ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

باب نكاح المشركات


قال الله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عبدالله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن قال : ثم استثنى أهل الكتاب فقال : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان [ المائدة : ٥ ]، قال : عفائف غير زَوَانٍ. فأخبر ابن عباس أن قوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن مرتب على قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [ المائدة : ٥ ] وأن الكتابيات مستثناة منهن. ورُوي عن ابن عمر أنها عامة في الكتابيات وغيرهن ؛ حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيدالله بن نافع عن ابن عمر :" أنه كان لا يرى بأساً بطعام أهل الكتاب، وكره نكاح نسائهم ". قال أبو عبيد : وحدثنا عبدالله بن صالح عن الليث قال : حدثني نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال :" إن الله حرَّم المشركات على المسلمين " قال :" فلا أعلم من الشرك شيئاً أكبر " أو قال :" أعظم من أن تقول ربها عيسى أو عَبْدٌ من عبيد الله ". فكرهه في الحديث الأول ولم يذكر التحريم، وتلا في الحديث الثاني الآية ولم يقطع فيها بشيء، وإنما أخبر أن مذهب النصارى شِرْكٌ. قال : وحدثنا أبو عبيد قال : حدثنا علي بن سعد عن أبي المليح عن ميمون بن مهران قال : قلت لابن عمر : إنّا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب فننكح نساءهم ونأكل طعامهم ؟ قال : فقرأ عليَّ آية التحليل وآية التحريم، قال : قلت : إني أقرأ ما تقرأ فننكح نساءهم ونأكل طعامهم ؟، قال : فأعاد عليَّ آية التحليل وآية التحريم. قال أبو بكر : عدوله بالجواب بالإباحة والحظر إلى تلاوة الآية ؛ دليلٌ على أنه كان واقفاً في الحكم غير قاطع فيه بشيء، وما ذُكر عنه من الكراهة يدلّ على أنه ليس على وجه التحريم ؛ كما يُكْره تزوج نساء أهل الحرب من الكتابيات لا على وجه التحريم.
وقد رُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين إباحةُ نكاح الكتابيات ؛ حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثني سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد عن عمر مولى عفرة قال : سمعت عبدالله بن علي بن السائب يقول : إن عثمان تزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية على نسائه ؛ وبهذا الإسناد من غير ذكر نافع : أن طلحة بن عبيدالله تزوج يهودية من أهل الشام. ورُوي عن حذيفة أيضاً أنه تزوج يهودية وكتب إليه عمر أنْ خَلِّ سبيلها، فكتب إليه حذيفة : أحرام هي ؟ فكتب إليه عمر : لا، ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهم. ورُوي عن جماعة من التابعين إباحةُ تزويج الكتابيات، منهم الحسن وإبراهيم والشعبي ؛ ولا نعلم عن أحد من الصحابة والتابعين تحريم نكاحهن، وما رُوي عن ابن عمر فيه فلا دلالة فيه على أنه رآه محرَّماً وإنما فيه عنه الكراهة، كما رُوي كراهة عمر لحذيفة تزويج الكتابية من غير تحريم. وقد تزوج عثمان وطلحة وحذيفة الكتابيات، ولو كان ذلك محرماً عند الصحابة لظهر منهم نكيرٌ أو خلاف، وفي ذلك دليل على اتفاقهم على جوازه.
وقوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن غير موجب لتحريم الكتابيات من وجهين ؛ أحدهما : أن ظاهر لفظ المشركات إنما يتناول عَبَدَةَ الأوثان منهم عند الإطلاق ولا يدخل فيه الكتابيات إلا بدلالة، ألا ترى إلى قوله : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم [ البقرة : ١٠٥ ] وقال : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين [ البينة : ١ ] ففرق بينهم في اللفظ، وظاهره يقتضي أن المعطوف غير المعطوف عليه إلاّ أن تقوم الدلالة على شمول الاسم للجميع، وأنه أفرد بالذكر لضرب من التعظيم أو التأكيد كقوله تعالى : من كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال [ البقرة : ٩٨ ] فأفردهما بالذكر تعظيماً لشأنهما مع كونهما من جملة الملائكة. إلا أن الأظهر أن المعطوف غير المعطوف عليه إلاّ أن تقوم الدلالة على أنه من جنسه، فاقتضى عطفه أهل الكتاب على المشركين أن يكونوا غيرهم، وأن يكون التحريم مقصوراً على عبدة الأوثان من المشركين. والوجه الآخر : أنه لو كان عموماً في الجميع، لوجب أن يكون مرتباً على قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [ المائدة : ٥ ] وأن لا تُنسخ إحداهما بالأخرى ما أمكن استعمالهما.
فإن قيل : قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [ المائدة : ٥ ] إنما أراد به اللاتي أسلمن من أهل الكتاب، كقوله تعالى : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم [ آل عمران : ١٩٩ ] : وإن من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون [ آل عمران : ١١٣ ] قيل له : هذا خُلْفٌ من القول دالٌّ على غباوة قائله والمحتج به، وذلك من وجهين، أحدهما : أن هذا الاسم إذا أطلق فإنما يتناول الكفار منهم، كقوله : من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد [ التوبة : ٢٩ ] وقوله : ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك [ آل عمران : ٧٥ ] وما جرى مجرى ذلك من الألفاظ المطلقة، فإنما يتناول اليهود والنصارى، ولا يعقل به من كان من أهل الكتاب فأسلم إلا بتقييد ذِكْرِ الإيمان، ألا ترى أن الله تعالى لما أراد به من أسلم منهم ذكر الإسلام مع ذكره أنهم من أهل الكتاب فقال : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة [ آل عمران : ١١٣ ] وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم [ آل عمران : ١٩٩ ]. والوجه الآخر : أنه ذكر في الآية المؤمنات، وقد انتظم ذِكْرَ المؤمنات اللاتي كنّ من أهل الكتاب فأسلمن ومن كنّ مؤمنات في الأصل، لأنه قال : والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [ المائدة : ٥ ] فكيف يجوز أن يكون مراده بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من المؤمنات المبدوء بذكرهن ! وربما احتجّ بعض القائلين بهذه المقالة بما رُوي عن عليّ بن أبي طلحة قال : أراد كعب بن مالك أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه وقال :" إنّها لا تُحْصِنُكَ " قال : فظاهر النهي يقتضي الفساد. فيقال : إن هذا حديثٌ مقطوعٌ من هذا الطريق ولا يجوز الاعتراض بمثله على ظاهر القرآن في إيجاب نسخه ولا تخصيصه، وإن ثبت فجائز أن يكون على وجه الكراهية، كما روي عن عمر من كراهته لحذيفة تزويج اليهودية لا على وجه التحريم ؛ ويدل عليه قوله :" إنها لا تحصنك " ونفي التحصين غير موجب لفساد النكاح، لأن الصغيرة لا تحصنه وكذلك الأمة ويجوز نكاحهما.
وقد اختُلف في تزويج الكتابية الحربية، فحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال :" لا تحل نساء أهل الكتاب إذا كانوا حرباً " قال : وتلا هذه الآية : وقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله : وهم صاغرون [ التوبة : ٢٩ ] قال الحكم : فحدثت به إبراهيم فأعجبه. قال أبو بكر : يجوز أن يكون ابن عباس رأى ذلك على وجه الكراهية، وأصحابنا يكرهونه من غير تحريم ؛ وقد رُوي عن عليّ أنه كره نساء أهل الحرب من أهل الكتاب. وقوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [ المائدة : ٥ ] لم يفرق فيه بين الحربيات والذميات ؛ وغير جائز تخصيصه بغير دلالة. وقوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [ التوبة : ٢٩ ] لا تعلّق له بجواز النكاح ولا فساده، ولو كان وجوب القتال علة لفساد النكاح لوجب أن لا يجوز نكاح نساء الخوارج وأهل البغي لقوله تعالى : فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله [ الحجرات : ٩ ]، فبان بما وصفنا أنه لا تأثير لوجوب القتال في إفساد النكاح، وأن ما كرهه أصحابنا لقوله تعالى : لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم [ المجادلة : ٢٢ ]، والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى : وجعل بينكم مودة ورحمة [ الروم : ٢١ ] فلما أخبر أن النكاح سبب المودة والرحمة ونهانا عن موادة أهل الحرب، كرهوا ذلك. وقوله : يوادّون من حادّ الله ورسوله [ المجادلة : ٢٢ ] إنما هو في أهل الحرب دون أهل الذمة، لأنه لفظٌ مشتقٌّ من كونهم في حَدٍّ ونحن في حَدٍّ، وكذلك المشاقّة وهو أن يكونوا في شقٍّ ونحن في شقٍّ، وهذه صفة أهل الحرب دون أهل الذمة، فلذلك كرهوه. ومن جهة أخرى وهو أن ولده ينشأ في دار الحرب على أخلاق أهلها، وذلك منهيٌّ عنه، قال صلى الله عليه وسلم :" أنا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَيْنَ ظَهْرَاني المُشْرِكِينَ " وقال صلى الله عليه وسلم :" أنا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ ".
فإن قيل : ما أنكرت أن يكون قوله تعالى : لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله [ المجادلة : ٢٢ ] مخصصاً لقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [ المائدة : ٥ ] قاصراً لحكمه على الذميات منهن دون الحربيات ؟ قيل له : الآية إنما اقتضت النهي عن الوداد والتحابّ، فأما نفس عقد النكاح فلم تتناوله الآية وإن كان قد يصير سبباً للموادة والتحابّ، فنفس العقد ليس هو الموادة والتحابّ إلا أنه يؤدي إلى ذلك فاستحسنوا له غيرهن.
فإن قيل : لما قال عقيب تحريم نكاح المشركات : أولئك يدعون إلى النار دلّ على أنه لهذه العلة حرَّم نكاحهن، وذلك موجود في نكاح الكتابيات الذميات والحربيات منهن، فوجب تحريم نكاحهن لهذه العلة كتحريم نكاح المشركات. قيل له : معلومٌ أن هذه ليست علّة موجبة لتحريم النكاح، لأنها لو كانت كذلك لكان غير جائز إباحتهنّ بحال، فلما وجدنا نكاح المشركات قد كان مُباحاً في أول الإسلام إلى أن نزل تحريمهن مع وجود هذا المعنى وهو دعاء الكافرين لنا إلى النار، دلّ على أن هذا المعنى ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح ؛ وقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط كافرتين تحت نبيين من أنبياء الله تعالى، قال الله تعالى : ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين [ التحريم : ١٠ ] فأخبر بصحة نكاحهما مع وجود الكفر منهما، فثبت بذلك أن الكفر ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح ؛ وإن كان الله تعالى قد قال في سياق تحريم المشركات : أولئك يدعون إلى النار فجعله عَلَمَاً لبطلان نكاحهن، وما كان كذلك من المعاني التي تجري مجرى العلل الشرعية، فليس فيه تأكيد فيما يتعلق به الحكم من الاسم فيجوز تخصيصه كتخصيص الاسم. وإذا كان قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب [ المائدة : ٥ ] يجوز به تخصيص التحريم الذي علق بالاسم، جاز أيضاً تخصيص الحكم المنصوب على المعنى الذي أجْرِيَ مجرى العلل الشرعية، ونظي

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير