تفسير سورة المطفّفين

إعراب القرآن للنحاس
تفسير سورة سورة المطففين من كتاب إعراب القرآن المعروف بـإعراب القرآن للنحاس .
لمؤلفه ابن النَّحَّاس . المتوفي سنة 338 هـ

٨٣ شرح إعراب سورة المطففين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة المطففين (٨٣) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)
رفعت ويلا بالابتداء «للمطففين» خبره أي تأنيب، ويجوز النصب في غير القرآن لأن ويلا بمعنى المصدر، وكان الاختيار الرفع لأنه لا ينطق منه بفعل إلا شيئا شاذا أنشده محمد بن الوليد وهو: [الهزج] ٥٤٧-
فما وال ولا واح... ولا واس أبو هند «١»
فإن كان مشتقا من فعل فالاختيار النصب عند النحويين نحو: بؤسا له، وإن لم يأت بالخبر في الأول نصبت فقلت: ويله وويحه.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٢]
الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)
الَّذِينَ في موضع خفض نعت للمطففين أو نصب على الذمّ وهو أولى بالآية وربما توهّم الضعيف في العربية أن معنى اكتلت عليه واكتلت منه واحد وتقديرهما مختلف فمعنى اكتلت عليه أخذت ما عليه، ومعنى اكتلت منه استوفيت منه.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٣]
وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)
اختلف النحويون في موضع الهاء والميم فقال جلتهم أبو عمرو بن العلاء والكسائي والأخفش وغيرهم: موضع الهاء والميم موضع نصب، وهو مذهب سيبويه قياسا على قوله: كلتك وصدتك ولا يجيز وهبتك لأنه يشكل فإن قلت: وهبتك دينارا جاز. وقال عيسى بن عمر: الهاء والميم في موضع رفع، وعبرّ عنه أبو حاتم بأن المعنى عنده: هم إذا كالوا أو وزنوا يخسرون لأن عيسى قال: الوقف «وإذا كالوا» ثم تبتدئ «هم أو وزنوا»، وعبرّ غيره: أن «هم» توكيد كما تقول: قاموا هم. قال أبو
(١) الشاهد بلا نسبة في شرح التصريح ١/ ٣٣٠، والممتع في التصريف ٢/ ٥٦٧، والمنصف ٢/ ١٩٨ وشرح مشكلات الحماسة ٣١٢.
جعفر: والصواب أن الهاء والميم في موضع نصب لأنه في السواد بغير ألف، ونسق الكلام يدل على ذلك لأن قبله إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ فيجب أن يكون بعده وإذا كالوا لهم، وحذفت اللام كما قال، أنشده أبو زيد: [الكامل] ٥٤٨-
ولقد جنيتك أكموءا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر «١»
وحرف الخفض يحذف فيما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف كما قال:
[البسيط] ٥٤٩-
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب «٢»
وقال آخر: [الطويل] ٥٥٠-
نبّيت عبد الله بالجوّ أصبحت كراما مواليها لئيما صميمها «٣»
وقال الآخر: [البسيط] ٥٥١-
أستغفر الله ذنبا لست محصيه ربّ العباد إليه الوجه والعمل «٤»
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٤]
أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)
أنّ وما عملت فيه في موضع المفعولين.
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٥ الى ٦]
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) في نصبه أقوال: يكون التقدير: لمبعوثون يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، وقال الأخفش سعيد هو مثل قولك: الآن وجعله الفرّاء «٥» مبنيا.
قال أبو جعفر: وذلك غلط أن يبنى مع الفعل المستقبل، ويجوز في العربية خفضه على البدل، ورفعه بإضمار مبتدأ فهذا ما فيه من الإعراب. وقرئ على بكر بن سهل عن عبد الله بن يوسف عن عيسى بن يونس عن ابن عون عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في
(١) الشاهد بلا نسبة في الاشتقاق ص ٤٠٢، والإنصاف ١/ ٣١٩، وأوضح المسالك ١/ ١٨٠، وتخليص الشواهد ١٦٧، وجمهرة اللغة ٣٣١، والخصائص ٣/ ٥٨، ورصف المباني ص ٧٨، وسرّ صناعة الإعراب ٣٦٦، وشرح الأشموني ١/ ٨٥، وشرح التصريح ١/ ١٥١، وشرح شواهد المغني ١/ ١٦٦ وشرح ابن عقيل ٩٦، ولسان العرب (جوت) و (حجر) و (سور) و (وبر) و (جحش)، والمحتسب ٢/ ٢٢٤ ومغني اللبيب ١/ ٥٢، والمقاصد النحوية ١/ ٤٩٨ والمقتضب ٤/ ٢٨، والمنصف ٣/ ١٣٤.
(٢) مرّ الشاهد رقم (٥١).
(٣) مرّ الشاهد رقم (٣٢١).
(٤) الشاهد بلا نسبة في أدب الكاتب ٥٢٤، والكتاب ١/ ٧١، والأشباه والنظائر ٤/ ١٦، وأوضح المسالك ٢/ ٢٨٣، وتخليص الشواهد ٤٠٥ وخزانة الأدب ٣/ ١١١، والدرر ٥/ ١٨٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢٠، وشرح التصريح ١/ ٣٩٤ وشرح المفصّل ٧/ ٦٣، والصاحبي في فقه اللغة ١٨١، ولسان العرب (غفر)، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٢٦، والمقتضب ٢/ ٣٢١، وهمع الهوامع ٢/ ٨٢. [.....]
(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٦.
قول الله تعالى يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) قال: «يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم» «١» قال أبو جعفر: فهذا حديث مجمل صحيح الإسناد، وروى عقبة بن عامر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مشروحا قال: «تدنو الشمس يوم القيامة من الأرض فمن الناس من يغرق إلى كعبيه ومنهم من يغرق إلى أنصاف ساقيه ومنهم من يغرق إلى منكبيه ومنهم من يغرق إلى عنقه ومنهم من يغرق إلى نصف فمه ملجما به ومنهم يشتمله الغرق».
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٧]
كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)
من قال: إنّ كَلَّا تمام في كل القرآن، قال: المعنى ليس الأمر كما يذهب إليه الكافرون من أنهم لا يبعثون ولا يعذّبون، وتكلم العلماء في معنى سجّين فقال أبو هريرة: سِجِّينٍ جبّ في جهنم مفتوح، وقال سعيد بن جبير: «سجين» تحت حد إبليس، وقيل «سجين» من السجل والنون مبدلة من اللام أي في ما كتب عليهم، وقال أبو عبيدة: في سجين في حبس فقيل من السجن، وقال بعض النحويين: «سجين» الصخرة التي تحت الأرض السفلى، وزعم أن هذا يروى وأنه صفة لأنه لو كان اسما للصخرة لم ينصرف، قال: ويجوز أن تجعله اسما للحجر فتصرفه. قال أبو جعفر:
وأولى ما قيل في سجين، ما صحّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان عن ابن فضيل وأبي معاوية عن الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ العبد الكافر أو الفاجر إذا مات صعد بروحه إلى السّماء الدنيا فيقول الله جلّ وعزّ اكتبوا كتابه في سِجِّينٍ «٢» قال:
وهي الأرض السفلى.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٨]
وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨)
على التعظيم، وهو مبتدأ وخبره.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٩]
كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩)
إضمار مبتدأ أي هو كتاب مرقوم.
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٠ الى ١١]
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)
نعت للمكذبين ويجوز النصب على ما مرّ.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ١٢]
وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)
قال الحسن بن واقد: أي معتد في قوله أثيم عند ربّه.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ١٣]
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)
(١) انظر تفسير الطبري ٣٠/ ٩٢.
(٢) انظر تفسير القرطبي ١٧/ ٢٥٥.
على إضمار مبتدأ.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ١٤]
كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)
بإدغام اللام في الراء وترك الإمالة قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وأبي عمرو، وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي بإدغام غير أنهم أمالوا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق بَلْ رانَ «١» بغير إدغام. قال أبو جعفر: والإدغام في هذا أولى لقرب اللام من الراء وترك الإمالة أولى لأنه لا ياء فيه ولا كسرة، وإنما الإمالة محمولة على المعنى لأنه من ران يرين مشتق من الرّين كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن عارم قال: سألت الأصمعي عن حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله عزّ وجلّ مائة مرة» «٢» فقال: التوقي في الكلام في حديث رسول الله كالتوقي في القرآن ولكن العرب تسمي الغيم إذا كان دون الغيم رقيقا الغين والرّين. قال أبو جعفر: فهذا الإعراب والاشتقاق فأما المعنى فقال فيه مجاهد: للقلب أصابع فإذا أذنب عبد انقبض منها إصبع ثم إن أذنب انقبضت منها أخرى حتى تنقبض كلّها، ويطبع على قلبه فلا ينفع فيه موعظة. قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في هذا ما صحّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم كما قرئ على أحمد بن شعيب عن قتيبة عن الليث عن محمد بن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي قال: «إذا أخطأ العبد خطيئة وكت في قلبه وكتة يعني سوداء فإن نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتّى يعلو قلبه فذلك الرين الذي ذكره جلّ وعزّ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) «٣».
[سورة المطففين (٨٣) : آية ١٥]
كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)
في معناه قولان: أحدهما أنه دلّ بهذا على أنّ المؤمنين لا يحجبون عن النظر إليه جلّ وعزّ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا ما قاله مالك بن أنس في ذلك وسئل الشافعي رحمه الله عن النظر إلى الله جلّ وعزّ يوم القيامة فقال: يدل عليه كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) والقول الآخر أنّ التقدير: عن كرامة ربّهم مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:
٨٢]. قال أبو جعفر: وهذا خطأ على مذهب النحويين منهم الخليل وسيبويه، ولا يجوز عندهما ولا عند غيرهما من النحويين: جاءني زيد، بمعنى جاءني غلامه وجاءتني كرامته.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ١٦]
ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦)
ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ لأنه للمستقبل فمن حذف النون تخفيفا قال: لصالو الجحيم بالخفض على الإضافة ومن حذفها لالتقاء الساكنين نصب.
(١) انظر تيسير الداني ١٧٩.
(٢) انظر إتحاف السادة المتقين ٨/ ٥١٧.
(٣) انظر مستدرك الحاكم ١/ ٥، وتفسيري الطبري ٣٠/ ٦٢، وكنز العمال (١٢٨٨).

[سورة المطففين (٨٣) : آية ١٧]

ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)
اسم ما لم يسمّ فاعله على قول سيبويه «١» في الجملة وكذا قال في ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ [يوسف: ٣٥] في موضع الفاعل. وهذا عند أبي العباس خطأ لأن الجملة لا تقوم مقام الفاعل ولكن الفعل دلّ على المصدر، وقام المصدر مقام الفاعل.
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٨ الى ١٩]
كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩)
وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) فيه خمسة أقوال وفي إعرابه قولان فأكثر أهل التفسير منهم كعب ومجاهد وزيد بن أسلم يقولون: علّيّون السماء السابعة، وحكى الفرّاء «٢» إنه السماء الدنيا، وقال قتادة: قائمة العرش اليمنى، وقال الضحّاك: علّيّون سدرة المنتهى وقيل: علّيّون الملائكة. قال أبو جعفر. القول الأول عليه الجماعة فأما الإعراب فالقولان اللذان فيه أحدهما أن عليين أشبه عشرين وما أشبهها لأنه لا واحد له، وإنما هو بمعنى من علوّ إلى علو فأعرب كإعراب عشرين. قال أبو جعفر: فهذا قول موافق لتأويل الذين قالوا علّيّون السماء السابعة، والقول الآخر أن عليين صفة للملائكة فلذلك جمع بالواو والنون.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٢٠]
كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠)
أي ذلك الكتاب كتاب أي مكتوب وفسّر ذلك الضحّاك قال: إذا خرج روح المؤمن أخذه الملك فصعد به إلى السماء الدنيا فتبعه الملائكة المقربون ثم كذلك من سماء إلى سماء حتى ينتهي به إلى السماء السابعة إلى سدرة المنتهى فيوافيهم كتاب من الله جلّ وعزّ مختوم فيه أمان من الله لفلان ابن فلان من عذاب النار يوم القيامة وبالفوز بالجنة. قال ابن زيد: المقربون الملائكة.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٢٢]
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)
قيل: سمّوا أبرارا لكثرة ما يأتونه من الصدق لأن الصدق يقال له برّ.
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) أي إلى ما لهم من القصور والحور وغير ذلك. قال أبو جعفر: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) وأجاز الفرّاء «٣» يعرف لأنه تأنيث غير حقيقي.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٢٥]
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)
(١) انظر الكتاب ٣/ ١٢٤.
(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٧.
(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٨.
مِنْ رَحِيقٍ في موضع نصب على خبر ما لم يسمّ فاعله على غير قول الأخفش.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٢٦]
خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦)
خِتامُهُ مِسْكٌ مبتدأ وخبره. هذه قراءة أكثر الناس. وقرأ الكسائي رواه عنه أبو عبيد «خاتمه مسك» «١» وزعم أن هذه القراءة قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر إسماعيل بن إسحاق أنه لم يجد أحدا يعرف هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم عن يحيى بن زياد عن محمد بن الفضل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرّحمن السلميّ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ «خاتمه مسك» «٢» قال أبو جعفر: ختامه بمعنى واحد إلا أن ختاما مصدر وخاتم اسم الفاعل، وأكثر كلام العرب في الناس وما أشبههم هو خاتمهم كما قال جلّ وعزّ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]، وكذا خاتم وفي غير الناس ختام كما قال: [الكامل] ٥٥٢-
أغلي السّباء بكلّ أدكن عاتق أو جونة قدحت وفضّ ختامها «٣»
وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ أي فليحرص وليطلب. وأصل هذا من نفست عليه بالشيء أي أردت أن يكون لي دونه، واشتقاقه من النّفس أي الذي تفرح به النفس وتميل إليه.
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) في نصب عين خمسة أقوال: قول الأخفش إنها منصوبة بيسقون، وقال محمد بن يزيد حكاه لنا علي بن سليمان: لا يصحّ لي أن تكون منصوبة إلّا بمعنى أعني، وقال الفرّاء «٤» : أي من تسنيم عين ثم نوّنت فتنصب مثل أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٤] والقول الرابع «تسنيم عينا»، والقول الخامس أن يكون تسنيم اسما للماء معرفة وعين نكرة فنصب لذلك. قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب لأنه صحيح على قول أهل التأويل، كما قرأ محمد بن جعفر عن حفص بن يوسف بن موسى ثنا سلمة ثنا نهشل عن الضحّاك قال:
«تسنيم» عين تتسنّم من أعلى الجنة ليس في الجنة عين أشرف منها. قال أبو جعفر:
(١) انظر تيسير الداني ١٧٩، ومعاني الفراء ٣/ ٢٤٨.
(٢) انظر تيسير الداني ١٧٩، ومعاني الفراء ٣/ ٢٤٨.
(٣) الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه ٣١٤، وأسرار العربية ٣٠٣، وخزانة الأدب ٣/ ١٠٥، وسرّ صناعة الإعراب ٦٣٢، وشرح المفصّل ٨/ ٩٢ ولسان العرب (قدح) و (عتق)، و (دكن)، والمعاني الكبير ١/ ٤٥٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٢٥، وأساس البلاغة (سبأ)، وكتاب العين ٧/ ٣١٥، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ٤٠٢، ورصف المباني ص ٤١١.
(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٩.
وقول مجاهد أيضا يدلّ على هذا قال: تسنيم علو وكذا الاشتقاق يقال: تسنّمت الماء أتسنّمه تسنيما إذا أجريته من موضع عال، وقبر مسنم أي مرتفع، ومن هذا سنام البعير فإن قال قائل فلم انصرف تسنيم وهو معرفة اسم للمؤنث؟ قيل: تقديره أنه اسم لمذكّر للماء الجاري من ذلك الموضع العالي ومعنى عينا جاريا فقد صارت في موضع الحال.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٢٩]
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أي اكتسبوا الإثم. يقال: جرم وأجرم إذا اكتسب إلا أنّ الأكثر في اكتساب الإثم أجرم وفي غيره جرم. الَّذِينَ اسم إنّ أَجْرَمُوا صلته كانُوا خارج من الصلة لأنه خبر «إن» أي كانوا في الدنيا مِنَ الَّذِينَ صدقوا بتوحيد الله يَضْحَكُونَ استهزءوا بهم ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٣٠]
وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠)
استهزءوا بهم.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٣١]
وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)
«١» وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فاكهين يقول معجبين. قال أبو جعفر: أي معجبين بما يفعلون مسرورين به، وقال ابن زيد: فاكهين ناعمين، وزعم الفرّاء «٢» أن فاكهين بمعنى واحد وحكى أبو عبيد أن أبا زيد الأنصاري حكى عن العرب أن الفكه الضحوك الطيب النفس. قال محمد بن يزيد: كان الأصمعي يرفع بأبي زيد في اللغة ويذكر محلّه وتقدّمه ويذكر صدقه وأمانته قال: وكان خلف بن حيان أبو محرز على جلالته يحضر حلقته.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٣٢]
وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢)
هذا قول الكفار في الدنيا أي لضالّون عن طريق الصواب.
[سورة المطففين (٨٣) : آية ٣٣]
وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)
أي لم يرسلوا ليحفظوا عليهم أعمالهم وإنما أمروا بطاعة الله تعالى.
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٣٤ الى ٣٦]
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) وذلك بعد دخولهم الجنة. قال ابن عباس: يفتح لهم أبواب إلى النار فينظرون إلى الذين كانوا يسخرون في الدنيا
(١) انظر تيسير الداني ١٧٩، والبحر المحيط ٨/ ٤٣٥. [.....]
(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٩.
114
ويضحكون بهم فإذا رأوهم في النار سرّوا بانتقام الله تعالى من أعدائه وضحكوا بهم إذ ذاك عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) إليهم. وقال غيره: على الأرائك ينظرون إلى قصورهم وأزواجهم، ويقول بعضهم لبعض هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وقيل هَلْ مبتدأة منقطعة مما قبلها أي هل جزي الكفار بأعمالهم، وما في موضع نصب على هذا المعنى.
115
Icon