تفسير سورة آل عمران

لطائف الإشارات
تفسير سورة سورة آل عمران من كتاب تفسير القشيري المعروف بـلطائف الإشارات .
لمؤلفه القشيري . المتوفي سنة 465 هـ

ويشهد بسره «الله»، ويتملق «١» بظاهره بين يدى الله، ويتحقق بسرّه الله، ويخلو بأحواله لله وفى الله فلا يكون فيه نصيب لغير الله، وإذا أشرف على أن يصير محوا فى الله لله بالله تداركه الحق سبحانه برحمته فيكاشفه بقوله «٢» الرحمن الرحيم استبقاء لمهجتهم أن تتلف، وإرادة فى قلوبهم أن تنقى فالتلطف سنّة منه سبحانه لئلا يفنى أولياؤه بالكلية.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)
أشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك، فأنت فى أسر الغفلة لا تهتدى إلى صلاحك ورشدك، وهو مجر ما يجبرك، وكاف بما ينصرك، فبغير سؤالك- بل بغير علمك بحالك- يكفيك من حيث لا تشعر، ويعطيك من غير أن تطلب.
والإشارة من اللام إلى لطفه بك فى خفىّ السّر حتى أنه لا يظهر عليك محل المنة فيما يثبتك فيه. والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات الطّلبة من الأولياء، فلا يتحرك فى العالم شىء، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل الرضا منهم حتى أن قائلا لو قال فى قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» إن ذلك الشأن تحقيق مراد الأولياء- لم يكن ذلك ببعيد.
ويقال تفرّق عن القلوب- باستماع هذه الحروف المقطعة التي هى خلاف عادة الناس فى التخاطب- كلّ معلوم ومرسوم، ومعتاد وموهوم، من ضرورة أو حسّ أو اجتهاد، حتى إذا خلت القلوب عن الموهومات والمعلومات، وصفىّ الأسرار عن المعتادات والمعهودات يرد هذا الاسم وهو قوله: «الله» على قلب مقدّس من كل غير، وسرّ مصفىّ عن كل كيف فقال «الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ».
فهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك، ولا يسهو فتبقى عنه، فهو على عموم أحوالك رقيب سرّك إن خلوت فهو رقيبك، وإن توسطت الخلق فهو رقيبك «٣»، وفى الجملة- كيفما دارت بك الأحوال- فهو حبيبك.
(١) استخدم القشيري هذا الفعل فى موضع مماثل عند قوله (تذكير ما سلف من الإنعام فتح لباب التملق فى اقتضاء أمثاله فى المستقبل) وفى موضع آخر (فيحمله صدق الإرادة على التملق والتضرع ص ٢٤٨ من هذا الجزء.
(٢) وردت (بقو).
(٣) وردت فهو (قريبك) والمعنى يحتملها ولكن الانسجام فى الأسلوب يتطلب (رقيبك) مكررة
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣ الى ٤]
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)
وما كنت يا محمد تدرى ما الكتاب، ولا قصة الأحباب، ولكنما صادفك اختيار أزلىّ فألقاك فى أمر عجيب شانه، جلىّ برهانه، عزيز محلّه ومكانه.
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ.
أي محققا لموعوده لك فى الكتاب على ألسنة الرسل عليهم السلام.
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ.
أي إنا وإن أنزلنا قبلك كتبنا على المرسلين فما أخلينا كتابا من ذكرك، قال قائلهم:
وعندى لأحبابنا الغائبين... صحائف ذكرك عنوانها
وكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زيّنا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار.
قوله جل ذكره: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.
وهو ذلّ الحجاب، ولكنهم لا يشعرون.
«وَاللَّهُ عَزِيزٌ» على أوليائه «ذُو انْتِقامٍ» من أعدائه، عزيز يطلبه كل أحد، ولكن لا يجده- كثيرا- أحد.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٥]
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥)
لا يتنفس عبد نفسا إلا والله سبحانه وتعالى محصيه «١»، ولا تحصل فى السماء والأرض ذرة لا وهو سبحانه محدثه ومبديه، ولا يكون أحد بوصف ولا نعت إلا هو متوليه.
هذا على العموم، فأمّا على الخصوص: فلا رفع أحد إليه حاجة إلا وهو قاضيها، ولا رجع أحد إليه فى نازلة إلا وهو كافيها.
(١) وردت (محيصة) وهى خطا من الناسخ.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦]
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)
هذا فيما لا يزال من حيث الخلقة، وهو الذي قدّر أحوالكم فى الأزل كيف شاء، وهذا فيما لم يزل من حيث القضاء والقسمة.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
فلا يعقّب حكمه بالنقض، أو يعارض تقديره بالإهمال والرفض.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)
جنّس عليهم الخطاب فمن ظاهر واضح تنزيله، ومن غامض مشكل تأويله. القسم الأول لبسط الشرع واهتداء أهل الظاهر، والقسم الثاني لصيانة الأسرار عن اطلاع الأجانب عليها، فسبيل العلماء الرسوخ فى طلب معناه على ما يوافق الأصول، فما حصل عليه الموقوف فمقابل بالقبول، وما امتنع من التأثر فيه بمعلول الفكر سلّموه إلى عالم الغيب.
وسبيل أهل الإشارة والفهم إلقاء السمع بحضور القلب، فما سنح لفهومهم من لائح التعريفات بنوا (عليه) «١» إشارات الكشف.
(١) فى ص (بنوا على) والأصوب (بنوا عليه) حتى تتماسك العبارة لأن الإشارة تنبنى على التعريف.
إن (طولبوا) «١» باستدامة الستر وطىّ السّر تخارسوا عن النطق، وإن أمروا بالإظهار والنشر أطلقوا بيان الحق، ونطقوا عن تعريفات الغيبة، فأمّا الذين أيّدوا بأنوار البصائر فمستضيئون بشعاع شموس الفهم، وأمّا الذين ألبسوا غطاء الريب، وحرموا لطائف التحقيق، فتنقسم بهم الأحوال وتترجّم بهم الظنون، ويطيحون فى أودية الرّيب والتلبيس، فلا يزدادون إلا جهلا على جهل، ونفورا على شك.
قوله جل ذكره: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
ومن وجد علمه من الله فيكون إيمانهم بلا احتمال جولان خواطر التجويز بل عن صريحات الظهور، وصافيات اليقين. وأمّا أصحاب العقول الصاحية ففى صحبة التذكر، لظهور البراهين و (....) «٢» أحكام التحصيل.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨]
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)
ما ازدادوا قربا إلا ازدادوا أدبا، واللياذ إلى التباعد أقوى أسباب رعاية الأدب «٣».
ويقال حين صدقوا فى حسن الاستغاثة أمدّوا بأنوار الكفاية.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩]
رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)
اليوم جمع الأحباب على بساط الاقتراب، وغدا جمع الكافة لمحل الثواب والعقاب،
(١) فى ص (طالبوا) والأوفق أن تبنى للمجهول مثل (أمروا) التي بعدها، لأن فاعليتهم حينئذ مفقودة.
(٢) مشتبهة.
(٣) ربما يقصد القشيري من هذه العبارة أنهم أبدا طامعون فى الهداية محتاجون- لا لأعمالهم- بل لفضل الله، ومهما أسبغ عليهم يشعرون بأنهم ما زالوا بعيدين عن التمام، وعلى هذا التفسير تنسجم هذه العبارة مع سابقتها «ما ازدادوا قربا إلا ازدادوا أدبا».
اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال، وغدا جمع الأبشار لشهود الأحوال، ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)
فلا فداء ينفعهم، ولا غناء يدفعهم، ولا مال يقبل منهم، ولا حجاب يرفع عنهم، ولا مقال يسمع فيهم، بهم يسعّر الجحيم، ولهم الطرد الأليم، والبعد والحميم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١]
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)
أصرّوا فى العتوّ على سننهم، وأدمنا لهم فى الانتقام سنننا، فلا عن الإصرار أقلعوا، ولا فى المبارّ طمعوا، ولعمرى إنهم هم الذين ندموا وتحسّروا على ما قدّموا- ولكن حينما وجدوا الباب مسدودا، والندم عليهم مردودا.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٢]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢)
أخبرهم أنهم يفوتهم حديث الحق فى الآجل «١»، ولا تكون لهم لذة عيش فى العاجل، والذي يلقونه فى الآخرة من شدة العقوبة بالحرقة فوق ما يصيبهم فى الدنيا من الغيبة عن الله والفرقة «٢»، ولكن سقمت البصائر فلم يحسوا بأليم العقاب.
(١) يشير القشيري بهذا إلى الآية الكريمة «لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ». [.....]
(٢) أما الخواص فيرون رؤية الله منتهى آمالهم، وصدّه عنهم أشد عليهم من عذاب السعير، يقول البسطامي: «لله خواص من عباده لو حجبهم فى الجنة عن رؤيته ساعة لاستغاثوا بالخروج من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٣]
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)
إذا أراد الله إمضاء أمر قلّل الكثير فى أعين قوم، وكثّر القليل فى أعين قوم، وإذا لبّس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم، وإذا فتح أسرار آخرين فلا يضرهم انسداد بصائرهم «١».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤]
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)
يذكر بعض الشهوات على ما سواها مما هو فى معناها، وفى الجملة ما يحجبك عن الشهود فهو من جملتها. وأصعب العوائق فى هذه الطريق الشهوة الخفية. وأداء الطاعات على وجه الاستحلاء معدود عندهم فى جملة الشهوة الخفية. ومن المقاطع المشكلة السكون إلى ما يلقاك به من فنون تقريبك، وكأنه فى حال ما يناجيك يناغيك، فإنه بكل لطيفة يصفك (فيطريك) «٢» وتحتها خدع خافية. ومن أدركته السعادة كاشفه بشهود جلاله وجماله (لا) «٣» بإثباته فى لطيف أحواله وما يخصه به من أفضاله وإقباله.
(١) من هذا نفهم أن ترتيب ملكات الاطلاع عند القشيري هو على هذا النحو: البصر ثم البصيرة ثم السر
(٢) مستدركة فى الهامش فأثبتناها فى موضعها.
(٣) نظن أن (لا) زائدة لأن السعادة التي تدرك العبد لا تتم إلا (بإثباته فى... ).
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥]
قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥)
بيّن فضيلة أهل التقوى على أرباب الدنيا، فقال: هؤلاء لهم متابعة المنى وموافقة الهوى وأولئك لهم الدرجات العلى، والله بصير بالعباد أنزل كل قوم منزله، وأوصله إلى ما له أهلّه.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٦]
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦)
أي ينقطعون إلينا بالكلية، ويتضرعون بين أيدينا بذكر المحن والرزية، أولئك ينالون منا القربة والخصوصية، والدرجات العليّة، والقسم المرضيّة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧]
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)
الصبر حبس النّفس، وذلك على ثلاث مراتب:
صبر على ما أمر به العبد، وصبر عما نهى عنه وصبر هو الوقوف تحت جريان حكمه على ما يريد إمّا فى فوات محبوبك أو هجوم ما لا تستطيعه «١».
فإذا ترقيت عن هذه الصفة- بألا تصيبك مشقة أو تنال راحة- فذلك رضا لا صبر «٢».
ويقال الصابرين على أمر الله، والصادقين، فيما عاهدوا الله.
و «القانتين»، بنفوسهم بالاستقامة فى محبة الله.
(١) فوات المحبوب صدّه عنك وهجره لك، والهجوم الذي لا تستطيعه هو الذي (يرد على القلب بقوة الوقت من غير تصنع منك، ومنهم من تصرفه الهواجم ومنهم من يكون فوق ما يفجؤه حالا وقوة، أولئك سادات الوقت) الرسالة ص ٤٤.
(٢) لاحظ الفرق بين الرضا والصبر.
224
و «المستغفرين» عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم فى الله «١» ويقال: «الصابرين» بقلوبهم و «الصادقين» بأرواحهم و «القانتين» بنفوسهم، و «المستغفرين» بألسنتهم.
ويقال «الصابرين» على صدق القصود و «الصادقين» فى العهود و «القانتين» بحفظ الحدود و «المستغفرين» عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد.
ويقال «الصابرين» الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا من التعب، وهجروا كل راحة وطلب. وصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى وصلوا إلى المولى، ولم يقطعهم «٢» شىء من الدنيا والعقبى.
و «الصادقين» الذين صدقوا فى الطلب فقصدوا، ثم صدقوا حتى وردوا، ثم صدقوا حتى شهدوا، ثم صدقوا حتى وجدوا، ثم صدقوا حتى فقدوا... فترتيبهم قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود «٣».
و «القانتين» الذين لازموا الباب، وداوموا على تجرّع الاكتئاب، وتركوا المحاب، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب.
و «المنفقين» الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال، (ثم جادوا بميسورهم من الأموال) «٤»، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال، ثم جادوا بترك كل حظ لهم فى العاجل الآجل، استهلاكا عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام والاستئصال «٥».
و «المستغفرين» عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الاسحار يعنى ظهور الإسفار، وهو فجر القلوب لا فجر يظهر فى الأقطار.
(١) قارن ذلك بما يحكيه المناوى في (طبقاته) وابن الجوزي فى (صفة الصفوة) عن رابعة أنها كانت تردد: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار لعدم الصدق فيه).
(٢) قواطع الدنيا معروفة أما قواطع العقبى فهى تعليق العمل المبذول بالأجر، إما الطمع فى المثوبة أو الخوف من العقوبة.
(٣) هذا تلخيص دقيق للمعراج الروحي ينبغى أن نتمهل عنده لحسن فهمه واستيعابه.
(٤) مستدركة فيما بين السطور فأثبتناها فى موضعها.
(٥) الاستئصال هو الذي عبر عنه القشيري فى رسالته بقوله: (كأس تصطمهم منهم وتفنيهم وتختطفهم ولا تبقهم، كأس لا تبقى ولا تذر، تمحوهم بالكلية، ولا تبقى شظية من آثار البشرية) الرسالة ص ٤٣
225
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨]
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
أي علم الله وأخبر الله وحكم الله بأنه لا إله إلا هو، فهو شهادة الحق للحق بأنه الحق، وأوّل من شهد بأنه الله- الله، فشهد فى آزاله بقوله وكلامه وخطابه الأزلى، وأخبر عن وجوده الأحدى، وكونه الصمدى، وعونه القيومى، وذاته الدعومى، وجلاله السرمدي، وجماله الأبدى. فقال: «شَهِدَ اللَّهُ» ثم فى آباده، «شَهِدَ اللَّهُ» أي بيّن الله بما نصب من البراهين، وأثبت من دلائل اليقين، وأوضح من الآيات، وأبدى من البينات. فكلّ جزء من جميع ما خلق وفطر، ومن كتم العدم أظهر، وعلى ما شاء من الصفة الذاتية حصل، من أعيان مستقلة، وآثار فى (ثانى) «١» وجودها مضمحلة، وذوات للملاقاة قابلة، وصفات فى المحالّ متعاقبة- فهو لوجوده مفصح، ولربوبيته موضّح، وعلى قدمه شاهد، وللعقول مخبر بأنه واحد، عزيز ماجد، شهد سبحانه بجلال قدره، وكمال عزه، حين لا جحد ولا جهود «٢» ولا عرفان لمخلوق ولا عقل، ولا وفاق، ولا كفر، ولا حدثان، ولا غير، ولا إلحاد، ولا شرك، ولا فهم ولا فكر، ولا سماء ولا فضاء، ولا ظلام ولا ضياء، ولا وصول للمزدوجات «٣»، ولا فضول باختلاف الآفات.
قوله جل ذكره: وَالْمَلائِكَةُ لم يؤيّد شهادته بوحدانيته بشهادة الملائكة بل أسعدهم وأيّدهم، حين وفّقهم بشهادته وسدّدهم، وإلى معرفة وجدانيته أرشدهم.
قوله جل ذكره: وَأُولُوا الْعِلْمِ وهم أولياء بنى آدم إذ علموا جلال قدرته، وعرفوا نعت عزته فأكرمهم حيث قرن شهادته بشهادتهم، فشهدوا عن شهود وتعيين، لا عن ظن وتخمين، إن لم يدركوه- اليوم-
(١) ربما كانت فى الأصل فى (شان) وجودها... بتخفيف الهمز.
(٢) ربما كانت فى الأصل (جحود)، ويحتمل أنها (جهود) فيكون المقصود الجهود الإنسانية الكسبية.
(٣) ربما قصد منها كل شىء وضده، وربما كانت (للدرجات). [.....]
ضرورة وحسّا، لم يعتقدوه ظنّا وحدسا تعرّف إليهم فعرفوه، وأشهدهم فلذلك شهدوا، ولو لم يقل لهم إنه من هو لما عرفوا من هو.
ولكنّ العلماء يشهدون بصحو عقولهم، والموحّدون يشهدون بعد خمودهم فهم كما قيل:
مستهلكون بقهر الحق قد همدوا واستنطقوا بعد افتنائهم بتوحيد
فالمجرى عليهم ما يبدو منهم- سواهم، والقائم عنهم بما هم عليه وبه- غيرهم، ولقد كانوا لكنهم بانوا، قال قائلهم:
كتابى إليكم بعد موتى بليلة ولم أدر أنّى بعد موتى أكتب
وأولو العلم على مراتب: فمن عالم نعته وفاق ورهبانية، ومن عالم وصفه فناء وربّانية، وعالم يعرف أحكام حلاله وحرامه، وعالم يعلم أخباره وسننه وآثاره، وعالم يعلم كتابه ويعرف تفسيره وتأويله، ومحكمه وتنزيله، وعالم يعلم صفاته ونعوته ويستقوى حججه وتوحيده بحديث يخرجه (....) «١»، وعالم لاطفه حتى أحضره ثم كاشفه فقهره، فالاسم باق، والعين محو، والحكم طارق والعبد محق، قال قائلهم.
بنو حق غدوا بالحق صرفا فنعت الخلق فيهمو مستور
وليست الإشارة من هذا إلا إلى فنائهم عن إحساسهم، وعند علمهم بأنفسهم، فأما أعمالهم «٢» أعيانهم فمخلوقة، وما يفهم بذواتهم من أحوالهم فمسبوقة، وذات الحق لا توصف بقبول حدثان، وصفات ذاته لا تقبل اتصالا بالغير ولا انفصالا عن الذات، تقدّس الحق عن كل ضدّ وندّ، ووصل وفصل، وجمع وفرق، وعين وخلق، وملك وفلك، ورسم وأثر، وعبد وبشر، وشمس وقمر، وشخص وغبر.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩]
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩).
(١) مشتبهة.
(٢) نرجح أنه فى الأصل (وأعيانهم) وأن الواو سقطت من الناسخ أي أنهم وما يصنعون- من خلق الله، وذلك الأصل من الأصول الكلامية عند القشيري.
الدّين الذي يرتضيه، والذي حكم لصاحبه بأنه يجازيه ويعليه، وبالفضل يلقّيه- هو الإسلام.
والإسلام هو الإخلاص والاستسلام، وما سواه فمردود، وطريق النجاة على صاحبه مسدود.
قوله جل ذكره: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ.
جاءهم العلم الذي عليهم حجة، لا المعرفة التي لها بيان ومحجة، فأصروا على الجحود، لأنهم حجبوا عن محل الشهود.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٠]
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)
طالعهم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال فى شهود اختلافهم وتباين أطوارهم فإنّ من طالع الكائنات بعين القدرة علم أن المثبت للكلّ- على ما اختص به كل واحد من الكل- واحد.
فادعهم جهرا بجهر، واشهد تصريفنا إياهم سرّا بسر، واشغل لسانك بنصحهم، وفرّغ قلبك عن حديثهم، وأفرد سرّك عن شهودهم، فليس الذي كلفناك من أمورهم إلا البلاغ، والمجرى للأمور والمبدى- نحن.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢١]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١)
إن الذين ربطناهم بالخذلان ووسمناهم بوصف الحرمان- أخبرهم بأن إعراضنا عنهم مؤبد، وأن حكمنا سبق بنقلهم عن دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان والحرمان إلى العقوبة والنيران.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٢]
أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)
أولئك الذين ليس لهم- اليوم- توفيق بأعمالهم، ولا غدا تحقيق لآمالهم، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا فى الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عزّنا وقدرتنا.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٣]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
امتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون، فاصبر على ما أمرت فيهم، واعلم سوء أحوالهم، فإنهم أهل التولّى عن الإجابة، لأنهم فقدوا منا حسن التجلي بسابق الإرادة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٤]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)
عاقبناهم فى الدنيا بالاستدراج حتى حكموا لأنفسهم بالنجاة وتخفيف العقاب، وسوف يعلمون تضاعف البلاء عليهم، ويحسبون أنهم على شىء ألا إنهم هم الكاذبون.
ظن المخطئون حكما...

[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٥]

فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)
هذه كلمة تعجب لما أخبر به عن تعظيم الأمر، وتفخيم الشأن عند بهتة عقولهم ودهشة أسرارهم، وانقطاع دواعيهم، وانخلاع قلوبهم من مكامنها، وتراقيها إلى تراقيهم، ثم ما يلقونه من الحساب والعتاب، والعذاب والعقاب، وعدم الإكرام والإيجاب، وما فى هذا الباب.
وقيامة الكفار يوم الحشر، وقيامة الأحباب فى الوقت، ولشرح هذا تفسير طويل «١» قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٦]
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)
«اللَّهُمَّ» معناها يا الله والميم فى آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا. فهذا تعليم الحق كيفية الثناء على الحق، أي صفنى بما أستحقّه من جلال القدر فقل: يا مالك الملك لا شريك لك ولا معين، ولا ظهير ولا قرين، ولا مقاسم لك فى الذات، ولا مساهم فى الملك، ولا معارض فى الإبداع.
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ.
حتى نعلم أن الملك لك، والملك من المخلوقين من تذلّل له، ومنزوع الملك ممن تكبّر عليه فتجمّل الخلق فى تذللهم للحق، وعزّهم فى محوهم فيه، وبقاؤهم فى فنائهم به وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بعز ذاتك.
وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ.
بخذلانك.
وتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك. وتعزّ
(١) من كلام القشيري فى هذا الخصوص فى موضع آخر من هذا الكتاب:
(والقيامة عند هؤلاء تقوم كل يوم غير مرة بالهجر والنوى والفراق، وليس لها كاشف غيره سبحانه)
من تشاء بيمن إقبالك، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك. وتعزّ من تشاء بأن تؤنسه بك، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك. وتعز من تشاء بأن تشغله بك، وتذل من تشاء بأن تشغله عنك. وتعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه، وتذل من تشاء بغلبة غاغة نفسه. وتعز من تشاء بطوالع أنسه وتذل من تشاء بطوارق «١» نفسه. وتعز من تشاء ببسطه بك، وتذل من تشاء بقبضه عنك.
وتؤتى الملك من تشاء بشد نطاق خدمتك، وتنزع الملك ممن تشاء بنفيه عن بساط عبادتك «٢». تؤتى الملك من تشاء بإفراد سرّه لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن تربط قلبه بمخلوق، وتعز من تشاء بإقامته بالإرادة، وتذل من تشاء بردّه إلى ما عليه أهل العادة.
بِيَدِكَ الْخَيْرُ.
ولم يذكر الشر حفظا لآداب الخطاب، وتفاؤلا بذكر الجميل، وتطيرا من ذكر السوء.
إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
من الحجب والجذب، (والنصرة) «٣» والخذلان، والأخذ والرد، والفرق والجمع، والقبض والبسط.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٧]
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧).
(١) الطوارق فى اللغة ما يطرق بالليل، وروى عن النبي (ص) أنه كان يدعو: «وأعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير».
وعن بعض المشايخ: يطرق سمعى علم من علوم أهل الحقائق فلا أدعه أن يدخل قلبى إلا بعد أن أعرضه على الكتاب والسّنة. (اللمع للطوسى ص ٤٢٢).
(٢) وردت (عبادك) والأصوب أن يقال (عبادتك) لأن العبودية لا تنتفى عن مخلوق، أما العبادة فهى حالة مخصوصة يعان عليها العبد أو لا يعان، فالعبد إما فى العبادة أو فى العادة:
(٣) أضفنا هذه الكلمة من عندنا حتى يتم الانسجام الداخلى للأسلوب ويكون المعنى أوضح، ونحن فى هذه الإضافة- كدأبنا دائما- متمثلين النهج الذي يسلكه القشيري فى مثل هذا المواضع.
تولج الليل فى النهار حتى يغلب سلطان ضياء التوحيد فلا يبقى من آثار النفس وظلماتها شىء، وتولج النهار فى الليل حتى كأن شموس القلوب كسفت، أو كأن الليل دام، وكأن الصبح فقد.
وتخرج الحي من الميت حتى كأن الفترة لم تكن، وعهد الوصال رجع فتيّا، وعود القلوب صار غضا طريّا.
وتخرج الميت من الحي حتى كأن شجرة البرم أو رقت شوكا وأزهرت شوكا، وكأن اليائس لم يجد خيرا، ولم يشم ريحا، وتقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة.
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.
حتى لا (كدر) «١» ولا جهد ولا عرق جبين. ولا تعب يمين. ليله روح وراحة، ونهاره طرب وبهجة، وساعاته كرامات، ولحظاته قربات، وأجناس أفعاله على التفصيل لا يحصرها لسان، ولا يأتى على استقصاء كنهها عبارة ولا بيان.
وفيما لوّحنا من ذلك تنبيه على طريق كيفية الإفصاح عنه.
ويقال لما قال: «وتنزع الملك ممن تشاء انكسر خمار كلّ ظانّ أنه ملك لأنه شاهد ملكه يعرض للزوال فعلم أن التذلل إليه فى استبقاء ملكه أولى به من الإعجاب والإدلال.
ويقال الملك فى الحقيقة- من لا يشغله شىء بالالتفات إليه عن شهود من هو الملك على الحقيقة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٨]
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)
من حقائق الإيمان الموالاة فى الله والمعاداة فى الله.
وأولى من تسومه الهجران والإعراض عن الكفار- نفسك فإنها مجبولة على
(١) نرجح أنها (كدّ) بدون راء، ومع ذلك فالمعنى يتقبل كليهما.
المجوسية حيث تقول: لى ومنى وبي «١»، وقال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ» «٢».
وإن الإيمان فى هذه الطريقة عزيز، ومن لا إيمان له بهذه الطريقة من العوام- وإن كانوا قد بلغوا من الزهد والجهد مبلغا عظيما- فليسوا بأهل لموالاتك، والشكل بالشكل أليق.
قوله جل ذكره: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ صحبة الحق سبحانه وقربته لا تكون مقرونة بصحبة الأضداد وقربتهم- البتة.
«وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» : هذا خطاب للخواص من أهل المعرفة، فأمّا الذين نزلت رتبتهم عن هذا فقال لهم: «وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي... » وقال:
«وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ » إلى غير ذلك من الآيات.
ويقال: «يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» أن يكون عندكم أنكم وصلتم فإن خفايا المكر تعترى الأكابر، قال قائلهم:
وأمنته فأتاح لى من مأمنى مكرا، كذا من يأمن الأحبابا
ويقال: «يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» لأن يجرى فى وهم أحد أنه يصل إليه مخلوق، أو يطأ بساط العزّ قدم همة بشر، جلّت الأحدية وعزّت! وإنّ من ظن أنه أقربهم إليه ففى الحقيقة أنه أبعدهم عنه.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٩]
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)
(١) وإلى هذا يشيرون حين يقولون (التوحيد إسقاط الياءات) الرسالة ص ١٤٩. لأن التوحيد الحق لا يقتضى شعورك بما سوى الموحّد، ولكن النفس مجبولة على الدعوى. وهذا شرك خفى.
(٢) سورة التوبة آية ١٢٣.
لا يعزب معلوم عن علمه، فلا تحتشم من نازلة بك تسوءك، فعن قريب سيأتيك الغوث والإجابة، وعن قريب سيزول البلاء والمحنة، ويعجّل المدد والكفاية.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٣٠]
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)
ودّ أهل الطاعات أن لو استكثروا منها، وودّ أهل المخالفات أن لو كبحوا لجامهم عن الركض فى ميادينهم، قال قائلهم:
ولو اننى أعطيت من دهرى المني... وما كلّ من يعطى المنى بمسدّد
لقلت لأيام مضين: ألا ارجعي... وقلت لأيام أتين ألا ابعدي
قوله جل ذكره: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.
الإشارة من قوله: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» للعارفين، ومن قوله «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» للمستأنفين، فهؤلاء أصحاب العنف والعنوة، وهؤلاء أصحاب التخفيف والسهولة.
ويقال لمّا قال: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» اقتضى أسماع هذا الخطاب تحويلهم «١» فقال مقرونا به «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» لتحقيق تأميلهم، وكذلك سنّته يطمعهم «٢» فى عين ما يروعهم.
ويقال أفناهم بقوله «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» ثم أحياهم وأبقاهم بقوله «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ»
(١) ربما يقصد القشيري تحويلهم من الخوف إلى الرجاء، فبعد أن خوفهم نفسه أطمعهم فى رافته.
(٢) وردت (يطعمهم) وواضح أنها خطا فى النسخ فأصلحناه بما يلائم السياق.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٣١]
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)
«تُحِبُّونَ اللَّهَ» فرق، و «يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» جمع.
«تُحِبُّونَ اللَّهَ» مشوب بالعلة، و «يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» بلا علّة، بل هو حقيقة الوصلة.
ومحبة العبد لله حالة لطيفة يجدها من نفسه، وتحمله تلك الحالة على موافقة أمره على الرضا دون الكراهية، وتقتضى منه تلك الحالة إيثاره- سبحانه- على كل شىء وعلى كل أحد.
وشرط المحبة ألا يكون فيها حظّ بحال، فمن لم يفن عن حظوظه بالكلّية فليس له من المحبة شظيّة.
ومحبة الحق للعبد إرادته إحسانه إليه ولطفه به، وهى إرادة فضل مخصوص، وتكون بمعنى ثنائه سبحانه عليه ومدحه له، وتكون بمعنى فضله المخصوص معه، فعلى هذا تكون من صفات فعله.
ويقال شرط المحبة امتحاء كليتك عنك لاستهلاكك فى محبوبك، قال قائلهم.
وما الحب حتى تنزف العين بالبكا وتخرس حتى لا تجيب المناديا
وهذا فرق «١» بين الحبيب والخليل قال الخليل: «فمن تبعني فإنه منى».
وقال الحبيب: «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ».
فإن كان متّبع الخليل «منه» إفضالا فإن متابع الحبيب محبوب الحقّ سبحانه، وكفى بذلك قربة وحالا.
ويقال قطع أطماع الكافة أن يسلم لأحد نفس إلا ومقتداهم وإمامهم سيد الأولين والآخرين محمد صلّى الله عليه وسلّم.
ويقال فى هذه الآية إشارة إلى أن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة، أو التجرد
(١) وردت (فراق) وهى خطأ من الناسخ، إذ المراد التفرقة بين موقف المصطفى (ص) وإبراهيم عليه السّلام.
عن آفة لأنه قال يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، بيّن أنه يجوز أن يكون عبد له فنون كثيرة ثم يحبّ الله ويحبّه الله.
ويقال قال أولا: «يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» ثم قال: «وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» والواو تقتضى الترتيب ليعلم أنّ المحبة سابقة على الغفران أولا يحبهم ويحبونه (وبعده) يغفر لهم ويستغفرونه، فالمحبة توجب الغفران لأن العفو يوجب المحبة.
والمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حبب الأسنان «١» وهو صفاؤها.
والمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب فى السر.
ويقال أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب.
والحبّ حرفان حاء وباء، والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البدن، فالمحبّ لا يدّخر عن محبوبه لا قلبه ولا بدنه.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٣٢]
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)
أمرهم بالطاعة ثم قال: «فَإِنْ تَوَلَّوْا» أي قصّروا فى الطاعة بأن خالفوا، ثم قال: «فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ» لم يقل العاصين بل قال الكافرين، ودليل الخطاب أنه يحب المؤمنين وإن كانوا عصاة «٢» قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)
اتفق آدم وذريته فى الطينة، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قبله، لا بالنّسب ولا بالسبب.
(١) وردت (الإنسان) وهى خطأ من الناسخ (أنظر الرسالة ص ١٥٨).
(٢) فالمؤمن العاصي منزلة بين المنزلتين: الإيمان والكفر- فى نظر القشيري المتكلم. [.....]
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦)
المحرّر الذي ليس فى رقّ شىء من المخلوقات، حرّره الحق سبحانه فى سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال. فلمّا نذرت أمّ مريم ذلك، ووضعتها أنثى خجلت، فلمّا رأتها قالت «رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى» وهى لا تصلح أن تكون محررا فقال تعالى:
«وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ» ولعمرى ليس الذكر كالأنثى في الظاهر، ولكن إذا تقبّلها الحقّ- سبحانه وتعالى- طلع عنها كل أعجوبة.
ولما قالت «إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً» قالت «فَتَقَبَّلْ مِنِّي» فاستجاب، وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها، ونجا بحديثها عالم وهلك بسببها عالم، ووقعت الفتنة لأجلهما فى عالم.
قالت: «وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» استجارت بالله من أن يكون للشيطان فى حديثها شىء بما هو الأسهل، لتمام ما هم به من أحكام القلوب.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٣٧]
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)
حيث بلّغّها فوق ما تمنّت أمها، ويقال تقبّلها بقبول حس حتى أفردها لطاعته، وتولّاها بما تولّى به أولياءه، حتى أفضى جميع من فى عصرها العجب من حسن توليه أمرها، وإن كانت بنتا.
237
ويقال القبول الحسن حسن تربيته لها مع علمه- سبحانه- بأنه يقال فيه بسببها ما يقال، فلم يبال بقبح مقال الأعداء.
أجد الملامة فى هواك لذيذة... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوم
وكما قيل:
ليقل من شاء ما... شاء فإنى لا أبالى
ويقال القبول الحسن أن ربّاها على نعت العصمة حتى كانت تقول: «إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا».
«وأنبتها نباتا حسنا» حتى استقامت على الطاعة، وآثرت رضاه- سبحانه- فى جميع الأوقات، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى عليه السّلام، وهذا هو النبات الحسن، وكفلها زكريا. ومن القبول الحسن والنبات الحسن أن جعل كافلها والقيّم بأمرها وحفظها نبيا من الأنبياء مثل زكريا عليه السّلام، وقد أوحى الله إلى داود عليه السّلام: إن رأيت لى طالبا فكن له خادما.
قوله جل ذكره: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً، قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.
من أمارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا فى المحراب، ومن كان مسكنه وموضعه الذي يتعبّد فيه وهناك يوجد المحراب- فذلك عبد عزيز.
ويقال من القبول الحسن أنه لم يطرح أمرها كلّه وشغلها على زكريا عليه السّلام فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام وجد عندها رزقا ليعلم العاملون أن الله- سبحانه- لا يلقى شغل أوليائه على غير «١»، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو فى رفق الولي لا إنه
(١) وردت على (عين) وهى خطأ فى النسخ.
238
تكون عليه مشقة لأجل الأولياء. وفى هذا إشارة لمن يخدم الفقراء أن يعلم أنه فى رفق الفقراء.
ثم كان زكريا عليه السّلام يقول: أنّى لك هذا؟ لأنه لم يكن يعتقد فيها استحقاق تلك المنزلة، وكان يخاف أن غيره يغلبه وينتهز فرصة تعهدها ويسبقه بكفاية شغلها، فكان يسأل ويقول: أنّى لك هذا؟ ومن أتاك به؟
وكانت مريم تقول: هو من عند الله لا من عند مخلوق، فيكون لزكريا فيه راحتان:
إحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى، والثانية أنه لم يغلبه أحد على تعهدها، ولم يسبق به. قوله «كلما دخل عليها زكريا المحراب» فلفظة كلّما للتكرار «١» وفى هذا إشارة: وهو أن زكريا عليه السّلام لم يذر تعهّدها- وإن وجد عندها رزقا- بل كل يوم وكل وقت كان يتفقد حالها لأن كرامات الأولياء ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعا فيجوز أن يظهر الله ذلك عليهم دائما، ويجوز ألا يظهر، فما كان زكريا عليه السّلام يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدّد السؤال عنها بقوله: «يا مريم أنّى لك هذا؟» لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس، فإنه لا واجب على الله سبحانه «٢» وقوله: «إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» إيضاح عن عين التوحيد، وأن رزقه للعباد، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته، دون أن يكون معلّلا بطاعاتهم ووسيلة عباداتهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٣٨]
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨)
أي لما رأى كرامة الله سبحانه معها ازداد يقينا على يقين، ورجاء على رجاء فسأل الولد على كبر سنّه، وإجابته إلى ذلك كانت نقضا للعادة.
(١) أي لتكرار زيارة زكريا لها مرة بعد مرة.
(٢) هنا إشارة دقيقة تتصل بمذهب القشيري- الذي يخالف المعتزلة- أنه لا وجوب على الله فى إثابة المطيع، لأن طاعة المطيع ليست زيّنا لله، ومعصيته ليست شيئا لله، وإنما المعول عليه فضل الله وهذا لا علة له، ولا وجوب على الله فيه.
ويقال إن زكريا عليه السّلام سأل الولد ليكون عونا له على الطاعة، ووارثا من نسله فى النبوة، ليكون قائما بحقّ الله، فلذلك استحق الإجابة فإن السؤال إذا كان لحقّ الحقّ- لا لحظّ النّفس- لا يكون له الرد «١».
وكان زكريا عليه السّلام يرى الفاكهة الصيفية عند مريم فى الشتاء، وفاكهة الشتاء عندها فى الصيف، فسأل الولد فى حال الكبر ليكون آية ومعجزة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٣٩]
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)
لما سأل السؤال، ولازم الباب أتته الإجابة.
وفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة.
ويقال حكم الله- سبحانه- أنه إنما يقبل بالإجابة على من هو معانق لخدمته، فأمّا من أعرض عن الطاعة ألقاه فى ذلّ الوحشة.
قوله جل ذكره: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.
قيل سمّاه يحيى لحياة قلبه بالله، ولسان التفسير أنه حيى به عقر أمه.
ويقال إنه سبب حياة من آمن به بقلبه.
قوله: مصدقا بكلمة من الله: أن تصديقه بكلمة «الله» فيما تعبده به أو هو مكوّن بكلمة الله.
وقوله «وَسَيِّداً» : السيّد من ليس فى رق مخلوق، تحرّر عن أسر هواه وعن كل مخلوق، ويقال السيد من تحقق بعلويته سبحانه، ويقال السيد من فاق أهل عصره، وكذلك كان يحيى عليه السّلام.
(١) الرد هنا معناها الرفض.
ويقال سيد لأنه لم يطلب لنفسه مقاما، ولا شاهد لنفسه قدرا. ولما أخلص فى تواضعه لله بكل وجه رقّاه على الجملة، وجعله سيدا للجميع.
وقوله «وَحَصُوراً» أي معتقا من الشهوات، مكفيا أحكام البشرية مع كونه من جملة البشر. ويقال متوقيا عن المطالبات، مانعا نفسه عن ذلك تعززا وتقربا، وقيل منعته استئصالات بواده الحقائق عليه فلم يبق فيه فضل لحظّ.
«وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» أي مستحقا لبلوغ رتبتهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٤٠]
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠)
قيل كان بين سؤاله وبين الإجابة مدة طويلة ولذلك قال: أنّى يكون لى غلام؟
ويحتمل أنه قال: بأى استحقاق منى تكون لى هذه الإجابة لولا فضلك؟
ويحتمل أنه قال أنّى يكون هذا: أعلى وجه التبني أم على وجه التناسل؟
ويحتمل أنه يكون من امرأة أخرى سوى هذه التي طعنت فى السن أو من جهة التّسرّى بمملوكة؟ أم من هذه؟
فقيل له: لا بل من هذه فإنكما قاسيتما وحشة الانفراد معا، فكذلك تكون بشارة الولد لكما جميعا.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٤١]
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)
طلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لشك له فى أصل الإجابة.
وجعل آية ولايته «١» فى إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع الله بالتسبيح، أي لا تمتنع عن خطابى فإنى لا أمنع أوليائى من مناجاتى.
(١) وردت (دلالته) وقد تكون مقبولة فى المعنى أيضا.
قوله جل ذكره: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً.
بقلبك ولسانك فى جميع أوقاتك.
وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ.
فى الصلاة الدائبة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٤٢]
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢)
يجوز أن يكون هذا ابتداء خطاب من الملائكة على مريم من قبلهم رفعا بشأنها، ويجوز أن تكون قد سمعت كلامهم وشاهدتهم، ويجوز أنها لم تشاهدهم وأنهم هتفوا بها: إن الله اصطفاك بتفضيلك، وإفرادك من أشكالك وأندادك، وطهّرك من الفحشاء والمعاصي بجميل العصمة، وعن مباشرة الخلق «١»، واصطفاك على نساء العالمين فى وقتك.
وفائدة تكرار «٢» ذكر الاصطفاء: الأول اصطفاك بالكرامة والمنزلة وعلو الحالة والثاني اصطفاك بأن حملت بعيسى عليه السّلام من غير أب، ولم تشبهك امرأة- ولن تشبهك- إلى يوم القيامة، ولذلك قال «عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٤٣]
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)
لازمى بساط العبادة، وداومى على الطاعة، ولا تقصّرى فى استدامة الخدمة، فكما أفردك الحقّ بمقامك، كونى فى عبادته أو حد زمانك.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٤٤]
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)
(١) ربما يقصد القشيري من ذلك أنه أبعدها عن أن يباشرها الزوج شأن نساء العالمين.
(٢) لاحظ كيف يلتمس القشيري معنى متجددا لكلمة تتكرر بلفظها- لأنه لا يرى أن فى القرآن تكرارا إلا لداع متجدد.
أي هذه القصص نحن عرفنا كهاو (خا) طبناك بمعانيها، وإن قصصنا نحن عليك هذا- فعزيز خطابنا، وأعزّ وأتم من أن لو كنت مشاهدا لها.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)
لم يبشرها بنصيب لها فى الدنيا ولا فى الآخرة من حيث الحظوظ، ولكن بشّرها بما أثبت فى ذلك من عظيم الآية، وكونه نبيا لله مؤيّدا بالمعجزة.
ويقال عرّفها أن من وقع فى تغليب القدرة، وانتهى عند حكمه يلقى من عجائب القدرة ما لا عهد به لأحد. ولقد عاشت مريم مدة بجميل الصيت، والاشتهار بالعفة، فشوّش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام، ولكن- فى التحقيق- ليس كما ظنّه الأغبياء «١» الذين سكرت أبصارهم من شهود جريان التقدير.
وقيل إنه (........) «٢» عرّفها ذلك بالتدريج والتفصيل، فأخبرها أن ذلك الولد يعيش حتى يكلّم الناس صبيّا وكهلا، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه.
وقيل كهلا بعد نزوله من السماء.
ويقال ربط على قلبها بما عرّفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة ساحتها ينطق الله عيسى عليه السّلام بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها.
(١) وردت (الأغنياء) والمعنى والسياق يرفضاتها.
(٢) مشتبهة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٤٧]
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)
كما شاهدت ظهور أشياء ناقضة للعادة فى رزقنا فكذلك ننقض العادة فى خلق ولد من غير مسيس بشر.
قوله جل ذكره: إِذا قَضى أَمْراً.
أي أراد إمضاء حكم.
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
فلا يتعسر عليه إبداء ولا إنشاء.
ولما بسطوا فيها لسان الملامة أنطق الله عيسى عليه السّلام وهو ابن يوم حتى قال:
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)
وتلك آياته الظاهرة، ودلالاته القاهرة الباهرة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عمّا عملوه مسرّين به، إلى غير ذلك من معجزاته. وأخبر أنه
مصدّق لما تقدمه من الشرائع، ومختص بشريعة تنسخ بعض ما تقدمه، وأقرهم على البعض- على ما نطق به تفصيل القرآن.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٢ الى ٥٣]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)
الآية.
حين بلّغهم الرسالة واختلفوا- فمنهم من صدّقه ومنهم من كذّبه وهم الأكثرون- علم أن النبوة لا تنفك عن البلاء وتسليط الأعداء، فقطع عنهم قلبه، وصدق إلى الله قصده، وقال لقومه: من أنصارى إلى الله ليساعدونى على التجرد لحقّه والخلوص فى قصده؟ فقال من انبسطت عليهم آثار العناية، واستخلصوا بآثار التخصيص: نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد علينا بالصدق، وليس يشكل عليك «١» شىء مما نحن فيه.
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وأما الباقون فجدّوا فى الشقاق، وبالغوا فى العداوة، ودسّوا له المكائد، ومكروا ولكن أذاقهم الله وبال مكرهم، فتوهموا أنهم صلبوا عيسى عليه السّلام وقتلوه، وذلك جهل منهم، ولبس عليهم. فالله- سبحانه- رفع عيسى عليه السّلام نبيّه ووليّه، وحقّ الطرد واللّعن على أعدائه، وهذا مكره بهم:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٥٥]
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)
قوله جل ذكره: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ.
الإشارة «٢» فيه إنى متوفيك عنك، وقابضك منك، ورافعك من نعوت البشرية، ومطهرك من إرادتك بالكلية، حتى تكون مصرّفا بنا لنا، ولا يكون عليك من
(١) نرجح أنها فى الأصل: «يشكل (علينا) شىء مما نحن فيه»، لأن هذا الترجيح يقوى المعنى، إذ يفصح عن مدى صحة إيمانهم، أما إذا كانت (عليك) فيكون المعنى أن أنصاره طمأنوه عن أنفسهم، وطلبوا إليه ألا يستشكل (عليه) أمر من أمورهم، بدليل ما أفصحوا عنه فى الآية التالية.
(٢) تخدم هذه الإشارة فى إبراز وتدعيم واحدة من أخطر قضايا الفكر الديني.
اختيارك شىء، ويكون إسبال التولي عليك قائما عليك. وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة- جلّت.
ويقال طهّر قلبه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الأمثال والآثار، فى جميع الأحوال والأطوار.
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
بالنصرة والقهر والحجة.
ومتبعوه من لم يبدّل دينه ومن هو على عقيدته فى التوحيد- وهم المؤمنون، فهم على الحقّ، إلى يوم القيامة لهم النصرة، ثم إن الله سبحانه يحكم- يوم القيامة- بينه وبين أعدائه. فأمّا الكفار ففى الجحيم وأمّا المؤمنون ففى النعيم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٥٨]
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
ذلك نتلوه عليك يا محمد، نعرفك معانيه بما نوحى إليك، لا بتكلفك ما تصل إلى علمه، أو بتعلّمك من الأمثال، أو استنباطك ما تنزع من الاستدلال.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٥٩]
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)
الآية خصّهما «١» بتطهير الروح عن التناسخ فى الأصلاب وأفرد آدم بصفة البدء وعيسى عليه السّلام بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز، وهما وإن كانا كبيرى الشأن فنقص الحدثان والمخلوقية لازم لهما:
ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٠]
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)
الآية
(١) وردت (خصها) والصحيح خصهما لعودة الفعل على آدم وعيسى عليهما السّلام.
الحق من ربك يا محمد، فلا تشكّنّ فى أنه- سبحانه- لا يماثله فى الإيجاد أحد، ولا على إثبات بينه لمخلوق قدرة. والموجودات التي (.....) «١» وجودها عن كتم العدم- من الله مبدؤها وإليه عودها.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦١]
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)
الآية يعنى بعد ما ظهرت على صدق ما يقال لك، وتحقّقت بقلبك معرفة ما خاطبناك، فلا تحتشم من حملهم على المباهلة، وثق بأن لك القهر والنصرة، وأنّا توليناك، وفى كنف قربنا آويناك، ولو أنهم رغبوا فى هذه المباهلة لأحرقت الأودية عليهم نيرانا مؤججة، ولكن أخّر الله- سبحانه- ذلك عنهم لعلمه بمن فى أصلابهم من المؤمنين «٢».
والإشارة فى هذه الآية لمن نزلت حالته عن أحوال الصديقين، فإنه إذا ظهرت أنوارهم انخنست آثار هؤلاء فلا إقرار، ولا عنهم آثار.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٣]
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)
لا يتسلط على شواهد التوحيد غبار شبهة، ولا يدرك سر حكمه وهم «٣» مخلوق، ولا يدانيه معلوم يحصره الوجود، أو موهوم يصوره التقدير «٤».
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ فإن تولوا- يا محمد- فإنه لا ثبات عند شعاع أنوارك لشبهة مبطل.
«فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ» إمّا يجتاحهم «٥»، أو يحلم «٦» حتى إذا استمكنت ظنونهم يأخذهم بغتة وهم لا ينصرون.
(١) مشتبهة.
(٢) هذا تعليل ممتع لإمهال المخالفين. [.....]
(٣) وردت (وهو) وهى خطأ من الناسخ، ونظن أن الأصل (وهم) وهى مناسبة للسياق.
(٤) للقشيرى عبارة فى نفس الموضوع وردت فى مستهل رسالته: «وكل ما تصوره الأوهام فالله بخلاف ذلك».
(٥) وردت (يحتاجهم) وهى خطأ من الناسخ.
(٦) وردت (ويحكم) والملائم للمعنى (أو يحلم) من الحلم، ويكون المعنى على هذا الأساس أنه إما أن يعجل بانتقامه فيجتاحهم أو يمهلهم بحلمه ثم يبغتهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٤]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)
الآية هى كلمة التوحيد وإفراد الحق سبحانه فى إنشاء الأشياء بالشهود.
وقوله: «أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ» : لا تطالع بسرّك مخلوقا. وكما لا يكون غيره معبودك فينبغى ألا يكون غيره مقصودك ولا مشهودك، وهذا هو اتّقاء الشرك، وأنت أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم.
«وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً» ويظهر صدق هذا بترك المدح والذم لهم.
ونفى الشكوى والشك عنهم، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات منهم قال صلّى الله عليه وسلّم «أصدق كلمة قالتها العرب قول لبيد».
ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل «١»
فإنّ الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأمّا أهل البداية فالأمر مضيّق عليهم فى الوظائف والأوراد، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب، لفراغهم بقلوبهم من المعاني «٢»، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط.
والإشارة من هذه الآية أيضا فى قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٥]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥)
... الآية.
ضرب على خليله- صلوات الله- نقاب الضنّة وحجاب الغيرة، فقطع سببه عن جميعهم بعد ادّعاء الكل فيه، وحكم بتعارض شبهاتهم، وكيف يكون إبراهيم- عليه السّلام- على دين من أتى بعده؟! إن هذا تناقض من الظن.
ثم قال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٦]
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦)
(١) رواه الشيخان عن أبى هريرة.
(٢) المقصود من (المعاني) هنا كل ما تميل إليه النفس، والنفس محل المعلولات.
يعنى ما كان فى كتابكم له بيان، ويصح أن يكون لكم عليه برهان، فخصّهم فى ذلك إمّا بحق وإما بباطل، فالذى ليس لكم البتة عليه دليل ولا لكم إلى معرفته سبيل فكيف تصديتم للحكم فيه، وادّعاء الإحاطة به؟! قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٧]
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)
الحنيف المستقيم على الحق، والأحنف هو المستقيم فى حلقة الرّجل، ويسمى مائل القدم بذلك على التفاؤل «١». وإبراهيم عليه السّلام كان حنيفا لا مائلا عن الحق، ولا زائغا عن الشرع، ولا معرّجا على شىء فيه نصيب للنفس، فقد سلّم ماله ونفسه وولده، وما كان له به جملة- إلى حكم الله وانتظار أمره.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٨]
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
لما تفرقت الأهواء والبدع وصار كل حزب إلى خطأ آخر، بقي أهل الحقّ فى كل عصر وكل حين ووقت على الحجة المثلى، فكانوا حزبا واحدا، فبعضهم أولى ببعض. وإبراهيم صاحب الحق، ومن دان بدينه- كمثل رسولنا صلّى الله عليه وسلّم وأمته- على الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السّلام وهو توحيد الله سبحانه وتعالى.
«وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» لأنهم تولّوا دينه، ووافقوا توحيده، وولاية الله إنما تكون بالعون والنصرة والتخصيص والقربة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٩]
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩)
من حلّت به فتنة، وأصابته محنة، واستهوته غواية- رضى لجميع الناس ما حلّ به،
(١) فكلمة حنيف من الأضداد مستقيم ومائل.
فأهل الكتاب يريدون بالمؤمنين أن يزيغوا عن الحق، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يعود إليهم وبال فعلهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧٠]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)
قبل «١» بعثه- صلّى الله عليه وسلّم- على صحة نبوته «٢»، فما الذي يحملكم على غيكم حتى جحدتم ما علمتم؟
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧١]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
تكتمون الحق فى شأن محمد عليه السّلام وأنتم تعلمون أنه النبي الصادق، وهل هذا إلا حكم الخذلان وقضية الحرمان، ثم أخبر أنّ منهم من ينافق فى حالته، فيريد أن يدفع عنه أذى المسلمين، ولا يخالف إخوانه من الكافرين، فتواصوا فيما بينهم بموافقة الرسول عليه السّلام والمسلمين جهرا، والخلوص فى عقائدهم الفاسدة بعضهم مع بعض سرّا.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٣]
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)
فبين الله سبحانه أن نفاقهم كشف للمسلمين، وأن ذلك لا ينفعهم أمّا فى الدنيا فلإطلاع الله نبيّه عليه السّلام والمؤمنين- عليه، وأمّا فى الآخرة فلفقد إخلاصهم فيه.
قوله جل ذكره: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ الآية.
(١) فى ص (قيل) وهى خطأ في النسخ، ويكون المعنى أنتم- يا أهل الكتاب- تشهدون قبل بعثه على صحة نبوته...
(٢) فى ص (نبوية) وهى خطأ فى النسخ.
يحتمل أن يكون هذا ابتداء أمر من الله سبحانه للمسلمين، والإشارة فيه ألا تعاشروا الأضداد، ولا تفشوا أسراركم للأجانب.
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ.
فهو الذي يختص من يشاء بأنوار التعريف، ويختص من يشاء بالخذلان والحرمان.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧٤]
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
يختص من يشاء بفنون إنعامه، فالرحمة على هذا سبب لتخصيص النعمة لمن أراده. ولا بدّ من إضمار فيحتمل أن يختص بالرحمة من يشاء فلا تجرى الرحمة مجرى السبب فالرحمة على هذا التأويل تكون بمعنى النبوة وتكون بمعنى الولاية.
وبمعنى العصمة وجميع أقسام الخيرات التي يختصّ- بشىء منها- عبدا من عباده، فيدخل تحت قوله: يختص برحمته، أي بنعمته.
فقوم اختصهم بنعمة الأخلاق وقوم اختصهم بنعمة الأرزاق، وقوم اختصهم بنعمة العبادة وآخرين بنعمة الإرادة، وآخرين بتوفيق الظواهر وآخرين بعطاء الأبشار، وآخرين بلقاء الأسرار، قال تعالى: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها».
ويقال لمّا سمعوا قوله: «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ»، علموا أن الوسائل ليست بهادية «١»، وإنما الأمر بالابتداء والمشيئة.
ويقال يختص برحمته من يشاء بالفهم عنه فيما يكاشفه به من الأسرار ويلقيه إليه من فنون التعريفات.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧٥]
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)
... الآية
(١) وصدق الرسول الكريم حين قال: «إنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدنى الله برحمته» رواه الشيخان عن عائشة
أخبر أنهم- مع ضلالتهم وكفرهم- متفاوتون فى أخلاقهم، فكلّهم خونة فى أمانة الدّين، ولكنّ منهم من يرجع إلى سداد المعاملة ثم وإن كانت معاملتهم بالصدق فلا ينفعهم ذلك فى إيجاب الثواب ولكن ينفعهم من حيث تخفيف العذاب إذ الكفار مطالبون بتفصيل الشرائع، فإذا كانوا فى كفرهم أقلّ ذنبا كانوا بالإضافة إلى الأخسرين أقلّ عذابا، وإن كانت عقوبتهم أيضا مؤبّدة.
ثم بيّن أنه ليس الحكم إليهم حتى إذا:
قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ.
فلا تجرى عليهم هذه الحالة، أو تنفعهم هذه القالة، بل الحكم لله تعالى.
قوله جلّ ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧٧]
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧)
الذين آثروا هواهم على عقباهم، وقدّموا مناهم على موافقة مولاهم أولئك لا نصيب لهم فى الآخرة فللاستماع بما اختاروا من العاجل خسروا فى الدارين.
بقوا عن الحق، وما استمتعوا بحظّ، جمع عليهم فنون المحن ولكنهم لا يدرون ما أصابهم: لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ثم مع هذا يخلّدهم فى العقوبة الأبدية.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧٨]
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)
الإشارة من هذه الآية إلى المبطلين فى الدعاوى فى هذه الطريقة.
يزيّنون العبارات، ويطلقون ألسنتهم بما لا خبر فى قلوبهم منه، ولا لهم بذلك تحقيق، تلبيسا على الأغبياء والعوام وأهل البداية يوهمون أن لهم تحقيق ما يقولونه بألسنتهم.
قال تعالى فى صفة هؤلاء «لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ»، كذلك أرباب التلبيس والتدليس، يروّجون قالتهم على المستضعفين، فأمّا أهل الحقائق فأسرارهم عندهم مكشوفة.
قال الله تعالى «وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»، أي يعلمون أنهم كاذبون، كذلك أهل الباطل والتلبيس فى هذه الطريقة يتكلمون عن قلوب خربة، وأسرار محجوبة، نعوذ بالله من استحقاق المقت! قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧٩]
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)
أي ليس من صفة من اخترناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى نفسه، أو يقول بإثبات نفسه وحظّه، لأن اختياره- سبحانه- إياهم للنبوة يتضمن عصمتهم عمّا لا يجوز، فتجويز ذلك فى وصفهم مناف لحالهم، وإنما دعاء الرسل والأولياء- للخلق- إلى الله سبحانه وتعالى، وهو معنى قوله تعالى: «وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ» أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين، والرّبانى منسوب إلى الرب كما يقال فلان دقيانى ولحيانى... وبابه.
وهم العلماء بالله الحلماء فى الله القائمون بفنائهم عن غير الله، المستهلكة حظوظهم، المستغرقون فى حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم، ينطقون بالله ويسمعون بالله، وينظرون بالله، فهم بالله محو عمّا سوى الله.
ويقال الرباني من ارتفع عنه ظلّ نفسه، وعاش فى كنف ظلّه- سبحانه.
ويقال الربّاني الذي لا يثبت غير ربّه موحّدا، ولا يشهد ذرة من المحو والإثبات لغيره أو من غيره.
ويقال الربّاني من هو محق فى وجوده- سبحانه- ومحو عن شهوده، فالقائم عنه غيره، والمجرى لما عليه سواه.
ويقال الرّبانى الذي لا تؤثّر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها.
ويقال الربّاني الذي لا تغيّره محنة ولا تضرّه نعمة- فهو على حالة واحدة فى اختلاف الطوارق.
ويقال الرّبانى الذي لا يتأثر بورود وارد عليه، فمن استنطقته رقة قلب، أو استماله هجوم أمر، أو تفاوتت عنده أخطار حادث- فليس بربانى.
ويقال إنّ الربّاني هو الذي لا يبالى بشىء من الحوادث بقلبه وسرّه، ومن كان لا يقصر فى شىء من الشرع بفعله.
«بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ» من توالى إحسانى إليكم، وتضاعف نعمتى لديكم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٠]
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
أي لا تنسبون إليهم ذرة من الإثبات فى الخير والشر.
ويقال يعرفكم حدّ البشرية وحقّ الربوبية.
ويقال يأمركم بتوقيرهم من حيث الأمر والشريعة، وتحقير قدر الخلق- بالإضافة «١» إلى الربوبية. «أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» أيأمركم بإثبات الخلق بعد شهود الحق؟
(١) وتحقير قدر الخلق (بالإضافة إلى الربوبية) معناها (بالنسبة إلى) جلال الربوبية وعظمتها.
ويقال «أيأمركم بمطالعة الأشكال، ونسبة الحدثان إلى الأمثال، بعد أن لاحت فى أسراركم أنوار التوحيد، وطلعت فى قلوبكم شموس التفريد.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢)
الآية أخذ الله ميثاق محمد صلّى الله عليه وسلّم على جميع الأنبياء عليهم السّلام، كما أخذ ميثاقهم فى الإقرار بربوبيته- سبحانه، وهذا غاية التشريف للرسول عليه السّلام، فقد قرن اسمه باسم نفسه، وأثبت قدوه كما أثبت قدر نفسه، فهو أوحد الكافة فى الرتبة، ثم سهّل سبيل الكافة فى معرفة جلاله بما أظهر عليه من المعجزات.
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الإشارة فيه: فمن حاد عن سنّته، أو زاغ عن اتباع طريقته بعد ظهور دليله، ووضوح معجزته فأولئك هم الذين خبثت درجتهم، ووجب المقت عليهم لجحدهم، وسقوطهم عن تعلّق العناية بهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٣]
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
من لاحظه على غير الحقيقة، أو طالع سواه فى توهم الأهلية «١»
كراء السراب ظنّه ماء فلمّا أتاه وجده هباء. ومغاليط الحسبانات مقطّعة مشكلة فمن حلّ بها نزل بواد قفر.
«وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً» لإجراء حكم الإلهية على وجه القهر عليهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٤]
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)
(١) الأهلية معناها الاستحقاق، استحقاق كل تقديس، ولا نستبعد أنها فى الأصل الألوهية لأن السياق يسير متحدثا عن البشر الذين يقولون للناس كونوا عبادا لنا، وعن الملائكة والنبيين ووجوب عدم اتخاذهم أربابا.
آمنا بالله لا بنفوسنا أو حولنا أو قوتنا.
وآمنا بما أنزل علينا بالله، وأنّا لا نفرّق بين أحد منهم- بالله سبحانه- لا بحولنا واختيارنا، وجهدنا «١» واكتسابنا، ولولا أنه عرّفنا أنه من هو ما عرفنا وإلا فمتى علمنا ذلك؟! «٢».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٥]
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)
من سلك غير الخمود تحت جريان حكمه سبيلا زلّت قدمه فى وهدة «٣» من المغاليط لا مدى لقعرها.
ويقال من توسّل إليه بشىء دون الاعتصام به فخسرانه أكثر من ربحه.
ويقال من لم يفن عن شهود الكل لم يصل إلى من به الكل.
ويقال من لم يمش تحت راية المصطفى صلّى الله عليه وسلّم المعظّم فى قدره، المعلّى فى وصفه، لم يقبل منه شىء ولا ذرة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٦]
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)
(١) وردت (وجحدتا) وهى خطأ من الناسخ.
(٢) قارن ذلك بعبارة ذى النون المصري: عرفت ربى بربي ولولا ربى ما عرفت ربى. (الرسالة ص ١٥٦). [.....]
(٣) أخطأ الناسخ حين كتبها (وحدة) بالحاء.
من أبعده عن استحقاق الوصلة فى سابق حكمه فمتى يقربه من بساط الخدمة بفعله فى وقته؟
ويقال: الذي أقصاه «١» حكم (الأول) «٢» متى أدناه صدق العمل؟ والله غالب على أمره.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٧ الى ٨٩]
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
أولئك قصارى حالهم ما سبق لهم من حكمه فى ابتداء أمرهم، ابتداؤهم ردّ القسمة، ووسائطهم الصدّ عن الخدمة، ونهايتهم المصير إلى الطرد والمذلة.
خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ خالدين فى تلك المذلة لا يفتر عنهم العذاب لحظة، ولا يخفف دونهم الفراق ساعة.
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أولئك هم الذين تداركتهم الرحمة، ولم يكونوا فى شق السبق من تلك الجملة، وإن كانوا فى توهم الخلق من تلك الزمرة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩٠]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)
الإشارة منه: أن الذين رجعوا إلى أحوال أهل العادة بعد سلوكهم طريق الإرادة،
(١) وردت (أقضاه) ونحن نرجح أن تكون (أقصاه) بالصاد حتى تتلاءم مع (أدناه) التي جاءت بعدها- فذلك أقرب إلى طبيعة أسلوب القشيري فى هذا السياق.
(٢) هكذا كتبها الناسخ، ونحن نميل إلى أنها فى الأصل (الأزل).
فالقشيرى يعتقد أن الأقسام سبقت فى الأزل وأن قيمة الإنسان مرتهنة بذلك.
وآثروا الدنيا ومطاوعة الهوى على طلب الحق سبحانه وتعالى، ثم أنكروا على أهل الطريقة، وازدادوا فى وحشة ظلماتهم- لن تقبل توبتهم، «وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ» عن طريق الحق فإنه لا يقبل الأمانة بعد ظهور الخيانة. وعقوبتهم أنهم على ممر الأيام لا يزدادون إلا نفرة قلب عن الطريقة، ولا يتحسرون على ما فاتهم من صفاء الحالة. ولو أنهم رجعوا عن إصرارهم لها لقبلت توبتهم، ولكن الحق سبحانه أجرى سنته مع أصحاب الفترة فى هذه الطريقة إذا رجعوا إلى أصول العادة ألا يتأسّفوا على ما مضى من أوقاتهم.
قال تعالى: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ» وإن المرتدّ عن الإسلام لأشدّ عداوة للمسلمين من الكافر الأصلى، فكذلك الراجع عن هذه الطريقة لأشد إنكارا لها وأكثر إعراضا عن أهلها من الأجنبىّ عنها.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩١]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)
الإشارة منه: لمن مات بعد فترته- وإن كانت له بداية حسنة- فلا يحشر فى الآخرة مع أهل هذه القصة، ولو تشفع له ألف عارف، بل من كمال المكر به أنه يلقى شبهه فى الآخرة على غيره حتى يتوهم معارفه من أهل المعرفة أنه هو- فلا يخطر ببال أحد أنه ينبغى أن يشفع له.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩٢]
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)
لمّا كان وجود البرّ مطلوبا ذكر فيه «من» التي للتبعيض فقال: «مِمَّا تُحِبُّونَ» فمن أراد البر فلينفق مما يحبه أي البعض، ومن أراد البارّ فلينفق جميع ما يحبه. ومن أنفق محبوبه من الدنيا وجد مطلوبه من الحق تعالى، ومن كان مربوطا بحظوظ نفسه لم يحظ بقرب ربّه.
ويقال إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البارّ وأنت تؤثر عليه حظوظك. «وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» منهم من ينفق على ملاحظة الجزاء
والعوض، ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والحزن، ومنهم من ينفق اكتفاء بعلمه، قال قائلهم:
ويهتز للمعروف فى طلب العلى لتذكر يوما- عند سلمى- شمائله
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٤]
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)
الأصل فى الأشياء ألا يشرع فيها بالتحليل والتحريم، فما لا يوجد فيه حدّ فذلك من الحق- سبحانه- توسعة ورفقة إلى أن يحصل فيه أمر وشرع فإنّ الله- سبحانه- وسّع أحكام التكليف على أهل النهاية «١»، فسبيلهم الأخذ بما هو الأسهل لتمام ما هم به من أحكام القلوب، فإن الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأما أهل البداية فالأمر مضيّق عليهم فى الوظائف والأوراد فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب لفراغهم بقلوبهم من المعاني، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط.
والإشارة من هذه الآية أيضا فى قوله: «فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ»
إلى أحوال أهل الدعاوى والمغاليط فإنهم يخلون بنفوسهم فينسبون إلى الله- سبحانه- هواجسها، والله برئ عنها. وعزيز عبد يفرّق بين الخواطر والهواجس.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩٥]
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)
ملّة إبراهيم الخروج إلى الله بالكلية، والتسليم لحكمه من غير أن تبقى بقية فإثبات ذرة فى الحسبان من الحدثان شرك- فى التحقيق.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩٦]
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦)
(١) أهل النهاية هم العوام، وأهل البداية هم الخواص.
259
البيت حجرة والعبد مدرة، فربط المدرة بالحجرة، فالمدر مع الحجر.
وتعزّز وتقدّس من لم يزل.
ويقال البيت مطاف النفوس، والحق سبحانه مقصود القلوب! البيت أطلال وآثار وإنما هى رسوم وأحجار ولكن:
تلك آثارنا تدلّ علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار
ويقال البيت حجر، ولكن ليس كل حجر كالذى يجانسه من الحجر.
حجر ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج «١»، لا بل لقلوب قوم مثلج مبهج، ولقلوب الآخرين منفج مزعج.
وهم على أصناف: بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم، وعنده يسمع أخبارهم ويشهد آثارهم.
بيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسر خراب، ومن لاحظه بعين الإضافة حظى بكل تقريب وإيجاب، كما قيل:
إن الديار- وإن صمتت- فإنّ لها عهدا بأحبابنا إذ عندها نزلوا
بيت من زاره بنفسه وجد ألطافه، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته.
(١) نفج الأرب أثاره والنافجة الربح الشديدة، فيكون معنى منفج شديد الإثارة.
260
ويقال قال سبحانه: «وَطَهِّرْ بَيْتِيَ» وأضافه إلى نفسه، وقال هاهنا: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ» وفى هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع «١».
وسميت (بكة) لازدحام الناس، فالكلّ يتناجزون على البدار إليه، ويزدحمون فى الطواف حواليه، ويبذلون المهج فى الطريق ليصلوا إليه.
والبيت لم يخاطب أحدا منذ بنى بمنية، ولم يستقبل أحدا بحظوة، ولا راسل أحدا بسطر فى رسالة، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر- هذا وصفه فى التعزز «٢» فما ظنّك بمن البيت له. قال صلّى الله عليه وسلّم مخبرا عنه سبحانه: «الكبرياء ردائى والعظمة إزارى».
ويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا بقطع المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى ربّ البيت بالهوينى دون تحمّل المشقات ومفارقة الراحات؟! ويقال لا تعلّق قلبك بأول بيت وضع لك ولكن أفرد سرّك لأول حبيب آثرك.
ويقال شتّان بين عبد اعتكف عند أول بيت وضع له وبين عبد لازم حضرة أول عزيز كان له.
ويقال ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام الطائفين بقدمهم، فالأغنياء يزورون البيت، ويطوفون بقدمهم، والفقراء يبقون عنه فيطوفون حوله بهممهم.
ويقال الكعبة بيت الحق سبحانه فى الحجر، والقلب بيت الحق سبحانه فى السّر، قال قائلهم:
لست من جملة المحبين إن لم أجعل القلب بيته والمقاما
وطوافى إجالة السّر فيه وهو ركنى إذا أردت استلاما
فاللطائف تطوف بقلوب العارفين، والحقائق تعتكف فى قلوب الموحّدين، والكعبة مقصود العبد بالحج، والقلب مقصود الحق بإفراده إياه بالتوحيد والوجد.
(١) ربما كان فى الأصل (...... الإشارة إلى عين الجمع، «وأول بيت وضع للناس» إشارة إلى الفرق) في الأول نسب البيت إلى نفسه، وفى الثاني أشار إلى وضعه للناس.
وسقطت هذه العبارة الأخيرة من الناسخ.
(٢) وردت (التعذر) والسياق يتطلب (التعزز).
261
قوله جل ذكره: مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ.
بركاته اتصال الألطاف والكشوفات، فمن قصده بهمته، ونزل عليه بقصده هداه إلى طريق رشده.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩٧]
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)
ولكن لا تدرك تلك الآيات بأبصار الرءوس ولكن ببصائر القلوب، ومقام إبراهيم- فى الظاهر- ما تأثر بقدمه، وفى الإشارة: ما وقف الخليل عليه السّلام بهممه.
ويقال إن شرف مقام إبراهيم لأنه أثر الخليل، ولأثر الخليل خطر عظيم.
قوله جل ذكره: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً.
يقال من دخل مقام إبراهيم كان آمنا، ومقام إبراهيم التسليم، ومن كان مسلما أموره إلى الله لم يبق له اختيار، وكان آمنا فالأمن ضده الخوف، والخوف إنما يكون على ألا يحصل مرادك على ما تريد، فإذا لم تكن للعبد إرادة واختيار فأىّ مساغ للخوف فى وصفه؟
ويقال إن الكناية «١» بقوله (دخله) راجعة إلى البيت، فمن دخل بيته- على الحقيقة- كان آمنا، وذلك بأن يكون دخوله على وصف الأدب، ولا محالة أدب دخول البيت تسليم الأمور إلى رب البيت، فإنّ من لم يكن صاحب تسليم فهو معارض للتقدير. ودخول البيت إنما الأدب فيه أن يكون دخولا على التسليم دون المعارضة والنزاع فيؤول إلى المعنى المتقدم.
وإن جعلت الإشارة من البيت إلى القلب فمن دخل قلبه سلطان الحقيقة أمن من نوازع البشرية وهواجس غاغة النفس، فإنّ من التجأ إلى ظل الملك لم يمتط إليه محذورا.
ويقال لا يكون دخول البيت- على الحقيقة- إلا بخروجك عنك، فإذا خرجت عنك صحّ دخولك فى البيت، وإذا خرجت عنك أمنت.
ويقال دخول بيته لا يصحّ مع تعريجك فى أوطانك ومعاهدك، فإن الشخص الواحد
(١) يقصد بها ضمير الغائب فى (دخله).
262
لا يكون فى حالة واحدة فى مكانين فمن دخل بيت ربّه فبالحرىّ أن يخرج عن معاهد «١» نفسه.
قوله جل ذكره: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
شرط الغنىّ ألا يدّخر عن البيت شيئا من ماله، وشرط الفقير ألا يدخر عن الوصول إلى بيته نفسا من روحه.
ويقال الاستطاعة فنون فمستطيع بنفسه وماله وهو الصحيح السليم، ومستطيع بغيره وهو الزّمن المعصوب، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا.
ويقال حج البيت فرض على أصحاب الأموال، وربّ البيت فرض على الفقراء فرض حتم فقد ينسدّ الطريق إلى البيت ولكن لا ينسدّ الطريق إلى رب البيت، ولا يمنع الفقير عن ربّ البيت.
ويقال الحج هو القصد إلى من تعظّمه: فقاصد بنفسه إلى زيارة البيت، وقاصد بقلبه إلى شهود رب البيت، فشتان بين حج وحج، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند قضاء منسكهم وأداء فرضهم، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند «٢» شهود ربهم، فأمّا القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام، وأمّا القاصدون بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام.
قوله جل ذكره: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ضرب رقم الكفر على من ترك حج البيت، ووقعت بسبب هذا القول قلوب العلماء فى كدّ التأويل، ثم قال: «فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» وهذا زيادة تهديد تدل على زيادة تخصيص.
ويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن
(١) أي مألوفات نفسه.
(٢) وردت (عن) والصحيح (عند).
263
يفسخ كلّ عقد يصدّه عن هذا الطريق، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق، وإذا طهّر تطهّر عن كل دنس من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء الوفاء ثم بماء الصفاء، فإذا تجرّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوس له من الأخلاق الذميمة، وإذا لبّي بلسانه وجب ألا تبقى شعرة من بدنه إلا وقد استجابت لله. فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسرّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام، ولا تعرض لتخصيص فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه، وعرف له تعالى حقّه على نفسه، ويتعرّف إلى الله تعالى بتبرّيه عن منّته «١» وحوله، والحقّ سبحانه يتعرّف إليه بمنّته وطوله، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه، ولا يصحّ ذكره لربّه مع ذكره لنفسه، فإذا بلغ منّي نفى عن قلبه كل طلب ومنى، وكلّ شهوة وهوى.
وإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة فى الدنيا والعقبى.
وإذا ذبح ذبح هواه بالكلية، وتقرّب به إلى الحق سبحانه، فإذا دخل الحرم عزم على التباعد عن كل محرّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة.
وإذا وقع طرفه على البيت شهد بقلبه ربّ البيت، فإذا طاف بالبيت أخذ سرّه بالجولان فى الملكوت.
فإذا سعى بين الصفا والمروة صفّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية.
فإذا حلق قطع كلّ علاقة بقيت له.
وإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربّه استأنف إحراما جديدا بقلبه، فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى.
فمن أكمل نسكه فإنما عمل لنفسه، ومن تكاسل فإنّ الله غنى عن العالمين وقال صلّى الله عليه وسلّم: «الحاج أشعث أغبر»، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر.
(١) ضبطناها هكذا لأن القشيري يميز بين (المنّة) للحق و (المنّة) للعبد.
264
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩٨]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨)
الخطاب بهذه الآية لتأكيد الحجة عليهم، ومن حيث الحقيقة والقهر يسدّ الحجة عليهم، فهم مدعوون- شرعا وأمرا، مطرودون- حكما وقهرا.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩٩]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)
كيف يصد غيره من هو مصدود فى نفسه؟ إنّ فى هذا لسرّا للربوبية.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠)
الوحشة ليست بلازمة لأصحابها، بل هى متعدية إلى كل من يحوّم حول أهلها، فمن أطاع عدوّ الله إلى شؤم صحبة (الأعداء) «١» ألقاه فى وهدته.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠١]
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)
لا ينبغى لمن أشرقت فى قلبه شموس العرفان أن يوقع الكفر عليه ظلّه، فإنه إذا أقبل النهار من هاهنا أدبر الليل من هاهنا.
وقوله:
«وَمَنْ يَعْتَصِمْ » الآية إنما يعتصم بالله من وجد العصمة من الله، فأمّا
(١) مكتوبة (إلا) وسقطت بقية الكلمة فأكملناها (الأعداء) وربما (الأجانب) أو ما فى معناهما طبقا لما نعرفه عن اتجاه القشيري فى مواضع مماثلة.
من لم يهده الله فمتى يعتصم بالله؟ فالهداية منه فى البداية توجب اعتصامك فى النهاية، لا الاعتصام منك يوجب الهداية.
وحقيقة الاعتصام صدق اللّجوء إليه، ودوام الفرار إليه، واستصحاب الاستغاثة إليه.
ومن كشف عن سرّه غطاء التفرقة تحقق بأنه لا لغير الله ذرة أو منه سينة، فهذا الإنسان يعتصم به ممن يعتصم به قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى آله:
«أعوذ بك منك».
ومن اعتصم بنفسه دون أن يكون محوا عن حوله وقوته فى اعتصامه- فالشرك وطنه وليس يشعر.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)
حقّ التقوى أن يكون على وفق الأمر لا يزيد من قبل نفسه ولا ينقص.
هذا هو المعتمد من الأقاويل فيه، وأمره على وجهين: على وجه الحتم وعلى وجه الندب وكذلك القول فى النهى على قسمين: تحريم وتنزيه، فيدخل فى جملة هذا أن يكون حق تقاته أولا اجتناب الزلة ثم اجتناب الغفلة ثم التوقي عن كل خلة ثم التنقى من كل علّة، فإذا تقيت عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتّقيت حقّ تقواك.
وحق التقوى رفض العصيان ونفى النسيان، وصون العهود، وحفظ الحدود، وشهود الإلهية، والانسلاخ عن أحكام البشرية، والخمود تحت جريان الحكم بعد اجتناب كل جرم وظلم، واستشعار الآنفة عن التوسل إليه بشىء من طاعتك دون صرف كرمه، والتحقق بأنه لا يقبل أحدا بعلّة ولا يردّ أحدا بعلة.
قوله جل ذكره: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
لا تصادفنّكم الوفاة إلا وأنتم بشرط الوفاء.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠٣]
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)
266
الاعتصام بحبله- سبحانه- التمسك بآثار الواسطة- العزيز صلوات الله عليه- وذلك بالتحقق والتعلّق بالكتاب والسّنّة.
ويصح أن يقال: الخواص يقال لهم «اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ»، وخاص الخاص قيل لهم «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ»، ولمن رجع عند سوانحه إلى اختياره واحتياله، أو فكرته واستدلاله، أو معارفه وأشكاله، والتجأ إلى ظل تدبيره، واستضاء بنور عقله وتفكيره «١» - فمرفوع عنه ظل العناية، وموكول إلى سوء حاله.
وقوله: «وَلا تَفَرَّقُوا» : التفرقة أشد العقوبات وهى قرينة الشرك.
وقوله: «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً». وكانوا أعداء حين كانوا قائمين بحظوظهم، معرّجين على ضيق البشرية، متزاحمين بمقتضى شحّ النفوس.
«فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» : بالخلاص من أسر المكونات، ودفع الأخطار عن أسرارهم، فصار مقصودهم جميعا واحدا فلو ألّف ألف شخص فى طلب واحد- فهم فى الحقيقة واحد.
«فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً» نعمته التي هى عصمته إياكم، إخوانا متّفقى القصد والهمة، متفانين عن حظوظ النّفس وخفايا البخل والشحّ.
«وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» : بكونكم تحت أسر مناكم، ورباط حظوظكم وهواكم.
(١) واضح أن القشيري يرى أن الالتجاء إلى العقل والفكر كوسيلة للوصول يعد قاطعا من القواطع، لأن للعقل آفات- ذكرها القشيري فى مواضع مختلفة- تجعله غير جدير بأن يعتمد عليه العبد فى معرفة الحقائق العليا إن مهمة العقل عند هذا الباحث لا تتجاوز منطقة البداية- عند تصحيح الإيمان.
267
«فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» : بنور الرضاء، والخمود عند جريان القضاء، وتلك حقا هى المكانة العظمى والدرجة الكبرى، ويدخل فى هذه الجملة ترك السكون إلى ما منك من المناقب والتّقى، ولعقل والحجا، والتحصيل والنّهى، والفرار إلى الله- عزّ وجلّ- عن كل غير وسوى.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠٤]
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)
هذه إشارة إلى أقوام قاموا بالله لله، لا تأخذهم لومة لائم، ولا تقطعهم عن الله استنامة إلى علة، وقفوا جملتهم على دلالات أمره، وقصروا أنفاسهم واستغرقوا أعمارهم على تحصيل رضاه، عملوا لله، ونصحوا الدين لله، ودعوا خلق الله إلى الله، فربحت تجارتهم، وما خسرت صفقتهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠٥]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)
هؤلاء أقوام أظهر عليهم فى الابتداء رقوم الطلب، ثم وسمهم «١» فى الانتهاء بكىّ الفرقة، فباتوا فى شق الأحباب، وأصبحوا فى زمرة الأجانب «٢».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧).
(١) الرقم نعت يجرى فى الابتداء والوسم نعت يجرى فى الأبد بما جرى فى الأزل. [.....]
(٢) تأمل الدقة فى استعمال (باتوا) وكيف تعبر عن البداية ثم (أصبحوا) لتعبر عن النهاية.
أرباب الدّعاوى تسودّ وجوههم، وأصحاب المعاني تبيض وجوههم، وأهل الكشوفات غدا تبيضّ بالإشراق وجوههم، وأصحاب الحجاب تسودّ بالحجبة وجوههم، فتعلوها غبرة، وترهقها قترة.
ويقال من ابيض- اليوم- قلبه ابيضّ- غدا- وجهه، ومن كان بالضد فحاله العكس.
ويقال من أعرض عن الخلق- عند سوانحه- ابيضّ وجهه بروح التفويض، ومن علّق بالأغيار قلبه عند الحوائج اسودّ محيّاه بغبار الطمع فأمّا الذين ابيضت وجوههم ففى أنس وروح، وأمّا الذين اسودّت وجوههم ففى محن ونوح.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)
نديم مخاطبتنا معك على دوام الأوقات فى كل قليل وكثير، عمارة لسبيل الوداد:
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ وأنّى يجوز الظلم فى وصفه تقديرا ووجودا- والخلق كلّهم خلقه- والحكم عليهم حكمه؟
ولله ما فى السموات وما فى الأرض ملكا، وإلى الله ترجع الأمور حكما.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٠]
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠)
لمّا كان المصطفى صلوات الله عليه أشرف الأنبياء كانت أمّته- عليه السّلام- خير الأمم. ولمّا كانوا خير الأمم كانوا أشرف الأمم، ولمّا كانوا أشرف الأمم كانوا أشوق الأمم، فلمّا كانوا أشوق الأمم كانت أعمارهم أقصر الأعمار، وخلقهم آخر الخلائق لئلا يطول مكثهم تحت الأرض. وما حصلت خيريتهم بكثرة صلواتهم
وعباداتهم، ولكن بزيادة إقبالهم، وتخصيصه إياهم. ولقد طال وقوف المتقدمين بالباب ولكن لما خرج الإذن بالدخول تقدّم المتأخرون.
وكم باسطين إلى وصلنا أكفّهم لم ينالوا نصيبا
قوله جل ذكره: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ المعروف خدمه الحق، والمنكر صحبة النفس.
المعروف إيثار حقّ الحق، والمنكر اختيار حظ النفس.
المعروف ما يزلفك إليه، والمنكر ما يحجبك عنه.
وشرط الآمر بالمعروف أن يكون متصفا بالمعروف، وحقّ النّاهى عن المنكر أن يكون منصرفا عن المنكر.
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ لو دخل الكافة تحت أمرنا لوصلوا إلى حقيقة العزّ فى الدنيا والعقبى، ولكن بعدوا عن القبول فى سابق الاختيار فصار أكثرهم موسوما بالشّرك.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١١]
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١)
إن الحق سبحانه وتعالى لا يسلط على أوليائه إلا بمقدار ما يصدق إلى الله فرارهم، فإذا حق فرارهم أكرم لديه قرارهم، وإن استطالوا على الأولياء بموجب حسبانهم انعكس الحال عليهم بالصغار والهوان.
قال جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٢]
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
علم الهجران لا ينكتم، وسمة البعد لا تخفى، ودليل القطيعة لا يستتر فهم فى صغار الطرد، وذلّ الرد، يعتبر بهم أولوا الأبصار، ويغترّ بهم أضرابهم من الكفار الفجّار.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٣ الى ١١٤]
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)
كما غاير بين النور والظلام مغايرة تضاد فكذلك أثبت منافاة بين أحوال الأولياء وأحوال الأعداء، ومتى يستوى الضياء والظلمة، واليقين والتّهمة، والوصلة والفرقة، والبعاد والألفة، والمعتكف على البساط والمنصرف عن الباب، والمتصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات يلتقيان! فكيف يتفقان أو يستويان؟! قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٥]
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
لن يخيب عن بابه قاصد، ولم يخسر عليه (تاجر) «١»، ولم يستوحش معه مصاحب، ولم يذلّ له طالب.
(١) هكذا فى ص، وربما استوحاها القشيري من الآية (اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) فيكون المعنى- والله أعلم- من آثر الله على كل شىء فقد ربحت تجارته وما خسر.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٦]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦)
لا فى الحال لهم بدل ولا فى المآل عنهم خلف. فى عاجلهم خسروا، وفى آجلهم فى قطع وهجر، وبلاء وخسر، وعذاب ونكر:
تبدّلت وتبدلنا وا حسرة لمن ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٧]
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)
ما وجدوا ميراث ما بذلوا لغير الله إلا حسرات متتابعة، وما حصلوا من حسباناتهم إلا على محن مترادفة، وذلك جزاء من أعرض وتولّى قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)
الركون إلى الضد- بعد تبين المشاق- إعانة على الحال بما لا يبلغه كيد العدو، فأشار الحقّ- سبحانه- على المسلمين بالتحرز عن الاعتراض، وإظهار البراءة عن كل غير، ودوام الخلوص للحق- سبحانه- بالقلب والسر. وأخبر أن مضادات القوم للرسول
صلّى الله عليه وسلّم أصلية غير طارئة عليهم، وكيف لا؟ وهو صلوات الله عليه محلّ الإقبال وهم محل الإعراض. ومتى يجتمع الليل والنهار؟! قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٩]
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩)
أنتم بقضية كرمكم تصفو- عن الكدورات- قلوبكم فتغلبكم الشفقة عليهم، وهم- لعتوّهم وخلفهم- يكيدون لكم ما استطاعوا، ولفرط وحشتهم لا تترشح منهم إلا قطرات غيظهم. ففرّغ- يا محمد- قلبك منهم.
قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ دعهم يتفردوا بمقاساة ما نداخلهم من الغيظ، واستريحوا بقلوبكم عمّا يحلّ بهم، فإنّ الله أولى بعباده يوصل إلى من يشاء ما يشاء.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٢٠]
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)
الإشارة من هذه الآية إلى المنصرفين عن طريق الإرادة، الراجعين إلى أحوال أهل العادة لا يعجبهم «١» أن يكون لمريد نفاذ، وإذا رأوا فترة لقاصد استراحوا إلى ذلك. وإنّ الله- بفضله ومنّته- يتمّ نوره على أهل عنايته، ويذر الظالمين الزائغين «٢» عن سبيله فى عقوبة بعادهم، لا يبالى بما يستقبلهم.
(١) أخطأ الناسخ إذ كتبها (لا يعجبكم) والسياق والمعنى يرفضانها.
(٢) وردت (الذائقين) بالقاف وهى خطأ من الناسخ.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٢١]
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)
أقامه- صلّى الله عليه وسلّم- بتبوئه الأماكن للقتال، فانتدب لذلك بأمره ثم أظهر فى ذلك الباب مكنونات سرّه، فالمدار على قضائه وقدره، والاعتبار بإجرائه واختياره.
قوله جلّت قدرته:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٢٢]
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)
يبرز الجميع فى صدار الاختيار كأنّ الأمر إليهم فى نفيهم وإثباتهم، وفعلهم وتركهم، وفى الحقيقة لا يتقلبون إلا بتصريف القبضة، وتقليب القدرة «١».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٢٣]
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)
تذكير ما سلف من الإنعام فتح لباب التملق فى اقتضاء أمثاله فى المستأنف «٢».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٥]
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)
كان تسكين الحقّ سبحانه لقلب المصطفى- صلّى الله عليه وسلّم- بلا واسطة من الله
(١) خلاصة معنى هذه العبارة التي قد تبدو غامضة- أن التعبير القرآنى ظاهره نسبة الأفعال للانسان- وهذا من وجهة نظر الصوفي تعبير بالفرق، والحقيقة أن كل شىء مرجعه إلى الله حيث يكون التعبير عنه بالجمع، وقد تقدم معنى الجمع والفرق فى هامش آخر.
(٢) المستأنف- المستقبل.
- سبحانه، والربط على قلوب المؤمنين بواسطة الرسول صلّى الله عليه وسلّم- فلولا بقية بقيت عليهم ما ردّهم فى حديث النصرة إلى إنزال الملك، وأنّى بحديث الملك- والأمر كلّه بيد الملك؟!.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٢٦]
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)
أجرى الله- سبحانه- سنّته مع أوليائه أنه إذا ضعفت نيّاتهم، أو تناقصت «١» إرادتهم أو أشرفت «٢» قلوبهم على بعض فترة- أراهم من الألطاف، وفنون الكرامات ما يقوّى به أسباب عرفانهم، وتتأكد به حقائق يقينهم.
فعلى هذه السّنّة أنزل هذا الخطاب. ثم قطع قلوبهم وأسرارهم عن الأغيار بالكلية فقال:
«وما النصر إلا من عند الله».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٩]
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)
إنّ الله لا يشمت بأوليائه عدوا فالمؤمن وإن أصابته نكبة، فعدوّه لا محالة يكبّه «٣» الله فى الفتنة والعقوبة.
قوله جل ذكره: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُعَذِّبَهُمْ، فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
(١) وردت (تناقضت) ولا يمنع أن تكون بالصاد حتى ينسجم النقص مع الضعف.
(٢) وردت بالقاف وهى خطأ فى النسخ.
(٣) هكذا فى (ص) وهى صحيحة ولكننا لا نستبعد أن تكون فى الأصل (يكبته) حيث جاء هذا الفعل فى الآية الكريمة التي نحن بصددها.
الإله من له الأمر والنهى، فلمّا لم يكن له فى الإلهية نظير لم يكن له- (صلّى الله عليه وسلّم) «١» - من الأمر والنهى شىء.
ويقال جرّده- بما عرّفه وخاطبه- عن كلّ غير ونصيب ودعوى، حيث أخبر أنه ليس له من الأمر شىء، فإذا لم يجز أن يكون لسيّد الأولين والآخرين شىء من الأمر فمن نزلت رتبته عن منزلته فمتى يكون له شىء من الأمر؟
ويقال استأثر (بستر عباده فى حكمه «٢» ) فقال أنا الذي أتوب على من أشاء من عبادى وأعذّب من أشاء، والعواقب عليك مستورة، وإنك- يا محمد- لا تدرى سرى فيهم.
ويقال أقامه فى وقت مقاما فقال: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» رمى بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه، وقال له فى وقت آخر: «ليس لك من الأمر شىء» ثم زاد فى البيان فقال: «ولله ما فى السموات وما فى الأرض». فإذا كان الملك ملكه، والأمر أمره، والحكم حكمه- فمن شاء عذّبه، ومن شاء قرّبه، ومن شاء هداه، ومن شاء أغواه.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٠ الى ١٣١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١)
حرّم الربا على العباد ومنه إقراض الواحد باثنين تستردهما، وسأل منك القرض الواحد بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، والإشارة فيه أن الكرم لا يليق بالخلق وإنما هو صفة الحق سبحانه.
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ: دليل الخطاب أنّ المؤمن لا يعذّب بها، وإن عذّب بها مدّة فلا يخلّد فيها.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٣٢]
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)
(١) أضفناها لتوضيح المعنى.
(٢) ربما كانت فى الأصل هكذا (بسر حكمه فى عباده) لأنه بعد قليل يقول (لا تدرى سرى فيهم) أي أن المستأثر به هو السر، وكذلك كلمة (ستر عباده) مرفوضة فالأولى أنه يستر الحكم، أو العواقب كما جاء بعد قليل.
قرن طاعة الرسول صلوات الله عليه بطاعة نفسه تشريفا لقدره، وتخفيفا على الأمة حيث ردّهم إلى صحبة شخص من أنفسهم، فإنّ الجنس إلى الجنس أسكن.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٣٣]
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)
معناه سارعوا إلى عمل يوجب لكم المغفرة، فتقسمت القلوب وتوهمت أن ذلك أمر شديد فقال صلّى الله عليه وسلّم: «الندم توبة» وإنما توجب المغفرة التوبة لأن العاصي هو الذي يحتاج إلى الغفران.
والناس فى المسارعة على أقسام: فالعابدون يسارعون بقدمهم فى الطاعات، والعارفون يسارعون بهممهم فى القربات، والعاصون يسارعون بندمهم بتجرّع الحسرات. فمن سارع بقدمه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته.
ولمّا ذكر الجنة وصفها بسعة العرض، وفيه تنبيه على طولها لأن الطول فى مقابلة العرض، وحين ذكر المغفرة لم يذكر الطول والعرض، فقوم قالوا: المغفرة من صفات الذات وهى بمعنى الرحمة فعلى هذا فمغفرته حكمه بالتجاوز عن العبد وهو كلامه، وصفة الذات تتقدس عن الطول والعرض.
ومن قال: مغفرته من صفات فعله قال لكثرة الذنوب لم يصف الغفران بالنهاية، إشارة إلى استغراقه جميع الذنوب.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٣٤]
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
لا يدّخرون عن الله شيئا، ويؤثرونه على جميع الأشياء، ينفقون أبدانهم على الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد، وأموالهم فى إفشاء الخيرات وابتغاء القربات بوجوه الصدقات،
وقلوبهم فى الطلب ثم دوام المراعاة، وأرواحهم على صفاء المحبّات والوفاء على عموم الحالات، وينفقون أسرارهم على المشاهدات فى جميع الأوقات «١» ينتظرون إشارات المطالبات، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات «٢» قوله: «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ» : يتجاوزون عن الخلق لملاحظاتهم إياهم بعين النسبة، وأقوام يحملون على الخلق علما بأن ذلك بسبب جرمهم فيشهدونهم بعين التسلط، وآخرون يكظمون الغيظ تحققا بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون عليهم التحمل، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافى الدرجات فى الذّلّ لأن نفوسهم ساقطة فانية، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار فى الإنشاء والإجراء فعلموا أنّ المنشئ الله فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لمّا أفردوه بالإبداع انقادوا لحكمه فلم يروا معه وجها غير التسليم لحكمه، فأكرمهم الحق سبحانه ببرد الرضاء، فقاموا له بشرط الموافقة.
قوله «وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ» فرضا «٣» رأوه على أنفسهم لا فضلا منهم على الناس، قال قائلهم:
ربّ رام لى بأحجار الأذى لم أجد بدّا من العطف عليه
«وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.. هذا فى معاملة الحق، وأما فى معاملة الخلق فالإحسان أن تدع جميع حقّك بالكلية كم كان على من كان، وتقبل (....) «٤» منه ولا تقلده فى ذلك منّة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)
(١) سقطت الواو فأثبتناها.
(٢) أخطأ الناسخ إذ كتبها (المطالبات) أيضا، ونظرا لأن المطالعة مرتبطة بالكشف والكشف مرحلة متأخرة. فقد تركنا الأولى (المطالبات) وصوبنا الثانية (المطالعات).
(٣) وردت (قرضا) والصواب بالفاء فهكذا يرشدنا السياق، والشاهد الشعرى بعده. [.....]
(٤) مشتبهة.
أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السّلام «قل للظّلمة حتى لا يذكرونى فإنى أوجبت أن أذكر من ذكرنى، وذكرى للظّلمة باللعنة». وقال لظلمة هذه الأمة:
«أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ» ثم قال فى آخر الآية: «وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ».
ويقال فاحشة كلّ أحد على حسب حاله ومقامه، وكذلك ظلمهم. وإن خطور المخالفات ببال الأكابر كفعلها من الأغيار، قال قائلهم:
أنت عينى وليس من حق عينى غضّ أجفانها على الأقذاء «١»
فليس الجرم على البساط كالذّنب على الباب.
ويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة أحوالهم، فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علما منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا به، فخلصهم من ظلمات نفوسهم. وإن رؤية الأحوال والأفعال لظلمات عند ظهور الحقائق، ومن طهّره الله بنور العناية صانه عن التورط فى المغاليط البشرية «٢».
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ بردّهم إلى شهود الربوبية، وما سبق لهم من الحسنى فى سابق القسمة.
«وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» مؤجلا من الفراديس، ومعجّلا فى روح المباحات وتمام الأنس.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٧ الى ١٣٨]
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)
(١) البيت لابن الرومي يعاتب صديقه أبا القاسم التوزى الشطرنجى.
(٢) القشيري فى هذه الفقرة متأثر بتعاليم أهل الملامة النيسابورية الذين يعلنون حربا لا هوادة فيها على كل دعوى للنفس حتى ليحاولون ستر حياتهم الباطنية بفعل ما يوجب ملامة الناس، وكل ذلك فى سبيل كسر النفس وعدم استشعار العبد لأى فضل منه:
يعنى اعتبروا بمن سلف، وانظروا كيف فعلنا بمن والى وكيف انتقمنا ممن عادى، وقوله تعالى هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ: بيان لقوم من حيث أدلة العقول، ولآخرين من حيث مكاشفات القلوب، ولآخرين من حيث تجلى الحق فى الأسرار.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٣٩]
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)
يعنى إذا قلتم بالله (ووصلتم «١» ) بالله فلا ينبغى أن تخافوا من غير الله، ولا تهنوا ولا تضعفوا فإن النصرة من عند الله، والغالب الله، وما سوى الله فليس منهم ذرة لا منهم سينة.
قوله: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي ينبغى للمؤمن ألا تظله مهابة من غير الله.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٠]
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)
إن نالكم فينا مشقة فالذين تقدموكم لقوا مثل ما لقيتم، ومنوا بمثل ما به منيتم، فمن صبر منهم ظفر، ومن ضجر من حمل ما لقى خسر، والأيام نوب والحالات دول، ولا يخفى على الحق شىء.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤١]
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١).
(١) لا نستبعد أنها (وصلتم) من صال يصول، ويدعم ذلك حرف الجر بعده، وكذلك السياق.
اختبارات الغيب سبك «١» للعبد فباختلاف الأطوار يخلصه من المشائب فيصير كالذهب الخالص لا خبث فيه، كذلك يصفو عن العلل فيتخلص لله.
«وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ» فى أودية التفرقة. (وأما الزبد فيذهب جفاء) «٢».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٢]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)
من ظنّ أنه يصل إلى محل عظيم من دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه فى مهواة الهلاك، وإنّ من عرف قدر مطلوبه سهل عليه بذل مجهوده: (......) وهو بلذاته على من يظن يخلع العذار) «٣» وقال قائلهم:
إذا شام الفتى برق المعاني... فأهون فائت طيب الرقاد
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٣]
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)
طوارق التمني بعد الصبر على احتمال المشاق ولكن:
إذا انسكبت دموع فى خدود... تبيّن من بكى «٤» ممن تباكى
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٤]
وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
(١) وردت (شبك) ونرجح أنها (سبك) فالسياق يدعم ذلك.
(٢) ترجح أن هذه الآية موضوعة هنا خطا وأن مكانها عقب (لا خبث فيه) ليتماسك المعنى.
(٣) هكذا فى (ص) والصحيح أنه:
وما جاد دهر بلذاته... على من يضنّ بخلع العذار
وهو لأبى نواس فى ملاحاة له مع مسلم بن الوليد.
(٤) جاءت فى الشطر (تبين من بقي) وهى خطأ فى النسخ.
إن الرسل موقوفون حيثما وقفوا، ومخبرون عمّا عرّفوا بمقدار ما عرفوا فإذا أيّدوا بأنوار البصائر اطّلعوا على مكنونات السرائر بلطائف التلويح بمقدار ما أعطوا من الإشراق بوظائف البلوغ.
«أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» لما توفّى المصطفى- صلّى الله عليه وسلّم- سقمت البصائر إلا بصيرة الصديق رضى الله عنه فأمدّه الله بقوة السكينة، وأفرغ عليه قوة التولي فقال. «من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات» فصار الكلّ مقهورين تحت سلطان قالته لما انبسط عليهم من نور حالته، كالشمس بطلوعها تندرج فى شعاعها أنوار الكواكب فيستتر فيها مقادير مطارح شعاع كل نجم.
وإنما قال: «أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ» لأنه صلّى الله عليه وسلّم مات. وقيل أيضا لأنه قال:
«ما زالت أكلة خيبر تعاودنى فهذا أوان قطعت أبهرى» «١».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٥]
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)
«٢» الأنفاس محصورة لا زيادة فيها، ولا نقصان منها.
«وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها» : للصالحين العاقبة وللآخرين الغفلة.
«وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها» : وثواب الآخرة أو له الغفران ثم الجنان ثم الرضوان.
(١) وفى البخاري بلفظ «ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أيهرى من ذلك السم» قال المقريزى: «وهذا قاله فى مرض موته».
(٢) أخطأ الناسخ إذ أضاف (وسيجزى الله) وقد التبس عليها ختام الآية السابقة.
«وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» : وجزاء الشكر الشكر.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٦]
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)
إنّ الذين درجوا على الوفاء، وقاموا بحق الصفاء، ولم يرجعوا عن الطريق، وطالبوا نفوسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق- وجدوا محبة الحقّ سبحانه ميراث صبرهم، وكان الخلف عنهم الحقّ عند نهاية أمرهم، فما «١» زاغوا عن شرط الجهد، ولا زاغوا فى حفظ العهد، وسلّموا تسليما، وخرجوا عن الدنيا وكان كلّ منهم للعهد مقيما مستديما، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيما.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٧]
وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧)
تحققوا بحقائق المعنى فخرسوا «٢» عن إظهار الدعوى، ثم نطقوا بلسان الاستغفار، ووقفوا فى موقف الاستحياء، كما قيل:
يتجنّب الآثام ثم يخافها فكأنّما حسناته آثام
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٨]
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)
وأقل ذلك القناعة ثم الرضا ثم العيش معه ثم الأنس فى الجلوس بين يديه ثم كمال الفرح بلقائه، ثم استقلال السرّ بوجوده.
(١) أخطا الناسخ إذ نقلها (فلما زاغوا) وهذا يخالف المعنى المراد، والصحيح (فما)
(٢) وردت بالحاء والصواب أن تكون بالخاء، فالمعنى يتطلب ذلك ويقوى به.
وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
يعنى دخولهم الجنة وهم محررون عنها، غير داخلين فى أسرها.
ويقال ثواب الدنيا والآخرة الغيبة عن الدارين برؤية خالفهما «١».
ولمّا قال «ثواب الدنيا» قال فى الآخرة «وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ» فوجب أن يكون لثواب الآخرة مزية على ثواب الدنيا حيث خصّه بوصف الحسن، وتلك المزية دوامها وتمامها وثمارها، وأنها لا يشوبها ما ينافيها، ويوقع آفة فيها.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٩ الى ١٥٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)
يعنى إن طاوعتم الأضداد جرّوكم إلى أحوالهم «٢»، فألقوكم فى ظلماتهم، بل الله مولاكم:
ناصركم ومعينكم وسيدكم ومصلح أموركم، «وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» : لأنه يعينكم على أنفسكم ليكفيكم شرّها، ومن سواه يزيد فى بلائكم إذا ناصروكم لأنهم يعينون أنفسكم عليكم.
«وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» لأن من سواه يمن عليك بنصرته إياك، وهو يجازيك على استنصارك به.
ويقال كل من استنصرت به احتجت إلى أن تعطيه شيئا من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته- سبحانه- يعطيك كلّ لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥١]
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)
(١) الغيبة فى المصطلح الصوفي من مقوماتها ألا يحس العبد بوارد من تذكر ثواب أو تفكر فى عقاب، وعلى حسب الغيبة عن الخلق يكون (حضور) العبد بالحق.
(٢) وردت (أحوالكم) وهذا خطأ فى النسخ. [.....]
إنّ الله سبحانه خصّ نبيّنا- صلّى الله عليه وسلّم- بإلقاء الرعب منه فى قلوب أعدائه، قال عليه السّلام: «نصرت بالرعب». فكذلك أجرى هذه السّنّة مع أوليائه يطرح الهيبة منهم فى القلوب، فلا يكاد يكون محق إلا ومنه- على المبطلين وأصحاب الدعوى والتمويه- هيبة فى القلوب وقهر.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٢]
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)
(إنه سبحانه يجازيك على استنصارك به، ويقال كل من استنصرت به احتجت إلى أن يعطيه شيئا من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فاذا استنصرته- سبحانه- يعطيك كل لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك). «١»
الإشارة من هذه الآية إلى أن الحق سبحانه أقام أولياءه بحق حقه، وأقعدهم عن تحصيل حظوظهم، وقام سبحانه بكفايتهم بكل وجه، فمن لازم طريق الاستقامة، ولم يزغ عن حدّه ولم يزغ فى عهده، فإنه سبحانه يصدق وعده له بجميل الكفاية ودوامها، ومن ضلّ عن الاستقامة- ولو خطوة- عثر فى مشيته، واضطربت عليه- بمقدار جرمه- حاله وكفايته، فمن زاد زيد له، ومن نقص نقص له.
قوله جل ذكره: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ
(١) ما بين القوسين سبق وروده عند تفسير «وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» فى ختام الآية قبل السابقة ولا ندرى هل أعادها القشيري هنا لتفسير «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ» أم أن الناسخ قد وقع فى التكرار سهوا أثناء الكتابة؟
يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
قيمة كل أحد إرادته فمن كانت همته الدنيا فقيمته خسيسة حقيرة كالدنيا، ومن كانت همته الآخرة فشريف خطره، ومن كانت هممه ربانية فهو سيد وقته.
ويقال من صفا عن إرادته وصل إليه، ومن وصل إليه أقبل- بلطفه- عليه، وأزلفه بمحل الخصوصية لديه.
قوله: «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ» : الإشارة منه أنه صرف قوما عنه فشغلهم بغيره عنه، وآخرون صرفهم عن كل غير فأفردهم له فالزاهدون صرفهم عن الدنيا، والعابدون صرفهم عن اتباع الهوى، والمريدون صرفهم عن المنى، والموحّدون صرفهم عما هو غير وسوى.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٣ الى ١٥٤]
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)
286
قوله: «إِذْ تُصْعِدُونَ» الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة، ودواعى الحق سبحانه- من أنفسهم، ومن جميع الأقطار حتى كأنّ الأحجار من الشوارع واللّبن من الجدران- تناديه: لا تفعل يا عبد الله! وهو مصرّ فى ليّه، مقيم على غيّه، جاحد لما يعلم أنه هو الأحقّ والأولى من حاله، فإذا قضى وطره واستوفى بهمته، فلا محالة يمسك من إرسال عنانه، ويقف عن ركضه فى ميدانه، فلا يحصل إلا على أنفاس متصاعدة، وحسرات متواترة فأورثه الحقّ- سبحانه- وحشة على وحشة. حتى إذا طال فى التحسّر مقامه تداركه الحق- سبحانه- بجميل لطفه، وأقبل عليه بحسن عطفه، وأنقذه من ضيق أسره، ونقله إلى سعة عفوه وفضله، وكثير من هؤلاء يصلون إلى محل الأكابر ثم يقفون بالله لله (......) «١» ويقومون بالله لله بلا انتظار تقريب ولا ملاحظة ترحيب.
قال تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد فتراتهم «٢» إلى القول بترك أنفسهم، وغسل أيديهم منهم، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون بالله لله، بلا ملاحظة طمع وطلبة، بل على عقيدة اليأس عن كل شىء. عليه أكّدوا العهد، وبدّلوا اللحظ «٣»، وتركوا كل نصيب وحظ، وهذه صفة من أنزل عليه الأمنة.
فأمّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم- فبقوا فى وحشة نفوسهم، ومن عاجل عقوبتهم سوء
(١) مشتبهة.
(٢) وردت (فطراتهم) بالطاء والأصوب أن تكون بالتاء لأن الفترة وقت مقاساة ومعاناة فهى تتلاءم مع (وتجرع حسراتهم).
(٣) اللحظ هنا معناها الملاحظة، ملاحظة النفس أو ملاحظة العوض.
287
عقيدتهم فى الطريقة بعد إيمانهم بها قال تعالى: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ».
والإشارة فى قوله تعالى: «هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ» لهؤلاء أنهم يتحيّرون فى أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة، ولا إعراض بالكلية، يحيلون فترتهم على سوء اختيارهم، ويضيفون صفوة- لو كانت لقلوبهم- إلى اجتهادهم، وينسون ربّهم فى الحالين، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه. قال تعالى:
«قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ» : فمن عرف أن المنشئ الله انسلخ عن اختياره وأحواله كانسلاخ الشّعر عن العجين، وسلّم أموره إلى الله بالكلية. وأمارة من تحقق بذلك أن يستريح من كدّ تدبيره، ويعيش فى سعة شهود تقديره.
وقوله: «يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ» : لم يخلصوا فى عقائدهم، وأضمروا خلاف ما أظهروا، وأعلنوا غير ما ستروا، وأحالوا الكائنات على أسباب توهموها.
قال تعالى: «قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ» :
أخبر أن التقدير لا يزاحم «١»، والقدر لا يكابر، وأن الكائنات محتومة، وأن الله غالب على أمره.
وقوله: «وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ» : فأمّا أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع من قلوبهم كل آفة وحجبة، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة، فتصبح قلوبهم خالصة من الشوائب، صافية عن العلائق، منفردة للحق، مجرّدة عن الخلق، محرّرة عن الحظّ والنّفس، ظاهرة عليها آثار الإقبال، غالبا عليها حسن التّولّى، بادية فيها أنوار التجلي.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٥]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥).
(١) وردت بالهاء والصواب أن تكون بالحاء.
الإشارة من هذه الآية إلى أحوال من سقمت إرادتهم، وضعفت نيّاتهم، وقادهم الهوى، وملكتهم الفترة.
قابلهم نصح الناصحين، ودعوة المنى، ووساوس الشياطين فركنوا إلى الغيبة، وآثروا الهوى على التّقى فبقوا عنه، ولم يتهنّوا بما آثروه عليه.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)
من تعوّد أن يتلهف على ماضيه وسالفه، أو يتدبر فى مستقبله وآنفه، فأقلّ عقوبة له ضيق قلبه فى تفرقة الهموم، وامتحاء نعت الحياة «١» عن قلبه لغفلته وقالته ليت كذا ولعلّ كذا، وثمرة الفكرة فى ليت ولعلّ- الوحشة والحسرة وضيق القلب والتفرقة.
قوله جلّ ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٧ الى ١٥٨]
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)
بذل الروح فى الله خير من الحياة بغير الله، والرجوع إلى الله خير لمن عرف الله من البقاء مع غير الله، وما يؤثره العبد على الله فغير مبارك، إن شئت: والدنيا، وإن شئت: والعقبى.
قوله وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ: إذا كان المصير إلى الله طاب المسير
(١) حياة القلب عمارته بالله وقد وردت فى مطلع الإشارة التالية، ولا يستبعد أنها (الحياء) فهى مقبولة أيضا.
إلى الله: وإنّ سفرة إليه بعدها نحطّ رحالنا لمقاساتها أحلى من العسل! قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٩]
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)
جرّده عن أوصاف البشرية، وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية، وأخبر أن ما يلوح إليه فمن أنوار التولي، لا من آثار الوفاق والتبري، ولولا أنه استخلصه بما ألبسه وإلا متى كان بتلك الصفة؟! ويقال إن من خصائص رحمته- سبحانه- عليه أن قوّاه حتى صحبهم، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم، وعلى ما كان يقاسيه من اختلافهم- مع سلطان ما كان مستغرقا له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه، فلولا قوة إلهية استأثره الحق بها وإلا متى أطاق صحبتهم؟! ألا ترى إلى موسى عليه السّلام لما كان قريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر على مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه؟
ويقال لولا أنه صلّى الله عليه وسلّم شاهدهم محوا فيما كان يجرى عليهم من أحكام التصريف، وتحقّق أن منشئها الله- لما أطاق صحبتهم.
قوله تعالى: «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» : لو سقيتهم صرف شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظّ لتفرقوا عنك، هائمين على وجوههم، غير مطيقين للوقوف لحظة، «فَاعْفُ عَنْهُمْ» فيما يكون تقصيرا منهم فى حقك وتوقيرك، وما عثرت عليه من تفريطهم فى خدمتنا وطاعتنا- فانتصب لهم شفيعا إلينا.
ويقال «فَاعْفُ عَنْهُمْ» فاعف- أنت- عنهم فإن حكمك حكمنا، فأنت لا تعفو إلا وقد عفونا. ثم ردّه عن هذه الصفة بما أثبته فى مقام العبودية، ونقله إلى وصف التفرقة
290
فقال: ثم قف فى محل التذلل مبتهلا إلينا فى استغفارهم. وكذا سنّته- سبحانه- مع أنبيائه عليهم السّلام وأوليائه، يردّهم من جمع إلى فرق ومن فرق إلى جمع، فقوله: «فَاعْفُ عَنْهُمْ» جمع، وقوله: «وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ» فرق.
ويقال «فَاعْفُ عَنْهُمْ» وتجاوز عنهم فى حقوقك، ولا تكتف بذلك ما لم تستغفر لهم إكمالا للكرم ولهذا كان يقول: «اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون».
ويقال ما يقصّرون فى حقّك تعلّق به حقّان: حقك وحقى، فاذا عفوت أنت فلا يكفى هذا القدر بل إن لم أتجاوز عنهم فى حقى كانوا مستوجبين للعقوبة فمن أرضى خصمه لا ينجبر حاله ما لم يغفر الله له فيما ترك من أمره.
وقوله «وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» أي أثبت لهم محلا فإنّ المعفو عنه فى صدار الخجلة لا يرى لنفسه مقام الكرامة، فإذا شاورتهم أزلت عنهم انكسارهم، وطيّبت لهم قلوبهم.
ويقال تجنّسوا فى أحوالهم: فمن مقصّر فى حقه أمر بالعفو عنه، ومن مرتكب لذنوبه أمر بالاستغفار له، ومن مطيع غير مقصر أمر بمشاورته.
ثم قال: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» أي لا «١» تتكل على رأى مخلوق وكل الأمور إلىّ، فإنا لا نخليك عن تصريف القبضة بحال.
وحقيقة التوكل شهود التقدير، واستراحة القلوب عن كد التدبير.
«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» يذيقهم برد الكفاية ليزول عنهم كل لغب «٢» ونصب، وإنه يعامل كلا بما يستوجبه فقوم يغنيهم- عند توكلهم- بعطائه، وآخرون يكفيهم- عند توكلهم- بلقائه، وقوم يرضيهم فى عموم أحوالهم حتى يكتفون ببقائه، ويقفون معه به له- على تلوينات «٣» قدره وقضائه.
(١) سقطت (لا) من الناسخ.
(٢) وردت (لقب) بالقاف والصواب أن تكون (لغب) بالغين، وربما كانت فى الأصل (تعب)
(٣) اللفظة رديئة الخط، ويحتمل أنها (تقلبات)، وتلوين الأحوال مصحوب- حسب الاصطلاح الصوفي- يتقلب الأحوال، ولهذا فالمعنى يتقبل كلا اللفظين.
291
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٦٠]
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)
المؤمنون نصرته لهم بالتوفيق للأشباح ثم بالتحقيق للأرواح.
ويقال ينصركم الله بتأييد الظواهر وتسديد «١» السرائر.
ويقال للنصرة إنما تكون على العدو، وأعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك.
والنصرة على النّفس بأن تهزم دواعى منّتها بعواصم رحمته حتى تنفضّ جنود الشهوات بهجوم وفود المنازلات فتبقى الولاية لله خالصة من شبهات الدواعي التي هى أوصاف البشرية، وشهوات النفوس وأمانيها، التي هى آثار الحجبة وموانع القربة.
«إِنْ يَخْذُلْكُمْ» الخذلان التخلية مع المعاصي، فمن نصره قبض على يديه عن تعاطى المكروه، ومن خذله ألقى حبله على غاربه، ووكله إلى سوء اختياره، فيفترق عليه الحال فى أودية الشهوات، فمرة يشرّق غير محتشم، وتارة يغرّب غير محترم، ألا ومن سيّبه الحق فلا آخذ بيده، ومن أسلمه «٢» فلا مجير له.
«وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» : فى وجدان الأمان عند صدق الابتهال، وإسبال ثوب «٣» العفو على هناة الجرم عند خلوص الالتجاء، بالتبري من المنّة والحول.
ويقال لما كان حديث النصرة قال: «فَلا غالِبَ لَكُمْ»، ولما كان حديث الخذلان لم يقل «فلا ناصر لكم» بل قال بالتلويح والرمز: «فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ» :
وفى هذا لطيفة فى مراعاة دقائق أحكام الخطاب.
(١) من السداد.
(٢) أي أسلمه إلى نفسه:
(٣) وردت (ثواب)، والملائم للاسبال: (ثوب) ولذلك آثرناها.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٦١]
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)
نزّه «١» أحوال الأنبياء عن الدّنس بالخيانات، فمن حمّلناه من الرسالة إلى عبادنا يوصلها إلى مستحقيها واجبا، ولا يعتنى بشأن حميم له من دون أمرنا، ولا يمنع نصيب أحد أمرناه بإيصاله إليه، بحقد ينطوى عليه. ألا ترى كيف قال: «اذهب فواره» لأبى طالب لمّا قال له أمير المؤمنين علىّ رضى الله عنه: مات عمّك «٢» الضال. وكيف قبل الوحشىّ قاتل حمزة لمّا أسلم؟
ويقال ما كان لنبى من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يضع أسرارنا فى غير أهلها، بل ينزلون كل أحد عند ما يستوجبه، وفى الأثر «أمرنا أن ننزل الناس منازلهم» قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٢ الى ١٦٣]
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)
لا يستوى من رضى عنه فى آزاله ومن سخط عليه فخذله فى أحواله، وجعله متكلا على أعماله، ناسيا لشهود أفضاله، واتباع الرضوان بمفارقة ما زجر عنه، ومعانقة ما أمر به، فمن تجرّد عن المزجور، وتجلّد فى اعتناق المأمور فقد اتبع الرضوان، واستوجب الجنان.
(١) أخطأ الناسخ فكتبها (نزح) بالحاء.
(٢) «اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه» هكذا أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن على رضى الله عنه:
وفى السيرة الحلبية: إن هذا الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن الجارود وابن خزيمة عن على قال: لما مات أبو طالب أخبرت النبي (ص) بموته فبكى وقال:
«اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه».
وانظر أيضا «أسنى المطالب فى نجاة أبى طالب» لزينى دحلان ط طهران سنة ١٣٨٢ (ص ٤٤). [.....]
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ: أي هم أصحاب درجات فى حكم الله، فمن سعيد مقرّب، ومن شقىّ مبعد.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٦٤]
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)
أجزل لديهم العارفة، وأحسن إليهم النعم حيث أرسل إليهم مثل المصطفى سيد الورى صلوات الله عليه وعلى آله، وعرّفهم دينهم، وأوضح لهم براهينهم، وكان لهم بكل وجه فلا نعمه شكروا، ولا حقّه وقّروا، ولا بما أرشدهم استبصروا، ولا عن ضلالتهم أقصروا..
هذا وصف أعدائه الذين جحدوا واستكبروا. وأمّا المؤمنون فتقلدوا المنّة فى الاختيار، وقابلوا الأمر بالسمع والطاعة عن كنه الاقتدار، فسعدوا فى الدنيا والعقبي، واستوجبوا من الله الكرامة والزّلفى.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٦٥]
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)
عادة الخلق نسيان ما منهم من الخطأ والعصيان، والرجوع إلى الله بالتهمة فيما يتصل بهم من المحن والخسران، وفنون المكاره والافتتان، وإنّ من تعاطى (... ) «١» الإجرام فحقيق بألا ينسى حلول الانتقام.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٦ الى ١٦٧]
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧)
(١) مشتبهة.
هوّن على المؤمنين وأصحاب البصائر ما لقوا من عظيم الفتنة يوم أحد، بأن قال إن ذلك أجمع كان بإذن الله، وإنّ بلاء يصيب بإذن الله لمن العسل أحلى، ومن كل نعيم أشهى.
ثم أخبر أن الذين لم يكن لهم فى الصحبة خلوص كيف تعللوا وكيف تكاسلوا:
وكذا الملول إذا أراد قطيعة ملّ الوصال وقال كان وكانا
قوله تعالى: «يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» فلا جرم (سقوا العسل ودسّوا له فيه الحنظل) «١»، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٦٨]
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)
الذين ركنوا إلى ما سوّلت لهم نفوسهم من إيثار الهوى، ثم اعترضوا على من يصرف أحكام القضاء وقالوا لو تحرّزا عن البروز للقتال لم يسقطوا عن درجة السلامة.. لمذمومة تلك الظنون، ولذاهبة عن شهود التحقيق تلك القلوب.
(١) هكذا يمكن أن تقرأ هذه العبارة لو بنى الفعلان فيها للمعلوم، أما لو بنيا للمجهول فإن الجزء الثاني منها يكون (ودس لهم فيه الحنظل). فالفاعل فى الحالة الأولى يكون ضميرا يعود على المنافقين، ونائب الفاعل فى الحالة الثانية يكون المولى عز وجل وما جاء فى النسخة (ص) يرجح الثانية، وإن كنا نميل للأولى.
قل لهم- يا محمد- استديموا لأنفسكم الحياة، وادفعوا عنها هجوم الوفاة! ومتى تقدرون على ذلك؟! هيهات هيهات! قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٩ الى ١٧٠]
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)
الحياة بذكر الحق بعد ما تتلف النفوس فى رضاء الحق أتمّ من البقاء بنعمة الخلق مع الحجبة عن الحق.
ويقال إن الذي وارثه الحي الذي لم يزل فليس بميت- وإن قتل:
وإن كانت العبدان للموت أنشئت فقتل امرئ فى الله- لا شكّ- أفضل
قوله: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ: من علم أن أحباءه ينتظرونه وهم فى الرّفة والنعمة لا يهنأ بعيش دون التأهب والإلمام بهم والنزول عليهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧١]
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)
علّة استبشارهم وموجبه فضل من الله ونعمة منه، أي لولا فضله ونعمته بهم وإلا متى استبشروا؟ فليس استبشارهم بالنعمة إنما استبشارهم بأنهم عباده وأنه مولاهم «١»، ولولا فضله ونعمته عليهم لما كانت لهم هذه الحالة.
(١) يقول الدقاق- شيخ القشيري وصهره- ليس أشرف من العبودية، ولا اسم أتم للمؤمن من الاسم له بالعبودية، وقد وصف بها الرسول (ص) فى أشرف أوقاته فى الدنيا، قال تعالى «فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى»
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٢]
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)
للاستجابة مزية وفضيلة على الإجابة من حيث الإشارة لا من مقتضى العربية «١» وهو أنه يستجيب طوعا لا كرها، فهم استجابوا لله من غير انطواء على تحمل مشقة بل بإشارة القلب ومحبة الفؤاد واختيار الروح واستحلاء «٢» تحمّل الحكم. فالاستجابة للحق بوجوده، والاستجابة للرسول- عليه السّلام- بالتخلّق بما شرع من حدوده.
استجابة الحق بالتحقق بالصفاء فى حق الربوبية، واستجابة الرسول عليه السّلام بالوفاء فى إقامة العبودية.
«مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ» : فى ابتداء معاملاتهم قبل ظهور أنوار التجلي على قلوبهم، وابتسام الحقائق فى أسرارهم.
«لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ» :«الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه... - وهو المشاهدة والتقوى-... فإن لم تكن تراه فإنه يراك «٣» - وهو المراقبة فى حال المجاهدة.
«أَجْرٌ عَظِيمٌ» لأهل البداية مؤجّلا، ولأهل النهاية معجّلا.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٣]
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)
لم يلتبس على ظواهرهم شىء من أحوال الدنيا إلا انفتحت لهم- فى أسرارهم- طوالع من الكشوفات، فازدادوا يقينا على يقين.
(١) أي على مقتضى صيغ الاشتقاق فى اللغة.
(٢) فى ص (استجلاء) والصواب أن تكون بالحاء.
(٣) «أعبد الله كأنك تراه... » رواه الطبراني عن أبى الدرداء، وحسّن السيوطي سنده، وضعفه المنذرى. قال الحافظ العراقي: رجاله ثقات وفيه انقطاع «أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، واحسب نفسك فى الموتى، واتق دعوة المظلوم» وفى الحلية عن زيد بن أرقم.
ومن أمارات اليقين استقلال القلوب بالله عند انقطاع المني من الخلق فى توهم الإنجاد والإعانة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٤]
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)
كذا سنّة الحق- سبحانه- مع من صدق فى التجائه إليه أن يمهد مقيله فى ظل كفايته فلا البلاء يمسه، ولا العناء يصيبه، ولا النّصب «١» يظلّه.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٥]
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)
«٢» الإشارة فى تسليط دواعى الشيطان على قلوب الأولياء صدق فرارهم إلى الله كالصبىّ الذي يخوّف بشىء يفزع الصبيان، فإذا خاف لم يهتد إلى غير أمه، فإذا أتى إليها آوته إلى نفسها، وضمّته إلى نحرها، وألصقت بخدّه خدّها.
كذلك العبد إذا صدق فى ابتهاله إلى الله، ورجوعه إليه عن مخالفته، آواه إلى كنف قربته، وتداركه بحسن لطفه.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٦]
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)
زاد فى قوة قلبه بما جدّد له من تأكيد العهد، بأنه لا يشمت به عدوّا، ولا ى وصّل إليه من قبلهم سوءا.
(١) فى ص (النصيب) والصواب (النصب) فالمعنى يتطلب ذلك.
(٢) هنا أضاف الناسخ- سهوا- لفظة (الله) فحذفناها.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٧]
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)
إن أضرّوا فما أضروا إلا بأنفسهم، وإن أصرّوا فما أصرّوا إلا على خسرانهم:
لا تدعنى إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائى (الرسالة ص ١٠٠)
فما نحن عذّبنا ببعد ديارهم ولا نحن ساقتنا إليهم نوازع
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٨]
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨)
من تمام المكر بهم، والمبالغة فى عقوبتهم أنّا نعذّبهم وهم لا يشعرون، نستدرجهم من حيث لا يعلمون نملى لهم فيظنون ذلك إنعاما، ولا يحسبونه انتقاما، فإذا برزت لهم كوامن التقدير عند مغاراتها علموا أنهم لفى خسران، وقد اتّضح لكلّ ذى بصيرة أن ما يكون سبب العصيان وموجب النسيان غير معدود من جملة الإنعام.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٩]
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)
جمعهم اليوم من حيث الأشخاص والمبانى، ولكنه فرّقهم فى الحقائق والمعاني فمن طيّبة سجيته، ومن خبيئة طينته. وهم وإن كانوا مشائب «١» ففى بصيرة الخواص هم ممتازون «٢».
(١) مشائب أخلاط.
(٢) ممتازون هنا مرتبطة بالفعل (يميز) الذي فى الآية الكريمة أي إنهم معلومون عندنا نميز طيبهم مهما كانوا أخلاطا.
«وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ» : فإنّ أسرار الغيب لا تظهر للمتلوثين بأدناس البشرية، وإن الحق سبحانه مستأثر بعلم ما جلّ وقلّ، فيختص من يشاء من أنبيائه بمعرفة بعض أسراره:
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٠]
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)
من آثر شيئا على الله لم يبارك له فيه فلا يدوم له- فى الدنيا- بذلك استمتاع، ولا للعقوبة عليه- فى الآخرة- عنه دفاع.
والبخل- على لسان العلماء- منع الواجب، وعلى مقتضى الإشارة إبقاء شىء ولو ذرة من المال أو نفسا من الأحوال.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨١ الى ١٨٢]
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)
هذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى. والشكوى إلى الأولياء من الأعداء سنّة الأحباب.
ويقال علم أن فى المؤمنين من يغتاب الناس، وذلك قبيح من قالتهم، فأظهر قبحا فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار، فكأنه قال: لئن قبحت قالتهم فى الاغتياب فأقبح من قولهم قول الكفار حيث قالوا فى وصفنا ما لا يليق بنعمتنا.
وفيه أيضا إشارة إلى الدعاء إلى الخلق، والتجاوز عن الخصم، فإن الله- سبحانه- لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير فى حقوقه.
قوله: «سَنَكْتُبُ ما قالُوا» : هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدقّ إشارة يعنى أنهم وإن نسوا أحوالهم وأقوالهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم قال قائلهم:
صحائف عندى للعتاب طويتها ستنشر يوما والعتاب يطول
سأصبر حتى يجمع الله بيننا فإن نلتق يوما فسوف أقول
قوله: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ هذا لو كان من مخلوق مع مخلوق لأشبه العذر مما عمله به، فكأنه- سبحانه- يقول: «عبدى: هذا الذي تلقاه- اليوم- من العقوبة لأن الذنب لك، ولو لم تفعله لما عذّبنك».
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٣]
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣)
تقوّلوا على الله- سبحانه- فيما تعللوا به من ترك الإيمان، فقالوا: لقد أمرنا ألا نصدّق أحدا إلا لو أتانا بقربان يتقرب به إلى السماء، وتنزل نار من السماء، فتأخذ القربان عيانا ببصر، فقال تعالى: قل لهم إن من تقدّمنى من الأنبياء عليهم السّلام أتوكم بما اقترحتم على من القربان، ثم لم تؤمنوا، فلو أجبتكم إليه لن تؤمنوا بي أيضا فإن من أقصته السوابق- فلو خاطبته الشمس بلسان فصيح، أو سجدت له الجبال فرآها بلحظ صحيح- لم يلج العرفان فى قلبه، وما ازداد إلا شكا على شك.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٤]
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)
أي عادة الكفار تكذيب الرسل: وعلى هذا النحو درج سلفهم، ويهديهم اقتدى خلفهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٥]
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
أي كأس الموت توضع على كفّ كلّ حىّ فمن تحلّاها طيّبة نفسه أورثته سكر الوجد، ومن تجرّعها على وجه التعبس، وقع فى وهدة الرّدّ، ووسم بكىّ الصّدّ، ثم يوم القيامة:
فمن أجير من النار وصل إلى الراحة الكبرى، ومن صلّى بالسعير وقع فى المحنة الكبرى.
«وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» : لأن ما هو آت فقريب.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٦]
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)
كفاهم أكثر أسباب الضر بما أخبرهم عن حلولها بهم قبل الهجوم، وعرّفهم أن خير الأمرين لهم إيثار الصبر واختيار السكون تحت مجارى الأقدار.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٧]
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧)
أخبر أنهم أبرموا عهودهم أن لا يزولوا «١» عن وفائه، ولكنهم نقضوا أسباب الذّمام بما صاروا إليه من الكفران، ثم تبيّن أنّ ما اعتاضوا من ذهاب الدين من أعراض يسيرة لم يبارك لهم فيه.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٨]
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)
إن من باشر رؤية الخلق قلبه، ولاحظهم بسرّه فلا تظننّ أنّ عقوبتهم مؤخرة إلى يوم القيامة، بل ليسوا من العذاب- فى الحال- بمفازة، وأىّ عذاب أشدّ من الردّ إلى الخلق والحجاب عن الحق؟
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٩]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)
الإشارة من هذه الآية هاهنا إلى غناه- سبحانه- عمّا فى الكون، وكيف يحتاج إليهم؟! ولكنهم لا يجدون عنه خلفا، ولا عليه بدلا.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٠ الى ١٩١]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١)
الآيات التي تعرّف الحق سبحانه وتعالى بها إلى العوام هى التي فى الأقطار من العبر والآثار، والآيات التي تعرّف بها إلى الخواص فالتى فى أنفسهم. قال سبحانه:
(١) وردت (ان لا يزالوا) ونرجح انها فى الأصل (ان لا يزولوا) لأن هذه مناسبة للمراد من الآية، ومن سياق المعنى، ولو كان حرف الجر (على) بعدها لقبلنا (لا يزالوا).
303
«سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ» فالآيات الظاهرة توجب علم اليقين، والآيات الباطنة توجب عين اليقين.
والإشارة من اختلاف الليل والنهار إلى اختلاف ليالى العباد فليالى أهل الوصلة قصيرة، وليالى أهل الفراق طويلة فهذا يقول:
شهور ينقضين وما شعرنا بأنصاف لهن ولا سرار
ويقول:
صباحك سكر والمساء خمار فنمت وأيام السرور قصار
والثاني يقول:
ليالى أقر الظاعنين (....)... شكوت وليل العاشقين طويل
وثالث ليس له خبر عن طول الليل ولا عن قصره فهو لما غلب عليه يقول:
لست أدرى أطال ليلى أم لا؟ كيف يدرى بذاك من يتقلّى؟!
لو تفرّغت لاستطالة ليلى ورعيت النجوم كنت محلّا
قوله تعالى: «لِأُولِي الْأَلْبابِ» : أولو الألباب هم الذين صحت عقولهم عن سكر الغفلة.
وأمارة من كان كذلك أن يكون نظره بالحق فإذا نظر من الحقّ إلى الحقّ استقام نظره، وإذا نظر من الخلق إلى الحق انتكست نعمته، وانقلبت أفكاره مورّثة للشبهة.
قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً... الآية:
استغرق الذكر جميع أوقاتهم فإن قاموا فبذكره، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة فى حقائق الذكر، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلاف أمره، ويقومون بصفاء الأحوال ويقعدون عن ملاحظتها والدعوى فيها «١».
ويذكرون الله قياما على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة.
ومن لم يسلم فى بداية قيامه عن التقصير لم يسلم له قعود فى نهايته بوصف الحضور.
(١) القشيري هنا مستفيد من رآى استاذه الإمام ابن فورك فى «قِياماً وَقُعُوداً» فى الآية الكريمة (الرسالة ص ١١١).
304
والذكر طريق الحق- سبحانه- فما سلك المريدون طريقا أصحّ وأوضح من طريق الذكر، وإن لم يكن فيه سوى قوله: «أنا جليس من ذكرنى» لكان ذلك كافيا.
والذاكرون على أقسام، وذلك لتباين أحوالهم: فذكر يوجب قبض الذاكر لما يذكره من نقص سلف له، أو قبح حصل منه، فيمنعه خجله عن ذكره، فذلك ذكر قبض.
وذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم من تقريب الحقّ إيّاه بجميل إقباله عليه.
وذاكر هو محو فى شهود مذكوره فالذكر يجرى على لسانه عادة، وقلبه مصطلم فيما بدا له.
وذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه «١»، فكأنه لتصاغره عنه لا يريد أن يكون له فى الدنيا والآخرة (ثناء) «٢» ولا بقاء، ولا كون ولا بهاء، قال قائلهم:
ما إن ذكرتك إلا همّ يلعننى قلبى وروحى وسرى عند ذاكراكا
حتى كأنّ رقيبا منك يهتف بي إياك ويحك والتذكار إياكا
والذكر عنوان الولاية، وبيان الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة صفاء النهاية، فليس وراء الذكر شىء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر، ومنشأة عن الذكر.
قوله جل ذكره: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا.
التفكر نعمة كل طالب، وثمرته الوصال بشرط العلم، فإذا سلم الذكر عن الشوائب
(١) هذا النوع من الذكر يلتقى بتعاليم أهل الملامة النيسابورية الذين لا ينظرون لأى عمل إلا من حيث رؤية التقصير فيه.
(٢) ربما كانت (فناء) وإن كان المعنى يتقبل كليهما. [.....]
305
ورد صاحبه على مناهل التحقيق، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن الفكر إلى حدود الذكر، فالذكر سرمد «١».
ثم فكر الزاهدين فى فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابّها فيزدادون بالفكرة زهدا فيها.
وفكر العابدين فى جميل الثواب فيزدادون نشاطا عليه ورغبة فيه.
وفكر العارفين فى الآلاء والنعم فيزدادون محبة للحق سبحانه.
قوله جل ذكره: سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ.
التسبيح يشير إلى سبح الأسرار فى بحار التعظيم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٢]
رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢)
من ابتليته فى الآجل بالحرقة فقد أخزيته، ومن ابتليته بالفرقة فى العاجل فقد أشقيته، ومن أوليته بيمن الوصلة فقد آويته وأدنيته.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٣]
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣)
يعنى أجبنا الداعي ولكن أنت الهادي، فلا تكلنا إلينا، ولا ترفع ظلّ عنايتك عنّا.
والإيمان الدخول فى موجبات الأمان، وإنما يؤمن بالحق من أمّنه الحق، فأمان الحق للعبد- الذي هو إجارته- يوجب إيمان العبد بالحق الذي هو تصديقه ومعرفته.
(١) [سأل أبو عبد الرحمن السلمى الشيخ الدقاق. آلذكر أتم أم الفكر؟
فقال الدقاق: ما الذي يقع لك منه؟
فأجاب السلمى: عندى الذكر أتم من الفكر لأن الحق سبحانه يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر وما وصف به الحق سبحانه أتم مما اختص به الخلق فاستحسنه الدقاق] الرسالة ص ١١١.
وقد ذكرنا هذه الرواية هنا: اولا لتوضح الفرق بين الذكر والفكر وثانيا لتبرز قول القشيري:
(الذكر سرمد) أي مستدام.
«وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ» : وهم المختصون بحقائق التوحيد، القائمون لله بشرائط التفريد، الواقفون مع الله بخصائص التجريد.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٤]
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤)
حقّق لنا ما وعدتنا على ألسنة الوسائط «١» من إكمال النّعمى (.....) «٢» وغفران كل ما سبق منا من متابعات الهوى.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٥]
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)
كيف لا يستجيب لهم وهو الذي لقّنهم الدعاء، وهو الذي ضمن لهم الإجابة، ووعده جميل الثواب على الدعاء زائد على ما يدعون لأجل الحوائج.
«فَالَّذِينَ هاجَرُوا» : يعنى الديار والمزار، وجميع المخالفين والموافقين من الأغيار.
«وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ» : إلى مفارقة معاهدهم من مألوفاتهم.
«وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي» : عيّروا بالفقر والملام، وفتنوا بفنون المحن والآلام.
(١) يقصد الرسل عليهم السّلام.
(٢) مشتبهة.
«وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا» : ذاقوا من اختلاف الأطوار الحلو والمر.
«لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ» : يعنى لنعطينّهم فوق آمالهم وأكثر، مما استوجبوه بأعمالهم وأحوالهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٦ الى ١٩٧]
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧)
لا تتداخلنك تهمة بأنّ لهم عندنا قدرا وقيمة إنما هى أيام قلائل وأنفاس معدودة، ثم بعدها حسرات مترادفة، وأحزان متضاعفة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٨]
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)
الذين وسمناهم بذلّ الفرقة بئست حالتهم، والذين رفعوا قدما لأجلنا فنعمت الحالة والزلفة وصلوا إلى الثواب المقيم، وبقوا فى الوصلة والنعيم، وما عند الله مما ادّخرنا لهم خير مما أمّلوه باختيارهم.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٩]
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩)
يريد من ساعدتهم القسمة بالحسنى فهم مع أولياء الله نعمة كما كانوا معهم قسمة.
قوله جل ذكره:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٠٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)
308
الصبر فيما تفرد به العبد، والمصابرة مع العدو.
والرباط نوع من الصبر ولكن على وجه مخصوص.
ويقال أول الصبر التصبر، ثم الصبر ثم المصابرة ثم الاصطبار وهو نهاية «١».
ويقال اصبروا على الطاعات وعن المخالفات، وتصابروا فى ترك الهوى والشهوات، وقطع المنى والعلاقات، ورابطوا بالاستقامة فى الصحبة فى عموم الأوقات والحالات.
ويقال اصبروا بنفوسكم وصابروا بقلوبكم، ورابطوا بأسراركم.
ويقال اصبروا على ملاحظة الثواب، وصابروا على ابتغاء القربة، ورابطوا فى محل الدنوّ والزلفة- على شهود الجمال والعزّة.
والصبر مرّ مذاقه إذا كان العبد يتحسّاه على الغيبة، وهو لذيذ طعمه إذا شربه على الشهود والرؤية.
«وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» : الفلاح الظّفر بالبغية، وهمّتهم اليوم الظفر بنفوسهم، فعند ذلك يتم خلاصهم، وإذا ظفروا بنفوسهم ذبحوها بسيوف المجاهدة، وصلبوها على عيدان المكابدة، وبعد فنائهم عنها يحصل بقاؤهم بالله.
(١) يمكن أن يجد القارئ فى صنيع القشيري حول مادة (ص ب ر) انه- وهذا شأنه دائما- يحاول أن يؤسس المصطلح الصوفي على دعائم لغوية تعتمد على الفروق الدقيقة بين صيغ الاشتقاق المختلفة من المادة الواحدة فصيغة المفاعلة فيها المشاركة، وصيغة التفعل فيها تكلف يلائم البداية... وهكذا.
309
السورة التي يذكر فيها النساء
بسم الله الرحمن الرحيم اختلفوا فى الاسم عن ماذا اشتقّ فمنهم من قال إنه مشتق من السموّ وهو العلوّ. ومنهم من قال إنه مشتق من السّمة وهى الكيّة.
وكلاهما فى الإشارة: فمن قال إنه مشتق من السمو فهو اسم من ذكره سمت رتبته، ومن عرفه سمت حالته، ومن صحبه سمت همّته فسمو الرتبة يوجب وفور المثوبات والمبارّ، وسمو الحالة يوجب ظهور الأنوار فى الأسرار، وسمو الهمة يوجب التحرز عن رقّ الأغبار.
ومن قال أصله من السّمة فهو اسم من قصده وسم بسمة العبادة «١»، ومن صحبه وسم بسمة الإرادة، ومن أحبّه وسم بسمة الخواص، ومن عرفه وسم بسمة الاختصاص. فسمة العبادة توجب هيبة النار أن ترمى صاحبها بشررها، وسمة الإرادة توجب حشمة الجنان أن تطمع فى استرقاق صاحبها- مع شرف خطرها، وسمة الخواص توجب سقوط العجب من استحقاق القربة للماء والطينة على الجملة «٢»، وسمة الاختصاص توجب امتحاء الحكم عند استيلاء سلطان الحقيقة.
ويقال اسم من واصله سما عنده (عن) الأوهام قدره (سبحانه) «٣». ومن فاصله وسم بكىّ الفرقة قلبه.
(١) هنا حدث اضطراب من الناسخ فاخطأ فى النقل وقد رتبنا الكلام فى النصف الأول من الفقرة حسب الترتيب الوارد فى النصف الثاني منها والذي يبدأ «قسمة العبادة توجب.... إلخ».
ذلك الترتيب الذي يتمشى مع المذهب العام للقشيرى فى كل مصنفاته.
(٢) يقصد تشريف الإنسان على جملة المخلوقات، فالانسان وحده- دون سائر الكائنات- هو الذي خوطب بتبادل الذكر والمحبة مع الحق جل شأنه.
(٣) وضعنا (عن) و (سبحانه) ليمتنع اللبس، وهما غير موجودين فى النص (يقول القشيري فى رسالته:
ما يصوره وهمك فالله بخلاف ذلك).
310
Icon