تفسير سورة سورة الحاقة
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي
الجامع لأحكام القرآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)
الناشر
دار الكتب المصرية - القاهرة
الطبعة
الثانية
المحقق
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
نبذة عن الكتاب
تفسير جامع لآيات القرآن جميعًا ولكنه يركز بصورة شاملة على آيات الأحكام في القرآن الكريم.
الكتاب من أفضل كُتب التفسير التي عُنيت بالأحكام. وهو فريد في بابه.
وهو من أجمع ما صنف في هذا الفن.
حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، وجمع أقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف، ثم أكثر من الإستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على ما ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وأبي بكر الجصاص.
وأضرب القرطبي عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، والإسرئيليات، وذكر جانبا منها أحيانا، كما رد على الفلاسفة والمعتزلة وغلاة المتصوفة وبقية الفرق، ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، ويمشي مع الدليل، ولا يتعصب إلى مذهبه (المالكي) ، وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها ابن العربي المالكي في تفسيره، فكان القرطبي حرا في بحثه، نزيها في نقده، عفيفا في مناقشة خصومه، وفي جدله، مع إلمامه الكافي بالتفسير من جميع نواحيه، وعلوم الشريعة.
ويمتاز هذا التفسير عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام، والجانب الفقي منها، بل ضم إليهل كل ما يتعلق بالتفسير.
لا يستغني عنه العالم فضلا عن طالب العلم
وجاء في موقع الوراق، ما يلي:
من أجل كتب التفسير وأكثرها منفعة. يكاد يغني بشموليته عن كل تفسير، بل عن مراجعة أمهات كتب الفقه ومذاهبه المتعددة. ولم يلق غيره من كتب التفسير ما لقيه من الحفاوة به والاعتناء بتحقيقه. إلا أن نسخه المخطوطة كانت مبعثرة في مكتبات العالم. قال الشيخ بهجت البيطار: (كنا نسمع بهذا التفسير الجليل قبل أن نراه، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه لنقف على خصائصه ومزاياه) ثم أخذ يعدد تلك المزايا والخصائص، وأهمها طريقة القرطبي في التفسير، المتمثلة في أنه يورد الآية ويفسرها بمسائل يجمعها في أبواب، ويودع في هذه المسائل والمباحث من تفسير المفردات اللغوية، وإيراد الشواهد الشعرية إلى البحث في اشتقاق الكلمات ... إلى ما قاله أئمة السلف فيها، إلى ما يختاره هو من معانيها. وأحسن كل الإحسان بعزو الأحاديث إلى مخرجيها، مع التكلم على الحديث متناً وسنداً، قبولا ورداً) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلد 20 ص562 سنة 1945) . انظر كلام القرطبي على منهجه في هذا التفسير عند قوله: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري.. بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتامن التفسيرات واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات ... وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها ... وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) . طبع الكتاب لأول مرة بإشراف دار الكتب المصرية، وتحقيق طائفة من كبار المحققين، وكان صاحب الفكرة في الدعوة إلى طباعته محققاً: الأستاذ محمد الببلاوي، وكان للشيخ إبراهيم إطفيش الدور الأبرز في تحقيق الكتاب، في طبعته الثانية (1952م) إذ حقق منه (11) جزءاً، تبدأ بالجزء الثالث، وتنتهي بالجزء (13) وقام الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني بتحقيق سبعة أجزاء منه، هي: الأول والثاني، ثم الرابع عشر حتى الثامن عشر. وعهد إلى الأستاذ مصطفى السقا بتحقيق الجزأين الأخيرين، وفي مقدمة الجزء الثالث من الطبعة الثانية وصف للنسخ الخطية المعتمدة في هذه الطبعة. انظر في كل ذلك كتاب (القرطبي: حياته وآثاره العلمية ومنهجه في التفسير) د. مفتاح السنوسي بلعم. قال (ص276) : (وهو لا يترك مناسبة لها علاقة بالوضع السياسي إلا ربط ذلك بواقعه وحكام عصره، ناقداً ومبيناً ما آل إليه حالهم من التدهور والضعف وتغيير حكم الله وتبديله) انظر كمثال على ذلك كلامه على الآية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) ونقده لمتصوفة عصره في كلامه على الآية (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والآية (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا..) والآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) وتبرج نساء عصره في تفسير الآية ( ... ويمشون في الأسواق..) . ومما كتب فيه (القرطبي ومنهجه في التفسير) د. القصبي محمود زلط، و (القرطبي المفسر: سيرة ومنهج) يوسف عبد الرحمن الفرت. وجدير بالذكر أني عثرت فيه على خطأ لا أرى إلا أنه مقحم على تفسيره، وهو إقحامه في تفسير قوله تعالى (وقثائها) وجوها من مادة (فثأ) بالفاء، وليس بالقاف، قال: وفثأت القدر: سكنت غليانها بالماء ... وفثأت الرجل: إذا كسرته عنك بقول أو غيره.؟
روى أبو الزاهرية عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :( من قرأ إحدى عشرة آية من سورة الحاقة أجير من فتنة الدجال. ومن قرأها كانت له نورا يوم القيامة من فوق رأسه إلى قدمه ).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ) يُرِيدُ الْقِيَامَةَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأُمُورَ تَحِقُّ فِيهَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ. كَأَنَّهُ جَعَلَهَا مِنْ بَابِ" لَيْلٍ نَائِمٍ". وَقِيلَ: سُمِّيَتْ حَاقَّةً لِأَنَّهَا تَكُونُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَحَقَّتْ لِأَقْوَامٍ الْجَنَّةَ، وَأَحَقَّتْ لِأَقْوَامٍ النَّارَ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهَا يَصِيرُ كُلُّ إِنْسَانٍ حَقِيقًا بِجَزَاءِ عَمَلِهِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يُقَالُ حَاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أَحُقُّهُ، أَيْ غَالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ. فَالْقِيَامَةُ حَاقَّةٌ لِأَنَّهَا تَحُقُّ كُلَّ مُحَاقٍّ فِي دِينِ اللَّهِ بِالْبَاطِلِ، أَيْ كُلَّ مُخَاصِمٍ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَحَاقَّهُ أَيْ خَاصَمَهُ وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَقَّ، فَإِذَا غَلَبَهُ قِيلَ حَقُّهُ. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا خَاصَمَ فِي صِغَارِ الْأَشْيَاءِ: إِنَّهُ لَنَزِقُ الْحِقَاقَ. وَيُقَالُ: مَالُهُ فِيهِ حَقٌّ وَلَا حِقَاقٌ، أَيْ خُصُومَةٌ. وَالتَّحَاقُّ التَّخَاصُمِ. وَالِاحْتِقَاقُ: الِاخْتِصَامُ. وَالْحَاقَّةُ وَالْحَقَّةُ وَالْحَقُّ ثَلَاثُ لُغَاتٍ بِمَعْنًى. وَقَالَ الكسائي والمورج: الْحَاقَّةُ يَوْمَ الْحَقِّ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: لَمَّا عَرَفَ الْحَقَّةَ مِنِّي هَرَبَ. وَالْحَاقَّةُ الْأُولَى رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ الْمُبْتَدَأُ الثَّانِي وَخَبَرُهُ وَهُوَ مَا الْحَاقَّةُ لِأَنَّ مَعْنَاهَا مَا هِيَ. وَاللَّفْظُ اسْتِفْهَامٌ، مَعْنَاهُ التَّعْظِيمُ وَالتَّفْخِيمُ لِشَأْنِهَا، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ مَا زَيْدٌ! عَلَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ. (وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ) استفهام أيضا، أي أي شي أَعْلَمَكَ مَا ذَلِكَ الْيَوْمُ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَالِمًا بِالْقِيَامَةِ وَلَكِنْ بِالصِّفَةِ فَقِيلَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ، كَأَنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُهَا إِذْ لَمْ تُعَايِنْهَا. وَقَالَ يحيى بن سلام: بلغني أن كل شي فِي الْقُرْآنِ وَما أَدْراكَ فَقَدْ أَدْرَاهُ إِيَّاهُ وعلمه. وكل شي قَالَ:" وَمَا يُدْرِيكَ" فَهُوَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ. وقال سفيان بن عيينة: كل شي قال فيه: وَما أَدْراكَ فإنه أخبر به، وكل شي قال فيه:" وما يدريك" فإنه لم يخبر به.
[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)ذَكَرَ مَنْ كَذَّبَ بِالْقِيَامَةِ. وَالْقَارِعَةُ الْقِيَامَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْرَعُ النَّاسَ بِأَهْوَالِهَا. يُقَالُ: أَصَابَتْهُمْ قَوَارِعُ الدَّهْرِ، أَيْ أَهْوَالُهُ وَشَدَائِدُهُ. وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ قَوَارِعِ فُلَانٍ ولواذعه
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥]
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ بِالْفَعْلَةِ الطَّاغِيَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ بِالصَّيْحَةِ الطَّاغِيَةِ، أَيِ الْمُجَاوِزَةُ لِلْحَدِّ، أَيْ لِحَدِّ الصَّيْحَاتِ مِنَ الْهَوْلِ. كَمَا قَالَ: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ»
[القمر: ٣١]. وَالطُّغْيَانُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَمِنْهُ: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [الحاقة: ١١] أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بِالطَّاغِيَةِ بِالصَّاعِقَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالذُّنُوبِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: بِالطُّغْيَانِ، فَهِيَ مَصْدَرٌ كَالْكَاذِبَةِ وَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. أَيْ أُهْلِكُوا بِطُغْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الطَّاغِيَةَ عَاقِرُ النَّاقَةِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. أَيْ أُهْلِكُوا بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ طَاغِيَتُهُمْ مِنْ عَقْرِ النَّاقَةِ، وَكَانَ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا هَلَكَ الْجَمِيعُ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِفِعْلِهِ وَمَالَئُوهُ. وَقِيلَ لَهُ طَاغِيَةٌ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ رَاوِيَةُ الشِّعْرِ، وداهية وعلامة ونسابة.
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٦ الى ٧]
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧)(٢). راجع ج ١٧ ص ١٤٢
| فَفَرَّقَ بَيْنَ بَيْنِهِمْ «٢» زَمَانٌ | تَتَابَعَ فِيهِ أَعْوَامٌ حُسُومُ |
| حُسَامٌ إِذَا قُمْتَ مُعْتَضِدًا بِهِ | كَفَى الْعَوْدَ مِنْهُ الْبَدْءُ لَيْسَ بِمِعْضَدِ «٣» |
(٢). البين: من الأضداد، يطلق على الوصل وعلى الفرقة.
(٣). المعضد والمعضاد (بكسر الميم): من السيوف الممتهن في قطع الشجر.
| كُسِعَ «٣» الشِّتَاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْرٍ | أَيَّامِ شَهْلَتِنَا «٤» مِنَ الشَّهْرِ |
| فَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُهَا وَمَضَتْ «٥» | صِنٌّ وَصِنَّبْرٌ مَعَ الْوَبْرِ |
| وَبِآمِرٍ وَأَخِيهِ مُؤْتَمِرٍ | وَمُعَلِّلٍ وَبِمُطْفِئِ الْجَمْرِ |
| ذَهَبَ الشِّتَاءُ مُوَلِّيًا عَجِلًا «٦» | وَأَتَتْكَ وَاقِدَةٌ مِنَ النَّجْرِ «٧» |
(٢). في اللسان مادة كسع أنه أبو شبل الاعرابي.
(٣). الكسع: شدة المر. وكسعه بكذا وكذا إذا جعله تابعا له ومذهبا به.
(٤). الشهلة: العجوز. [..... ]
(٥). في اللسان: فإذا انقضت أيام شهلتنا.
(٦). في اللسان:" هربا".
(٧). النجر: الحر.
[سورة الحاقة (٦٩): آية ٨]
فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨)أَيْ مِنْ فِرْقَةٍ بَاقِيَةٍ أَوْ نَفْسٍ بَاقِيَةٍ. وَقِيلَ: مِنْ بَقِيَّةٍ. وَقِيلَ: مِنْ بَقَاءٍ. فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، نَحْوُ الْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا، أَيْ هَلْ تَجِدُ لَهُمْ أَحَدًا بَاقِيًا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانُوا سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ أَحْيَاءً فِي عَذَابِ اللَّهِ مِنَ الرِّيحِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مَاتُوا، فَاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فألقتهم في البحر فذلك قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَصْبَحُوا لَا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ «٣» [الأحقاف: ٢٥].
[سورة الحاقة (٦٩): آية ٩]
وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ) قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ (وَمَنْ قِبَلَهُ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ وَمَنْ مَعَهُ وَتَبِعَهُ مِنْ جُنُودِهِ. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا
(٢). راجع ج ١٣ ص (٢١٨)
(٣). راجع ج ١٦ ص ٢٠٧
" بالخاطئة " أي بالفعلة الخاطئة وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد : بالخطايا التي كانوا يفعلونها. وقال الجرجاني : أي بالخطأ العظيم، فالخاطئة مصدر.
[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٠]
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠)قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ) قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ مُوسَى. وَقِيلَ: هُوَ لُوطٌ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ وَقِيلَ: عَنَى مُوسَى وَلُوطًا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، كَمَا قَالَ تعالى قُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
«٢» [الشعراء: ١٦]. وَقِيلَ: رَسُولَ بِمَعْنَى رِسَالَةٍ. وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الرِّسَالَةِ بِالرَّسُولِ، قَالَ الشَّاعِرُ: «٣»
| لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ | بِسِرٍّ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ |
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١١ الى ١٢]
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)(٢). راجع ج ١٣ ص ٩٣.
(٣). هو كثير عزة.
يَعْنِي سَفِينَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. جَعَلَهَا اللَّهُ تَذْكِرَةً وَعِظَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُهُمْ، فِي قَوْلِ قَتَادَةَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتْ أَلْوَاحُهَا عَلَى الْجُودِيِّ. وَالْمَعْنَى: أَبْقَيْتُ لَكُمْ تِلْكَ الْخَشَبَاتِ حَتَّى تَذْكُرُوا مَا حَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ، وَإِنْجَاءَ اللَّهِ آبَاءَكُمْ، وَكَمْ مِنْ سَفِينَةٍ هلكت وصارت ترابا ولم يبق منها شي. وَقِيلَ: لِنَجْعَلَ تِلْكَ الْفَعْلَةَ مِنْ إِغْرَاقِ قَوْمِ نُوحٍ وَإِنْجَاءِ مَنْ آمَنَ مَعَهُ مَوْعِظَةً لَكُمْ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ)
أَيْ تَحْفَظُهَا وَتَسْمَعُهَا أُذُنٌ حَافِظَةٌ لِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَالسَّفِينَةُ لَا تُوصَفُ بِهَذَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيُقَالُ وَعَيْتُ كَذَا أَيْ حَفِظْتُهُ فِي نَفْسِي، أَعِيهِ وَعْيًا. وَوَعَيْتُ الْعِلْمَ، وَوَعَيْتُ مَا قُلْتَ، كُلُّهُ بِمَعْنًى. وَأَوْعَيْتُ الْمَتَاعَ فِي الْوِعَاءِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ لِكُلِّ مَا حَفِظْتَهُ فِي غَيْرِ نَفْسِكَ:" أَوْعَيْتُهُ" بِالْأَلِفِ، وَلِمَا حَفِظْتَهُ فِي نَفْسِكَ" وَعَيْتُهُ" بِغَيْرِ أَلِفٍ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ وحميد والأعرج وَتَعِيَها
بإسكان العين، تشبيها بقوله: أَرِنا «١» [البقرة: ١٢٨]. وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ كَثِيرٍ. الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَنَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ «٢» [ق: ٣٧]. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْأُذُنُ الْوَاعِيَةُ أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من
(٢). راجع ج ١٧ ص ٢٣
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِيُّ) قَالَ عَلِيٌّ: فَوَاللَّهِ مَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ، وَمَا كَانَ لِي أَنْ أَنْسَى. وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: (يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ وَأَنْ أُعَلِّمَكَ وَأَنْ تَعِيَ وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَعِيَ).
[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٣]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣)قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى لِقِيَامِ السَّاعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ. وَجَازَ تَذْكِيرُ نُفِخَ لِأَنَّ تَأْنِيثَ النَّفْخَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ النَّفْخَةَ هِيَ الْأَخِيرَةُ. وَقَالَ: نَفْخَةٌ واحِدَةٌ أَيْ لَا تُثَنَّى. قَالَ الْأَخْفَشُ: وَوَقَعَ الْفِعْلُ عَلَى النَّفْخَةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا اسْمٌ مَرْفُوعٌ فَقِيلَ: نَفْخَةٌ. وَيَجُوزُ (نَفْخَةً) نَصْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ. وَبِهَا قَرَأَ أَبُو السِّمَالِ. أَوْ يُقَالُ: اقْتَصَرَ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْفِعْلِ كَمَا تَقُولُ: ضُرِبَ ضَرْبًا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: فِي الصُّورِ يقوم مقام ما لم يسم فاعله.
[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٤]
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ) قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ، أَيْ رُفِعَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا. (فَدُكَّتا) أَيْ فُتَّتَا وَكُسِرَتَا. (دَكَّةً واحِدَةً) لَا يَجُوزُ فِي دَكَّةً إلا النصب لارتفاع الضمير في فَدُكَّتا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَمْ يَقُلْ فَدُكِكْنَ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْجِبَالَ كُلَّهَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَالْأَرْضَ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ. ومثله: أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً «١» [الأنبياء: ٣٠] وَلَمْ يَقُلْ كُنَّ. وَهَذَا الدَّكُّ كَالزَّلْزَلَةِ، كَمَا قال تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [الزلزلة: ١]. وقيل: فَدُكَّتا
٢ راجع جـ ٧ ص ٢٧٨..
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٥ الى ١٧]
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) أَيْ قَامَتِ الْقِيَامَةُ. (وَانْشَقَّتِ السَّماءُ) أَيِ انْصَدَعَتْ وَتَفَطَّرَتْ. وَقِيلَ: تَنْشَقُّ لِنُزُولِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان: ٢٥] وَقَدْ تَقَدَّمَ «٢». (فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ) أَيْ ضَعِيفَةٌ. يُقَالُ: وَهَى الْبِنَاءُ يَهِي وَهْيًا فَهُوَ وَاهٍ إِذَا ضَعُفَ جِدًّا. وَيُقَالُ: كَلَامٌ وَاهٍ، أَيْ ضَعِيفٌ. فَقِيلَ: إِنَّهَا تَصِيرُ بَعْدَ صَلَابَتِهَا بِمَنْزِلَةِ الصُّوفِ فِي الْوَهْيِ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقِيلَ: لِهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: واهِيَةٌ أَيْ مُتَخَرِّقَةٌ، قَالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَهِيَ السِّقَاءُ إِذَا تَخَرَّقَ. وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ:
| خَلِّ سَبِيلَ مَنْ وَهَى سِقَاؤُهُ | وَمَنْ هُرِيقَ بِالْفَلَاةِ مَاؤُهُ |
(٢). راجع ج ١٣ ص ٢٣ [..... ]
| فَلَا يُرْمَى بِي الرَّجَوَانُ أَنِّي | أَقَلُّ الْقَوْمِ مَنْ يُغْنِي مَكَانِي |
(٢). الوعل- بكسر العين- التيس الجبلي.
| رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ | وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ |
| وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ «١» كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ | حَمْرَاءَ يُصْبِحُ «٢» لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ |
| لَيْسَتْ «٣» بِطَالِعَةٍ لَهُمْ فِي رِسْلِهَا | إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ |
[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٨]
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) أَيْ، عَلَى اللَّهِ، دَلِيلُهُ:- عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
وَلَيْسَ ذَلِكَ عَرْضًا يَعْلَمُ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ الْحِسَابُ وَتَقْرِيرُ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِمْ لِلْمُجَازَاةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم: (يعرض
(٢). في الأغاني ج ٤ ص ١٣٠ طبعه دار الكتب المصرية:
حمراء مطلع لونها متورد
(٣). في الأغاني:
تأبى فلا تبدو لنا في رسلها
(٤). راجع ج ١ ص ٢٥٩
(٥). الكروبيون: سادة الملائكة، وهم المقربون، مأخوذ من الكرب وهو القرب.
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٩ الى ٣٤]
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨)
هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)
وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)
| أَبِينِي أَفِي يُمْنَى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي | فَأَفْرَحُ أَمْ صَيَّرْتِنِي فِي شِمَالِكِ |
(٢). وفيها لغات أخرى فارجع إليها في كتب اللغة.
فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِهِ وَلَمْ يُؤَاخِذْنِي بِهَا. قَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُؤْمِنِ فَهُوَ يَقِينٌ. وَمِنَ الْكَافِرِ فَهُوَ شَكٌّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ظَنُّ الْآخِرَةِ يَقِينٌ، وَظَنُّ الدُّنْيَا شَكٌّ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ وَإِنَّ الْمُنَافِقَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأَسَاءَ الْعَمَلَ. (أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ) أَيْ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ أُنْكِرِ الْبَعْثَ، يَعْنِي أَنَّهُ مَا نَجَا إِلَّا بِخَوْفِهِ مِنْ يَوْمِ الْحِسَابِ، لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّ اللَّهَ يُحَاسِبُهُ فَعَمِلَ لِلْآخِرَةِ. (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) أَيْ فِي عَيْشٍ يَرْضَاهُ لَا مَكْرُوهَ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ: راضِيَةٍ أَيْ مَرْضِيَّةٌ، كَقَوْلِكَ: مَاءٌ دَافِقٌ، أَيْ مَدْفُوقٌ. وَقِيلَ: ذَاتُ رِضًا، أَيْ يَرْضَى بِهَا صَاحِبُهَا. مِثْلَ لَابِنٍ وَتَامِرٍ، أَيْ صَاحِبُ اللَّبَنِ وَالتَّمْرِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَّهُمْ يَعِيشُونَ فَلَا يَمُوتُونَ أَبَدًا وَيَصِحُّونَ فَلَا يَمْرَضُونَ أَبَدًا وَيَنْعَمُونَ فَلَا يَرَوْنَ بُؤْسًا أَبَدًا وَيَشِبُّونَ فَلَا يَهْرَمُونَ أَبَدًا (.) (فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ) أَيْ عَظِيمَةٌ فِي النُّفُوسِ. (قُطُوفُها دانِيَةٌ) أَيْ قَرِيبَةُ التَّنَاوُلِ، يَتَنَاوَلُهَا الْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ وَالْمُضْطَجِعُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ" الْإِنْسَانِ" «٢». وَالْقُطُوفُ جَمْعُ قِطْفٍ (بِكَسْرِ الْقَافِ) وَهُوَ مَا يُقْطَفُ مِنَ الثِّمَارِ. وَالْقَطْفُ (بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ. وَالْقِطَافُ (بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ) وَقْتُ الْقَطْفِ. (كُلُوا وَاشْرَبُوا) أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ. (هَنِيئاً) لَا تَكْدِيرَ فِيهِ وَلَا تَنْغِيصَ. (بِما أَسْلَفْتُمْ) قَدَّمْتُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. (فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ) أَيْ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ: كُلُوا بَعْدَ قَوْلِهِ: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ لقوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ ومَنْ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْجَمْعِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ، وَقَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَالْآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا فِي أَخِيهِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ أَيْضًا، قَالَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَيَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ وَأَخُوهُ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَيَعُمُّ الْمَعْنَى جَمِيعَ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ وَأَهْلِ السَّعَادَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُوا وَاشْرَبُوا. وقد قيل:
(٢). راجع ج ١٩ ص ١٣٤.
| أَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي | وَبَعْدَ عَطَائِكَ المائة الرتاعا «٣» |
(٢). راجع ج ١٠ ص (٣٩٦) [..... ]
(٣). البيت من قصيدة للقطامى مدح بها زفر بن الحارث الكلابي. قال ابن قتيبة في الشعر والشعراء:" كان القطامي أسره زفر في الحرب التي كانت بين قيس وتغلب فأرادت قيس قتله فحال زفر بينهم ومن عليه وأعطاه مائة من الإبل وأطلقه، فقال: أكفرا إلخ". والرتاع (بكسر الراء): التي ترتع. (راجع خزانة الأدب في الشاهد التاسع والتسعين بعد الخمسمائة).
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٥ الى ٣٧]
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ) خبر فَلَيْسَ قوله: لَهُ ولا يكون الخبر قوله: هاهُنا لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ: لَيْسَ هَا هُنَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، لِأَنَّ ثم طعاما غيره. وهاهُنا مُتَعَلِّقٌ بِمَا فِي لَهُ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ. وَالْحَمِيمُ هَا هُنَا الْقَرِيبُ. أَيْ لَيْسَ لَهُ قَرِيبٌ يَرِقُّ لَهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ، كَأَنَّهُ الصَّدِيقُ الَّذِي يَرِقُّ وَيَحْتَرِقُ قَلْبُهُ لَهُ. وَالْغِسْلِينُ فِعْلِينٌ مِنَ الْغِسْلِ، فَكَأَنَّهُ يَنْغَسِلُ مِنْ أَبْدَانِهِمْ، وَهُوَ صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ السَّائِلِ مِنْ جُرُوحِهِمْ وَفُرُوجِهِمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هُوَ شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أَهْلُ النَّارِ. وَالْغِسْلُ (بِالْكَسْرِ): مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ. الْأَخْفَشُ: وَمِنْهُ الْغِسْلِينُ، وَهُوَ مَا انْغَسَلَ مِنْ لُحُومِ أَهْلِ النَّارِ وَدِمَائِهِمْ. وَزِيدَ فِيهِ الْيَاءُ وَالنُّونُ كَمَا زِيدَ فِي عِفْرِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ الطَّعَامِ وَأَبْشَعُهُ. ابْنُ زَيْدٍ: لَا يُعْلَمُ مَا هُوَ وَلَا الزَّقُّومُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ «١» [الغاشية: ٦] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّرِيعُ مِنَ الْغِسْلِينِ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالْمَعْنَى فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، وَيَكُونُ الْمَاءَ الْحَارَّ. وَلا طَعامٌ أَيْ وَلَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ يَنْتَفِعُونَ بِهِ. (لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ) أَيِ الْمُذْنِبُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. وقرى
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ الى ٤٠]
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)قوله تَعَالَى: (فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ. وَما لَا تُبْصِرُونَ) الْمَعْنَى أُقْسِمُ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَا تَرَوْنَ مِنْهَا وَمَا لَا تَرَوْنَ. وَ (لَا) صِلَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ رَدٌّ لِكَلَامٍ سَبَقَ، أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا سَاحِرٌ. وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: شَاعِرٌ. وَقَالَ عُقْبَةُ: كَاهِنٌ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَلا أُقْسِمُ أي أقسم. وقيل: فَلا هَا هُنَا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أَيْ لَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَجَوَابُهُ كَجَوَابِ الْقَسَمِ. (إِنَّهُ) يَعْنِي الْقُرْآنَ (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) يُرِيدُ جِبْرِيلَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ. دَلِيلُهُ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ «١» [التكوير: ٢٠ - ١٩]. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ أَيْضًا وَالْقُتَبِيُّ: الرَّسُولُ هَا هُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِقَوْلِهِ: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ وَلَيْسَ الْقُرْآنُ قَوْلَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنُسِبَ الْقَوْلُ إِلَى الرَّسُولِ لِأَنَّهُ تَالِيهِ وَمُبَلِّغُهُ وَالْعَامِلُ بِهِ، كَقَوْلِنَا: هذا قول مالك.
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤١ الى ٤٢]
وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢)[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٣]
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣)قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَنْزِيلٌ) أَيْ هُوَ تَنْزِيلٌ. (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة: ٤٠]، أي إنه لقوله رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَهُوَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٤ الى ٤٦]
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ) تَقَوَّلَ أَيْ تكلف وأتى بقول من قبل نفسه. وقرى (وَلَوْ تَقَوَّلَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. (لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) أَيْ بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ، أَيْ لَأَخَذْنَاهُ بِالْقُوَّةِ. ومِنْ صِلَةٌ زَائِدَةٌ. وَعَبَّرَ عَنِ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ بِالْيَمِينِ لان قوة كل شي فِي مَيَامِنِهِ، قَالَهُ الْقُتَبِيُّ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابن عباس ومجاهد. ومنه قول الشماخ:
| إذ مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ | تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ |
| وَلَمَّا رَأَيْتُ الشَّمْسَ أَشْرَقَ نُورُهَا | تَنَاوَلْتُ مِنْهَا حَاجَتِي بِيَمِينِي |
تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ
أَيْ بِالِاسْتِحْقَاقِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَقَطَعْنَا يَدَهُ الْيَمِينَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَقَبَضْنَا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، قَالَهُ نَفْطَوَيْهِ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِذْلَالِ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ فِي الْأَخْذِ بِيَدِ مَنْ يُعَاقِبُ. كَمَا يَقُولُ السُّلْطَانُ لِمَنْ يُرِيدُ هَوَانَهُ: خُذُوا يَدَيْهِ. أَيْ لَأَمَرْنَا بِالْأَخْذِ بِيَدِهِ وَبَالَغْنَا فِي عِقَابِهِ. (ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ) يَعْنِي نِيَاطَ الْقَلْبِ، أَيْ لَأَهْلَكْنَاهُ. وَهُوَ عِرْقٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَلْبُ إِذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ النَّاسِ. قَالَ:
| إِذَا بَلَّغْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي | عَرَابَةَ فَاشْرَقِي «١» بِدَمِ الْوَتِينِ |
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٧ الى ٤٨]
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) فَما نفي وأَحَدٍ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ، فَلِذَلِكَ نَعَتَهُ بِالْجَمْعِ، أَيْ فَمَا مِنْكُمْ قَوْمٌ يَحْجِزُونَ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «٢» [البقرة: ٢٨٥] هَذَا جَمْعٌ، لِأَنَّ بَيْنَ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى اثْنَيْنِ فَمَا زَادَ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ سود الرؤوس قبلكم). لفظه واحد ومعناه الجمع. ومِنْ زائدة.
(٢). راجع ج ٣ ص ٤٢٤
[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٩ الى ٥٢]
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ) قَالَ الرَّبِيعُ: بِالْقُرْآنِ. (وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ) يَعْنِي التَّكْذِيبَ. وَالْحَسْرَةُ: النَّدَامَةُ. وَقِيلَ: أَيْ وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا رَأَوْا ثَوَابَ مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقِيلَ: هِيَ حَسْرَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مُعَارَضَتِهِ عِنْدَ تَحَدِّيهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ. (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ) يَعْنِي أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ لَحَقُّ الْيَقِينِ. وَقِيلَ: أَيْ حَقًّا يَقِينًا لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَعَلَى هَذَا وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ أَيْ لَتَحَسُّرٌ، فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّحَسُّرِ، فَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِكَ: لَعَيْنُ الْيَقِينِ وَمَحْضُ الْيَقِينِ. وَلَوْ كَانَ الْيَقِينُ نَعْتًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ، كَمَا لَا تَقُولُ: هَذَا رَجُلُ الظَّرِيفِ. وَقِيلَ: أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ. (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) أَيْ فَصَلِّ لِرَبِّكَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: أَيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَنِ السُّوءِ والنقائص.
تم عرض جميع الآيات
18 مقطع من التفسير