تفسير سورة سورة إبراهيم

أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي

تفسير القرآن العزيز

أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي (ت 399 هـ)

الناشر

الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة

الطبعة

الأولى، 1423ه - 2002م

عدد الأجزاء

5

المحقق

أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز

نبذة عن الكتاب

يعتبر هذا التفسير من التفاسير المتوسطة، وهو سهل العبارة، وأيضاً صالح لأن يكون كتابًا مقروءًا في التفسير، تتكامل فيه مادته التفسيرية
هذا الكتاب اختصار لتفسير يحيى بن سلام، وقد ذكر في مقدمة كتابه سبب اختصاره لهذا التفسير، وهو وجود التكرار الكثير في التفسير، يعني: أنه حذف المكرر في تفسير يحيى.
وكذلك ذكر أحاديث يقوم علم التفسير بدونها، مثل كتاب جملة من الأحاديث ليست من صلب التفسير، ولا علاقة للتفسير بها فحذفها.
ومن الأشياء المهمة جدًا في تفسير ابن أبي زمنين أنه أضاف إضافات على تفسير يحيى بن سلام، حيث رأى أن تفسير يحيى قد نقصه هذا المضاف، فذكر ما لم يفسره، فإذا وردت جمل لم يفسرها يحيى فإنه يفسرها.
كما أنه أضاف كثيراً مما لم يذكره من اللغة والنحو على ما نقل عن النحويين وأصحاب اللغة السالكين لمناهج الفقهاء في التأويل، كالزجاج، ومع ذلك فلا يأخذ ممن خالف علماء السنة.
وقد ميز تفسيره وآراءه بقول: (قال محمد)؛ فنستطيع أن نعرف صلب تفسير يحيى المختصر، ونعرف زيادات ابن أبي زمنين، بخلاف هود بن المحكم، فإنه لم يذكر ما يدل على الزيادات، وصار لا بد من التتبع الذي قام به المحقق. فما ورد في التفسير قال: يحيى؛ فيكون من صلب تفسير يحيى بن سلام، وما ورد مصدرًا بعبارة (قال: محمد) فالمراد به ابن أبي زمنين .
مما امتاز به هذا التفسير:
  • هذا التفسير من التفاسير المتقدمة؛ لأن صاحبه توفي سنة (199)، وقد اعتنى واعتمد على آثار السلف.
  • امتاز هذا المختصر بأن مؤلفه من أهل السنة والجماعة، فيسلم من إشكالية ما يرتبط بالتأويلات المنحرفة.
  • امتاز هذا التفسير: بسلاسة عباراته ووضوحها.
  • امتاز بالاختصار، وما فيه من الزيادات المهمة التي زادها المختصر؛ كالاستشهاد للمعاني اللغوية بالشعر وغيرها، مثال ذلك في قوله: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق:2].
  • ومما تميز به: نقلُه لتوجيه القراءات خصوصًا عن أبي عبيد القاسم بن سلام في المختصر، حيث أخذ كثيراً من تفسير أبي عبيد القاسم بن سلام، لأن أبا عبيد له كتاب مستقل في القراءات، وبعض العلماء يقول: إنه أول من دون جمع القراءات.

مقدمة التفسير
تفسير سورة إبراهيم
وهي مكية كلها إلا آيتين : قوله : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا. . . إلى قوله : القرار .
قَوْلُهُ: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ أَيْ: هَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ؛ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿لتخرج النَّاس﴾ من أَرَادَ الله أَن يهديه ﴿من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ يَعْنِي: من الضَّلَالَة إِلَى الْهدى ﴿بِإِذن رَبهم﴾ ٦ بِأَمْر رَبهم ﴿إِلَى صِرَاط﴾ ﴿إِلَى طَرِيق﴾ (الْعَزِيز} فِي ملكه ونقمته ﴿الحميد﴾ اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ، وَاسْتَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَن يحمدوه.
﴿الَّذين يستحبون﴾ يَخْتَارُونَ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ لَا يُقِرُّونَ بِالآخِرَةِ ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل الله ويبغونها عوجا﴾ يَبْتَغُونَ السَّبِيلَ عِوَجًا؛ يَعْنِي: الشِّرْكَ.
قَالَ محمدٌ: (السَّبِيلُ) يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَكَذَلِكَ (الطَّرِيقُ) فَأَمَّا الزِّقَاقُ
— 361 —
فَمُذَكَّرٌ. وَنَصْبُ (عِوَجًا) عَلَى الْحَالِ.
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٤) إِلَى الْآيَة (٦).
— 362 —
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَان قومه﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: بلغَة قَوْمِهِ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بعد الْبَيَان.
﴿وَذكرهمْ بأيام الله﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: يُذَكِّرْهُمْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِم، وَيذكرهُمْ (ل ١٦٤) كَيْفَ أَهْلَكَ قَوْمَ نوحٍ وَعَادًا وَثَمُودَ وَغَيْرَهُمْ، يَقُولُ: ذَكِّرْهُمْ هَذَا وَهَذَا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لكل صبار شكور﴾ وَهُوَ الْمُؤمن.
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٧) إِلَى الْآيَة (٩).
﴿وَإِذ تَأذن رَبك﴾ أَي: أعلمكُم ﴿لَئِن شكرتم﴾ آمنتم ﴿لأزيدنكم﴾ فِي النِّعَمِ ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابي لشديد﴾ فِي الْآخِرَة.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قبلكُمْ﴾ أَيْ: خَبَرُهُمْ.
﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلا الله﴾ أَيْ: لَا يَعْلَمُ كَيْفَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ إِلا اللَّهُ.
﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاههم﴾ أَيْ: عَضُّوا عَلَى أَنَامِلِهِمْ غَيْظًا عَلَى الأَنْبِيَاءِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾.
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (١٠) إِلَى الْآيَة (١٤).
﴿قَالَت رسلهم﴾ أَيْ: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ: ﴿أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ خَالِقِهِمَا؛ أَيْ: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شكٌّ، وَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ أَنَّهُ خَالِقُ السَّمَوَات وَالأَرْضِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟! ﴿يَدْعُوكُمْ ليغفر لكم من ذنوبكم﴾ أَيْ:
— 363 —
لِيَغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ؛ إِنْ آمَنْتُمْ ﴿ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى﴾ يَعْنِي: إِلَى آجَالِهِمْ بِغَيْرِ عَذَابٍ؛ فَلا يَكُونُ مَوْتُهُمْ بِالْعَذَابِ.
﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أَيْ: لَا يُوحَى إِلَيْكُمْ.
﴿فَأْتُونَا بسُلْطَان مُبين﴾ بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بِالنُّبُوَّةِ؛ فَيُوحِي إِلَيْهِ
— 364 —
﴿وَقد هدَانَا سبلنا﴾ يَعْنُونَ: سُبُلَ الْهُدَى ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذيتمونا﴾ يَعْنُونَ: قَوْلَهُمْ لِلأَنْبِيَاءِ: إِنَّكُمْ سَحَرَةٌ، وَإِنَّكُمْ كاذبون.
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ وَهَذَا حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ لِلرُّسُلِ فدعوا عَلَيْهِم؛ فَاسْتَجَاب لَهُم
﴿ولنسكننكم الأَرْض من بعدهمْ﴾ أَيْ: مَنْ بَعْدِ إِهْلاكِهِمْ ﴿ذَلِكَ لمن خَافَ مقَامي﴾ يَعْنِي: الْمَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْحسابِ.
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (١٥) إِلَى الْآيَة (٢٠).
آية رقم ١٥
﴿واستفتحوا﴾ يَعْنِي: الرُّسُلَ؛ أَيْ: دَعَوْا عَلَى قَوْمِهِمْ، حِينَ اسْتَيْقَنُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤمنُونَ.
قَالَ محمدٌ: معنى (استفتحوا): سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ؛ أَيْ: يَنْصُرَهُمْ، وَكُلُّ نَصْرٍ هُوَ فَتْحٌ؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ يحيى.
— 364 —
﴿وخاب﴾ أَيْ: خَسِرَ ﴿كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ الْجَبَّارُ: الْمُتَكَبِّرُ، وَالْعَنِيدُ: الْمُجَانِبُ لِلْقَصْدِ.
— 365 —
آية رقم ١٦
﴿من وَرَائه جَهَنَّم﴾ أَي: من بعد هَذَا الْعَذَابِ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا ﴿جَهَنَّم﴾ أَيْ: عَذَابُ جَهَنَّمَ. وَقَدْ قِيلَ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ أَيْ: مِنْ أَمَامِهِ.
﴿ويسقى من مَاء صديد﴾ الصَّدِيدُ: مَا يَسِيلُ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْقَيْحِ وَالدَّمِ
﴿يتجرعه وَلَا يكَاد يسيغه﴾ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لَهُ، وَهُوَ يُسِيغُهُ لابُدَّ لَهُ مِنْهُ، فَتَتَقَطَّعَ أَمْعَاؤُهُ.
قَالَ محمدٌ معنى (يسيغه): يَبْتَلِعُهُ.
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَان﴾ وَهِيَ النَّارُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَضَى عَلَيْهِمْ أَلا يَمُوتُوا؛ هَذَا تَفْسِيرُ الْحَسَنِ.
﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عذابٌ غَلِيظٌ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عذَابا﴾.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كرمادٍ اشتدت بِهِ الرِّيَاح فِي يَوْم عاصفٍ﴾ يَعْنِي: مِمَّا عَمِلُوا مِنْ حَسَنٍ على سييءٍ فِي الآخِرَةِ، قَدْ جُوزُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: يُصَيِّرُ الأَمْرَ إِلَى الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ﴿إِنْ يَشَأْ يذهبكم﴾ يَسْتَأْصِلْكُمْ بِالْعَذَابِ ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أَي: آخَرين
آية رقم ٢٠
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أَي: لَا يشق عَلَيْهِ.
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٢١) إِلَى الْآيَة (٢٣).
﴿وبرزوا لله جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ وهم الأتباع ﴿للَّذين استكبروا﴾ ٦ وَهُمُ الرُّؤَسَاءُ: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تبعا﴾ لِدُعَائِكُمْ إِيَّانَا إِلَى الشِّرْكِ.
قَالَ محمدٌ: (تبعا) جَمْعُ تَابِعٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا سُمِّي بِهِ؛ أَيْ: كُنَّا ذَوِي تَبَعٍ.
﴿سواءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ محيصٍ﴾ أَيْ: مهربٍ، وَلا مَعْزِلٍ عَنِ الْعَذَاب.
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ أَيْ: فُصِلَ بَيْنَ الْعِبَادِ؛ فَاسْتَبَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ﴿إِن الله وَعدكُم وعد الْحق﴾ أَيْ: وَعَدَهُمُ الْجَنَّةَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِ ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سلطانٍ﴾ أَسْتَرْهِبُكُمْ بِهِ ﴿إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ ٦ بالوسوسة ﴿فاستجبتم لي﴾.
﴿مَا أَنا بمصرخكم﴾ بمغيثكم من عَذَاب الله (ل ١٦٥} (وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ
— 366 —
إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قبل} أَيْ: فِي الدُّنْيَا - يَكْفُرُ بِأَنْ يَكُونَ شَرِيكًا.
يحيى: عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ دُخَيْنٍ الْحَجَرِي، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَفَرَغَ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: قَدْ قَضَى بَيْنَنَا رَبُّنَا؟ فَمَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّنَا؟ قَالُوا: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى آدَمَ؛ فَإِنَّهُ أَبُونَا وَخَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَكَلَّمَهُ، فَيَأْتُونَهُ فَيُكَلِّمُونَهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ، فَيَقُولُ آدَمُ: عَلَيْكُمْ بِنُوحٍ؛ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَدُلُّهُمْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ يَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَدُلُّهُمْ عَلَى مُوسَى، ثُمَّ يَأْتُونَ مُوسَى فَيَدُلُّهُمْ عَلَى عِيسَى، ثُمَّ يَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: أَدُلُّكُمْ عَلَى النَّبِيِّ الأُمِّي؛ فَيَأْتُونَنِي فَيَأْذَنُ اللَّهُ لِي أَنْ أَقُومَ إِلَيْهِ؛ فَيَفُورُ مِنْ مَجْلِسِي أَطْيَبُ رِيحٍ شَمَّهَا أحدٌ حَتَّى آتِي رَبِّي، فَيُشَفِّعُنِي وَيَجْعَلُ لِي نُورًا مِنْ شَعْرِ رَأْسِي إِلَى ظُفْرِ قَدَمِي، ثُمَّ يَقُولُ الْكَافِرُونَ: (هَذَا) وَجَدَ الْمُؤْمِنُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَهُمْ فَمَنْ يَشْفَعُ لَنَا؟ ﴿مَا هُوَ إِلا إِبْلِيسُ هُوَ الَّذِي أَضَلَّنَا فَيَأْتُونَهُ؛ فَيَقُولُونَ: قَدْ وَجَدَ الْمُؤْمِنُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَهُمْ؛ فَقُمْ فَاشْفَعْ أَنْتَ لَنَا فَإِنَّكَ أَنْتَ أَضْلَلْتَنَا﴾ فَيَقُومُ فَيَفُورُ مِنْ مَجْلِسِهِ أَنْتَنُ رِيحٍ شَمَّهَا أحدٌ، ثُمَّ (يُعَظِّمُ لِجَهَنَّمَ)، ثُمَّ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وعد الْحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾ الْآيَة.
— 367 —
﴿تحيتهم فِيهَا سَلام﴾ يَقُولُ: يُسَلِّمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ على بعضٍ، وتحييهم الْمَلائِكَةُ أَيْضًا عَنِ اللَّهِ بِالسَّلامِ؛ حِينَ تَأْتِيهِمْ مِنْ عِنْدَ اللَّهِ بالكرامة والهدية.
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٢٤) إِلَى الْآيَة (٢٧).
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مثلا كلمة طيبَة﴾ هِيَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ﴿كشجرة طيبَة﴾ وَهِيَ النَّخْلَةُ؛ وَهِيَ مَثَلُ الْمَؤْمِنِ ﴿أَصْلهَا ثَابت﴾ فِي الأَرْضِ ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أَيْ: رَأْسُهَا الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الثَّمَرَة
﴿تؤتي أكلهَا﴾ ثَمَرَتَهَا ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ أَيْ: بِأَمْرِهِ. تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَزَالُ مِنْهُ كلامٌ طيبٌ وعملٌ صالحٌ؛ كَمَا تُؤْتِي هَذِهِ الشَّجْرَةُ أُكُلَهَا فِي كُلِّ حِينٍ.
قَالَ يحيى: (وَالْحِينُ) فِي تَفْسِيرِ بَعْضِهِمْ: السَّنَةُ، وَهِيَ تُؤْكَلُ شِتَاءً وَصَيْفًا.
قَالَ محمدٌ: (الْحِينُ) فِي اللُّغَةِ: اسْمُ وقتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الزَّمَانِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا طَال وَقصر.
﴿وَمثل كلمة خبيثة﴾ الشّرك ﴿كشجرة خبيثة﴾ يَعْنِي: الْحَنْظَلَةَ ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْض﴾ أَيْ: قُطِعَتْ مِنْ أَعْلَى الأَرْضِ ﴿مَا لَهَا من قَرَار﴾ أَيْ: لَيْسَ لأَصْلِهَا ثباتٌ فِي الأَرْضِ؛ فَذَلِكَ مَثَلُ عَمَلِ الْكَافِرِ، لَيْسَ لِعَمَلِهِ الْحَسَنِ أصلٌ
— 368 —
ثَابِتٌ يُجْزَى بِهِ فِي الآخِرَةِ.
— 369 —
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ:
إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ أَتَاهُ ملكٌ فَأَجْلَسَهُ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ، ثُمَّ يَقُولُ: فَمَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: الإِسْلامُ، ثُمَّ يَقُولُ: فَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: محمدٌ، فَيُقَالُ لَهُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إِلَى النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي لَوْ أَنَّكَ كُنْتَ كَذَّبْتَ صِرْتَ إِلَيْهَا؛ قَدْ أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْهَا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ هَذِهِ الْجَنَّةُ، وَيُعْرَضُ عَلَيْهِ مَنْزِلُهُ فِيهَا ثُمَّ يُوَسَّعُ لَهُ قَبْرَهُ، فَلا يَزَالُ يَأْتِيهِ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ وَبَرْدِهَا حَتَّى تَأْتِيَهُ السَّاعَةُ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ أَتَاهُ ملكٌ فَأْجَلَسَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي! ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ لَهُ: لَا أَدْرِي. فَيَقُولُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ. ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَذِهِ الْجَنَّةُ الَّتِي لَوْ كُنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صِرْتَ إِلَيْهَا، لَنْ تَرَاهَا أَبَدًا. ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إِلَى النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي أَنْتَ صَائِرٌ إِلَيْهَا، ثُمَّ يَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، ثمَّ يضْرب ضَرْبَة لَو أَصَابَت جبلا (ل ١٦٦) فَيَصِيحُ عِنْدَ ذَلِكَ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شيءٍ إِلا الثَّقَلَيْنِ. قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمنُوا﴾ الْآيَة ".
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٢٨) إِلَى الْآيَة (٣١).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نعْمَة اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها﴾ هُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، جَعَلُوا مَكَانَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الْكُفْرَ، وَأَخْرَجُوا قَوْمَهُمْ إِلَى قِتَالِ النَّبِيِّ بِبَدْرٍ؛ فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ فَحَلُّوا فِي النَّارِ. وَالْبَوَارُ: الْفَسَادُ؛ أَيْ: أَنَّ النَّارَ تُفْسِدُ أَجْسَادَهُمْ.
قَالَ محمدٌ: نَصْبُ (جَهَنَّمَ) بَدَلا مِنْ قَوْلِهِ: (دَارَ الْبَوَارِ)، وَالْبَوَارُ أَصْلُهُ: الْهَلَاك.
﴿وَجعلُوا لله أندادا﴾ يَعْنِي: آلِهَتَهُمُ الَّتِي عَدَلُوهَا بِاللَّهِ؛ فَجَعَلُوهَا آلِهَةً ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أَي: عَن سَبِيل الْهدى.
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاة﴾ يَعْنِي: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؛ يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ يَعْنِي: الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ.
﴿مِنْ قَبْلِ أَن يَأْتِي يَوْم﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أَيْ: لَا يَتَبَايَعُونَ فِيهِ ﴿وَلا خلال﴾ أَيْ: تَنْقَطِعُ فِيهِ كُلُّ خلةٍ إِلا خُلَّةَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ محمدٌ: الْخِلالُ مصدرٌ؛ يُقَالُ: خَالَلْتُ فُلانًا؛ أَيْ: صَادَقْتُهُ خِلالا وَمُخَالَّةً، وَالاسْمُ: الْخلَّة.
— 370 —
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٣٢) إِلَى الْآيَة (٣٤).
— 371 —
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ أَيْ: يَجْرِيَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ يَخْتَلِفَانِ عَلَيْكُم
﴿وآتاكم﴾ أَعْطَاكُمْ ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ أَيْ: وَمَا لَمْ تَسْأَلُوهُ؛ هَذَا تَفْسِيرُ الْحَسَنِ يَقُولُ: كُلُّ مَا أَعْطَاكُمْ هُوَ مِنْهُ مِمَّا سَأَلْتُمْ، وَمِمَّا لَمْ تَسْأَلُوا ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾.
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ:
مَنْ لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلا فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ، فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ وَحَضَرَ عَذَابُهُ ".
مِنْ حَدِيثِ يحيى بْنِ مُحَمَّد.
﴿إِن الْإِنْسَان﴾ يَعْنِي: الْكَافِر ﴿لظلوم﴾ لنَفسِهِ ﴿كفار﴾ بِنِعَمِ رَبِّهِ حِينَ أَشْرَكَ، وَقَدْ أجْرى عَلَيْهِ هَذِه النعم.
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٣٥) إِلَى الْآيَة ٤١).
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا الْبَلَد آمنا﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نعْبد الْأَصْنَام﴾.
قَالَ محمدٌ: أهل الْحجاز يَقُولُونَ: جَنَّبْنِي فلانٌ شَرَّهُ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أَجْنَبَنِي وَجَنَّبَنِي؛ أَيْ: جَعَلَنِي جانباً مِنْهُ.
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاس﴾ يَعْنِي: الأَصْنَامَ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ؛ يَقُولُ: ضَلَّ الْمُشْرِكُونَ بِعِبَادَتِهَا؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ دَعَتْ هِيَ إِلَى عِبَادَةِ أَنْفُسِهَا ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي﴾ فَعَبَدَ الأَوْثَانَ، ثُمَّ تَابَ إِلَيْكَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يَعْنِي: إِسْمَاعِيلَ ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا ليقيموا الصَّلَاة﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَسْكَنْتُهُمُ مَكَّةَ، لِيَعْبُدُوكَ ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَة﴾ أَيْ: قُلُوبًا ﴿مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِم﴾ تَنْزِعُ إِلَى الْحَجِّ، فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " وَلَوْ كَانَ قَالَ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، لَحَجَّهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وكل أحدٍ ".
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نعلن﴾ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ:: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ جَاءَ بِهَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ؛ فَوَضَعَهُمَا بِمَكَّةَ عِنْدَ زَمْزَمَ، فَلَمَّا قَفَا نَادَتْهُ هَاجَرُ: يَا إِبْرَاهِيمُ؛ فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تَضَعَنِي وَابْنِي بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا ضرعٌ وَلا زرعٌ وَلا أنيسٌ؟! قَالَ: رَبِّي. قَالَتْ: إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا. فَلَمَّا قَفَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نعلن﴾ أَي: من الْحزن، الْآيَة.
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذريتي﴾ أَيْ: وَاجْعَلْ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُقيم الصَّلَاة.
آية رقم ٤١
﴿رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: دَعَا لأَبِيهِ أَنْ يُحَوِّلَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الإِيمَانِ، وَلَمْ يَغْفِرْ لَهُ؛ فَلَمَّا مَاتَ كَافِرًا تَبَرَّأَ مِنْهُ، وَعَرَفَ أَنه قد هلك.
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٤٢) إِلَى الْآيَة (٤٣).
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.
﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تشخص فِيهِ الْأَبْصَار﴾ إِلَى إِجَابَةِ (الدَّاعِي) حِينَ يَدْعُوهُمْ من قُبُورهم
﴿مهطعين﴾ أَيْ: مُسْرِعِينَ إِلَى (نَحْوِ) الدَّعْوَةِ (ل ١٦٧) حِينَ يَدْعُوهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَالَ محمدٌ: (مُهْطِعِينَ) منصوبٌ عَلَى الْحَال.
— 373 —
و ﴿مقنعي رُءُوسهم﴾ أَيْ: رَافِعِيهَا ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طرفهم وأفئدتهم﴾ أَيْ: يُدِيمُونَ النَّظَرَ.
قَالَ محمدٌ: (طَرْفُهُمْ) يَعْنِي: نَظَرَهُمْ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: طَرَفَ الرَّجُلُ يَطْرِفُ طَرْفًا، إِذَا أَطْبَقِ أَحَدَ جَفْنَيْهِ عَلَى الآخَرِ؛ فَسُمِّيَ النَّظَرُ طَرْفًا؛ لأَنَّهُ بِهِ يَكُونُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ يَذْكُرُ سُهَيْلا - النَّجْمُ فِي السَّمَاءِ، وَشَبَّهَ اضْطِرَابَهُ بِطَرْفِ الْعَيْنِ.
(أُرَاقِبُ لَمْحًا مِنْ سهيلٍ كَأَنَّهُ إِذَا مَا بَدَا فِي دُجْنَةِ اللَّيْلِ يَطْرِفُ)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وأفئدتهم هَوَاء﴾ بَيْنَ الصَّدْرِ وَالْحَلْقِ؛ فَلا تَخْرُجُ مِنَ الْحَلْقِ، وَلا تَرْجِعُ إِلَى الصَّدْرِ؛ يَعْنِي: قُلُوبَ الْكُفَّارِ؛ هَذَا تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ محمدٌ: وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (هواءٌ) أَيْ: خَالِيَةٌ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ شيءٍ أَجْوَفَ خاوٍ، فَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ هَوَاءٌ.
وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ:
كَأَنَّ الرَّحْلَ مِنْهَا فَوْقَ صعلٍ مِنَ الظِّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُ}
يَقُولُ: لَيْسَ لِعَظْمِهِ مخ.
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٤٤) إِلَى الْآيَة (٤٦).
— 374 —
قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَاب﴾ أَيْ: أَنْذِرْهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دعوتك﴾ سَأَلُوا الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا؛ حَتَّى يُؤْمِنُوا.
قَالَ اللَّهُ: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أقسمتم من قبل﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا ﴿مَا لَكُمْ من زَوَال﴾ من الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة.
ثمَّ انْقَطع الْكَلَام، ثمَّ قَالَ لِلَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ محمدٌ: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بِشِرْكِهِمْ؛ يَعْنِي: مَنْ أَهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فعلنَا بهم﴾ كَيْفَ أَهْلَكْنَاهُمْ؛ يُخَوِّفُهُمْ بِذَلِكَ ﴿وَضَرَبْنَا لكم الْأَمْثَال﴾ يَعْنِي: وَصَفْنَا لَكُمْ عَذَابَ الأُمَمِ الخالية؛ يخوف كفار مَكَّة.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرهمْ﴾ أَيْ: محفوظٌ لَهُمْ؛ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهِ ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجبَال﴾ وَهِيَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَمَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: قَالَ: " إِنَّ نُمْرُوذَ الَّذِي بَنَى الصَّرْحَ بِبَابِلَ، أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ عِلْمَ السَّمَاءِ؛ فَعَمَدَ إِلَى تابوتٍ فَجَعَلَ فِيهِ غُلامًا، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى نسورٍ أربعةٍ فَأَجَاعَهَا، ثُمَّ رَبَطَ كُلَّ نسرٍ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ التَّابُوتِ،
— 375 —
ثُمَّ رَفَعَ لَهُمَا لَحْمًا فِي أَعْلَى التَّابُوتِ، فَجَعَلَ الْغُلامُ يَفْتَحُ الْبَابَ الأَعْلَى، فَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَاهَا كَهَيْئَتِهَا، ثُمَّ يَفْتَحُ البَّابَ الأَسْفَلِ فَيَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ فَيَرَاهَا مِثْلَ اللُّجَّةِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى جَعَلَ يَنْظُرُ فَلا يَرَى الأَرْضَ وَإِنَّمَا هُوَ الْهَوَاءُ، وَيَنْظُرُ فَوْقَ فَيَرَى السَّمَاءَ كَهَيْئَتِهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ صَوَّبَ اللَّحْمَ فَتَصَوَّبَتِ النُّسُورُ، فَيُقَالُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: إِنَّهُ مَرَّ بِجَبْلٍ فَخَافَ الْجَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مِنَ اللَّهِ، فَكَادَ يَزُولُ مِنْ مَكَانِهِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجبَال﴾ ".
سُورَة إِبْرَاهِيم من الْآيَة (٤٧) إِلَى الْآيَة (٥٢).
— 376 —
﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رسله﴾ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ النَّصْرِ فِي الدُّنْيَا.
﴿أَن الله عَزِيز﴾ فِي نقمته ﴿ذُو انتقام﴾ من أعدائه بعذابه.
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَات﴾ قَالَ محمدٌ: أَي: وتبدل السَّمَوَات ﴿وبرزوا لله﴾ حُفَاة عُرَاة ﴿الْوَاحِد القهار﴾ قَهَرَ عِبَادَهُ بِالْمَوْتِ وَبِمَا شَاءَ.
قَالَ محمدٌ: وَمعنى تَبْدِيل السَّمَوَات: تَكْوِيرُ شَمْسِهَا، وَخُسُوفُ قَمَرِهَا، وَانْتِثَارُ كَوَاكِبِهَا، وَانْفِطَارُهَا، وَانْشِقَاقُهَا.
— 376 —
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
تُبَدَّلُ الأَرْضُ بِأَرْضٍ بَيْضَاءَ؛ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ لَمْ يُعْمَلْ فِيهَا خَطِيئَةٌ، وَلَمْ يُسْفَكْ فِيهَا مِحْجَمَةُ دمٍ حرامٍ ".
— 377 —
آية رقم ٤٩
﴿وَترى الْمُجْرمين﴾ الْمُشْرِكِينَ ﴿يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ يَعْنِي:
— 377 —
السلَاسِل (يقرن كل إِنْسَان (ل ١٦٨) وَشَيْطَانِهِ الَّذِي كَانَ قَرِينَهُ فِي الدُّنْيَا فِي سِلْسِلَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ محمدٌ: وَاحِدُ الأَصْفَادِ: صفدٌ) يُقَالُ: صَفَدْتُ الرَّجُلَ؛ إِذَا جَعَلْتُهُ فِي صفدٍ، وَأَصْفَدْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ عَطَاءً.
— 378 —
آية رقم ٥٠
﴿سرابيلهم من قطران﴾ أَيْ: قُمُصُهُمْ، وَالْقَطِرَانُ: هُوَ الَّذِي يُطْلَى بِهِ الإِبْلُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (سرابيلهم من قطران) أَيْ: مِنْ صفرٍ حَارٍّ قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب﴾ أَيْ: يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّار
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كسبت﴾ مَا عَمِلَتْ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحساب﴾.
يحيى: سَمِعْتُ بَعْضَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ:
يُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَدْرِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا.
﴿هَذَا بَلَاغ للنَّاس﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ يَعْنِي: الْقُرْآنَ يُبَلِّغُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد﴾ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب﴾ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ.
— 378 —
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحِجْرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كلهَا
سُورَة الْحجر من الْآيَة (١) إِلَى الْآيَة (٨).
— 379 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

46 مقطع من التفسير