تفسير سورة سورة الإسراء
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب
أوضح التفاسير
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ت 1402 هـ)
الناشر
المطبعة المصرية ومكتبتها
الطبعة
السادسة، رمضان 1383 ه - فبراير 1964 م
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقيل: جالوت
﴿أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾
ذوي قوة وبطش. قيل: في المرة الأولى جاءت جند من فارس متنكرون؛ يتجسسون أخبارهم، ويعلمون مواطن ضعفهم؛ لذا قال تعالى: ﴿فَجَاسُواْ﴾ أي تجسسوا، والجوس: طلب الشيء بالاستقصاء، والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة
دالتين على قدرتنا ووحدانيتنا ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ الْلَّيْلِ﴾ طمسنا نورها بالظلام؛ وفي هذا الطمس آية دالة على وجوده تعالى ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي يبصر بها وفيها ﴿لِّتَبْتَغُواْ﴾ تطلبوا ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ رزقاً بالسعي فيه والعمل والاتجار ﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ لأنه لو لم يكن ليل ونهار لما عرفت الأيام، وأحصيت الأعوام ﴿وَكُلَّ شيْءٍ﴾ تحتاجون إليه في معايشكم ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ بيناه تبييناً
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ من الأمر؛ الذي هو ضد النهي. أي أمرنا أغنياءها وكبراءها بالطاعة؛ فلم يمتثلوا لأمرنا، ولم يستجيبوا لإرادتنا ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ فخرجوا عن أمرنا، وعصوا رسلنا، وكذبوا بآياتنا أو المراد بالفسق: الزنا. وقرىء «أمرنا» من التأمير. أي جعلنا مترفيها أمراء فيها ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ وجب العذاب على أهل القرية جميعهم. وجب على من عصى وفسق: لعصيانه وفسقه، ووجب على الباقين لعدم منعهم العاصي عن عصيانه، وعدم ضربهم على أيدي الفسقة قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: من أولى واجبات المؤمنين ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ أي دمرنا القرية التي فشا فيها الفساد والسفاد، وعم فيها العصيان والطغيان وتدميرها يكون بتدمير أهلها؛ وذلك بأن يسلط الله تعالى عليهم الأدواء والآفات،
-[٣٣٩]- ويفشي فيهم الأمراض والعاهات ولا يخفى أن الزنا مصدر من مصادر الأمراض الفتاكة المتلفة، وقد اقتضت حكمة الحكيم العليم بأن تكون عاقبة الزنا فقراً مدقعاً، وهلاكاً محققاً: فهو السبب الأوحد لمرض الزهري؛ الذي يصيب الأجسام، وينخر في العظام، ويجعل القوي هزيلاً، والعزيز ذليلاً ولا يقتصر هذا المرض اللعين على الفاسق فحسب؛ بل يصاحب بنيه وذراريه، وخلطائه وجلسائه، وخلطاء خلطائه، وجلساء جلسائه؛ إلى ما لا نهاية له؛ فتنحط بذلك قوى الأمة، ويضعف إنتاجها ونتاجها؛ حتى يعصف بزهرة الشباب؛ فيشوه خلقهم، كما شوه خلقهم: فنهلك القرية بسبب انحلال قوي بينها وضعفهم واستكانتهم؛ وعدم استطاعتهم مجاراة الحياة في تجارة، أو صناعة، أو زراعة فيحل بواديهم الدمار والبوار؛ وهذا - ولا شك - إحدى العقوبات التي ينزلها الله تعالى في الدنيا بمن غضب عليه أعاذنا الله تعالى من غضبه وعقابه؛ بمنه وفضله
هذا ولا يجوز بحال فهم الآية بظاهر سياقها: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ فحاشلله أن يريد الهلاك لأناس قبل ارتكابهم الإثم، واستحقاقهم الهلاك وكيف يستطيع عبد أن يمتنع عن إرادة مولاه، وإرادته مشيئة كائنة؟ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وحاش أن يأمر تعالى بالفسق وهو الناهي عنه، المتوعد عليه وإلا لو قلنا: إنه تعالى أراد الفسق، وأمر الفاسق به؛ فلماذا يتوعده؟ وعلام يعاقبه ويؤاخذه؟ وهل من العدل - يا ذوي العقول - أن يأمر عبيده بالعصيان، ويهلكهم على تنفيذ أمره؟ فتعالى الله عن إرادة الفسق، أو الأمر به، وجل عن الظلم؛ وهو القائل: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ولا يعذب الله تعالى أحداً من خلقه قبل أن ينذره ويحذره ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ينهي عن الفسق، ويتوعد عليه؛ لا أن يأمر به، ويرغب فيه هذا وقد عجز بعضهم عن فهم هذه الآية وأمثالها؛ فأطاح ذلك بألبابهم ومعتقداتهم؛ فساروا على غير هدى، وسقطوا في مهاوي الردى فتفهم ما قلناه وتدبره؛ هديت وكفيت
-[٣٤٠]- ما أراد، بل وزاد؛ وذلك كله بتصريف الحكيم العليم يعطي من يشاء ما يشاء، ويمنع من يشاء عما يشاء؛ وقد يعطي من يبغض، ويمنع من يحب؛ لحكمة علمها، ومشيئة قدرها ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ﴾ أي جعلنا في الآخرة لمن أراد العاجلة ﴿جَهَنَّمَ يَصْلاهَا﴾ يدخلها ﴿مَذْمُوماً مَّدْحُوراً﴾ مطروداً من رحمة الله تعالى
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقد ورد أن الله تعالى لا ينظر يوم القيامة لمن عق والديه ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ﴾ خص تعالى
-[٣٤١]- الكبر؛ لأنه مبعث الضعف والحاجة، ومظنة الملل والاستثقال ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ وهي أدنى كلمة تقال في التضجر. وقد ورد عن الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه: «لو علم ربك دون أف لنهى عنه»
ومن عجب أن نرى في زماننا بعض من أفاء الله تعالى عليهم بالمال الكثير، والرزق الوفير؛ وقد بدلوا نعمة الله كفراً؛ وجزوا والديهم عقوقاً وخذلاناً، وأقربائهم ذلاً وحرماناً، ومساكينهم قهراً ونهراً؛ في حين أنهم في سعة من العيش؛ يسرفون في ملذاتهم وشهواتهم بغير حساب بينا نجد فقيراً مدقعاً يتعثر في أسماله، ولا يكاد يفي بحاجة عياله؛ إذا به يقتطع من قوته فيعطي الأبوين والأقرباء، ولا ينسى المساكين والفقراء وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء والله يجزي العاملين، ويتولى الصالحين ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ سمحاً سهلاً: بأن تعدهم بالإعطاء، عند حلول العطاء، وبأن توسع عليهم عندما يغدق المولى
-[٣٤٢]- عليك وبذلك يكون رفقك سبباً في رزقك، وسخاؤك سبباً في رخائك
أي بئس هذا الطريق طريقاً
-[٣٤٣]- شراً، ولا يعتقد نكراً
بكبرك وتجبرك ﴿وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ بتعاظمك وتفاخرك
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ﴿وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ لانصرافكم عن النظر إليها، والتأمل في بديع صنعها وقد يخلق الله تعالى لها ألسناً للتسبيح، فتسبح بحمده بالمنطق الفصيح
-[٣٤٤]- إيمانهم بالآخرة
أو إنهم يتناجون مع بعضهم حينما تتكلم ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون للمؤمنين ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي مجنوناً، به مس من السحر ومن أعجب العجب أن بعض المفسرين يقول في تأويل بعض الآيات: أن الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه قد سحر، مستندين في هذا التأويل الفاسد إلى إفك روته اليهود؛ فتناقله ضعاف العقول، وصغار الأحلام؛ فليحذر العاقل من الوقوع في مثل ذلك الإفك
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وكما أن الكرم: وسط بين التبذير والبخل. والشجاعة: وسط بين التهور والجبن؛ كذلك يكون كمال الإيمان: في التوسط بين الخوف والرجاء
-[٣٤٥]- ﴿كَانَ ذلِك فِي الْكِتَابِ﴾ اللوح المحفوظ
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ أي الملعون آكلها وهي شجرة الزقوم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٣٤٦]- لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ تسلط وقوة
أي غاب من تستغيثون به فيغيثكم، إلا الله تعالى فهو وحده حاضر لا يغيب ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ فادعوه مخلصين له الدين ينجيكم مما تخافون، ويخلصكم مما تحذرون ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾ من الضر الذي لحقكم، والموت الذي أحاط بكم ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ عن عبادته، ونسيتم ما أسبغ عليكم من نعمته
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٣٤٧]- يعادون رسلهم ويخرجونهم
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
يعارض الإنسان ربه في حكمته، ويعترض على قدرته: فيكله إلى نفسه؛ فينتهي به ذلك إلى العجز، وينتهي به العجز إلى السخط، وينتهي به السخط إلى الكفر؛ فمتى كان الإنسان عاجزاً، ساخطاً، موكولاً إلى نفسه، معتمداً على قدرته؛ مستنداً إلى قوته: كان كالأسد الجائع في المهمة القفر؛ إذا توهم أن قوته وبطشه يستطيعان أن يخلقا الفريسة له؛ فيظل هائجاً هادراً مزمجراً؛ يطيح بكل ما حوله؛ فيجلب ذلك إلى نفس الإنسان اليأس، والانزعاج، والكآبة، وغير ذلك من المهلكات التي تبعث في قلبه الشك بربه، وتدفع إلى نفسه القنوط، وتجيل بخاطره حماقات العقل، ونزغات الشيطان وقد ينتهي به ذلك إلى الانتحار. ولو أنه آمن ب الله مكان إيمانه بنفسه لسلطه الله تعالى عليها، ولم يسلطها عليه، ولأرضاه بما عنده وأقنعه بما لديه؛ ولأبعد عنه هواجسه، ومتاعبه، ولأبدل خوفه أمناً قال تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ ولكن الإنسان يؤس كفور؛ يسوق بيأسه لنفسه البلايا، ويحط بكفره على قلبه الرزايا وإن شئت فاقرأ قول الحكيم العليم ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾
-[٣٤٨]- الأجساد، حتى يوم المعاد؛ فيعيد الله تعالى لكل جسد روحه؛ ليحاسبها على ما اكتسبت في دنياها: فيعذب الكافر العاصي، ويثيب المؤمن الطائع وقيل: إن اليهود أوعزوا لقريش أن تسأل النبي عن ثلاثة أشياء: عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح؛ وقالوا لهم: إن أخبركم عن اثنين وأمسك عن واحدة: فهو نبي. فلما سألوه أخبرهم عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وقال عن الروح
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وقوله تعالى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ دليل على عجز الإنسان عجزاً تاماً عن معرفة حقيقتها وكنهها؛ فليس لإنسان أن يزعم أن الروح - ولو كانت روح حيوان - هي تحت أمره، وأنه يستطيع - بإذاعة شيء من الموسيقى - أن يحضر من الأرواح ما شاء وأن يستخدمها فيما شاء، ويسألها عما يشاء وقد دأب ناس - عافاهم الله - على اللعب بعقول البسطاء وألبابهم؛ بإشاعة هذه الخرافات، وبث هذه الترهات والخزعبلات؛ وقد حضرت كثيراً من مجالسهم؛ فما ازددت إلا تكذيباً لهم، وتسفيهاً لأعمالهم وأمر هؤلاء لا يعدو أن يكون من عبث الشيطان بهم؛ إذ أنه - لعنه الله تعالى - يستطيع أن يتشكل بمن شاء من مخلوقاته تعالى؛ عدا أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام؛ فيظهر الشيطان أو أحد أعوانه على صورة الإنسان المراد تحضير روحه ويخاطبهم بما يحلو لهم أن يسمعوه. أما الروح - ولو أنها موجودة، وباقية أبد الآبدين - فإنه لا سلطان لأحد عليها من المخلوقين، ولا تدين إلا لرب العالمين
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قارين: يطمئنون لمن في الأرض، ويطمئن من في الأرض إليهم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾
-[٣٥١]- أي بقراءتك فيها؛ لئلا يسمعك المشركون فيسبوك، ويسبوا القرآن، ومن أنزله ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي لا تسر بها؛ فلا يسمعك من يقتدي بك. قيل: إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يسر قراءته كلها، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يجهر بها كلها؛ فقيل لهما في ذلك؛ فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي إليه وقال عمر: أنا أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان فلما نزلت هذه الآية؛ قيل لأبي بكر: ارفع قليلاً. وقيل لعمر: اخفض قليلاً. وقد يقول قائل: ما دامت علة الجهر والإسرار: هو الخوف من أذى الكافرين والمشركين؛ وقد كف الله تعالى أذاهم، وأذهب قوتهم - والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً - فما لنا لا نجهر في صلاتنا كلها؟ والجواب على ذلك: إن الأعمال التعبدية؛ لا يجوز فيها الاجتهاد، بل يتبع فيها آثار الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام؛ القائل «صلوا كما رأيتموني أصلي» وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن المراد بالصلاة في هذه الآية: الدعاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تم عرض جميع الآيات
107 مقطع من التفسير