّذِي سَمَّاهُ اللهُ الرُّوحَ الأَمِينَ)). وقال ابنُ عبَّاس :((هُوَ مَلَكٌ مِنْ أعْظَمِ الْمَلاَئِكَةِ خَلْقاً)). وقال ابنُ مسعودٍ :((هُوَ مَلَكٌ عَظِيمٌ أعْظَمُ مِنَ السَّمَوَاتِ وَمِنَ الْجِبَالِ، وَأعْظَمُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، وَهُوَ يُسَبحُ فِي السَّمَاءِ الرَّابعَةِ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَي عَشَرَ ألْفَ تَسْبيحَةٍ، يَخْلُقُ اللهُ مِنْ كُلِّ تَسْبيحَةٍ مَلَكاً)).
وقال مجاهدُ وقتادة :((الرُّوحُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ عَلَى صُورَةِ بَنِي آدَمَ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ، يَقُومُونَ صَفّاً، وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً، هَؤُلاَءِ جُنْدٌ، وَهُمْ جُنْدٌ)). وعن ابنِ عبَّاس :((أنَّهُ مَلَكٌ لَمْ يَخْلُقِ اللهُ فِي الْمَلاَئِكَةِ أعْظَمَ مِنْهُ))، فَإذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَامَ وَحْدَهُ صَفّاً، وَقَامَتِ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ صَفّاً، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ. وَقِيْلَ : هم خلقٌ غيرُ الإنسِ والجنِّ يرَون الملائكةَ، والملائكةُ لا يرونَهم، كما أنَّ الملائكةَ يرَونَنا ونحنُ لا نرَاهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـانُ ﴾ ؛ معناهُ : الخلقُ كلُّهم المؤمنون لا يتكلَّمون إلاَّ مَن أذِنَ اللهُ له الكلامَ، ولا يأذنُ إلاَّ لِمَن إذا قالَ :﴿ وَقَالَ صَوَاباً ﴾. وَقِيْلَ : معناهُ : إلاَّ من أذِنَ له الرحمنُ وَقَالَ فِي الدُّنيا قَولاً صَوَاباً عَدلاً، وهو كلمةُ التوحيدِ ؛ يعني : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ﴾ ؛ أي ذلك اليومُ وُصِفَ هو الحقُّ، ﴿ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً ﴾ ؛ أي رَجْعاً حَسناً ؛ أي مَن شاءَ رجَعَ إلى اللهِ بطاعته.
ثم خوَّف الكفارَ فقال تعالى :﴿ إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً ﴾ ؛ أي خوَّفناكم من عذابٍ قريب كائن، يعني عذابَ الآخرةِ، وكلُّ ما هو آتٍ قريبٌ، والخطابُ لأهلِ مكَّة. ثم بيَّن متى يكون ذلكَ العذابُ، فقالَ تعالى :﴿ يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ أي يومَ يرَى الرجلُ فيه جزاءَ عملهِ في الدُّنيا من خيرٍ أو شرٍّ، وخَصَّ اليدَين ؛ لأنَّ أكثرَ العملِ يكون بهما.
وأمَّا الكافرُ فيقول :﴿ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يالَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ﴾ ؛ أي لَيتَني لم أُبعَثْ، ولَيتَنِي بقيتُ تُراباً بعدَ الموتِ، وقال مقاتلُ :((إنَّ اللهَ يَجْمَعُ الدَّوَابَّ وَالطُّيُورَ وَالْوُحُوشَ يَوْماً، وَيَقْضِي بَيْنَ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، ثُمَّ يَقْضِي لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، فَإذا فَرَغَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ : مَنْ رَبُّكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى : أنَا خَلَقْتُكُمْ وَسَخَّرْتُكُمْ لِبَنِي آدَمَ، وَكُنْتُمْ لِي مُطِيعِينَ أيَّامَ حَيَاتِكُمْ، فَارْجِعُواْ لِلَّذِي خَلَقْتُكُمْ مِنْهُ. فَيَصِيرُونَ تُرَاباً، فَعِنْدَ ذلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ :﴿ يالَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ﴾.)). قال أبو هُريرة :((فَيَقُولُ التُّرَابُ لِلْكَافِرِ : لاَ حُبّاً وَلاَ كَرَامَةَ لَكَ أنْ تَكُونَ مِثْلِي)).
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

21 مقطع من التفسير