تفسير سورة المطفّفين

تيسير التفسير
تفسير سورة سورة المطففين من كتاب تيسير التفسير .
لمؤلفه إبراهيم القطان . المتوفي سنة 1404 هـ
سورة المطففين مكية وآياتها ست وثلاثون، نزلت بعد سورة العنكبوت.
وهي آخر سورة نزلت بمكة، وسميت المطففين لقوله تعالى ﴿ ويل للمطففين ﴾.
بدأت هذه السورة بوعيد شديد للذين يعاملون الناس بالغش ونقص الكيل والوزن. ويظهر أن هذا كان متفشيا بين تجار مكة وغيرهم في ذلك الزمان، فشددت السورة الوعيد بإعلان الحرب على المطففين الذين يستوفون حقوقهم في الكيل والوزن، لكنهم إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم يُنقصون في ذلك. وهذا جرم كبير، يقول الله تعالى فيه :﴿ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ؟ ﴾. بذا يهددهم بوقوع البعث والحساب، ويقرر أن أعمالهم مسجّلة عليهم في كتاب مرقوم.
كذلك شدّدت السورة النكير على التجار الذين يكذبون بيوم الدين، والذين إذا تُليت عليهم آيات الله قالوا : إنها من أساطير الأولين. هؤلاء من أهل الجحيم، وهم عن ربهم لمحجوبون، ثم مصيرهم إلى جهنم، حيث قال لهم : هذا الذي كنتم به تكذبون.
ثم ينتقل الحديث إلى الأبرار حيث أفاضت السورة في رفعة مقامهم، والنعيم المقرر لهم ونُضرته التي تفيض على وجوههم، والرحيق الذي يشربون منه وهم على الأرائك ينظرون، ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾.
بعد ذلك تتحدث عن الأبرار وما كانوا يلاقونه من الفجار من إيذاء وسخرية وسوء أدب، وما يؤول إليه الأمر يوم القيامة، إذ يضحك الذين آمنوا من الكفار، بعد أن يُنصفهم رب العالمين منهم.

ويل للمطففين : هلاك عظيم للذين يبخسون المكيال وينقصونه، طفّف المكيالَ : نَقَصَه.
تبدأ السورة بحربٍ يعلنها الله على أناسٍ يمتهنون سرقة الناس، سماهم الله «المطفِّفين »، لأن الشيء الذي يأخذونه من حقوق الناس شيءٌ طفيف، ولكنه سرقةٌ وغشّ.
إذا اكتالوا على الناس يستوفون.... : عندما يكتالون لأنفسِهم من الناس يأخذون حقهم وافيا، أما إذا كالوهم أو وزنوهم فإنهم يُنقِصون حقوق الغير.
أما مَن هم، فهم أولئك الذين يتقاضَون بضاعتهم وافية عند الشراء.
ويعطونها للناس ناقصةً عند البيع.
ثم جاء بصيغة التعجب من عمل هؤلاء المجرمين فقال تعالى :
﴿ أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ ﴾،
ألا يخطر ببال هؤلاء المطفّفين أنهم سيُبْعثون ؟
ليوم عظيم الهول.
حيث يقف فيه الناس للعرض والحساب !
ولا يخفَى ما في الوصفّ « لربّ العالمين » من الدلالة على عِظَم الذنب في أكلِ أموال الناس بالباطل. فالميزان هو قانونُ العدل الذي قامت به السموات والأرض.
سجِّين : اسمُ الكتاب الذي تُكتب فيه أعمالهم.
وبعد أن ذكر اللهُ تعالى أنه لا يزاول التطفيفَ ونقصَ الميزان إلا من ينكر يومَ القيامة والبعثَ والجزاء، أمر هنا بالكفّ عما هم فيه، وذكر أن الفجّارَ، كما سمّاهم، قد أُعدّ لهم كتابٌ أُحصيتْ فيه جميع أعمالهم ليحاسَبوا عليها.
﴿ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ، كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴾
كفّوا عما أنتم عليه، فهناك سِجِلٌ لأعمال الفجّار فيه جميعُ أعمالهم اسمه سِجّين.
﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ؟ ﴾ إنه شيء عظيم ليس مما كنتَ تعلمه يا محمد، أنتَ
ولا قومك.
مرقوم : له رقم وعلامة.
إن الأمر أكبرُ وأضخم من أن يُحيط به عِلم، فهو ﴿ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴾، مسطور له علامة واضحة، لا يُزاد فيه ولا يُنقَص منه، ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ [ الكهف : ٢١ ].
ثم يأتي بالتهديدِ والوعيد لمن يكذّب باليوم الآخِر فيقول :
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الذين يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدين ﴾
الهلاكُ للجاحدين.
الذين لا يؤمنون بالآخرة.
﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ يظلُّ يعتدي على الحق ويُصرّ على الكفر، لأنه من المجرمين الآثمين.
أساطير الأولين : أخبار الماضين.
حتى إنه :﴿ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين ﴾ منكراً أن القرآن قد نزل من عند الله وزاعماً أنه مجرد خرافات وأباطيل عند الأمم السابقة، جاء بها محمد، كما جاء في قوله تعالى :﴿ وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ [ الفرقان : ٥ ].
ران على قلبِه : غطى عليه.
ثم بيّن الله تعالى أن الذي جرّأَهم على الجحود والتمادي في الإصرار على الإنكار والكفر هي أفعالهم القبيحة التي مَرَنوا عليها حتى صاروا لا يميزون بين الخُرافة والحجّة الدامغة فقال :﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾.
ليس القرآنُ والبعثُ والجزاء من الأساطيرِ والخرافات، بل عَمِيَتْ قلوبُهم وغطّت عليها أفعالُهم وتماديهم في الباطل، فطُمسَ على بصائرهم، والتبست عليهم الأمورُ ولم يدركوا الفرقَ بين الصحيح والباطل.
بعد ذلك ردت عليهم السورة ناقضةً ما كانوا يقولون من أن لهم المنزلة والكرامة يوم القيامة.
قراءات :
قرأ حفص : بل ران بإظهار لام بل، وقرأ الباقون : بل رّان بإدغام اللام بالراء، وقرأ أهل الكوفة : رِين بالإمالة.
لَمحجوبون : لمطرودون عن أبواب الكرامة.
أما ما تدّعون من أنكم تكونون مقرّبين إلى الله يوم القيامة، فهو وهمٌ باطل، فأنتم مطرودون من رحمة الله، ومحجوبون عنه بسبب معاصيكم وجحودكم. وكما قال تعالى :﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ آل عمران : ٧٧ ].
لَصالو الجحيم : داخلون فيها.
ثم بين الله مآلهم ومصيرهم فقال :
﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الجحيم ﴾،
لقد حُجبوا عن القرب من الله، وخابَ ظنُّهم الأثيم.
بل إنهم لَذاهبون إلى النار حيث يقال لهم تبكيتا : إن هذا العذاب الذي حلّ بكم هو جزاؤكم بما كنتم تكذّبون في الدنيا أخبار الرسولِ الصادق الأمين.
عِليّين : المكان العالي الرفيع القدر، وهو مقابل : سِجّين.
بعد أن بين اللهُ تعالى حالَ الفجّار وأعمالَهم ومآلهم يوم القيامة، يعرض هنا حالَ الأبرارِ الذين آمنوا بربِّهم وصدّقوا رسولَهم.. وهذه طريقةُ القرآن الكريم في عَرض المتقابلَين، وفي ذلك ترغيبٌ في الطاعة، وتنفيرٌ من المعصية.
﴿ كَلاَّ ﴾ ليس الأمر كما توهَّمَه أولئك الفجّارُ من إنكار البعث، ومن أن كتابَ الله أساطيرُ الأولين، ﴿ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ فهو مودَع في أشرفِ الأمكنة بحيث يشهدُه المقرَّبون من الملائكة.
إنه أمرٌ فوق العِلم والإدراك لبني البشر، وكل ما في الآخرة مختلفٌ عن حياتنا ومفهومنا.
فهو :
﴿ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴾ فهو مسطور علامتُه واضحة.
يشهدُه ويحفظُه المقرّبون من الملائكة تكريماً للأبرار، وتقديراً لجهودِهم وأعمالهم الصالحة.
بعد هذا بين منزلة الأبرار الرفيعة، وأخذت السورةُ تفصل حالَهم وما ينالون من الجزاء والنعيم.
وهذا في مقابلة الفجّار الذين هم في الجحيم. فالله تعالى يكرم المؤمنين الأبرار ويدخلُهم جناتِ النعيم.
الأرائك : جمع أريكة، وهي المقعد الوثير المنجّد.
حيث يجلسون على الأرائك وينظرون إلى ما أَولاهم ربهم من النعمة والكرامة.
نضرة النعيم : بهجته ورونقه.
حتى إذا نظرتَ إليهم تعرفُ في وجوههم بهجةَ النعيم ونضارته.
قراءات :
قرأ يعقوب : تعرف بضم التاء وفتح الراء،
رحيق : شراب خاص.
مختوم : ختمت أوانيه.
وهم يُسقَون من شراب أهل الجنة الّذي هو الرحيقُ الخالص.
ختامه مسك : مختوم بأطيب أنواع الطيب.
فلْيتنافس المتنافسون : فليتسابق المتسابقون في عمل الخير ليلحقوا بهم.
الذي خُتمت أوانيه بختام من مِسْكٍ، تكريما لها وصوناً عن الابتذال،
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون ﴾ ويتسابقوا.
قراءات :
قرأ الجمهور : ختامه مسك، وقرأ الكسائي وحده : خاتمه مسك، وقرأ الجمهور : تعرف بكسر الراء.
مزاجه : ما يخلط به.
من تَسنيم : من عين يقال لها تسنيم.
والشرابُ السابق ممزوجٌ من عين في الجنة اسمُها « تَسْنِيم ».
﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون ﴾ الأبرارُ عند الله تعالى. وكل ذلك تكريم لهم وفضلُ ضيافة. ولقد فصّل الله تعالى ما أعدّ للأبرار ووصفَ النعيمَ الذي سيلاقونه في دارِ كرامتِه حضّاً للذين يعملون الصالحاتِ على الاستزادة منها، وحثّاً للمقصِّرين واستنهاضاً لعزائمهم أن لا يقصّروا في ذلك.
بعد ذلك انتقل الحديثُ في السورة إلى ما كان الكفار يقابلون به المؤمنين في الحياة الدنيا وكيف كانوا يستهزئون منهم ويَسْخَرون، وأن هذا ما سيقابلُ به المؤمنون الكفار يوم القيامة ويضحكون منهم.
فقد روي أن صناديد قريشٍ مثلَ أبي جهلٍ، والوليدِ بن المغيرة، والعاصي بن وائل السُّهمي، وشَيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأميةَ بن خلف، وغيرهم كانوا يؤذون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويستهزئون بهم ويحرّضون عليهم سفَهاءَهم وغلمانهم. وفي ذلك كله يقول تعالى :
﴿ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ.... ﴾.
إن المجرِمين الجاحدين، كانوا في الحياة الدنيا يضحكون من المؤمنين.
﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾ عليهم بأعينِهم وأيديهم، ويَذكُرونهم بالسوء، ويشيرون إليهم مستهزئين.
﴿ وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ انقلبوا فَكِهِينَ ﴾ نفوسُهم راضية بعد ما أشبعوا تلك النفوسَ الصغيرة من السخرية بالمؤمنين وإيذائهم.
قراءات :
قرأ الجمهور : فاكهين، وقرأ حفص : فكِهين.
وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا عنهم : إن هؤلاء لَضالُّون، فقد آمنوا بمحمَّد وتركوا ما كان عليه الآباء والأجداد من عبادة.
ثم يردّ الله عليهم بكل أدب ووقار بقوله :﴿ وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴾
إن الله لم يرسِل الكفارَ رقباءَ على المؤمنين، ولم يُؤتهم سلطةَ محاسَبتهم على أفعالهم.
ثم طمأنَ المؤمنين بذِكر معاملتهم للمجرمين يوم القيامة، تسليةً لهم عمّا نالَهم من أذى، وشدّاً لعزائمهم على التذرّع بالصبر فقال :﴿ فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ ﴾.
الآن يومُ القيامة، يوم الجزاء والحساب، يجلس المؤمنون على الأسرَّة في نَعيم مقيم، ويتناولون الرحيقَ المختوم بالمِسكِ وهم يضحكون من الكفّار وما يُعانونه من العذاب والطَّرد من رحمة رب العالمين.
Icon