قَوْله تَعَالَى: وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار وَالله يَدْعُو إِلَى الْجنَّة وَالْمَغْفِرَة بِإِذْنِهِ وَيبين الله آيَاته للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن الْمُنْذر عَن مقَاتل بن حبَان قَالَ نزلت هَذ الْآيَة فِي أبي مرْثَد الغنوي اسْتَأْذن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عنَاق أَن يَتَزَوَّجهَا وَكَانَت ذَا حَظّ من جمال وَهِي مُشركَة وَأَبُو مرْثَد يؤمئذ مُسلم
فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّهَا تعجبني
فَأنْزل الله وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس فِي ناسخه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن قَالَ: اسْتثْنى الله من ذَلِك نسَاء أهل الْكتاب فَقَالَ (وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب) (الْمَائِدَة الْآيَة ٥)
وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي ناسخه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن قَالَ: نسخ من ذَلِك نِكَاح نسَاء أهل الْكتاب أحلهن للْمُسلمين وَحرم المسلمات على رِجَالهمْ
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن قَالَ: نسخت وَأحل من المشركات نسَاء أهل الْكتاب
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة وَلَا تنْكِحُوا المشركات فحجز النَّاس عَنْهُن حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا (وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ) (الْمَائِدَة الْآيَة ٥) فنكح النَّاس نسَاء أهل الْكتاب
وَأخرج وَكِيع وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم والنحاس فِي ناسخه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن قَالَ: يَعْنِي أهل الْأَوْثَان
وَأخرج آدم وَعبد بن حميد وَالْبَيْهَقِيّ عَن مُجَاهِد وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن قَالَ: نسَاء أهل مَكَّة من الْمُشْركين ثمَّ أحل مِنْهُم نسَاء أهل الْكتاب
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن قَتَادَة وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن قَالَ: مشركات الْعَرَب اللَّاتِي لَيْسَ لَهُنَّ كتاب
وَأخرج عبد بن حميد عَن حَمَّاد قَالَ: سَأَلت إِبْرَاهِيم عَن تَزْوِيج الْيَهُودِيَّة والنصرانية فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ
فَقلت: أَلَيْسَ الله يَقُول وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن قَالَ: إِنَّمَا ذَاك المجوسيات وَأهل الْأَوْثَان
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَالْبَيْهَقِيّ عَن شَقِيق قَالَ: تزوج حُذَيْفَة بيهودية فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن خل سَبِيلهَا فَكتب إِلَيْهِ أتزعم أَنَّهَا حرَام فأخلى سَبِيلهَا فَقَالَ: لَا أزعم أَنَّهَا حرَام وَلَكِن أَخَاف أَن تعاطوا المومسات مِنْهُنَّ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عمر أَنه كره نِكَاح نسَاء أهل الْكتاب وتأوّل وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن
وَأخرج البُخَارِيّ والنحاس فِي ناسخه عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر كَانَ إِذا سَأَلَ عَن نِكَاح الرجل النَّصْرَانِيَّة أَو الْيَهُودِيَّة قَالَ: حرم الله المشركات على الْمُسلمين وَلَا أعرف شَيْئا من الإِشراك أعظم من أَن تَقول الْمَرْأَة: رَبهَا عِيسَى أَو عبد من عباد الله
وَأما قَوْله تَعَالَى: وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم أخرج الواحدي وَابْن عَبَّاس من طَرِيق السّديّ عَن أبي مَالك عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة قَالَ نزلت فِي عبد الله بن رَوَاحَة وَكَانَت لَهُ أمة سَوْدَاء وَأَنه غضب عَلَيْهَا فلطمها ثمَّ إِنَّه فزع فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ خَبَرهَا
فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا هِيَ يَا عبد الله قَالَ: تَصُوم وَتصلي وتحسن الْوضُوء وَتشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُوله
فَقَالَ: يَا عبد الله هَذِه مُؤمنَة
فَقَالَ عبد الله: فوالذي بَعثك بِالْحَقِّ لأعتقها ولأتزوّجها فَفعل فطعن عَلَيْهِ نَاس من الْمُسلمين وَقَالُوا: نكح أمة وَكَانُوا يُرِيدُونَ أَن ينكحوا إِلَى الْمُشْركين وينكحوهم رَغْبَة فِي أحسابهم فَأنْزل الله وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ مثله سَوَاء معضلاً
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل بن حَيَّان فِي قَوْله وَلأمة مُؤمنَة قَالَ: بلغنَا أَنَّهَا كَانَت أمة الحذيفة سَوْدَاء فَأعْتقهَا وتزوّجها حُذَيْفَة
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد فِي مُسْنده وَابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تنْكِحُوا النِّسَاء لحسنهن فَعَسَى حسنهنَّ أَن يرديهن وَلَا تنكحوهن على أموالهن فَعَسَى أموالهن أَن تطغيهن وانكحوهن على الدّين فلأمة سَوْدَاء خرماء ذَات دين أفضل
وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ تنْكح الْمَرْأَة لأَرْبَع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بِذَات الدّين تربت يداك
وَأخرج مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن جَابر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: إِن الْمَرْأَة تنْكح على دينهَا وَمَالهَا وجمالها فَعَلَيْك بِذَات الدّين تربت يداك
وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تنْكح الْمَرْأَة على إِحْدَى خِصَال: لجمالها وَمَالهَا ودينها فَعَلَيْك بِذَات الدّين والخلق تربت يَمِينك
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من تزوّج امْرَأَة لعزها لم يزده الله إِلَّا ذلاً وَمن تزَوجهَا لمالها لم يزده الله إِلَّا فقرا وَمن تزَوجهَا لحسبها لم يزده الله إلاَّ دناءة وَمن تزوج امْرَأَة لم يرد بهَا إِلَّا أَن يغض بَصَره ويحصن فرجه أَو يصل رَحمَه بَارك الله لَهُ فِيهَا وَبَارك لَهَا فِيهِ
وَأخرج الْبَزَّار عَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عودوا الْمَرِيض وَاتبعُوا الْجِنَازَة وَلَا عَلَيْكُم أَن تَأْتُوا الْعرس وَلَا عَلَيْكُم أَن لَا تنْكِحُوا الْمَرْأَة من أجل حسنها فعل أَن لَا يَأْتِي بِخَير وَلَا عَلَيْكُم أَن لَا تنْكِحُوا الْمَرْأَة لِكَثْرَة مَالهَا فعل مَالهَا أَن لَا يَأْتِي بِخَير وَلَكِن ذَوَات الدّين وَالْأَمَانَة
وَأما قَوْله تَعَالَى: وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا أخرج ابْن جرير عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ: النِّكَاح بوليّ فِي كتاب الله ثمَّ قَرَأَ وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي مُوسَى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا نِكَاح إِلَّا بوليّ
وَأخرج ابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس قَالَا: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نِكَاح إِلَّا بوليّ وَفِي حَدِيث عَائِشَة: وَالسُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ
وَأخرج الشَّافِعِي وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاثًا فَإِن أَصَابَهَا فلهَا الْمهْر بِمَا اسْتحلَّ من فرجهَا وَإِن استجرأوا فالسلطان ولي من لَا ولي لَهُ
وَأخرج ابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تزوّج الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا تزوّج الْمَرْأَة نَفسهَا فَإِن الزَّانِيَة هِيَ الَّتِي تزوّج نَفسهَا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نِكَاح إِلَّا بوليّ وشاهدي عدل
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يجوز نِكَاح إِلَّا بوليّ وشاهدي عدل
وَأخرج مَالك وَالْبَيْهَقِيّ عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: لَا تنْكح الْمَرْأَة إِلَّا بِإِذن وَليهَا أَو ذِي الرَّأْي من أَهلهَا أَو السُّلْطَان
وَأخرج الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لَا نِكَاح إِلَّا بوليّ مرشد وشاهدي عدل
وَأما قَوْله تَعَالَى: ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم أخرج البُخَارِيّ وَابْن ماجة عَن سهل بن سعد قَالَ مر رجل على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مَا تَقولُونَ فِي هَذَا قَالُوا: حري إِن خطب أَن ينْكح وَإِن شفع أَن يشفع وَإِن قَالَ أَن يستمع
قَالَ: ثمَّ سكت فَمر رجل من فُقَرَاء الْمُسلمين فَقَالَ: مَا تَقولُونَ فِي هَذَا قَالُوا: حري إِن خطب أَن لَا ينْكح وَإِن شفع أَن لَا يشفع وَإِن قَالَ لَا يسمع
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَذَا خير من ملْء الأَرْض مثل هَذَا
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا خطب إِلَيْكُم من ترْضونَ دينه وخلقه فَزَوجُوهُ إِن لَا تَفعلُوا تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد عريض
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي حَاتِم الْمُزنِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَكُم من ترْضونَ دينه وخلقه فانكحوه إِن لَا تَفعلُوا تكن فتْنَة فِي الأَرْض
وَفَسَاد عريض
قَالُوا: يَا رَسُول الله وَإِن كَانَ فِيهِ قَالَ: إِذا جَاءَكُم من ترْضونَ دينه وخلقه فانكحوه ثَلَاث مَرَّات
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن معَاذ الْجُهَنِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أعْطى لله وَمنع لله وَأحب لله وَأبْغض لله فقد اسْتكْمل إيمَانه
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي