فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
فشربها قوم وتركها آخرون ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلي إماما فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا، فنزلت: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فقلّ من شربها، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا وافتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة فشكا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال عمر:
اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠]. فقال عمر: انتهينا يا رب. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ أي أيّ قدر
ينفقونه نزلت هذه الآية في شأن عمرو بن الجموح سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم ماذا نتصدق من أموالنا؟ وقيل: السائل معاذ بن جبل وثعلبة. وقال الرازي: كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه؟ فأعلمهم الله تعالى أن العفو أي الفاضل عن الكفاية مقبول قُلِ الْعَفْوَ أي ما سهل مما يكون فاضلا عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤونتهم كَذلِكَ أي كما بيّن الله لكم قدر المنفق وحكم الخمر والميسر بأن فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الأحكام الشرعية لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا أنها فانية وَالْآخِرَةِ أنها باقية، فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بدّ من ترجيح الآخرة على الدنيا وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى كان أهل الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها ثم إن الله تعالى أنزل قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: ١٠] وقوله: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[الأنعام: ١٥٢] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى والمقاربة من أموالهم والقيام بأمورهم فاختلّت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم فثقل ذلك على الناس فقال عبد الله ابن رواحة، وقيل: ثابت بن رفاعة الأنصاري: يا رسول الله ما لكلنا منازل تسكنها الأيتام، ولا كلنا يجد طعاما وشرابا يردهما لليتيم فهل يجوز مخالطة اليتامى بالطعام والشراب والمسكن أم لا؟ فنزلت هذه الآية: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي قل يا أشرف الخلق إصلاح أموالهم من غير أخذ أجرة خير لكم من ترك مخالطتهم وأعظم أجرا لكم وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ أي وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز لأنهم إخوانكم في الدين وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ أي يعرف المفسد لأموالهم بالمخالطة من المصلح لها وقيل: يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في أموالهم بالنكاح ممن أراد الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ أي لكلفكم ما يشتد عليكم أو لضيق الأمر عليكم في مخالطتهم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي غالب على أمره قوي بالنقمة لمفسد مال اليتيم حَكِيمٌ (٢٢٠) يحكم بما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس طاقة البشر
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ أي
ولا تتزوجوا المشركات بالله إلى أن يؤمن بالله بأن يقررن بالشهادة ويلتزمن أحكام الإسلام هذا مقصور على غير الكتابيات لما
روي عن جابر بن عبيد الله عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا»
«١».
وروى عبد الرحمن بن عوف أنه صلّى الله عليه وسلّم قال في حق المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم»
«٢». وسبب نزول هذه الآية ما
روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، فعند قدومه جاءته امرأة مشركة اسمها عناق فالتمست الخلوة فقال: ويحك إن الإسلام حال بيني وبينك! فقالت: هل لك أن تتزوج بي؟ فقال: نعم، ثم وعدها أن يأذن الرسول صلّى الله عليه وسلّم فلما انصرف إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عرفه ما جرى في أمر عناق وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه الآية: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ
أي لنكاح أمة مؤمنة خير من نكاح مشركة ولو أعجبتكم تلك المشركة بحسنها أو بمالها أو بحريتها أو بنسبها.
قال السدي: نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن رواحة، كان له أمة فأعتقها وتزوج بها فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة!؟ وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله تعالى تلك الآية. وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا أي ولا تزوجوا الكفار ولو كانوا أهل كتاب المؤمنات حتى يؤمنوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ أي تزويجكم لعبد مؤمن خير من تزويجكم لمشرك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ذلك المشرك لماله وجماله وقوته وحريته أُولئِكَ المشركات والمشركون يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي إلى ما يؤدي إلى النار فإن الزوجية مظنة المحبة وذلك يوجب الموافقة في الأغراض وربما يؤدي ذلك إلى انتقال الدين بسبب موافقة المحبوب وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بتبيان هذه الأحكام من الإباحة والتحريم فإن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ أي بتيسيره تعالى وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة. وقرأ الحسن «والمغفرة بإذنه» بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسير الله تعالى. وَيُبَيِّنُ آياتِهِ أي أمره ونهيه في التزويج والتزويج لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) قبح المنهي عنه وحسن المدعو إليه.
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي الحيض والسائل عن ذلك ثابت الدحداح الأنصاري، وقيل:
عباد بن بشر وأسيد بن الحضير، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس. وأما
(٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٩: ٤٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩: ١٨٩)، والساعاتي في بدائع المنن (٣: ٢٢٩).
النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض. قُلْ يا أشرف الخلق: هُوَ أي الحيض أَذىً أي قذر الرائحة المنكرة التي فيه واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه كما
قال صلّى الله عليه وسلّم: «دم الحيض هو الأسود المحتدم»
«١» أي المحترق من شدة حرارته فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ أي في موضع الحيض وَلا تَقْرَبُوهُنَّ أي لا تجامعوهن حَتَّى يَطْهُرْنَ وهذا تأكيد لحكم الاعتزال.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، ويعقوب الحضرمي «حتى يطهرن» بسكون الطاء وضم الهاء بمعنى: حتى يزول عنهن الدم. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء بمعنى يغتسلن فَإِذا تَطَهَّرْنَ أي اغتسلن أو تيممن عند تعذر استعمال الماء فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي فجامعوهن في موضع أمركم الله به وهو القبل.
وقال الأصم والزجاج: أي فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات بالنسك، وفهم من هذا الشرط أنه يشترط بعد انقطاع الحيض الاغتسال لأنه قد صار المجموع غاية وذلك بمنزلة قولك: لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامك بالأمرين جميعا، واتفق مالك والأوزاعي والثوري والشافعي: أنه إذا انقطع حيض المرأة لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض، والمشهور عن أبي حنيفة: أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ بالندم على ما مضى من الذنب والترك في الحاضر والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) أي المتنزهين عن المعاصي من إتيان النساء في زمان الحيض والإتيان في الأدبار. وقيل: يحب المستنجين بالماء نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي فروج نسائكم مزرعة لأولادكم فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي مزرعتكم أَنَّى شِئْتُمْ أي من أيّ جهة شئتم، أي فالمراد من هذه الآية أن الرجل مخيّر بين أن يأتي زوجته من قبلها في قبلها وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها لأن سبب نزول هذه الآية ما
روي أن اليهود قالوا: من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلا، وزعموا أن ذلك في التوراة فذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «كذبت اليهود»
«٢».
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الأعمال الصالحة كالتسمية عند الجماع وطلب الولد.
روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قال بسم الله عند الجماع فأتاه ولد فله حسنات بعدد أنفاس ذلك الولد وعدد عقبه إلى
(٢) رواه أبو داود في كتاب النكاح، باب: ما جاء في العزل، وأحمد في (م ٣/ ص ٣٣).
يوم القيامة»
«١». أي قدّموا ما يدخر لكم من الثواب ولا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وَاتَّقُوا اللَّهَ في أدبار النساء ومجامعتهن في الحيض وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ أي الله بالبعث فتزودوا ما تنتفعون به فإنه تعالى يجزيكم بأعمالكم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) خاصة بالثواب والكرامة وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ أي ولا تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب إيمانكم من أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس.
قال ابن عباس: ارجعوا إلى ما هو خير لكم وكفّروا يمينكم. نزلت هذه الآية في شأن عبد الله ابن رواحة فإنه حلف بالله أن لا يحسن إلى أخته وختنه- أي زوج أخته بشير بن النعمان- ولا يكلمهما ولا يصلح بينهما فكان إذا قيل له في الصلح يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل فلا يحل لي أن لا أبرّ في يميني. وَاللَّهُ سَمِيعٌ بيمينكم بترك الإحسان عَلِيمٌ (٢٢٤) بنياتكم وبكفارة اليمين لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال الشافعي رضي الله عنه: إن اللغو قول العرب لا والله، وبلى والله في الشراء والبيع وغير ذلك مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف، ولو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك، ولعله قال: لا والله ألف مرة.
وقال أبو حنيفة: إن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، فالشافعي لا يوجب الكفارة في المسألة الأولى ويوجبها في الثانية. وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك. وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي قصدته من الإيمان بجد وربطت به فحنثتم فإذا حلف على شيء بالجد في أنه كان حاصلا ثم ظهر أنه لم يحصل فقد قصد بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك فلم يكن ذلك لغوا بل كان حاصلا بكسب القلب وَاللَّهُ غَفُورٌ حيث لم يؤاخذكم باللغو مع كونه ناشئا من عدم الاحتياط حَلِيمٌ (٢٢٥) حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أي للذين يحلفون أن لا يجامعوهن مطلقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر انتظارا أربعة أشهر فَإِنْ فاؤُ أي رجعوا عن اليمين بالحنث بأن جامعوا قبل أربعة أشهر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ليمينهم إن تابوا بفعل الكفارة رَحِيمٌ (٢٢٦) حيث بين كفارتهم وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي إن حققوا الطلاق وبروا يمينهم فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ليمينهم عَلِيمٌ (٢٢٧) بعزمهم فليس لهم بعد التربص إلا الفيئة أو الطلاق. فإن بر المولى يمينه وترك مجامعة امرأته حتى تجاوز أربعة أشهر بانت منه امرأته بتطليقة واحدة، وإن جامعها قبل ذلك فعليه كفارة اليمين كما قاله ابن عباس وَالْمُطَلَّقاتُ أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول
بهن يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ في العدة ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فلا تتوقف العدة على ضرب قاض وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الحبل والحيض معا وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة وربما كرهت مراجعة الزوج وأحبت التزوج بزوج آخر، أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني، فلهذه الأغراض تكتم الحبل. وإذا كتمت الحيض فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات. إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فلا يجترئن على ذلك الكتمان وهذا الشرط للتغليظ حتى لو لم يكن مؤمنات كان عليهن العدة أيضا وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ أي أزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص إِنْ أَرادُوا أي البعولة بالرجعة أَصْلَحا والسبب في هذه الآية أن في الجاهلية كانوا يراجعون المطلقات، ويريدون بذلك الإضرار بهن ليطلقوهن بعد الرجعة حتى تحتاج المرأة إلى أن تعتد عدة حادثة فنهوا عن ذلك. وَلَهُنَّ عليهم من الحقوق مِثْلُ الَّذِي لهم عَلَيْهِنَّ من الحقوق بِالْمَعْرُوفِ شرعا في حسن المعاشرة وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ أي فضيلة في الحق لأن حقوقهم عليهن في أنفسهن وحقوقهن عليهم في المهر والنفقة وَاللَّهُ عَزِيزٌ يقدر على الانتقام ممن يخالف أحكامه حَكِيمٌ (٢٢٨) فيما حكم بين الزوجين الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أي ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج هو أن يوجد مرتان فالواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أي رجعة بحسن عشرة ولطف معاملة لا على قصد إضرار، أو تسريح أي إرسال بترك المراجعة حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة بإحسان أي بغير ذكر سوء بعد المفارقة وبأداء جميع حقوقها المالية، وهذه الآية متناولة لجميع الأحوال لأن الزوج بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو المراد بقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ. أو يتركها حتى تبين بانقضاء العدة وهو المراد بقوله تعالى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. أو يطلقها ثالثة وهو المراد بقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ فكانت الآية مشتملة على بيان كل الأقسام ولو جعلنا التسريح طلقة ثالثة لكان قوله تعالى: فإن طلقها طلقة رابعة، فإنه غير جائز وسبب نزول هذه الآية: أن امرأة شكت إلى عائشة رضي الله عنها بأن زوجها يطلقها ويراجعها كثيرا وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً أي ومن جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئا من الذي أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها لأنه استمتع بها في مقابلة ما أعطاها إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي أن لا يراعيا مواجب أحكام الزوجة.
وقرأ حمزة «يخافا» بضم الياء فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي فلا حرج على الزوج في أخذ ما افتدت الزوجة به نفسها من المال ليطلقها، ولا عليها في إعطائه إياه بطيبة نفسها. نزلت هذه الآية في شأن ثابت بن قيس بن شماس، وفي شأن جميلة بنت عبد الله ابن
أبي اشترت نفسها من زوجها بمهرها.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لثابت: «خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها»
«١». ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام. وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية.
تنبيه: يجوز أن يكون أول الآية وهو قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا خطابا للأزواج وآخرها. وهو قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ خطابا للأئمة والحكام، وذلك غير غريب في القرآن. ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإعطاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون والمؤتون، ثم الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف وهو الإشفاق مما يكره وقوعه، ويمكن حمله على الظن كما قرئ قراءة شاذة «إلا أن يظنوا». والخوف إما أن يكون من قبل المرأة فقط أو من قبل الزوج فقط أو من قبلهما معا، أو لا يحصل الخوف من قبل واحد منهما فإن كان الخوف من قبل المرأة بأن تكون ناشزة مبغضة للزوج فيحل له أخذ المال منها، وإن كان من قبل الزوج فقط بأن يضربها ويؤذيها حتى تلتزم الفداء فهذا المال حرام كما كان الخوف حاصلا من قبلهما معا فذلك المال حرام أيضا وإن لم يحصل الخوف من قبل واحد منهما. فقال أكثر المجتهدين: إن هذا الخلع جائز والمال المأخوذ حلال. وقال قوم: إنه حرام تِلْكَ أي ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع حُدُودَ اللَّهِ أي أحكام الله بين المرأة والزوج فَلا تَعْتَدُوها أي فلا تتجاوزوا عنها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ أي ومن يتجاوز أحكام الله إلى ما نهى الله عنه له فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) أي الضارون لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه فَإِنْ طَلَّقَها بعد الطلقتين فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ أي من بعد التطليقة الثالثة حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ أي المطلق مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط تعتد منه وتعقد للثاني ويطؤها ثم يطلقها ثم تعتد منه.
وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: تحل بمجرد العقد.
روي أن تميمة بنت عبد الرحمن القرظي كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي- بفتح الزاي وكسر الباء- فأتت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقالت: كنت تحت رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، وإنه أراد أن يطلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة!؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»
«٢». و «العسيلة» مجاز عن قليل
(٢) رواه البخاري في كتاب الطلاق، باب: إذا طلّقها ثلاثا ثم تزوجت امرأة بعد العدة زوجا-
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي