[ و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ( ٢٢١ ) ].
ابتدأ الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة ببيان الروابط التي توثق العلاقات الفاضلة في المدينة الإسلامية، التي هي المقصد الأول من هذا الشرع الحكيم، فقد تضافرت الأخبار والآثار، وجاءت آيات الله البينات المثبة أن شرع الله سبحانه وتعالى لخير الناس في الحال والمآل، وإقامة مدينة فاضلة في الدنيا، يكون الثواب لمن شاد بنيانها، في الآخرة، وكل عبادات هذا الدين تتجه نحو هذه الغاية، وتستهدف هذا الهدف، ولقد قال سبحانه في وصف شرعه وكتابه :[ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ٥٧ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ٥٨ ]( يونس ).
و قد ذكر سبحانه وتعالى في الآيتين السابقتين بعض الأمور التي تحل عرى الجماعة، و توقع بينهم العداوة والبغضاء، وعلاج هذه الأمور، والطب لها بدواء ناجع يشفي من سقامها، فذكر ما في الخمر والميسر من مآثم، واكتفى في هذا الموضع بذلك بيانا للعاقل الرشيد، وأشار إلى التنابذ والتدابر إن ضن الغني بالعطاء، وفقد الفقير الرجاء، فأوجب الإنفاق، وأشار إلى المعاول التي تهدم الجماعة الإسلامية، وتقوض أمنها، وتكثر شذابها، وأولئك هم الضعفاء واليتامى ومن لا مأوى لهم، فإن لم يصلحوا وعودهم أخضر، كان منهم الشطار واللصوص والهادمون الذين يأتون بنيان الجماعة من قواعده.
و بعد أن أشار إلى الأذى والوقاية منه، والداء ودفعه، أخذ يبين أساس البناء الاجتماعي الفاضل، وابتدأ من هذه الأسس بالقاعدة التي يشاد عليها البناء، والوحدة التي يتكون منها البنيان، والتي إذا قويت فيها الروابط قوي، وشد بعضه بعضا، وتلك القاعدة هي : الأسرة، فهي وحدة البناء الاجتماعي، وقاعدة كل بناء فاضل، وفيها تتربى كل المنازع الاجتماعية الفاضلة.
و لقد ابتدأ من أحكام الأسرة ونظمها الإسلامية الفاضلة بالانتقاء في ركنيها، وهما الزوج والقرينة، فإنه إن كان الاختيار فيهما حسنا كانت العلاقة موثقة بروابط المودة والرحمة والإخلاص، كما قال تعالى :[ و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة... ٢١ ] ( الروم ).
و لقد ابتدأ ببيان أساس الاختيار وهو التدين، فقال تعالت كلماته :
[ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ]عندما ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته، وانبعث في مكة نور هدايته، كان أكثر المؤمنين، من الضعفاء غير ذوي الجاه والنسب والحسب، والأقلون كانوا كذلك، وكل المعاندين أو جلهم من أوسط قريش نسبا، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالة الكفار الذين سبقوهم لأنبيائهم :[ و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي... ٢٧ ]( هود ). ولما قويت شوكة الإسلام، كثر دخول ذوي الأنساب فيه شيئا فشيئا، وإن كانوا مع ذلك قلة من قريش، وكان أولئك بمقتضى نسبهم الرفيع يرون في بني أعمامهم من قريش الكفاءة النسبية في الزواج، وربما كان فيهم بعض الميل لمصاهرتهم، بل كان من بعضهم فعلا من أبدى رغبتهم في المصاهرة، فجاء النهي القرآني عن نكاح المشركات، حتى يؤمن.
و النكاح في أصل معناه اللغوي : الضم، وتداخل أجزاء الشيء بعضها في بعض، ثم أطلق على العقد الذي يحل علاقة الرجل بالمرأة، وعلى العلاقة التي تكون بينهما بما يتقاضاه الطبع (١)، وإطلاقه بمعنى العقد إطلاق معروف قبل الإسلام، وقد أقره الإسلام بشروط، والدليل على أنه بمعنى العقد كان معروفا في الجاهلية قوله صلى الله عليه وسلم :"ولدت من نكاح، ولم أخرج من سفاح "(٢)أي أنه صلى الله عليه وسلم في سلسلة نسبه الشريف لم تكن ولادة أي جد من جدوده، أو جدة من جداته إلا من نكاح صحيح حتى إسماعيل عليه السلام، وعلى ذلك يكون المراد من قوله تعالى :[ و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ] النهي عن العقد عليهن.
و الإنكاح : هو التزويج، فالنكاح الزواج، والإنكاح مباشرة العقد، وهو أكثر ما يكون عندما يتولى الشخص الزواج عن الغير، فمعنى [ و لا تنكحوا المشركات ] لا تتزوجوهن، ومعنى [ لا تنكحوا المشركين ] لا تزوجوهن من نسائكم، فقد جرى العرف على أن المرأة يتولى زواجها أحد قرابتها، وقد استنبط الجمهور من هذه الصيغة أن المرأة ليس لها أن تتولى عقد زواجها، وأن العقد لا ينعقد بعبارة النساء، وخالف في ذلك أبو حنيفة وانفرد بالمخالفة وروى عن أبي يوسف تلميذه أنه يرى رأيه، وقد قال أبو حنيفة : إن المرأة لها أن تتولى زواج نفسها، وتنفرد بالعقد، بشرط أن يكون الزوج كفئا، فإن كان غير كفء فلا يجوز العقد، وأن قوله تعالى :[ و ل تنكحوا المشركين ] جرى مجرى الأغلب الشائع، ولأن ذلك هو الحسن المندوب إليه، لا اللازم الذي لا يجوز خلافه.
والمشركون – هم عبدة الأوثان. وأصله من الإشراك، وأصل كلمة أشركته بمعنى جعلت الشيء بينه وبين غيره شركة، والشركة كما تكون في الحسيات والأشياء، تكون في المعاني، فيقول أشركته في أمري، وقد قال سبحانه وتعالى حاكيا عن موسى عليه السلام [ و أشركه في أمري ٣٢ ]( طه ) وفي الحديث النبوي :" اللهم أشركنا في دعاء الصالحين ".
و من هذا الباب أطلقت كلمة "إشراك" على عبادة غير الله معه، لأن من فعل ذلك فقد أشرك مع الله غيره في العبادة والتقديس والألوهية، وألفاظ القرآن الكريم الدالة على ذلك كثيرة جدا، ولا تكاد تحصى، ولكثرة استعمال القرآن هذا اللفظ في هذا المعنى كان لكلمة "مشرك" إطلاق خاص فيه، وهو إطلاقه على من يعبد الأوثان، فكلمة : مشرك، ومشركين، و مشركات، كلها إذا ذكرت في القرآن انصرفت إلى عبدة الأوثان من غير أية قرينة دالة على ذلك، لأنها صارت في الإسلام حقيقة عرفية عليهم، ولا تطلق على اليهود والنصارى، وإن قال الله سبحانه عن النصارى :[ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة... ٧٣ ] ( المائدة ) وعن اليهود :[ و قالت اليهود عزير ابن الله... ٣٠ ] ( التوبة ) إذ صار لفظ المشركين اسما لجنس معين، ولذا كان يذكر النصارى واليهود بعنوان أهل الكتاب، وعبدة الأوثان باسم المشركين، فقد قال تعالى :[ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ١ ]( البينة ) فذكر في هذه الآية الكريمة الجميع بأهل الكفر، ولكنه فصل بينهما، فجعلهما جنسين مختلفين، وإن ذلك أدى إلى الاختلاف في المعاملة، والاختلاف في الأحكام، وكانت العلة في هذا الاختلاف مشتقة من التسمية نفسها، فأولئك لهم كتاب، وإن كان محرفا، و المشركون ليس لهم كتاب، فلا ضابط يضبطهم، ولا عاصم يحول بينهم وبين الإيغال المطلق في الشر، ولا حريجة دينية تقيدهم، بل هم حائرون بائرون.
و على هذا التحقيق اللغوي يتبين أن قوله تعالى :[ و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ]
لا يدخل في عموم النهي إلا الوثنيات، ولا يدخل فيه قط الكتابيات، لأن الحقيقة العرفية القرآنية لا تدخل اليهود والنصارى في عنوان المشركين، ولا في عموم الوثنيين، وإن كانوا مثلثين. و لقد قال بعض المفسرين : إن كلمة المشركات تشمل بمقتضى عمومها الكتابيات، لأنهن يشركن بالله في العبادة، ويثلثن، ولكن جاء بعد ذلك النهي العام إباحة زواج الكتابيات في قوله تعالى :[ اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم... ٥ ]( المائدة ). فكان في نظر أولئك تخصيصا لعموم النهي، أو نسخا لبعض هذا العموم، كما يقول بعض الفقهاء.
و لكن ذلك التوجيه غير مستقيم عند الدارسين للقرآن الكريم العارفين لأسلوبه، وتقييد العبارات التي اشتمل عليها، والتبديل الذي يطرأ في أسلوبه على عمومها، فما من نص يخص أهل الكتاب وصفوا فيه بالإشراك، بل ترى كل النصوص الخاصة باليهود والنصارى إما أن يعبر عنهم باليهود والنصارى، كما في قوله تعالى :[ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذي قالوا إنا نصارى... ٨٢ ]( المائدة ) أو يعبر عنهم بأهل الكتاب، كما في قوله تعالى [ و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك... ٧٥ ]( آل عمران )، وقوله تعالى :[ من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ١١٣ ] ( آل عمران ).
و حتى إنهم في مقام الذم يوصفون بالكفر ولا يوصفون بالشرك، كما في قوله تعالى :[ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون٧٨ ]( المائدة ).
و بهذا كله يتبين أن التحريم من أول الأمر كان خاصا بالمشركات، ولم تحرم الكتابيات، بل جاء النص بإباحة الزواج منهن، و على ذلك تضافرت الأخبار عن الصحابة والتابعين بإباحة زواج الكتابية، وتحريم زواج المشركة، وقد قال جمهور المفسرين إنه لا يعرف أن أحدا من الصحابة قد حرم زواج الكتابية، وقد جاءت الروايات بأن عثمان بن عفان تزوج نصرانية ثم أسلمت وأن طلحة بن عبيد الله، وحذيفة اليمان تزوجا يهوديتين، ولكن مع ذلك روي عن عمر وعبد الله ابنه رضي الله عنهما أنهما حرما ذلك أو كرهاه، والثاني هو الصحيح، فإن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان رجلا متوقفا حذرا، وقد خشي على المسلم من زواج الكتابية، أما أبوه النافذ البصيرة القوي الفراسة، الصادق الحس والحدس، فقد رأى أن المسلم الذي يتزوج الكتابية لا ترضى به كرائم العقائل منهن، بل ترضاه من ترضاه لمأرب حسي من مال أو جمال، أو نسب، ولا ترضاه ذات الأسرة الكريمة العريقة منهم، ولذلك ورد أنه استنكر من طلحة وحذيفة ما صنعا، فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين ؟ فقال :( لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن ! ) رضي الله عن أبي حفص الفاروق ! لقد خشي ألا يتزوجوا إلا المومسات منهن، وإن ذلك الظن الذي ظنه وخشيه نرى كثيرا منه يقع فيمن يتزوج من غير دينه، إذ لا يجد إلا المنحرفة في نفسها وخلقها وعقلها التي ترضى أن تخرج عن أهلها وذويها، وأهل دينها لتتبع مسلما، لماله أو جماله أو جاهه، لا لدينه وخلقه، لأنها لو كانت كذلك لارتضت الإسلام دينا.
و إن المسلمين قد أجمعوا على كراهة تزوج المسلم غير المسلمة، وإن كان جمهورهم على حل الكتابية إتباعا للنص القرآني الكريم :[ و المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم... ٥ ] ( المائدة ) وكانت الكراهة لما سبق من أنه في الغالب لا يرضى بالمسلم منهن إلا المنحرفات، ولأن المودة التي تكون بين الزوجين قد تؤثر في دينه فينخلع من أوامره، وإن لم ينخلع من عقيدته، وتؤثر قطعا في دين الأطفال، فيخرجون إلى الحياة، وقد رضعوا الميل إلى دين أمهم، فغذتهم به كما غذتهم بلبانها، وقد رأينا رجالا متعلمين يعدون في عداد المسلمين في الإحصاء ويدخلون الكنيسة، لأن أمهاتهم عودتهم ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله !و لولا النص الكريم لقلنا إن حالنا، وانحلال الدين في نفوس ال
٢ رواه البيهقي : باب نكاح أهل الشرك وطلاقهم ج١٠ ص ٤٥٥، عن جعفر بن محمد عن أبيه، ورواه البخاري في الأدب المفرد، والطبراني في الأوسط عن علي رفعه..
زهرة التفاسير
أبو زهرة