تفسير سورة سورة الحاقة

عبد الكريم يونس الخطيب

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب (ت 1390 هـ)

الناشر

دار الفكر العربي - القاهرة

نبذة عن الكتاب

من مقدمات كتاببي المهذب في تفسير جزء عم



التفسير القرآني بالقرآن، للدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو فيلسوف حقًّا، وتفسيره هذا تفسير كبير.

قال في مقدمة كتابه هذا: " ولا يستقيم هذا القول، الذي نقوله فى القرآن ـ بأنه مصدر التشريع الإسلامي ـ إلّا بفهم سليم صحيح لكتاب اللّه، ولا يكون هذا الفهم السليم الصحيح إلا عن طول تأمل وتدبر لكتاب اللّه، وتذوق لأساليب بيانه، ووقوف على بعض أسراره، وبهذا الفهم لكتاب اللّه، يتحقق لنا أمران: أولهما: اتصالنا بكتاب اللّه اتصالا وثيقا، قائما على معرفة به، وتذوق لجنى طعومه الطيبة، وهذا مما يجعل لتلاوتنا للقرآن، أو استماعنا لتلاوته أثرا فى نفوسنا، ووقعا على قلوبنا، وتجاوبا مع آدابه، واستجابة لنداءته.. فيما يدعو إليه، من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر!

وثانيهما: تصور مسائل الدين تصورا واضحا محددا، بلا ذيول، ولا معلقات..وبهذا يعرف المسلم الحكم قاطعا، فيما أحل اللّه، وفيما حرم، فيكون على بينة من أمره، فيما يأخذ أو يدع من أمر دينه! ومن أجل هذا كانت صحبتنا هذه لكتاب اللّه، على هذا الوجه، الذي لا ننظر فيه إلى غير كتاب اللّه، وإلى تدبر آياته، بعيدا عن طنين المقولات الكثيرة التي جاءت إلى القرآن من كل صوب، وكادت تخفت صوته، وتغيم على الأضواء السماوية المنبعثة منه!

إننا فى صحبتنا هذه للقرآن، لا نقيم نظرنا على غير كلماته وآياته، ولا نخط على هذه الصفحات غير ما يسمح لنا به النظر فى كلماته وآياته. إننا لا نفسر القرآن بالمعنى المعروف للتفسير، فى هذه الصحبة التي نصحب فيها كتاب اللّه.. وإنما نحن نرتل آيات اللّه ترتيلا.. آية آية، أو آيات آيات.. ثم نقف لحظات نلتقط فيها أنفاسنا المبهورة، لما تطالعنا به الآية أو الآيات، من عجب ودهش وروعة، ثم نمسك القلم، لنمسك به على الورق بعض ما وقع فى مشاعرنا من صور العجب والدهش والروعة.. وإنها لصور باهتة بالنسبة للواقع الذي حملته تلك المشاعر.. فما أبعد الفرق بين الشعور المشتمل علينا ونحن بين يدى كلمات اللّه، وبين الكلمة التي تنقل هذا الشعور!! ولكنها ـ على أي حال ـ معلم من معالم الطريق إلى كتاب اللّه، يمكن أن يجد فيه السالك نورا، ويزداد به المهتدى هدى.. «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» «وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .. " التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 6) فما بعد



وهو يبدأ السورة ببيان هل هي مكية أم مدنية، ويذكر عدد آياتها، وعدد كلماتها وعدد حروفها، كما يذكر أسماءها، ثم بعد ذلك يذكر الآيات آية آية أو أكثر، ويذكر تفسير الآيات ويربطها بالآيات التي تشبهها ثم يتوسع في شرحها، وكثيرا ما يربطها بالواقع، ويذكر مناسبة السورة، ويذكر مناسبة الآيات أحيانًا، ويذكر أحياناً سبب النزول، وتقلُّ فيه الآثار، ويردُّ على كثير من الخرافات والإسرائيليات، ويدافع عن الإسلام بقوة، ولا يخلو من لفتات لغوية وبلاغية، وهو ينحى منحى المدرسة العقلية، ومن ثم يميل للتأويل، ويردُّ بعض أخبار الآحاد التي تعارض القرآن حسب وجهة نظره كسحر النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض أخبار المعراج وبعض علامات الساعة الكبرى.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الآيات: (١- ١٢) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ١٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ».
هكذا تبدأ السورة الكريمة، بهذه الكلمة: «الحاقة» التي تقع على الأسماع موقع الصيحة الراعدة المزلزلة فى هدأة الليل تغشى الناس بالفزع المذعور، الذي تدهش له العقول، وزيغ به الأبصار، وتخرس معه الألسنة، وقد امتلأ الجو بهذا التساؤل الكبير الذي يطلّ من كل عين:
ما هذا؟ ما هذا؟.
— 1123 —
«مَا الْحَاقَّةُ؟».
إنها مع صوتها الراعد المزلزل، ملففة فى أطواء المجهول.. لا يعرف لها وجه، ولا تبين لها حقيقة، حتى لكأنها القدر، ترمى الناس بما فى يديها من نذر، من حيث لا يحتسبون، ولا يقدّرون.. وهذا مما يضاعف فى فزع الناس منها، وفى الكرب المشتمل عليهم إزاءها..
«وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ؟».
ومن يستطيع أن يجيب على هذا السؤال: «مَا الْحَاقَّةُ؟» إن أحدا لا يستطيع أن يتصور حقيقتها، أو يبلغ إدراكه الإحاطة بها.. وفى هذا التجهيل فى الجواب الذي يجاب به عنها، مضاعفة للفزع والكرب المستوليين على الناس منها.
وكأنّ المعنى هو:
«الْحَاقَّةُ».. وهذا إخبار من الله سبحانه وتعالى بها، وإعلان للناس بوقوعها حيث يشتمل عليهم الفزع، ويستبدّ بهم الخوف من مجرد التلفظ بها..
«مَا الْحَاقَّةُ؟» وهذا سؤال من الناس عن هذا الكائن العجيب، الذي يشيع ذكره الرعب والفزع.. وكأنهم يتجهون بهذا السؤال إلى النبىّ الذي ألقى بهذا الاسم على أسماعهم!! «وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ؟» وهذا جواب من الله سبحانه على تساؤل السائلين للنبىّ عن الحاقة.. إن النبىّ الذي يسألونه، ويرجون الجواب عنده، لا يدرى ما هى الحاقة؟ إنها شىء من وراء تصورات العقول، واحتمال المدارك..
أما معنى الحاقة من حيث اللغة، فهو اسم فاعل من الحقّ.. وحقّ
— 1124 —
الشيء: وجب.. ووقع، فالحاقة لغة، بمعنى الواجبة، والواقعة.. أي الواجبة الوقوع.. وهذا يعنى أنها شىء سيقع حتما.. أما ما صفة هذا الشيء الذي سيقع، وما صورته فى العقول- فهذا شىء لا يمكن أحدا أن يدرك وصفه، أو يتمثل صورته.. إنه شىء مهول لم يقع للناس شىء مثله، فكيف يستقيم له تصور فى أفهامهم؟
وجواب السؤال عن الحاقة فى قوله تعالى: «مَا الْحَاقَّةُ» يمكن أن يكون هو قوله تعالى «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ».. كما سنتعرض لهذا بعد قليل، ويمكن أن يكون السكوت عن الجواب هو الجواب، لأن الذين كفروا لا يستمعون إلى هذا الجواب، ولا يؤمنون به، كما فعلت ذلك عاد وثمود..
وإذن، فخير جواب على هؤلاء السائلين المتعنتين، هو عدم الردّ عليهم، وتركهم فى بلبال وحيرة.
قوله تعالى:
«كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ».
يمكن أن يكون هذا- كما قلنا- جوابا للتساؤل عن «الحاقة»..
وهو جواب من الله سبحانه وتعالى، بعد أن نفى عن النبىّ إمكان الإجابة عليه.. كما يمكن أن يكون استئنافا يراد به التعقيب على هذه التساؤلات عن الحاقة..
وفى هذا الجواب تشنيع على فعلة ثمود وعاد، وتكذيبهم بالقارعة.. فكأن التكذيب بالقارعة، يضاهى الحاقة نفسها، فى هو لها الذي لا تتصوره العقول، وكأنّ الجواب هو: كذبت ثمود وعاد بالحاقة التي هذا شأنها.. و «القارعة» كائن مجهول أيضا، كالحاقة..
— 1125 —
فالقارعة، والحاقة، كلمتان مترادفتان.. وقد سميت بكل منهما سورة من سور القرآن الكريم.. وبدئت سورة القارعة بلفظ «القارعة» كما بدئت سورة الحاقة بلفظ «الحاقة».. وكما جاء نظم الآيات الثلاث الأولى من الحاقة، جاء نظم الآيات الثلاث الأولى من القارعة.. هكذا: «الْقارِعَةُ، مَا الْقارِعَةُ؟ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ؟»..
وقد كشفت سورة «الحاقة» عن وجه من وجوه هذه «الحاقة» وما بين يديها من نذر البلاء، فيما أخذ الله المكذبين بها، من بلاء ونكال، هو أشبه فى هوله بما يكون من أحداث الساعة، أو موقف الحساب والجزاء يوم القيامة، وذلك فيما يقول سبحانه وتعالى، عن مهلك ثمود وعاد.. يقول سبحانه:
«فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ».
فهذا ما أخذ الله به المكذبين «بالقارعة» من ثمود، وعاد.
فأما ثمود، فقد أهلكهم الله بالطاغية، وهى الصاعقة المزلزلة العاتية، التي جاوزت كلّ حدّ معروف لها فى ظواهر الطبيعة، ولهذا سميت طاغية، ولهذا كان عقاب ثمود بها، لأنها طغت، واعتدت على صالح رسول الله، وعلى ناقة الله، كما يقول سبحانه: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها وَلا يَخافُ عُقْباها» (١١- ١٥ الشمس) وكما يقول جل شأنه:
«وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (١٧: فصلت).
وأما عاد، فقد أهلكهم الله بريح صرصر عاتية..
— 1126 —
والريح الصرصر، هى الريح العاصفة الباردة، القاتلة ببردها.
وفى قوله تعالى: «سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» - إشارة إلى اشتمال العذاب عليهم هذا الزمن الذي تجرعوا فيه غصص الموت، قطرة قطرة..
وحصر عدد الليالى بسبع، وعدد الأيام بثمانية- إشارة إلى أن الأيام تسبق الليالى، وأن النهار يسبق الليل، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ» (٤٠: يس) »
..
فهذا هو كتاب الله الذي يصدّق بعضه بعضا، «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (٨٢: النساء).
كما يشير هذا إلى أن العذاب وقع بالقوم نهارا، وجاءهم عيانا، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ» (٢٤: الأحقاف).
وقوله تعالى: «حسوما» صفة أيام، التي تحتوى فى كيانها الليالى أيضا لأن الأيام ثمانية، والليالى سبع.. فهو فى حقيقته صفة للأيام والليالى معا.
والحسوم، من الحسم، وهو القطع.. يقال حسم فلان الأمر: أي قطعه..
ومنه الحسام، وهو السيف، إذ أن من أفعاله أنه يحسم حياة من يضرب به.
وأعجاز النخل: أصولها، الممسكة بها على الأرض..
والخاوية: الجوفاء، التي فرغ جوفها، بعد موتها وجفافها.
وفى تشبيه القوم بأعجاز النخل- إشارة إلى ما كان عليه القوم من فراهة الأجسام، وضخامة الأبدان، وقوة الكيان، كما وصفهم الله سبحانه على لسان
(١) انظر فى هذا تفسيرنا لتلك الآية فى سورة «يس»
— 1127 —
نبيهم هود، عليه السلام: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً» (٦٩: الأعراف) ويقول سبحانه: «وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ» (١٣٠: الشعراء).
وكما كشفت سورة «الحاقة» عن هذا الهول الذي حلّ بالمكذبين بالقارعة، والذي تتمثل فيه بعض مشاهد القيامة- كشفت سورة «القارعة» عن أحداث القارعة نفسها، وهى القيامة، كما يقول سبحانه: «الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» وهكذا تلتقى السورتان: «الحاقة» و «القارعة» فى تصوير أحداث هذا اليوم العظيم، يوم القيامة، الذي يكذب به المشركون، ويلحّون في التساؤل عنه، وعن اليوم الذي يقع فيه، تحديا لما ينذرهم به الرسول من أهواله، وإمعانا فى تكذيبه، حيث يلقاهم العذاب فى الدنيا والآخرة جميعا.
قوله تعالى:
«وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً».
هو معطوف على قوله تعالى: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ».
والمؤتفكات: هى قرى قوم لوط، التي ائتفكها الله، أي قلبها على أهلها، وجعل عاليها سافلها.. وقد جاء فى آية أخرى أنها مؤتفكة، وذلك فى قوله تعالى: «وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى» (٥٣: النجم).. كذلك ورد فى أكثر من موضع من القرآن أنها قرية. كما فى قوله تعالى: «إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ» (٣١: العنكبوت).. فما تأويل هذا؟
تأويل هذا- والله أعلم- أن هذه القرية كانت رأس القرى التي حولها، فهى أشبه بالأمّ لها.. ومن هنا كان الحديث عنها، وعن أهلها، لأنهم هم
— 1128 —
الذين يمثلون غالبية القوم، ووجوههم، كما تحدث القرآن الكريم عن مكة ووصفها أنها أمّ القرى، فقال تعالى: «وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها» ! (٩٢:
الأنعام).
«والخاطئة» أي الفعلة الخاطئة، التي بيّنها الله سبحانه وتعالى بقوله: «فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ» ومجيئهم بالخاطئة: أي ارتكابهم الخطيئة، وحملهم إياها يوم القيامة.
وفى الجمع بين فرعون، وقوم لوط، مع اختلافهما زمانا، ومكانا، وخطيئة- إشارة بليغة محكمة، إلى ما بين القوم من نسب قريب فى الضلال، لا من حيث صورته، ولكن من حيث واقعه ومضمونه..
فقوم لوط، قد أتوا منكرا ابدعا، لم يأته أحد فى العالمين من قبلهم، كما يقول سبحانه وتعالى على لسان نبيهم لوط عليه السلام: «أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ» (٨٠: الأعراف) وأما فرعون فقد كان أمة وحده فى الضلال والاستعلاء.. ولهذا ذكر وحده، دون أن يكون معه قومه، فهو كيان الضلال كله، الذي نضح منه على قومه رذاذ من هذا الضلال، فكانوا من المجرمين.. ففرعون صورة فريدة فى الجبارين، وقوم لوط صورة فريدة فى المجرمين.
وفى الجمع بين فرعون وقوم لوط فى مقام العصيان لرسول الله، مع أن كلّا منهما كان له موقف مع رسول من رسل الله- إشارة إلى أن رسل الله جميعا، هم رسول واحد، من حيث الرسالة التي يحملها الرسول من الله إلى الناس، والدعوة التي يدعوهم إليها، وهى الإيمان بالله.. فمن كذب برسول من رسل الله فهو مكذب برسل الله جميعا..
وقوله تعالى: «فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً» أي أخذهم الله أخذة متمكنة منهم بحيث تنالهم جميعا، وتشتمل على كل شىء منهم ولهم.
— 1129 —
والرابية، المكان العالي المرتفع عما حوله، كالربوة.
وقد ابتلع البحر فرعون ومن معه، كما ابتلعت الأرض قوم لوط، واحتوتهم ومنازلهم فى بطنها.. إنهم هووا جميعا إلى القاع.
قوله تعالى:
«إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ-» مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات السابقة، ذكرت مصارع القوم الظالمين، وقطع دابرهم جميعا، بحيث لم يترك الخراب من دار ولا ديار..
ومع هذا، فإن هؤلاء المشركين من قريش، ما زالوا أحياء، يعيشون فى الناس، لم يأخذهم الله سبحانه بما أخذ به الضالين من قبل.. وهؤلاء المشركون هم بقية من ذرية القوم الذين نجوا من الهلاك، وهم الذين آمنوا بالله، من بين المكذبين والضالين.. وإنه لجدير بهؤلاء المشركين أن يأخذوا طريق النجاة من عذاب الله، كما أخذه آباؤهم الأولون من المؤمنين الذين نجوا من عذاب الله..
هذا وإذا كانت الآية تشير من قريب إلى أظهر صورة من صور النجاة للمؤمنين، وهلاك الكافرين، وهو ما كان من نوح، وقومه، وسفينته، وطوفانه.. حيث غرق الكافرون فى الطوفان، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين بالسفينة- إذا كانت الآية تشير من قريب إلى هذا، فإنها تشير من بعيد إلى نجاة الذين آمنوا بالله من كل بلاء ساقه الله إلى الكافرين المكذبين برسل الله، فى كل زمان ومكان.
وقوله تعالى:
«لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ»
أي لنجعل هذه الإشارة إلى نجاتكم فى أصلاب آبائكم الأولين، الذين
— 1130 —
آمنوا ونجوا من الطوفان- لنجعل هذه الإشارة تذكرة لكم أيها المشركون، تذكرون بها أنكم من أصلاب آباء كانوا مؤمنين، فكونوا مثلهم، إذا كنتم حقّا تحرصون على التمسك بما كان عليه آباؤكم، إذ تقولون: «حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا» (١٠٤: المائدة).. فإن فى آبائكم مهتدين، وضالين.. فتخيروا من ترونه أهلا للاتباع من هؤلاء الآباء.
وقوله تعالى: «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ»
معطوف على قوله تعالى: «لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً»
أي ولتعيها أذن واعية.. فهذه التذكرة، لا تعيها، ولا تعقلها وتحتفظ بها، وتحفظها، إلا أذن عاقلة، بينها وبين العقل صلة وثيقة.. أما الأذن التي تسمع، ولا تورد ما تسمع على العقل، فهى أذن حيوانية، لا ينال منها صاحبها خيرا أبدا.
الآيات: (١٣- ١٨) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٣ الى ١٨]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً».
— 1131 —
تعرض الآيتان الكريمتان هنا مشهدا من مشاهد القيامة، وما يقع فيها من انقلاب شامل فى صورة العالم التي ألفها الإنسان، وعاش فيها بحواسه المحدودة..
وقد تحدثنا فى سورة «الواقعة» عن هذه التغيرات التي ذكرها القرآن الكريم عن يوم القيامة، وقلنا إن هذه التغيرات ليست واقعة على الموجودات من أرض وجبال، وبحار، ومن سماء ونجوم، وشمس وقمر، وإنما التغير الذي يحدث، هو فى الإنسان المتلقّى لهذه الموجودات، حيث تغيرت طبيعته بعد البعث، وأصبح له من القوى فى حواسه ومدركاته أضعاف أضعاف ما كان له فى حياته الأولى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (٢٢: ق).. فلقد كشف للإنسان الغطاء فى هذا اليوم، عن كثير من عوالم الوجود، مما لم يكن من الممكن أن يراه، أو يعلمه، وهو فى الحياة الدنيا..
فقوله تعالى: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ» يشير إلى أنه نفخ فى الصور، بعث الموتى من القبور بتلك النفخة الواحدة، لأن هذه النفخة هى أمر من أمر الله، فإذا أمر الله أمرا وقع كما أمر، كما يقول سبحانه: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٨٢: يس) وكما يقول سبحانه: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» (٥١: يس) وقوله تعالى:
«وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً».. أي رفعت الأرض والجبال، فكانتا كيانا واحدا..
— 1132 —
وحمل الأرض وجبالها، هو ظهورها معلقة فى الفضاء، كما هى عليه فى حقيقتها، التي هى أشبه بكرة معلقة فى فلك الكون.. هكذا يراها الإنسان يوم القيامة بما عليها من جبال، وبحار، حين يكون محلقا في سموات عالية فوق هذه الأرض..
ودكّ الأرض مع الجبال، هو اندماجهما فى كيان واحد، وذلك فى مرأى العين، التي تنظر إليهما من بعيد، كما ننظر نحن من عالمنا الأرضى إلى القمر، فنراه سطحا مستويا، لا جبال فيه، ولا وهاد.. وهذا يعنى أن الناس إذ يبعثون يوم القيامة، يخرجون من العالم الأرضى، إلى عالم آخر.. فالأرض هى عالم الناس الدنيوي، ولا شك أن للناس فى الآخرة عالما غير هذا العالم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً» (٤٧:
الكهف) فبروز الأرض لا يبدو إلا لمن خرج منها، ونظر إليها من مكان خارج عن فلكها.. كما يشير إلى ذلك أيضا، تلك الحالة التي سيبعث الناس عليها فى قوله تعالى: «يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ» (٤: القارعة) وفى قوله سبحانه: «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ» (٧: القمر).
قوله تعالى:
«فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ» - هو جواب إذا الشرطية الظرفية، فى قوله تعالى: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ..».. أي إذا كان هذا النفخ فى الصور، وحمل الأرض والجبال ودكهما- إذا كان هذا، فهو يوم وقوع الواقعة، وهى القيامة..
ووقوع الأمر: مجيئه من عل، فى قوة وتمكن، بحيث لا يمكن ردّه..
ومنه قوله تعالى: «فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ».. وقوله سبحانه:
«قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ» (٧١: الأعراف).. فهو وقوع لامردّ له.
— 1133 —
وفى مجىء جواب الشرط فعلا ماضيا فى قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ»، مع أن مقتضى سياق النظم أن يكون فعلا مضارعا هكذا: «فيومئذ تقع الواقعة» - فى هذا إشارة إلى أن وقوعها أمر محقق لذاته، غير متوقف على شرط.. فهى واقعة لا محالة، سواء وقع شرطها أم لم يقع، وشرطها واقع لوقوعها، لا أنها هى التي تقع لوقوع شرطها..
وقوله تعالى:
«وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ».
معطوف على قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ».. أي وانشقت السماء..
ومعنى انشقاق السماء، ظهور هذا السقف الذي يظلنا، والذي يبدو وكأنه سقف منعقد، محبوك، لا يمكن النفوذ منه- ظهوره يومئذ لنا على حقيقته، وهو أنه ليس إلا فضاء لانهاية له، وأنه مهما صمّد المصعدون فيه، لا يلقاهم إلا الفضاء الرحيب الذي لا ينتهى.. وهذا مثل قوله تعالى: «وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً» (١٩: النبأ).
وقوله تعالى: «فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ» - إشارة إلى ما يبدو عليه هذا السقف من وهى وضعف، فلا تردّ السماء من يخترق طبقاتها، أو ينفذ من أقطارها..
قوله تعالى:
«وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ».
أي ويرى الملائكة فى هذا اليوم على جنبات السماء، فى أحوال شتى..
بين ساجد، وقائم، وغاد، ورائح.. هكذا يراهم الناس يومئذ.. فالملائكة المحجوبون عن أنظارنا اليوم، نراهم يوم القيامة، كما يرى بعضنا بعضا، سواء
— 1134 —
فى هذا من كان من أهل الجنة، أو من أهل النار.. وقد ذكر القرآن الكريم لقاءات كثيرة للناس مع الملائكة، فى موقف الحساب، وفى الجنة، وفى النار..
والضمير فى «فوقهم» فى قوله تعالى: «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» يعود إلى «الملك» بمعنى الملائكة.. فهو مفرد لفظا، جمع معنى، كما فى قوله تعالى: «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا».. أي ويحمل عرش ربك فوق هؤلاء الملائكة «ثَمانِيَةٌ».
وقد اختلف فى الثمانية: أهم ملائكة، عددهم ثمانية؟ أم هم ثمانية صفوف من الملائكة؟ أم ثمانية أفلاك، هى أطباق السموات، التي فيها الجنات الثماني؟ وهذا يعنى أن عرش الله، أي سلطانه، قائم على هذا الوجود العلوي، مستو عليه..
والعرش، وحملة العرش، والملائكة، والكرسي، والقلم، واللوح، ونحوها، هو مما يلزمنا التصديق به كما تحدث القرآن الكريم عنه، دون البحث عن الصورة التي تكون عليها هذه المبدعات التي استأثر الله سبحانه وتعالى وحده بعلمها.
والسؤال عن هذه الغيبيات، بدعة، والتصدّى لتكييفها تكلّف، وقد يجر إلى الافتراء على الله..
وتفويض العلم بها إلى الله، والإيمان بها على ما أخبر به القرآن عنها، هو الإيمان السليم، القائم على التسليم لله، والتصديق بما نزل على رسول الله، من آيات الله.. وهو الإيمان بالغيب، الذي أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ
— 1135 —
هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (٢- ٥:
البقرة)..
قوله تعالى:
«يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ.. لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ».
أي فى هذا اليوم الذي تقع فيه الواقعة، أي تقوم القيامة- فى هذا اليوم يعرض الناس على رب العالمين.. أي يقدمون للحساب والجزاء، حيث لا يخفى على الله من أعمالهم صغيرة ولا كبيرة..
وقوله تعالى: «لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ» جملة حالية من نائب الفاعل، وهو الضمير فى «تُعْرَضُونَ».. أي تعرضون فى حال قد تكشفت فيها أحوال الناس وظهر ما فى سرائرهم، وحصّل ما فى صدورهم، فكان باطنهم كظاهرهم، يرونه هم، ويراه بعضهم من بعض
الآيات: (١٩- ٣٧) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٩ الى ٣٧]
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣)
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨)
هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)
وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)
— 1136 —
» التفسير:
بعد أن أنذرت الآيات السابقة الناس بالنفخ فى الصور، والبعث من القبور، ثم ساقتهم للعرض على الله، للحساب والجزاء- جاءت تلك الآيات بعدها لتضع الناس مواضعهم، وتنزلهم منازلهم يوم القيامة.. فهم سعداء وأشقياء.. أصحاب الجنة، وأصحاب النار..
وقوله تعالى:
«فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ..»
هو بيان لأحوال أهل السلامة فى هذا اليوم، يوم القيامة.. حيث تسير خطواتهم إلى الجنة، على هدى ونور من ربهم، وحيث تلقاهم البشريات على كل مرحلة من مراحل مسيرتهم إلى رضوان الله.
فمنذ يخرج المؤمن من هذه الدنيا، وتفارق روحه الجسد، وهو يرى مشاهد النجاة، وينشق أرواح الجنة، ويشم أريجها العطر.. كما يشير إلى هذا قوله تعالى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (٣٢: النحل) فهذه أولى بشريات المؤمن، وهو على أول الطريق إلى الله، والدار الآخرة..
فإذا كان يوم القيامة، ووقع النفخ فى الصور، وبعث الموتى من القبور-
— 1137 —
لم يحزن هؤلاء المؤمنون ولم يجزعوا، من فزع هذا اليوم، بل تتلقاهم الملائكة، تخفف عنهم من وقع الصدمة، وتخبرهم بأن هذا هو اليوم الذي وعدوا به، وعملوا له، وانتظروه.. وفى هذا يقول الله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» (١٠١- ١٠٣: الأنبياء).
فإذا سبق الناس إلى المحشر، وعرضوا للحساب، وجد كل إنسان كتاب أعماله فى يده، فمن كان من أصحاب الجنة، أخذ كتابه بيمينه، ومن كان من أهل النار، أخذ كتابه بشماله، وهنا يعرف الناس- فى صورة مجملة- المصير الذي سيصير إليه كل منهم، وهنا تعلو أهل المحشر أحوال شتى، تختلط فيها صيحات الفوز، وزغاريد الفرح، بأنّات الحسرة، وزفرات اليأس..
فمن أخذ كتابه بيمينه، تراه وقد استطاره الفرح، واستخفّه الظفر، فجعل يلوّح بكتابه، وينادى به فى الناس: أن اقرءوا كتابيه!! إنه يريد أن يشهد الناس معه هذه الحال التي هو فيها، وليشاركوه هذه الفرحة الكبيرة التي لا تحتملها نفسه!.
وقوله تعالى: «إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ» هو من مقولة صاحب الكتاب المأخوذ باليمين، لمن يلقى من أهل المحشر.. فهو إذ يأخذ كتابه بيمينه، يطير فرحا، فيحدّث كل من يلقاه من أهل المحشر، ويدعوهم إلى أن يقرءوا كتابه، وأن يروا ما فى وثيقة النجاح التي فى يده، من أعمال طيبة، وأن هذه الأعمال الطيبات، إنما هى التي أعدّها لهذه اليوم، وعملها فى دنياه، لأنه كان على يقين من أنه سيبعث وسيحاسب!!
— 1138 —
أرأيت إلى الناس فى ساجة القضاء، وقد نطق القاضي ببراءة بعض الناس، وإدانة البعض؟ إنه صورة مصغرة إلى أبعد حدود الصّفر، لحال الناس يوم القيامة، فى موقف الحساب والجزاء.
والظن هنا، ظن يقين، وليس ظنّ شك وتردد.
وفى التعبير عن الإيمان بالآخرة بلفظ «الظن»، الذي يغلب على معناه التوقع والاحتمال، لا اليقين- فى هذا ما يشير إلى أن الإيمان بالغيب- وإن وقع فى قلب المؤمن موقع اليقين، فإنه يظل فى منطقة الظن من عقله، حيث لا يسلم العقل السليم إلا بما يقع فى دائرة إدراكه، وتلك الدائرة لا يدخل فى محيطها ما كان من الغيبيات، وإنما يقع ذلك الغيب فى محيط القلب، وبقدر ما يكون فى القلب من اطمئنان، بقدر ما يقع فى العقل من إدراك، والعكس صحيح أيضا..
وليس الظن الغالب فى مقام الإيمان بالشيء، بالذي ينقص من قيمة هذا الإيمان، والعمل بمقتضاه، فإن أغلب معارفنا ومدركاننا مبنى على الظن الغالب، لا اليقين المحقق، ومع هذا فإننا نقيم وجودنا على هذه المعارف، وتلك المدركات..
ومثل هذا الظن ما جاء فى قوله تعالى: «لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ» (١٢: النور).
فهذا الظن الحسن الذي يدعى المؤمنون إليه، فى نظرتهم إلى ما يقع من إخوانهم المؤمنين، مما قد يكون موضع ريبة واتهام- هو كاف فى إمساك الألسنة عن قول السوء، والمسارعة إلى الاتهام.. فهو ظن عامل موجّه، لا ظن توقف وارتياب.
— 1139 —
قوله تعالى:
«فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ».
هو بيان لحال من أوتى كتابه بيمينه، وللجزاء الحسن الذي يلقاه يوم القيامة..
إنه سيكون فى عيشة راضية، أي فى حياة طيبة، يجد فيها الرضا كله، فى جميع أحواله..
وفى وصف العيشة بأنها هى الراضية، إشارة إلى أن حقيقة هذه العيشة هى الرضا نفسه، الذي يسع النفوس جميعا، على اختلاف مقاماتها ومنازعها..
وهذا أبلغ- فى مقام الرضا- من أن يكون الوصف بالرضا لمن يعيش فى المعيشة.. فقد يرضى الإنسان بلون من المعيشة، هى فى حقيقتها معيشة تافهة حقيرة، تأباها كثير من النفوس الكبيرة، وتراها شقاء وبلاء إذا هى حملت عليها..
فمن الناس من تكفيه اللقمة يشبع بها بطنه، ويراها أملا مرجوّا، إذا تحقق له، سعد به، ورضى عنه، وإن كان ذلك من فتات موائد القمار، والعهر، أو من شباك النصب والاحتيال، أو من صدقات المتصدقين، وإحسان المحسنين.. على حين أن كثيرا من الناس لا يرضيهم من العيش إلا أن يكونوا فى مقام الصدارة والسيادة، وإلا أن يضعوا فى أيديهم كل أسباب الملك والسلطان.
وهكذا تبدو المسافة بعيدة غاية البعد، بين ما يحقق الرضا لبعض النفوس، وما يحققه لبعض آخر منها..
— 1140 —
وقد تداول هذا المعنى كثير من الشعراء..
فعن النفوس النازلة، التي يرضيها التافه الحقير من نفايات الحياة، يقول المتنبي:
وفى الناس من يرضى بميسور عيشه ومركوبه رجلاه والنعل جلده!! وعن النفس العالية الكبيرة التي لا يرضيها إلا أن تأخذ مكانها مع مطالع النجوم ومسارات الكواكب، يقول المتنبي أيضا- ويعنى نفسه: -
وشرّ ما قنصته راحتى قنص شهب البزاة سواء فيه والرخم
فوصف المعيشة بأنها عيشة راضية، كما جاء بها النظم القرآنى، فى قوله تعالى: «فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» - وصفها بأنها هى العيشة الراضية- هو الوصف الذي يحقق الرضا لجميع النفوس، صغيرها وكبيرها، فلا يجد الإنسان- أي إنسان- حيث تقلّب فى هذه العيشة، إلا الرضا المطلق، الذي لا يتكلف له جهدا، وهى معيشة تنزل الناس جميعا منزلة عالية، وترتفع بنفوسهم عن كل ما هو دون محتقر..
أما ما يذهب إليه علماء البلاغة: من تخريج هذا المعنى، على ما يخرّجون عليه من قولهم: إن اسم الفاعل: «راضِيَةٍ» هو معدول به عن اسم المفعول «مرضىّ» أي مرضى عنها- ففيه إفساد للمعنى الذي تحمله المعجزة القرآنية فى كلمة «راضية» وحجب لوجهها المعجز الذي رأيناها عليه، فقد تكون المعيشة مرضية، وهى فى حقيقتها تافهة لا تتعلق بها إلا النفوس الصغيرة..
وقوله تعالى: «فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ» - هو بيان لتلك
— 1141 —
المعيشة الراضية، وكشف عن وجهها الكريم.
وأين يجدها الذين وعدهم الله بها؟ إنها فى جنة عالية، علوّا حسيا، ومعنويا، وإن قطوفها- أي ثمارها- دانية لمن يعيشون فيها، فليس علوّها هذا بالذي يبعد ثمرها عنهم.. بل إن ثمرها دان قريب، يجده طالبه حاضرا عتيدا بين يديه فى أي وقت يشاء.. كما يقول سبحانه: «وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا» (١٤: الإنسان).
فهذه هى العيشة الكريمة الراضية، التي تتعلق بها النفوس الكبيرة، وتتطلع إليها الهمم العالية..
قوله تعالى:
«كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ».
الخطاب هنا لأصحاب اليمين جميعا، وقد استقر بهم المقام الكريم فى الجنة، واجتمع بعضهم إلى بعض، وسعد بعضهم بلقاء بعض، ونازع بعضهم بعضا طيباتها وثمراتها.. ففى هذه المشاركة رضا إلى رضا، وسعادة إلى سعادة..
وقوله تعالى: «بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ» - إشارة إلى ما كان من المؤمنين من أعمال طيبة صالحة فى الأيام الخالية، أي الحياة الدنيا، التي خلّفوها وراءهم..
فالباء فى قوله تعالى: «بِما أَسْلَفْتُمْ» باء السببية.. أي «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً» أي طيبا، لا ينالكم مما تأكلون أو تشربون تخمة أو سوء هضم، أو نحو هذا، مما يقع للآكلين والشاربين فى الدنيا، وذلك بسبب ما قدمتم
— 1142 —
فى أيام حياتكم الدنيا، من صالح الأعمال.. «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً». (٢٢: الإنسان) قوله تعالى:
«وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ»..
هذا هو الوجه المقابل لأصحاب اليمين، وهم أصحاب الشمال..
وقد جاء بهم النظم القرآنى أفرادا لا جماعات، كما جاء بأصحاب اليمين أفرادا كذلك، لأن الحساب يوم القيامة، إنما يقوم على هذا الوجه، وهو أن يحاسب كل إنسان بما عمل، كما يقول سبحانه: «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً» (٩٥: مريم)..
فكل من أوتى كتابه بشماله، يلقاه هذا الكتاب بالحكم المحكوم به عليه، وهو أنه من أصحاب النار، فلا يكاد يقع ليده حتى يستبد به الهلع والفزع، ويركبه جنون الهول، فيظل يهدى، ويعوى، حتى تتقطع أنفاسه..
«يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ».. فلقد كان الأمر مستورا عنه قبل هذا الكتاب، فلما جاء الكتاب طلع عليه بهذا البلاء المبين..
فلقد عرف حسابه، وإنه لحساب خاسر، يهوى به إلى عذاب السعير..!!
وأين المفر؟ إنه لا مفر إلا بالموت.. «يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ».. ولكنها أمنية لن تتحقق أبدا.. فما أقسى الصبر على هذا البلاء، وما أشد الوقوع فى هذه المحنة التي يشتهى الموت فرارا منها!!
— 1143 —
قوله تعالى:
«ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ».
هو من هذيان هذا الشقىّ، الذي أحاطت به خطيئته.. إنه طلب الموت فما وجده.. وطلب ماله ليفتدى به نفسه من هذا العذاب، فما رآه.. واستنجد بكل ما كان له من قوة، وجاء، وسلطان، فلم يسعفه شىء.. «هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ»..!
وفى التعبير بقوله: «هلك» بدلا من ذهب.. إشارة إلى أن هذا السلطان لن يلقاه أبدا، ولن يعود إليه بحال.. لقد هلك، وما كان لهالك أن يتعلق به أمل..
قوله تعالى:
«خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ».
إنه بعد أن ترك هذا الشقىّ الأثيم، يهذى ويعوى، ويلهث، باحثا فى كل وجه، متطلعا إلى كل أفق، يطلب وجها للخلاص من هذا البلاء- إنه بعد أن ترك هكذا حتى تقطعت أنفاسه، وسقط إعياء- لم يترك لشأنه هذا، وما هو فيه من بلاء، بل قرع أذنه هذا الصوت الآمر، بأخذه، ووضع القيد فى عنقه، ثم سحبه إلى جهنم، وربطه هناك فى سلسلة طولها سبعون ذراعا!! وهل بقي مع هذا الشقىّ قوة، حتى يخشى من أن يفرّ من هذا المصير المساق إليه؟ إنه لا يقوى على الحركة، فكيف يفرّ؟ وإن فرّ، فإلى أين؟
— 1144 —
ولكن هذا القيد الذي أحاط بعنقه، وهذه السلسلة الطويلة التي يسحب منها، إنما هو إذلال له، وامتهان لكرامته بين الناس، ومعاملته معاملة الحيوان الذي يقاد من مقوده، ويربط فى حظيرته..
ولا نتجاوز بالحديث عن هذه الأدوات الجهنمية، من قيود، وسلاسل، ومقامع، وغيرها من أدوات النكال والتعذيب- لا نتجاوز بها الحدود التي يتسع لها اللفظ القرآنى.. فهناك- يقينا- أدوات عذاب- وقانا الله شرها- من سلاسل، وأغلال، ومقامع، وطعام من زقوم، وشراب من حميم، وغير ذلك مما ورد ذكره فى القرآن الكريم.. ولكن ما صفة هذا؟ ولم كان طول السلسلة سبعين ذراعا؟. هذا مالا نتكلف البحث عنه، وطلب الجواب له..! وحسبنا أن نقول كما علمنا الله أن نقول فى مثل هذا المقام: «آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» (٧: آل عمران).
قوله تعالى:
«إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ».
هو بيان للسبب الذي من أجله صار هذا الشقىّ إلى هذا المصير المشئوم..
«إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ» الذي ملك بعظمته وسلطانه أمر هذا الوجود، والتصرف فيه كما يشاء، دون أن يكون لأحد سلطان معه.
وفى وصف الله سبحانه وتعالى بالعظمة هنا، إشارة إلى أن هذا اليوم- يوم القيامة- يتعرّى فيه كل ذى سلطان من سلطانه.. فقد كان للناس فى الدنيا، شىء من الإرادة، والتصرف، والملك والسلطان، ولكنهم فى هذا اليوم سلبوا كل شىء، وتعرّوا من كلّ شىء.. ولهذا يقول الحق سبحانه فى هذا اليوم: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟» فيجيب الوجود كله: «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ».
— 1145 —
وفى قوله تعالى.. «وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ».. إشارة إلى ما لرعاية المساكين والعطف عليهم من تقدير واعتبار، فى مقام الإيمان، حيث جاء ذلك بعد الإيمان بالله، معطوفا عليه، وموازنا له.. وهذا يعنى أن من الإيمان بالله العطف والإحسان إلى عباد الله، إذ كان هؤلاء المساكين هم ضيوف الله، فمن أكرمهم لله، أكرمه الله، ومن أهانهم، وأمسك يده عنهم، أهانه الله، وأمسك رحمته عنه.
والحضّ على الشيء: الحثّ عليه، وإغراء الغير به..
وفى التعبير عن الدعوة إلى إطعام المسكين، بلفظ «الحضّ».. إشارة إلى ما فى الطبيعة الإنسانية من شحّ وبخل، وحبّ للذات.. وأن الإحسان إلى الفقراء لا يكون إلا عن مغالبة هذه الطبيعة، وحمل النفس على ما يخالف هواها..
وهذا إنما يكون عن مراودة بين الإنسان ونفسه، وحثها على البذل والسخاء.
ثم إن فى بذل الإنسان، وسخائه فى وجوه البر والمعروف، حضّا صامتا على إشاعة الإحسان بين الناس، حيث يرى فيه الناس قدوة حسنة فى هذا المقام.
قوله تعالى:
«فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ».
فهذا هو جزاء من لم يؤمن بالله العظيم، ولم يحضّ على طعام المسكين..
إنه لا صديق له يدفع عنه هذا العذاب، لأنه لم يكن له من عباد الله صديق ينال من خيره وبرّه.. فإذا ضاقت به الحال فى هذا اليوم، فإنه لا يجد المعين الذي يمينه، لأنه لم يقدم لأحد عونا فى حياته الدنيا..
— 1146 —
ثم لأنه لم يطعم المسكين، وتركه يمضغ الجوع، والحرمان- فليس له فى هذا اليوم طعام إلا من غسلين، أي من صديد، مما يفرزه المعذّبون بنار جهنم..
فهو يتغذّى من هذه الإفرازات الذاتية التي تفرز من جسده المحترق، كما ترك هو الجائع المسكين يتغذّى من داخل جسده، ويأكل بعض أعضائه بعضا..
وقوله تعالى: «لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ» هو وصف لهذا الطعام الجهنمىّ..
إنه طعام أصحاب الخطايا والآثام، طعام المجرمين، لا طعام لهم إلا هذا الطعام، وما أشبهه! هذا، وفى خطاب أصحاب اليمين بلفظ الجمع فى قوله تعالى: «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ».. مضاعفة لنعيمهم، وزيادة فى تكريمهم، إذ يجمعهم الله على بساط هذا النعيم، حيث يأنس بعضهم ببعض، وحيث يتنازعون كئوس الخمر التي يطوف عليهم بها الولدان المخلدون.. «عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ».
وعلى عكس هذا، قد أفرد أصحاب الشمال فى عذاب الجحيم، وحتى لكأنما كل واحد منهم قد اشتمل عليه العذاب وحده، لا يشاركه فيه أحد، مما قد يكون مصدر عزاءله.. وفى هذا مضاعفة لعذابه، وبلائه.. «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ».. إن هذا أشبه بالحبس الانفرادى، الذي يعانى فيه أهله، تلك الوحشة القاتلة، التي تجمع هموم الدنيا كلها فى قلوبهم، غير مشارك لهم فيها أحد..
الآيات: (٣٨- ٥٢) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ٣٨ الى ٥٢]
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧)
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)
— 1147 —
التفسير:
قوله تعالى:
«فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ».
القسم هنا منفى بلا النافية فى قوله تعالى «فَلا أُقْسِمُ» وليست «لا» زائدة كما يذهب إلى ذلك كثير من المفسرين.. فنحن على رأى واحد فى أن لا زيادة فى حرف أو كلمة فى نظم القرآن! وهذا القسم المنفي. إما أن يكون نفيه لأن المقسم عليه، وهو القرآن الكريم، وبأنه قول رسول كريم- حقيقة ثابتة، ظاهرة، لا تحتاج إلى قسم..
وإما أن يكون المقسم لهم- وهم هؤلاء- المشركون، لا يصدّفون بهذا الحديث، سواء حلف لهم عليه أم لم يحلف.. وإذن فالأولى أن يكون الحديث إليهم مرسلا من غير قسم، لأن من لا يصدق المتحدّث إليه، بغير قسم،
— 1148 —
لا يصدقه إذا هو أقسم، بل إن القسم ربما زاد من شكوكه فى صدق من يحدّثه.
والذي نبصره، هو ما يقع تحت حواسنا ومدركاننا من هذا الوجود والذي لا نبصره، هو ما لا يقع تحت الحسّ والإدراك، وهو هذا الوجود العظيم، الذي مبلغ علمنا به لا يتجاوز قطرة من محيطات..
وقوله تعالى:
«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ».
هو المقسم عليه.. وهو القرآن الكريم، وأنه قول رسول كريم.
والرسول الكريم، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يحدّث القوم بآيات الله التي يتلوها عليهم..
ونسبة قول القرآن الكريم إلى الرسول، لأنه هو الذي يتحدث به، ويبلغه إلى الناس، على أنه كلام الله، ومن عند الله..
فمعنى القول هنا «البلاغ».. أي هذا القرآن هو بلاغ من رسول كريم، لا أنه من كلامه هو، ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك: «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» ليقرر هذه الحقيقة، كما جاء بعد هذا قوله سبحانه: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» ليؤكد هذه الحقيقة، ويقطع كل شبهة بأن لرسول الله شيئا من هذا القرآن الذي يتلوه على الناس، وإنما هو من كلام ربّ العالمين..
وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بقوله تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» جبريل عليه السلام، أمين الوحى..
— 1149 —
وهذا- والله أعلم- مما يحتمله النظم القرآنى، وإن كان الأولى عندنا أن يكون المراد بالرسول الكريم، هو رسول الله، إذ كان الموقف هنا موقف دفاع عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وردّا على اتهام المشركين له بأنه كاهن، وبأنه شاعر.. فكان المقام يقضى بأن يوضع الرسول بموضعه الصحيح، وهو أنه رسول كريم، وأن ما ينطق به ليس من منطق الكهانة ولا الشعر، وإنما هو منطق مبعوث كريم من ربّ العالمين، يبلّغ ما أرسل به إلى عباد الله.
وفى وصف الرسول بأنه «كريم» - إشارة إلى أنه يقدّم هذا الخير العظيم للناس، فى سخاء، ويبذله، فى غير منّ، لا يطلب عليه أجرا..
قوله تعالى:
«وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ.. قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ».
هو نفى لتهمة الشعر التي يلصقها المشركون بالقرآن.. فالرسول ليس بشاعر، وما ينطق به ليس من باب الشعر، ولا من واردات الشعراء أبدا..
والله سبحانه وتعالى يقول: «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ» (٦٩: يس) وقوله تعالى: «قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ».. أي أنه مع وضوح هذه الحقيقة وضوحا لا يحتاج إلى طول بحث، ومعاناة نظر، فإنكم أيها المشركون تتمارون فى هذه الحقيقة، وترفضون الإيمان بها، وإن وقع لكم شيء من الإيمان بأن هذا الكلام ليس من أودية الشعر، فإنه سرعان ما يغلبكم الهوى، ويطغى عليكم الضلال، فتركبون الحماقة، وتردّدون هذا القول الذي يكذبكم به الواقع المحسوس، إذ كان إيمانكم إيمانا قليلا.. فى كيفه وكمّه..
— 1150 —
قوله تعالى:
«وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ.. قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ»..
أي وليس هذا القرآن من قول كاهن، لأن لغة الكهانة لغة غامضة، معمّاة بالألغاز.. وهذا كلام عربىّ مبين..
وقوله تعالى: «قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» استبعاد لهم من أن يرجعوا إلى عقولهم، وأن يعرضوا عليها هذا الذي يسمعونه من آيات الله، وهذا الذي يحفظونه من مقولات الكهان ليروا بعد ما بينهما، وأنه إن كان لهم من هذا ذكر، فهو أشبه بأطياف الأحلام، لا يلبث أن يقع فريسة للجهل والغفلة..
قوله تعالى:
«تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ».
هو قولة الحقّ فى القرآن الكريم، وأنه منزل من رب العالمين، ليس من كلام بشر، أيّا كان، شاعرا، أو كاهنا، أو حكيما، أو عالما..
قوله تعالى:
«وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ».
هو استبعاد لأن يكون من رسول الله فى هذا القرآن كلمة من عنده، أضافها إليه، ثم أسندها إلى الله.. فإنه لو فعل ذلك- ومحال أن يفعله- لكان عقابه أشد العقاب من الله.. «لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» أي لأمسكنا به من يمينه..
«ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» أي لذبحناه، وقطعنا وريده، الذي هو ينبوع الحياة.
ثم لم يكن لأحد منكم أن يمنع عنه هذا العقاب الذي تأخذه به، ويحجز بينه وبين الجزاء الذي نوقعه عليه. «فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ»
— 1151 —
وإذن، فلم يكذب محمد؟ ولم يقول على الله ما لم يقله الله؟
ألأجل نفسه يفعل هذا؟ إنه لم يطلب أجرا، ولم ينل منكم كثيرا أو قليلا.. بل كل ما كان له منكم هو هذا الأذى المتصل، وتلك السفاهة الحمقاء.. أم لأجلكم أنتم كان هذا الافتراء؟ ولم يعرّض نفسه لا نتقامنا، وأنتم لن تدفعوا عنه ما نأخذه به من عقاب؟
إن الذي يغامر هذه المغامرة، إما إن تكون لحساب نفسه، ومن أجل هذا يحتمل ما يحتمل فى سبيلها.. وإما أن يكون لحساب غيره الذي يجد منه الحماية ساعة الخطر..
فإذا لم يكن هذا أو ذاك، فإنه يصبح من المحال أن تقع منه تلك المغامرة بالافتراء على الله، لغير سبب معقول، أو حكمة ظاهرة.
قوله تعالى:
«وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ»..
هذا هو القرآن الكريم.. إنه ليس بقول شاعر، ولا بقول كاهن، ولا متقوّل من رسول الله على الله، وإنما هو تنزيل من رب العالمين.. وهو تذكرة للمتقين، يذكرهم بما فى فطرتهم السليمة، من إيمان بالله، وتقبّل للحق والخير.. فهل بقي لكم من فطرتكم- أيها المشركون- شىء تلتقى به مع الحق، وتؤمن به؟
قوله تعالى:
«وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ».
هو تهديد لهؤلاء المشركين، الذين يكذبون بآيات الله، وأن الله سبحانه وتعالى يعلم المكذبين بهذا الحديث، والمتهمين للرسول، وإن وراء هذا العلم
— 1152 —
حسابا، وجزاء، وعذابا أليما.. وفى خطاب المشركين بأن منهم مكذبين..
إشارة إلى أن كثيرا منهم كان يعلم صدق النبي، ولكن الكبر والعناد يحولان بينهم وبين الخضوع للحق، والولاء له، كما يقول سبحانه: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» (٣٣: الأنعام).
قوله تعالى:
«وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ»..
وأي وإن هذا القرآن لحسرة على الكافرين، يوم ينكشف لهم أنهم بتكذيبهم له، وكفرهم به، قد وردوا النار، وألقوا فى العذاب المهين..
فتمتلىء لذلك قلوبهم حسرة وكمدا، لأنهم لم يؤمنوا به، ولم يأخذوا طريق النجاة على هداه.. لقد كان مركب نجاة أقلعت، ولن يلحقوا بها..
قوله تعالى:
«وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ»..
أي هذا القرآن هو حق من حق.. وأنه الحق المستيقن، الذي لا يأت يه باطل من بين يديه ولا من خلفه.. وفى إضافة الحق إلى اليقين، إشارة إلى أنه من موارد اليقين، وأنه حق هذا اليقين، وخلاصة ما فيه.. فهو حقّ مصفّى من حق، إن كان الحق فى حاجة إلى تصفية!! قوله تعالى:
«فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ».
هو دعوة للرسول الكريم أن يلقى هذه المنّة العظيمة بنزول القرآن عليه، بتسبيح ربه العظيم، وبحمده، وتنزيهه، والولاء له.. فهذا هو بعض ما ينبغى فى مواجهة نعم الله، وفى مقام الشكر عليها..
— 1153 —
وإذا كان القرآن الكريم هو مأدبة الله التي يصعم منها المؤمنون، وينالون منها الشّبع لقلوبهم، والرىّ لأرواحهم- فإن التسبيح باسم الله العظيم مطلوب منهم، بعد هذا الشبع، وذلك الري، للقلوب والأرواح.. فلينتظموا صفوفا وراء إمامهم الكريم، رسول الله، وليسبحوا معه باسم ربهم العظيم..
والتسبيح باسم الله، هو تسبيح لذات الله سبحانه وتعالى، فى اسمه الكريم، أما ذاته سبحانه فلا يعرف لها كنه، ولا يقع لها فى العقل تصور، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
— 1154 —
٧٠- سورة المعارج
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الحاقة..
عدد آياتها: أربع وأربعون آية..
عدد كلماتها: مائتان وثلاث عشرة كلمة..
عدد حروفها: سبعمائة وسبعة وخمسون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
كان مما تحدثت عنه آيات سورة «الحاقة» ما يلقى الكافرين من عذاب ونكال يوم القيامة.. وأنهم يسحبون فى سلاسل إلى النار، ويسجرون فيها، ثم يطعمون غسلينها وزقومها..
وهذا الحديث عن النار، وما يلقى فيها المكذبون بآيات الله وبرسل الله، من عذاب وهوان- هذا الحديث لا يلقى من المشركين إلا الهزء والسخرية، والتحدّى، لأنهم لا يؤمنون بالبعث.. ومن ثم فلا يصدقون بما وراء البعث من من حساب وجزاء.. وإنه لتبلغ بهم الجرأة فى التكذيب أن يقول قائلهم:
«اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (٣٢: الأنفال).
ولهذا جاءت سورة «المعارج» مفتتحة بهذا الوعيد، لتواجه به المكذبين بيوم القيامة، ولتلقاهم بالعذاب الذي أنذروا به، والذي يستعجلونه، هزؤا به، وسخرية منه.
وبهذا نجد التلاحم بين السورتين، أكثر من أن يكون تلاحم جوار، وإنما هو تلاحم نسب وقرابة.
— 1155 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

4 مقطع من التفسير

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا