ولمّا فرغ الحق جلّ جلاله من ذكر بعضَ أمر الجهاد وما يتعلق به، شَرَع يتكلم على النكاح، فقال :
وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
قلت : بدأ الحقّ جلّ جلاله بذكر محل النكاح، وسيأتي في سورة النساء تمامه في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ. . . [ النِّساء : ٢٣ ] الآية.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ولا تتزوجوا النساء المشركات حتى يؤمن ، ونكاحهن حرام، بخلاف الكتابيات، كما في سورة المائدة. ونكاح أمة سوداء مؤمنة خير من نكاح مشركة ولو أعجبتكم حُسناً وحسباً ومالاً، أو : ولا مرأة مؤمنة أمة كانت أو حُرة خَيْرٌ من مشركة ؛ إذ النساء كلهم إماء الله.
رُوِيَ أنه عليه الصلاة والسلام - بعث مَرْثَداً الغَنَوي إلى مكة ليُخرج منها نَاساً من المسلمين فأَتتْه امرأة يقال لها : عناق، وكان يهواها في الجاهلية - فقالت : ألا تخلو ؟ فقال : إن الإسلام حال بيننا، فقالت : هل لك أنْ تتَزَوج بي ؟ فقال : نعم، ولكن أستشير رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاره، فنزلت الآية. البيضاوي.
ولا تُزوجوا المشركين وليَّتَكم، وهو حرام مطلقاً ؛ إذ الرجال قوامون على النساء، ولا تَسلُّطَ للكافر على المسلمة، فلا تُنكحوهم حتى يؤمنوا ، ولعبد أسود مملوك مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم حسباً ومالاً ؛ إذ لا حسب مع الكفر. وإنما حرَّم نكاح أهل الكفر ؛ لأنهم يدعون إلى الكفر، وهو سبب النار ، والصحبة توجب عقد المحبة، والطباع تُسْرق، فلا يَؤمنُ جانب الكفر أن يغلب على الإيمان، والله تعالى إنما يدعو إلى سبب المغفرة والتطهير من لَوث الكفر والمعاصي بإذنه وقدرته، فلا يأمر إلا بما يقوى عقد الإيمان واليقين، ويُنهض إلى الطاعات، وهو صحبة أهل الإيمان واليقين، ويُبين آياته الدالّة على جمع عباده إليه لعلهم يتذكرون فيها، ويتعظون بتذكيرها ووعظها.
الإشارة : لا ينبغي للفقير أن يعقد مع نفسه عقد الصحبة والمودة، أو ينظر إليها بعين الشفقة والرحمة، ما دامت مشركة بشهود السّوى، أو مائلة بطبعها إلى الهوى، ولأن تكون عندك نفس مؤمنة بعلم التوحيد، خير من نفس مشركة برؤية الغير، ولو أعجبتك في الطاعة، وظهور الاستقامة، فقد تُظْهر الطاعة والخدمة، وتُبطن مالها فيها من الحظوظ والمتعة، فليتهمها ما دامت مشركة، فإذا آمنت ووحدت الله تعالى، فلم تر معه سواه، فلا بأس بعقد النكاح معها، فإنها لا تأمره إلا بما يقوي شهودها وتوحيدها. وكذلك لا ينبغي أن يعقد نكاح نفسه، ويدفعها لمن يشهد السّوى، شيخاً أو أخاً، ولو أعجبك طاعته واجتهاده، ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه، خير من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، أولئك أهل النفوس - يدعون إلى نار الشهوات والحظوظ العاجلة أو الآجلة، والله يدعو إلى التطهير من شهود الأغيار، والدخول في حضرة الأسرار، وهذا لا يكون إلا للعارفين الأبرار ؛ الذين تطهروا من الأكدار، وتخلصوا من شهود الأغيار، كذلك يُبين الله آياته للناس - الدالّة على وحدانيته - لعلهم يتعظون فينزجرون عن متابعة الهوى، أو رؤية وجود السوى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي