تفسير سورة سورة المدثر

أسعد محمود حومد

أيسر التفاسير

أسعد محمود حومد

آية رقم ١
﴿ياأيها﴾
(١) - قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ: جَاوَرْتُ بِغَارِ حِرَاءَ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، هَبَطْتُ فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَرَفْعَتْ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئاً، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِداً. قَالَ فَدَثَّرُونِي، وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِداً، قَالَ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾.
وَمَعْنَى الآيَةِ: يَا أَيُّهَا المَتَدَثِّرُ بِثِيَابِكَ، رُعْباً وَفَرَقاً مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكِ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
تَدَثَّرَ - تَغَطَّى بِثِيَابِهِ.
آية رقم ٢
(٢) - قُمْ وَشَمِّرْ عَنْ سَاعِدِ الجِدِّ، وَأَنْذِرْ أَهْلَ مَكَّةَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَبِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ.
آية رقم ٣
(٣) - وَعَظِّمْ رَبَّكَ بِعِبَادَتِهِ، وَبِالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، دُونَ غَيْرِهِ.
آية رقم ٤
(٤) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرٍ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: (وَلاَ تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلاَ غَدْرَةٍ). أَيْ طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَأَصْلِحْ عَمَلَكَ، وَطَهِّرْ ثِيَابَكَ بِالمَاءِ مِمَّا لَحِقَ بِهَا مِنَ النَّجَاسَةِ.
آية رقم ٥
(٥) - وَاتْرُكْ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ، وَأَقْلِعْ عَنِ المَعَاصِي التِي تُوصِلُكَ إِلَى عَذَابِ النَّارِ فِي الآخِرَةِ.
الرُّجْزَ - المَعَاصِيَ - وَمِنْهَا عِبَادَةُ الأَصْنَامِ.
آية رقم ٦
(٦) - وَلاَ تُعْطٍ عَطِيَّةً وَأَنْتَ تَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتِيَكَ أَكْثَرُ مِنْهَا.
(وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ المَعْنَى هُوَ: لاَ تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرْهُ، إِنَمَا عَمَلُكَ مِنَّةٌ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ إِذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلاً إِلَى عِبَادَتِهِ).
آية رقم ٧
(٧) - وَاصْبِرْ عَلَى طَاعَةِ رَبِّكَ، وَاصْبِرْ عَلَى أَذَى المُشْرِكِينَ، وَاجْعَلَ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
آية رقم ٨
(٨) - فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَذِلكَ هُوَ مَوْعِدُ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَهَلاَكِ الخَلاَئِقِ جَمِيعاً.
النَّاقُورِ - الصُّورِ - وَهُوَ قَرْنٌ، إِذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتاً.
آية رقم ٩
﴿يَوْمَئِذٍ﴾
(٩) - وَيَوْمُ القِيَامَةِ الذِي يُنْفَخُ فِيهِ فِي الصُّورِ هُوَ يَوْمٌ صَعْبٌ، شَدِيدُ الهَوْلِ.
آية رقم ١٠
﴿الكافرين﴾
(١٠) - وَهُوَ يَوْمٌ شَدِيدُ الهَوْلِ عَلَى الكَافِرِينَ، وَهُوَ يَوْمِ عَسِيرٌ، لاَ يُسْرَ فِيهِ وَلاَ سُهُولَةَ، لأَنَّهُ سَيَكُونُ مَبْدأَ شَقَائِهِمْ المُتَواصِلِ مِنَ الحِسَابِ إِلَى العَذَابِ الدَّائِمِ السَّرْمَدِيِّ.
آية رقم ١١
(١١) - كَانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ سَيِّداً مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، عَظِيمَ المَالِ والجَاهِ، وَلَهُ عَشَرَةُ أَبْنَاءٍ. سَمِعَ مَرَّةً رَسُولَ اللهِ (A) يَقْرَأُ القُرْآنَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فَتَأَثَّرَ بِذَلِكَ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: وَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّداً آنِفاً يَقُولُ كَلاَماً مَا هُوَ مِنْ كَلاَمِ الإِنْسِ، ولاَ مِنْ كَلاَمِ الجِنَّ، إِنَّ لَهُ لَحَلاَوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاَوَةً، وَإِنَّ أَعْلاَهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّهُ يَعْلُوا وَمَا يُعْلَى عَلَيْهِ.
وَتَبِعَهُ أَبُو جَهْلٍ إِلَى مَنْزِلِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ الإِسْلاَمُ قَلْبَهُ فَتُسْلِمَ قُرَيْشٌ كُلُّهَا، وَأَخَذَ يَسْتَثِيرُهُ حَتَّى جَاءَ قُرَيْشاً فِي نَادِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ مُحَمَّداً لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، وَلاَ كَاهِنٍ، وَلاَ شَاعِرٍ، وَلاَ كَذَّابٍ، فَقَالُوا لَهُ: وَلَكِنْ مَا هُوَ؟
قَالَ: مَا هُوَ إِلاَّ سَاحِرٌ، أَمَا رَأَيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ، وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَوَالِيهِ؟ فَاَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ.
(وَكَانَ الوَلِيدُ يُسَمَّىالوَحِيدَ لأَنَّهُ وَحِيدٌ فِي قَوْمِهِ، لِكَثْرَةِ مَالِهِ، وَعَظِيمِ جَاهِهِ).
وَمَعْنَى الآيَةِ: خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَخْرَجْتُهُ مِنْ بِطْنِ أُمِّهِ وَحِيداً لاَ مَالَ لَهُ وَلاَ وَلَدَ.
ذَرْنِي - دَعْنِي وَخَلِّنِي، وَهِيَ هُنَا لِلتَّهْدِيدِ.
آية رقم ١٢
(١٢) - ثُمَّ أَفَضْتُ عَلَيْهِ النِّعَمِ، وَأَعْطَيْتُهُ المَالَ الكَثِيرَ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، مِنَ الإِبْلِ والخَيْلِ والغَنَمِ والبَسَاتِينِ الكَثِيرَةِ التِي لاَ تَنْقَطِعُ ثِمَارُهَا صِيْفاً وَلاَ شِتَاءً - عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
مَالاً مَمْدُوداً - كَثِيراً دَائِماً غَيْرَ مُنْقَطِعٍ.
آية رقم ١٣
(١٣) - وَجَعَلْتُ لَهُ بَنِينَ حَاضِرِينَ مَعَهُ فِي مَكَّةَ دَائِماً، لاَ يُفَارِقُونَهَا لِكَسْبِ عَيْشٍ، وَلاَ ابْتِغَاءَ رِزْقٍ، إِذْ كَانُوا فِي غِنىً عَنِ الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ، لِمَا لَهُمْ مِنْ وَاسِعِ الثَّرَاءِ.
بَنِينَ شُهُوداً - حُضُوراً مَعَهُ، لاَ يُفَارِقُونَهُ لِكَسْبِ عَيْشٍ.
آية رقم ١٤
(١٤) - وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، وَبَسَطْتُ لَهُ فِي المَالِ، فَكَانَ الأَخْلَقَ بِهِ أَنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ الوَفِيرَةِ.
مَهَّدْتُ لَهُ - بَسَطْتُ لَهُ النِّعْمَةَ والرِّيَاسَةَ.
آية رقم ١٥
(١٥) - ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ يَطْمَعُ فِي أَنْ يَزِيدَ اللهُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، فَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى الاسْتِكْثَارِ مِنَ المَالِ والوَلَدِ.
آية رقم ١٦
﴿لآيَاتِنَا﴾
(١٦) - كَلاَّ لَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ، لأَنَّهُ كَانَ مُعَانِداً لآيَاتِ اللهِ المُنْعِمِ المُتَفَضِّلِ عَلَيْهِ، وَهِيَ آيَاتُ القُرْآنِ التِي أَنْزَلَهَا اللهُ وَحْياً عَلَى رَسُولِهِ الكَرِيمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَا قَالَ.
وَمُعَانَدَةُ الحَقِّ جَدِيرَةٌ بِزَوَالِ النِّعَمِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الوَلِيدَ أَخَذَتْ حَالُهُ تَسُوءُ وَتَتَرَاجَعُ مُنْذُ نُزْولِ هَذِهِ الآيَاتِ وَبَقِيَ كَذِلِكَ حَتَّى مَاتَ.
كَلاَّ - كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزجْرٍ عَنِ الطَّمَعِ الفَارِغِ.
لآيَاتِنَا عَنِيداً - جَاحِداً وَمُعَانِداً.
آية رقم ١٧
(١٧) - سُنُنْزِلُ بِهِ عَذَاباً شَاقّاً، يُرهِقُهُ وَلاَ يُطِيقُهُ، فَيَكُونُ حَالُهُ حَالَ مَنْ يُكَلَّفُ صُعُودَ جَبَلٍ وَعْرٍ شَائِكٍ.
(وَقِيلَ إِنَّهُ سَيُكَلِّفُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صُعُودَ جَبَلٍ مِنْ نَارٍ فِي جَهَنَّمَ).
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً - سَأُكَلِّفُهُ عَذَاباً شَاقّاً لاَ يُطَاقُ.
آية رقم ١٨
(١٨) - وَإِنَّمَا فَعَلَ اللهُ تَعَالَى بِهِ ذَلِكَ العَذَابَ الشَّاقَّ لأَنَّهُ فَكَّرَ فِيمَا يَقُولُهُ فِي القُرْآنِ، حِينَ سُئِلَ عَنْهُ، وَفِيمَا يَخْتَلِقُهُ فِيهِ، ثُمَّ تَرَوَّى.
قَدَّرَ - تَرَوَّى وَهَيَّأَ فِي نَفْسِهِ القَوْلَ بِالطَّعْنِ فِي القُرْآنِ.
آية رقم ١٩
(١٩) - فَهَلاَكاً وَلَعْنَةً لَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الذِي قَدَّرَهُ.
فَقُتِلَ - فَهَلَكَ وَلُعِنَ وَقُبِّحَ.
آية رقم ٢٠
(٢٠) - ثُمَّ هَلاَكاً وَلَعْناً لَهُ، عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَأًَعََدَّهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ طَعْنٍ فِي القُرْآنِ.
آية رقم ٢١
(٢١) - ثُمَّ نَظَرَ فِي أَمْرِ القُرْآنِ مَرَّةً أُخْرَى، لَعَلَّهُ يَتَوَصَّلُ إِلَى قَوْلٍ فِيهِ يُرْضِي قُرَيشاً عَنْهُ لِيَحْفَظَ مَرْكَزَهُ، وَزَعَامَتَهُ فِيهَا.
آية رقم ٢٢
(٢٢) - ثُمَّ قَطَّبَ وَجْهَهُ حِينَ ضَاقَتْ بِهِ الحِيَلُ، ثُمَّ تَجَهَّمَ وَجْهُهُ وَكَلَحَ.
عَبَسَ - قَطَّبَ بَيْنَ حَاجِبَيْهِ.
بَسَرَ - كَلَحَ وَجْهُهُ وَعَبَسَ.
آية رقم ٢٣
(٢٣) - ثُمَّ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنِ الحَقِّ، وَرَجَعَ القَهْقَرَى مُسْتَكْبِراً عَنِ الاعْتِرَافِ بِهِ، وَالانْقِيَادِ لَهُ.
آية رقم ٢٤
(٢٤) - ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذَا القُرْآنَ لَيْسَ إِلاَّ سِحْراً يَنْقُلُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ السَّحَرَةِ الأَوَّلِينَ.
يُؤْثَرُ - يُرْوَى وَيُتَعَلَّمُ مِنَ السَّحَرَةِ.
آية رقم ٢٥
(٢٥) - وَمَا هَذَا القُرْآنُ إِلاَّ قَوْلُ البَشَرِ، أَخَذَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِكَلاَمِ رَبِّ العَالَمِينَ كَمَا يَدَّعِي مُحَمَّدٌ.
آية رقم ٢٦
(٢٦) - سَأْدْخِلُهُ جَهَنَّمَ، وأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
سَقَرَ - اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ جَهَنَّمَ.
صَلاَةُ النَّارَ - أَدْخَلَهُ فِيهَا حَتَّى تَغْمُرَهُ أَوْ أَذَاقَهُ حَرَّهَا.
آية رقم ٢٧
﴿أَدْرَاكَ﴾
(٢٧) - وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ نَارُ جَهَنَّمَ؟ إِنَّهَا بَلَغَتْ فِي الغَرَابَةِ حَدّاً لاَ يُمْكِنُ إِحَاطَةُ الوَصْفِ بِهِ.
آية رقم ٢٨
(٢٨) - لا تُبْقِي لَحْماً، وَلاَ تَذَرُ عَظْماً، وَإِنَّمَا تَأْتي عَلَيْهِ جَمِيعاً.
آية رقم ٢٩
(٢٩) - تُلَوِّحُ الجِلْدَ فَتحْرِقُهُ وَتُغَيِّرُ لَوْنَهُ.
لَوَّحَتْهُ الشَّمْسُ - سَوَّدَتْ ظَاهِرَهُ.
آية رقم ٣٠
(٣٠) - وَعَلَى النَّارِ خَزَنَةٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ، عِدَّتُهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكاً يَلُونَ أَمْرَهَا.
(وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ نَفَراً مِنَ اليَهُودِ سَأَلُوا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ).
﴿أَصْحَابَ﴾ ﴿مَلاَئِكَةً﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿إِيمَاناً﴾ ﴿الكافرون﴾
(٣١) - لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قوْلَهُ الكَرِيمَ (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)، قَالَ أَبُو جَهْلٍ مُسْتَهْزِئاً: أَيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ يَبْطُشُوا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ رَدّاً عَلَى هَؤُلاَءِ السَّاخِرِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ حَرَسَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً، وَمَنْ يُطِيقُ مُغَالَبَةَ مَلاَئِكَةِ اللهِ تَعَالَى؟ وَمَا جَعَلَ عَدَدَهُمْ (تِسْعَةَ عَشَرَ)، إِلاَّ لِيَقُولَ الكَافِرُونَ مَا قَالُوا، لِيَتَضَاعَفَ غَضَبُ اللهِ وَنَقْمَتُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَدِ اسْتَقَلُّوا العَدَدَ، وَقَالُوا كَيْفَ يَتَوَلَّى مِثْلُ هَذَا العَدَدِ القَلِيلِ تَعْذِيبَ خَلْقِ اللهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ؟ وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى العَدَدَ لِرَسُولِهِ لِيَحْصُلَ اليَقِينُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِأَنَّ مُحَمَّداً صَادِقٌ فِي نُبُوَّتِهِ، وَأَنَّ القُرْآنَ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِمَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ، وَلِيَزْدَادَ المُؤْمِنُونَ إِيْمَاناً، حِينَمَا يَرَوْنَ تَسْلِيمَ أَهْلِ الكِتَابِ، وَتَصْدِيقَهُمْ لِمَا جَاءَ فِي القُرْآنِ، فَلاَ يَبْقَى فِي أَنْفُسِهِمْ شَكًّ مِنْ أَنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلِكَيْلاَ يَشُكَّ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَالمُؤْمِنُونَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، مِنَ المُنَافِقِينَ، وَالكَافِرِينَ بِرِسَالَتِهِ: مَا الذِي أَرَادَهُ اللهُ بِذِكْرِ هَذَا العَدَدِ القَلِيلِ المُسْتَغْرَبِ، وَمَا الحِكْمَةُ فِيهِ؟
وَكَمَا أَضَلَّ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ وَالمُشْرِكِينَ بِذِكْرِ العَدَدِ، كَذَلِكَ فَإِنَّهُ تَعَالَى يُضِلّ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ فَيَصْرِفُهُ عَنِ الحَقِّ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ فَيُوفِّقُهُ لِلْهُدَى، وَالخَيْرِ، والصَّوَابِ. وَمَا يَعْلَمُ عَدَدَ خَلْقِ اللهِ، وَمِقْدَارَ جُمُوعِهِ، التِي مِنْهَا المَلاَئِكَةُ، إِلاَّ اللهُ تَعَالَى، لِكَيْلاَ يَتَوَهَّمَ مُتَوهِّمٌ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، وَمَا سَقَرُ ولاَ صِفَتُهَا إِلاَّ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ يَتَّعَظُ مِنَ البَشَرِ، وَتَخْوِيفٌ لَهُمْ.
آية رقم ٣٢
(٣٢) - كَلاَّ لاَ سَبِيلَ إِلَى إِنْكَارِ النَّارِ، قَسَماً بِالقَمَرِ.
آية رقم ٣٣
﴿الليل﴾
(٣٣) - وَقَسَماً بِاللَّيْلِ إِذَ وَلَّى وَذَهَبَ.
آية رقم ٣٤
(٣٤) - وَقَسَماً بِالصُّبْحِ إِذَا أَشْرَقَ بِنُورِهِ الوَضَّاحِ.
آية رقم ٣٥
(٣٥) - إِنَّ جَهَنَّمَ لإِحْدَى الدَّوَاهِي العِظَامِ.
(وَهَذَا جَوَابُ القَسَمِ).
الكُبَرِ - الدَّوَاهِي العِظَام.
آية رقم ٣٦
(٣٦) - التِي فِيهَا نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ.
آية رقم ٣٧
(٣٧) - لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْبَلَ النَّذَارَةَ، أَوْ يَتَوَلَّى عَنْهَا وَيَرُدَّهَا.
(أَوْ أَنَّ المَعْنَى هُوَ: أَنَّهَا إِنْذَارٌ لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى الخَيْرِ أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ).
آية رقم ٣٨
(٣٨) - كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِهَا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
آية رقم ٣٩
﴿أَصْحَابَ﴾
(٣٩) - إِلاَّ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ، الذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَ أًَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الحِسَابِ فَيَتَنَاوَلُونَهَا بِأَيْمَانِهِمْ، فَإِنَّهُمْ فَكُّوا رَهْنَ أَنْفُسِهِمْ بِحُسْنِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا.
آية رقم ٤٠
﴿جَنَّاتٍ﴾
(٤٠) - وَيَكُونُ أَصْحَابُ اليَمِينِ هَؤُلاَءِ فِي الجَنَّاتِ يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
آية رقم ٤١
(٤١) - وَيَسْأَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ الذِينَ يَكُونُونَ فِي دَرَكَاتِ النَّارِ.
آية رقم ٤٢
(٤٢) - ثُمَّ يَسْأَلُونَ المُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي النَّارِ: مَا الذِي أَدْخَلَكُمْ نَارَ جَهَنَّمَ؟
آية رقم ٤٣
(٤٣) - وَيَرُدُّ المُجْرِمُونَ عَلَى سُؤَالِ الأَبْرَارِ أَهْلِ الجَنَّاتِ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلَواتِ.
آية رقم ٤٤
(٤٤) - وَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَى خَلْقِ اللهِ الفُقَرَاءِ، وَلَمْ يَكُونُوا يُطْعِمُونَ المَسَاكِينَ.
آية رقم ٤٥
﴿الخآئضين﴾
(٤٥) - وَإِنَّهُمْ كَانُوا يُشَارِكُونَ أَهْلَ البَاطِلِ فَيَخُوضُونَ مَعَهُمْ فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والاسْتِهْزَاءِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيمَا لاَ يَعْلَمُونَ.
آية رقم ٤٦
(٤٦) - وَإِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يُؤْمِنُونَ بِحَشْرٍ وَلاَ نَشْرٍ وَلاَ بَعْثٍ وَلاَ حِسَابٍ، وَلاَ عِقَابٍ فِي الآخِرَةِ.
آية رقم ٤٧
﴿أَتَانَا﴾
(٤٧) - حَتَّى جَاءَهُمْ المَوْتُ، وَرَجَعُوا إِلَى اللهِ فِي الآخِرَةِ، فَعَلِمُوا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَقٌّ.
آية رقم ٤٨
﴿شَفَاعَةُ﴾ ﴿الشافعين﴾
(٤٨) - وَمَنْ كَانَ مُتْصِفاً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لاَ تَنْفَعُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ، لأَنَّ مَنْ مَاتَ كَافِراً فَجَزَاؤُهُ النَّارُ، وَيَبْقَى خَالِداً فِيهَا.
آية رقم ٤٩
(٤٩) - فَمَا لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الذِي يُذَكِّرُهُم الرَّسُولُ بِهِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ؟
آية رقم ٥٠
(٥٠) - كَأَنَّهُمْ، فِي نِفَارِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، حُمُرُ وَحْشٍ تَفِرُ نَافِرَةً.
آية رقم ٥١
(٥١) - تَفِرُّ مِنْ أَسَدٍ يُرِيدُ صَيْدَهَا.
قَسْوَرَةٌ - اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الأَسَدِ.
آية رقم ٥٢
(٥٢) - وَقَدْ بَلَغَ بِهِم العِنَادُ حَدّاً لاَ تَنْفَعُ مَعَهُ التِّذْكِرَةُ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مَفْتُوحٌ مِنَ السَّمَاءِ، مُوَجَّهٌ إِلَيْهِ، يُخْبِرُهُ اللهُ فِيهِ أَنَّ مُحَمَّداً صَادِقٌ فِي رِسَالَتِهِ إِلَيْهِمْ.
(رُوِيَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَجَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِي كُلَّ مِنَّا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ، عُنْوَانُهُ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ إِلَى فُلاَنٍ بْنِ فَلاَنٍ... وَنُؤْمَرُ فِيهِ بِاتِّبَاعِكَ).
آية رقم ٥٣
﴿الآخرة﴾
(٥٣) - وَيُوَبِّخُهُمْ اللهُ تَعَالَى، وَيَزْجُرُهُمْ عَلَى اقْتِرَاحِهِمْ إِنْزَالَ صُحُفٍ مُنَشَّرَةٍ إِلَيْهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ لَنْ يُؤْتَوْا هَذِهِ الصُّحُفَ المُنَشَّرَةَ، وَإِنَّ الذِي حَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا الاقْتِرَاحِ هُوَ أَنَّهُمْ لاَ يُصَدِّقُونَ بِالآخِرَةِ، وَلاَ يَخَافُونَ أَهْوَالَهَا، وَمِنْ ثَمَّ أَعْرَضُوا عَنِ التَّأَمُّلِ فِي تِلْكَ المُعْجِزَاتِ.
آية رقم ٥٤
(٥٤) - كَلاَّ إِنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ فِي هَذَا القُرْآنِ مِنْ أَنَّهُ سِحْرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَذْكِرَةٌ وَعِظَةٌ مِنَ اللهِ الكَرِيمِ لِخَلْقِهِ.
آية رقم ٥٥
(٥٥) - فَمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَذْكُرَهُ فَعَلَ، فَإِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ رَاجِعُ إِلَيْهِ.
(٥٦) - وَمَا يَذْكُرُونَ هَذَا القُرْآنَ، ولاَ يَتَّعِظُونَ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ ذَلِكَ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فِعْلَ شَيءٍ إِلاَّ إِذَا أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى القُدْرَةَ عَلَى فِعْلِهِ، وَاللهُ تَعَالَى حَقِيقٌ بِأَنْ يَخْشَاهُ عِبَادُهُ وَيَتَّقُوهُ، وَأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ إِذَا آمَنُوا بِهِ، وَأَطَاعُوهُ، فَعَمِلُوا بِأَوَامِرِهِ، واجْتَنَبُوا مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

56 مقطع من التفسير