ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكجوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ٢٢١ .
الآيات في سرد الأحكام كما تقدم فلا حاجة لربط كل آية بما قبلها والربط ظاهر على القول بأن المراد بالمخالطة في الآية السابقة نكاح اليتامى. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن مقاتل قال نزلت هذه الآية في ابن أبي مرثد الغنوي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في " عناق " أن يتزوجها وهي مشركة وكانت ذات حظ من جمال فنزلت : يعني ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ذكر ذلك السيوطي في أسباب النزول، ثم قال قوله تعالى : ولأمة مؤمنة الآية. أخرج الواحدي من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم أنه فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وقال : لأعتقنها ولأتزوجنها : ففعل فطعن عليه ناس وقالوا ينكح أمة فأنزل الله هذه الآية. وأخرجه ابن جرير عن السدي منقطعا.
وظاهره أن قوله تعالى : ولأمة مؤمنة إلى أعجبتكم آية مستقلة نزلت في حادثة غير الحادثة التي نزل فيها قوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وهذا الظاهر من صنيعه خفي في نفسه بل هو باطل البتة. ولا شك أن الآية واحدة نزلت مرة واحدة عند حاجة الناس إلى بيان أحكامها، ولا مانع أن يكون ذلك بعد حدوث ما روى عن أبي مرثد وعن عبد الله بن رواحة.
وفي روح المعاني ما نصه : روى الواحدي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من غني يقال له مرثد بن أبي مرثد حليفا لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناسا من المسلمين بها أسرى فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فلما أسلم أعرض عنها فأتته فقالت ويحك يا مرثد ألا تخلو ؟ فقال لها إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا، ولكن إن شئت تزوجتك فقالت نعم، فقال إذا رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنته في ذلك ثم تزوجتك، فقالت له أبي تتبرم ؟ ثم استعانت عليه فضربوه ضربا وجيعا ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها، فقال يا رسول الله أيحل لي أن أتزوجها ؟ وفي رواية إنها تعجبني فنزلت.
وتعقب ذلك السيوطي بأن هذا ليس سببا لنزول هذه الآية وإنما هو سبب في نزول آية النور الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ( النور : ٣ ) وروى السدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم أنه فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :( ما هي يا عبد الله ) ؟ قال هي يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، فقال :( يا عبد الله هي مؤمنة ) قال عبد الله : فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم، فأنزل الله ولا تنكحوا الآية.
انتهى سياق الألوسي وهو أحسن من سياق السيوطي الذي قدمناه لأنه مفصل وذاك مختصر اختصارا أوهم أن الذي نزل في عبد الله بن رواحة هو قوله تعالى : والأمة الخ على أن السيوطي قال في مقدمة كتابه في أسباب النزول إن الصحابة يذكرون أن الآية نزلت في كذا ولا يريدون به إلا تفسيرها أي إن معناها يتناول ذلك، وإذا ذكروا أسبابا فقد يعنون أنها نزلت عقبها والألوسي يقول إن السيوطي تعقب الواحدي في السبب الأول وليس في كتابه هذا شيء من هذا التعقب، على أنه حوى كتاب الواحدي وزيادات. وأما آية : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ( النور : ٣ ) فقد ذكر لها السيوطي سببين أحدهما أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح، رواه النسائي، والثاني أن رجلا يقال له مزيد أراد أن يتزوج امرأة بمكة صديقة له يقال لها عناق، رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( وفي حديثه عنهما مقال ) وقد روى الأول غير من ذكر وقوله هنا :" مزيد " مصحف والصواب مرثد. ونكاح البغايا كان فاشيا، والمشهورات منهن في الجاهلية كثيرات وقد نزلت الآية في الجميع.
وجملة القول أن ما روي في الآية التي نفسرها الآن متفق على أن المراد بالمشركات فيها غير الكتابيات من نساء العرب، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركين والمشركات عام يشمل أهل الكتاب لأن بعض ما هم عليه شرك، وقد قال تعالى بعد ذكر بعض عقائدهم سبحانه عما يشركون ( التوبة : ٣١ ) واستدلوا على شركهم أيضا بقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( النساء : ٨٤ ) ولو لم يكونوا مشركين لجاز أن يغفر الله لهم. وذهب الأكثرون إلى أن المراد بالمشركات مشركات العرب اللاتي لا كتاب لهن لأن هذا هو عرف القرآن في لقب المشرك قال تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ( البقرة : ١٠٥ ) الآية وقال تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ( البينة : ١ ) والعطف يقتضي المغايرة.
وهذا القول هو الذي يتفق مع قوله تعالى في بيان من يحل من النساء والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ( المائدة : ٥ ) وهي في سورة المائدة وقد نزلت بعد سورة البقرة ولذلك ذهب من قال بأن لفظ المشركات شامل للكتابيات إلى أن آية المائدة نسخت آية البقرة، وقال بعضهم ومنهم الجلال إنها خصصتها بغير الكتابيات والمقصود واحد. وزعم بعض المفسرين أن آية البقرة هي ناسخة لآية المائدة، وهذا لا وجه له مع الاتفاق على أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا. وذهب بعض آخر إلى التأويل بأن آية المائدة مقيدة بما إذا أسلمن، وهذا ليس بشيء إذ لا دليل على القيد المحذوف، ولأن المشركات إذا أسلمن يحل نكاحهن أيضا بالإجماع، وجرى عليه العمل في عصر التنزيل قبل نزول الآية فما فائدة ذكره ؟
وقد اختلف في المجوس فقيل يدخلون في المشركين لأنهم لا كتاب لهم وقيل بل كان لهم كتاب، وبعض الفقهاء يقول لهم شبهة كتاب، وقد يشعر بأنهم أهل كتاب قوله تعالى في سورة الحج : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ( الحج : ١٧ ) فالعطف يقتضي المغايرة وقد فرق الفقهاء بين المشركين والمجوس في الجزية ولا حاجة للبحث في ذلك هنا.
أما ما استدل به الآخرون على شرك أهل الكتاب من قوله تعالى : سبحانه عما يشركون ( التوبة : ٣١ ) وقوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ( النساء : ٨٤ ) الآية فقد أجابوهم عن الأول بأن قوله : يشركون لا يقتضي أن من حكى عنهم ذلك الفعل يشتق لهم منه وصف يكون عنوانا لهم فيدخلوا في صنف من يسميهم القرآن بالمشركين والذين أشركوا، فإن الأوصاف كثيرا ما يراد بها عند أهل التخاطب صنف مخصوص لا يدخل فيه كل من يلتبس بالفعل الذي اشتق منه الوصف. مثال ذلك لفظ ( العلماء ) يطلق الآن عند المسلمين على صنف من الناس لا يدخل فيه كل من يتعلم علما أو علوما، ولو تعلم ما يتعلمون وفاقهم فيه ما لم يكن على زيهم ومشاركا لهم في مجموعة المزايا التي كانوا بها صنفا مستقلا، ويطلق هذا اللفظ عند قوم آخرين على صنف آخر.
وأجابوا عن الثاني بأنه مسوق لبيان فظاعة الشرك والتغليظ فيه وكونه غاية البعد عن الله تعالى، بحيث قضى بأن لا تتعلق مشيئته بغفرانه، على أنه لو شاء أن يغفر كل ذنب سواه لفعل، إذ لا يدل على أن كل من ليس مشركا يغفر الله له، فيقال إن نفي الشرك عن أهل الكتاب يستلزم مغفرة الله تعالى لهم مع قيام الأدلة على أنه لا يغفر لمن تبلغه دعوة الحق الذي جاء به الإسلام فيجحدها عنادا واستكبارا.
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن هذا معطوف على مفهوم ما قبله من الأمر بالإصلاح والنهي عن الإفساد، ومعناه لا تتزوجوا النساء المشركات ما دمن على شركهن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم أي والله إن أمة أي مملوكة مؤمنة بالله ورسوله خير من مشركة حرة ولو أعجبتكم المشركة بجمالها وبغيره. وأصل الأمة أموة بالتحريك يقال أمت الجارية : صارت أمة، وأميتها بالتشديد جعلتها أمة وتأمت صارت أمة.
ولا تنكحوا المشركين أي لا تزوجوهم المؤمنات حتى يؤمنوا فيصيروا أكفاء لهن ولعبد مؤمن خير من مشرك أي ولمملوك مؤمن خير من مشرك حر ولو أعجبكم المشرك بنسبه أو قومه أو ماله.
وجملة القول : إن هؤلاء الذين أشركوا وهم الذين بينكم وبينهم غاية الخلاف والتباين في الاعتقاد لا يجوز لكم أن تتصلوا بهم برابطة الصهر لا بتزويجهم ولا بالتزوج منهم، وأما الكتابيات فقد جاء في سورة المائدة أنهن حل لنا، وسكت هناك عن تزويج الكتابي بالمسلمة وقالوا ورضيه الأستاذ الإمام أنه على أصل المنع وأيدوه بالسنة والإجماع. ولكن قد يقال إن الأصل الإباحة في الجميع فجاء النص بتحريم المشركين والمشركات تغلظا لأمر الشرك ويحل الكتابيات تألفا لأهل الكتاب ليروا حسن معاملتنا وسهولة شريعتنا، وهذا إنما يظهر بالتزوج منهم لأن الرجل هو صاحب الولاية والسلطة على المرأة، فإذا هو أحسن معاملتها كان ذلك دليلا على أن ما هو عليه من الدين القويم، يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم، والعدل بين المسلمين وغير المسلمين، وسعة الصدر في معاملة المخالفين، وأما تزويجهم بالمؤمنات فلا تظهر منه مثل هذه الفائدة لأن المرأة أسيرة الرجل لاسيما في ملل ليس للنساء فيها من الحقوق ما أعطاهن الإسلام وأهل الكتاب وسائر الملل كذلك فقد يصح أن يكون هذا هو المراد من النصين في السورتين.
وإذا قامت بعد ذلك أدلة من السنة أو الإجماع أو من التعليل الآتي لمنع مناكحة أهل الشرك على تحريم تزويج الكتابي بالمسلمة فلها حكمها لا عملا بالأصل أو نص الكتاب، بل عملا بهذه الأدلة، والتعبير بتنكحوا وتنكحوا ( بفتح التاء وضمها ) يشعر بأن الرجال هم الذين يزوجون أنفسهم ويزوجون النساء اللواتي يتولون أمرهن، وأن المرأة لا تزوج نفسها بالاستقلال بل لا بد من الولي، إذ الزواج تجديد قرابة ومودة ورحمة بين أسرتين وعشيرتين لا يتم وتحصل فائدته إلا بتولي أولياء المرأة له مع اشتراط رضاها وإذنها به صراحة في الثيب وسكوتا إقراريا في البكر التي يغلب عليها الحياء.
وقد فسر الجمهور الأمة والعبد في الآية بالرقيق أي أن الأمة المملوكة المؤمنة خير من الحرة المشركة ولو أعجبكم جمالها، وكذلك القن خير من الحر المشرك وإن كان معجبا، وتعلم منه خيرية الحر المؤمن والحرة المؤمنة بالأولى، وقال آخرون إن المراد أمة الله وعبد الله أي أن المؤمنة والمؤمن كل منهما عبد الله يطيعه ويخشاه ولذلك كان خيرا ممن يشرك به، فكان في التعبير بالأمة والعبد إشعار بعلة الخيرية. بيان ذلك أن ليس المراد بالزوجية قضاء الشهوة الحسية فقط وإنما المراد بها تعاقد الزوجين على المشاركة في شؤون الحياة والاتحاد في كل شيء

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير