تفسير سورة سورة النبأ

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم (ت 538 هـ)

الناشر

دار الكتاب العربي - بيروت

الطبعة

الثالثة - 1407 ه

عدد الأجزاء

4

نبذة عن الكتاب





من أوسع كتب التفسير حظاً وأكثرها رواجاً. لم يصنف مثله قبله كما قال ابن خلكان. قال السيوطي في (نواهد الأبكار) عند حديثه عن أصحاب النظر في وجوه إعجاز القرآن: (وصاحب الكشاف هو سلطان هذه الطريقة، فلذا طار كتابه في أقصى المشرق والمغرب) . ألفه في مكة سنة (526هـ) لأميرها: ابن وهاس الحسني، ونعت هذه النسخة بالنسخة الحرمية المباركة المتمسح بها، المحقوقة أن تستنزل بها بركات السماء، ويستمطر بها في السنة الشهباء. انظر (منهج الزمخشري في تفسير القرآن، ص76) د. مصطفى الصاوي الجويني، وفيه (ص261) حول ما أثاره الكشاف من نشاط فكري. وقد تعصب فيه للمعتزلة غاية التعصب، ولم يتورع في توجيه القرآن إلى تأصيل مبادئ المعتزلة عند كل مناسبة، كما لم يتورع في سبيل نصرة مذهبه للبحث عن مختلف القراآت للآية، والطعن فيما تواتر منها، كطعنه في قراءة ابن عامر للآية (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) انظر تفصيل ذلك في كشكول العاملي. قال ابن المنير في (الانتصاف) : (نتبرأ إلى الله ونبرأ من جملة كلامه عما رماهم به، فقد ركب عمياء، وتخيل القراءة اجتهادا واختيارا، لا نقلا وإسناداً....وجعلها موكولة إلى الآراء، ولم يقل بقوله أحد من المسلمين) . وقال المقري في (أزهار الرياض) : (ولابد من الإلمام ببعض أحوال هذا الرجل الذي اختلفت في أمره الآراء، وآنس من جانب البيان والنحو ناراً، وأنكر الحق وقد وضح النهار، وذكر بعضهم أنه تاب، ويأبى ذلك تصريحه في كشافه بما خالف السنة جهارا..إلخ) . ومن أهم الكتب المؤلفة على (الكشاف) كتاب (الانتصاف) لابن المنير الاسكندري (ت 683هـ) وهو مطبوع على هامش الكشاف في معظم طبعاته، وعليه وضع علم الدين العراقي (ت 704) كتابه (الإنصاف بين الكشاف والانتصاف) . ومن أجل حواشي الكشاف (حاشية الطيبي) وهو الحسن بن محمد الطيبي (ت 713هـ) وسماها (فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب) في ست مجلدات. وهي الحاشية التي أثنى عليها ابن خلدون. وله مختصرات كثيرة أشهرها: تفسير البيضاوي (ت 692هـ) . ولابن حجر كتاب أسماه (الكاف الشاف في تحرير أحاديث الكشاف) . قال شمس الدين الأصبهاني في تفسيره (الجامع بين التفسير الكبير والكشاف) : (تتبعت الكشاف فوجدت أن كل ما أخذه أخذه من الزجاج) . وانظر مآخذ العلماء على الزمخشري في كتاب (الزمخشري: لغويا ومفسرا، ص399) مرتضى الشيرازي. وقيمة الكشاف وأثره في كتاب (الزمخشري) د. الحوفي


مقدمة التفسير
مكية وتسمى سورة النبأ وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية
الآيات من ١ إلى ٣
وحيه واتباع دينه. واطرحوا هذا الاستكبار والنخوة، لا يخشعون ولا يقبلون ذلك، ويصرون على استكبارهم. وقيل: ما كان على العرب أشدّ من الركوع والسجود: وقيل: نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله ﷺ بالصلاة، فقالوا: لا نجي «١» فإنها مسبة «٢» علينا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود بَعْدَهُ بعد القرآن، يعنى أنّ القرآن من بين الكتب المنزلة آية مبصرة ومعجزة باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأى كتاب بعده يُؤْمِنُونَ وقرئ: تؤمنون، بالتاء.
عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة والمرسلات كتب له أنه ليس من المشركين» «٣»
سورة عمّ يتساءلون
مكية، وتسمى سورة النبإ، وهي أربعون، أو إحدى وأربعون آية [نزلت بعد المعارج] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)
عَمَّ أصله عما، على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية، وهو في قراءة عكرمة وعيسى بن عمر. قال حسان رضى الله عنه:
على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في رماد «٤»
(١). قوله «فقالوا لا نجى» نجبى من التجبية: وهي الانحناء اه. (ع)
(٢). هكذا ذكره الثعلبي. وأخرجه أبو داود وأحمد وابن أبى شيبة والطبراني من رواية الحسن عن عثمان بن أبى العاص به وأتم منه.
(٣). أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه عن أبى بن كعب.
(٤).
على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرغ في رماد
وتلقاه على ما كان فيه... من الهفوات أو نوك الفؤاد
جبين الغى لا يغبى عليه... ويغبى بعد عن سيل الرشاد
لحسان بن المنذر. وقيل: ابن ثابت، يهجو أحد بنى عائذ بن عمرو بن مخزوم. وما استفهام إنكارى وكان حقها حذف الألف لدخول حرف الجر عليها، وثبوتها قليل، أى: على أى شيء يسبني لئيم مثل الخنزير المتمرغ في الرماد لذله. ويروى: في دمان كرماد وزنا ومعنى. أو بمعنى الدمنة وهي الكناسة المختلطة بالبعر، ولعل ابن ثابت غيره وإلا فقصيدة ابن المنذر دالية لا نونية. والنوك: الحمق والهوج. والفؤاد: القلب والعقل، أى: وتلقاه مع ما ثبت فيه من الخلل لا يخفى عليه الغى المبين، أى: يرتكب طريقه ولا يعرف سبل الرشاد. ومعنى البعدية: تفاوت ما بين الخبرين. وغبا عليه الشيء- كرضى-: خفى عليه. وغبي هو عن الشيء- كرضى أيضا-: عجز عن معرفته.
وفي قوله «لا يغبى... الخ» طباق الإيجاب والسلب.
الآيات من ٤ إلى ٥
والاستعمال الكثير على الحذف، والأصل: قليل. ومعنى هذا الاستفهام: تفخيم الشأن، كأنه قال: عن أى شأن يتساءلون. ونحوه ما في قولك: زيد ما زيد «١» ؟ جعلته لانقطاع قرينه وعدم نظيره كأنه شيء خفى عليك جنسه فأنت تسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره، كما تقول: ما الغول وما العنقاء؟ تريد: أى شيء هو من الأشياء هذا أصله، ثم جرد للعبارة عن التفخيم «٢»، حتى وقع في كلام من لا تخفى عليه خافية يَتَساءَلُونَ يسأل بعضهم بعضا. أو يتساءلون غيرهم من رسول الله ﷺ والمؤمنين. نحو: يتداعونهم ويتراءونهم. والضمير لأهل مكة: كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث، ويتساءلون غيرهم عنه على طريق الاستهزاء عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ بيان للشأن المفخم. وعن ابن كثير أنه قرأ: عمه، بهاء السكت، ولا يخلو: إما أن يجرى الوصل مجرى الوقف وإما أن يقف ويبتدئ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ على أن يضمر يَتَساءَلُونَ لأنّ ما بعده يفسره، كشيء يبهم ثم يفسر. فإن قلت: قد زعمت أنّ الضمير في يتساءلون للكفار، فما تصنع بقوله هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ؟ قلت: كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث، ومنهم من يشك. وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين جميعا، وكانوا جميعا يسألون عنه. أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا، وأما الكافر فليزداد استهزاء. وقيل: المتساءل عنه القرآن. وقيل: نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. وقرئ: يسّاءلون بالإدغام، وستعلمون بالتاء.
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٤ الى ٥]
كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥)
كَلَّا ردع للمتسائلين هزؤا. وسَيَعْلَمُونَ وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون أنّ ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق، لأنه واقع لا ريب فيه. وتكرير الردع مع الوعيد تشديد في ذلك.
ومعنى ثُمَّ الإشعار بأنّ الوعيد الثاني أبلغ من الأوّل وأشد.
(١). قال محمود: «معنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن، كأنه قيل: عن أى شيء يتساءلون ونحوه ما في قولك... الخ» قال أحمد: وقد أكثرت أم زرع من هذا التفخيم في قولها: وأبو زرع ما أبو زرع، إلى آخر حديثها.
(٢). قال محمود: «هذا أصله، ثم جرد الدلالة على التفخيم... الخ» قال أحمد. لان بعضهم يشك في البعث، وبعضهم يبت النفي، ومن ثم قيل الضمير للمسلمين والكافرين، فسؤال المسلمين ليزدادوا خشية، وإنما سؤال الكفار لزيادة الاستهزاء والكفر.

[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٦ الى ١٦]

أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠)
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥)
وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦)
فإن قلت: كيف اتصل به قوله أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً «١» قلت: لما أنكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال القدرة، فما وجه إنكار قدرته على البعث، وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات. أو قيل لهم: ألم يفعل هذه الأفعال المتكاثرة. والحكيم لا يفعل فعلا عبثا، وما تنكرونه من البعث والجزاء مؤدّ إلى أنه عابث في كل ما فعل مِهاداً فراشا. وقرئ: مهدا. ومعناه: أنها لهم كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له فينوّم عليه، تسمية للممهود بالمصدر، كضرب الأمير. أو وصفت بالمصدر. أو بمعنى: ذات مهد، أى: أرسيناها بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد سُباتاً موتا. والمسبوت: الميت، من السبت وهو القطع، لأنه مقطوع عن الحركة. والنوم: أحد التوفيين، وهو على بناء الأدواء.
ولما جعل النوم موتا، جعل اليقظة معاشا، أى: حياة في قوله وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً أى:
وقت معاش تستيقظون فيه وتتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم. وقيل: السبات الراحة لِباساً يستركم عن العيون إذا أردتم هربا من عدوّ، أو بياتا له. أو إخفاء مالا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور.
وكم لظلام اللّيل عندك من يد تخبّر أنّ المانويّة تكذب «٢»
(١). قال محمود: «فان قلت: كيف اتصال قوله أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً بما قبله... الخ» قال أحمد:
جوابه الأول سديد، وأما الثاني فغير مستقيم، فانه مقرع على المذهب الأعوج في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح، واعتقاد أن الجزاء واجب على الله تعالى عقلا ثوابا وعقابا بمقتضى إيجاب الحكمة. وقد فرغ من إبطال هذه القاعدة
(٢).
وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب
ووقاك ردى الأعداء تسرى إليهم وزارك فيه ذو الدلال المحجب
لأبى الطيب. وكم خبرية للتكثير. واليد: النعمة. وتخبر: تدل مجازا مرسلا. والمانوية طائفة تنسب الخير للنور والشر للظلام، فكذبهم في البيت الأول، واستدل على ذلك، وبنى اليد في الثاني. والدلال: تمنع المحجوب مع رضاه. وتسرى: حال، والمحجب: نعت ذى الدلال، وإيضاح مسألة المانوية. أنه لم يخالف في أن الله واحد إلا الثنوية. قالوا: تجد في العالم خيرا كثيرا وشرا كثيرا، والواحد لا يكون خيرا شريرا، فلكل من الخير والشر فاعل مستقل، فالمانوية والديصانية عن الثنوية قالوا: فاعل الخير هو النور، وفاعل الشر هو الظلمة، واعتقموا أنهما جسمان قديمان حساسان سميعان بصيران. والمجوس من الثنوية أيضا قالوا: إن فاعل الخير هو: يزوان.
وفاعل الشر هو: أهرمن، يعنون به الشيطان، وكل ذلك ظاهر البطلان.
— 685 —
سَبْعاً سبع سماوات شِداداً جمع شديدة، يعنى: محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان وَهَّاجاً متلألئا وقادا، يعنى: الشمس: وتوهجت النار: إذا تلمظت «١» فتوهجت بضوئها وحرها. المعصرات: السحائب إذا أعصرت، أى: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع، إذا حان له أن يجز. ومنه: أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض.
وقرأ عكرمة: بالمعصرات، وفيه وجهان: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب، لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول: أعطى من يده درهما، وأعطى بيده. وعن مجاهد: المعصرات الرياح ذوات الأعاصير. وعن الحسن وقتادة: هي السماوات.
وتأويله: أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنّ السماوات يعصرن، أى: يحملن على العصر ويمكنّ منه. فإن قلت: فما وجه من قرأ مِنَ الْمُعْصِراتِ وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من الرياح؟ قلت: الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه «٢»، فصحّ أن تجعل مبدأ للإنزال وقد جاء أنّ الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب، فإن صحّ ذلك فالإنزال منها ظاهر. فإن قلت: ذكر ابن كيسان «٣» أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات، والعاصر هو المغيث لا المعصر. يقال: عصره فاعتصر. قلت:
وجهه أن يريد اللاتي أعصرن، أى حان لها أن تعصر، أى: تغيث ثَجَّاجاً منصبا بكثرة. يقال: ثجه وثج نفسه وفي الحديث: «أفضل الحج: العجّ والثجّ» «٤» أى رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء الهدى. وكان ابن عباس مثجا يسبل غربا، يعنى يثج الكلام ثجا في خطبته. وقرأ الأعرج:
ثجاجا. ومثاجج الماء: مصابه، والماء ينثجج في الوادي حَبًّا وَنَباتاً يريد ما يتقوّت من الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش، كما قال كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ،
(١). قوله «وتوهجت النار إذا تلمظت» في الصحاح «توهجت النار» توقدت. وتوهج الجوهر: تلألأ، فقوله: فتوهجت... الخ: يعنى جمعت بين التلألؤ بضوئها، والتوقد بحرها، فتدير. (ع)
(٢). قوله «وتدر أخلافه» واحدها خلف: وهو ثدي الناقة، كما يفيده الصحاح. (ع)
(٣). قوله «فان قلت ذكر ابن كيسان» لعله «ذكر عن ابن كيسان». (ع)
(٤). أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر بمعناه. وضعفه إبراهيم بن يزيد الخرزي. وأخرجه هو وابن ماجة من روآية محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن ابن يربوع عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه مرفوعا نحوه.
وقال لم يسمع ابن المنكدر عن عبد الرحمن بن يربوع.
— 686 —
وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ. أَلْفافاً ملتفة ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف «١». وقيل:
الواحد لف. وقال صاحب الإقليد: أنشدنى الحسن بن على الطوسي:
جنّة لفّ وعيش مغدق... وندامى كلّهم بيض زهر «٢»
وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف، ثم ألفاف: وما أظنه واجدا له نظيرا من نحو خضر وأخضار وحمر وأحمار، ولو قيل: هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد، لكان قولا وجيها.
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١٧ الى ٢٠]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠)
كانَ مِيقاتاً كان في تقدير الله وحكمه حدّا توقت به الدنيا وتنتهي عنده، أو حدا للخلائق ينتهون إليه يَوْمَ يُنْفَخُ بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان فَتَأْتُونَ أَفْواجاً من القبور إلى الموقف أمما كل أمّة مع إمامهم. وقيل: جماعات مختلفة. وعن معاذ رضى الله عنه أنه سأل عنه رسول الله ﷺ فقال: يا معاذ، سألت عن أمر عظيم من الأمور، ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمّتى: بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون: أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عميا، وبعضهم صما بكما، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم: يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم، فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس. وأما الذين على صورة الخنازير: فأهل السحت.
وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم، وأما الصمّ البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم
(١). قوله كالأوزاع والأضياف» في الصحاح «أوزاع من الناس» أى: جماعات. والأوزاع: بطن من همدان. وفيه «الناس أضياف» أى: مختلفون. وإخوة أضياف، إذا كانت أمهم واحدة، والآباء شتى. (ع) [.....]
(٢). للحسن بن على الطوسي. واللف- بالكسر: - الملتف أريد به الملتفة لتكاثف أشجارها وأوراقها. والمغدق الكثير الواسع. والبيض: مجاز عن الأخبار. ويجوز أنه على ظاهره. ورجل أزهر: مشرق الوجه، فالزهر:
المشرقو الوجوه، كأحمر وحمر، يعنى: أن ندماءه خبار حسان الخصال. أو بيض حسان الوجوه. والمطرد في جمع أفعل وفعلاء على فعل: سكون العين. ويجوز في الشعر ضمها فيما صحت عينه ولامه ولم يضعف كما هنا، وكما في قوله:
وأنكرتنى ذوات الأعين النجل
على أنه يجوز للشاعر تحريك الساكن بحركة ما قبله للوزن، ويجوز تحريكه بحركة ما بعده إذا سكن للوقف، فيكون بفتح الهاء، كغرفة وغرف.
أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشدّ نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» «١» وقرئ: وفتحت، بالتشديد والتخفيف. والمعنى: كثرة أبوابها المفتحة لنزول الملائكة، كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة، كقوله وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً كأن كلها عيون تتفجر. وقيل:
الأبواب الطرق والمسالك، أى. تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدّها شيء فَكانَتْ سَراباً كقوله فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا يعنى أنها تصير شيئا كلا شيء، لتفرّق أجزائها وانبثات جواهرها.
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٢١ الى ٣٠]
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥)
جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠)
المرصاد: الحدّ الذي يكون فيه الرصد. والمعنى: أن جهنم هي حدّ الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم. أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها، لأن مجازهم عليها، وهي مآب للطاغين. وعن الحسن وقتادة نحوه، قالا: طريقا وممرّا لأهل الجنة.
وقرأ ابن يعمر: أنّ جهنم، بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأنّ جهنم كانت مرصادا للطاغين، كأنه قيل: كان ذلك لإقامة الجزاء. قرئ: لابثين ولبثين، واللبث أقوى، لأنّ اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال «لبث» إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه أَحْقاباً حقبا «٢» بعد حقب، كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، والاشتقاق يشهد لذلك. ألا ترى إلى
(١). أخرجه الثعلبي وابن مردويه من رواية محمد بن زهير عن محمد بن الهندي عن حنظلة الدوسي عن أبيه عن البراء بن عازب عنه بطوله.
(٢). قوله «أحقابا» في الصحاح «الحقب» بالضم: ثمانون سنة. والحقبة- بالكسر-: واحدة الحقب، وهي السنون. والحقب: الدهر، والأحقاب: الدهور. (ع)
— 688 —
حقيبة الراكب، والحقب الذي وراء التصدير «١» وقيل: الحقب ثمانون سنة، ويجوز أن يراد:
لابثين فيها أحقابا غير ذائقين فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون من «حقب عامنا» إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان: إذا أخطأه الرزق، فهو حقب، وجمعه أحقاب، فينتصب حالا عنهم، يعنى لابثين فيها حقيبين «٢» جحدين. وقوله لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً تفسير له والاستثناء منقطع، يعنى: لا يذوقون فيها بردا وروحا ينفس عنهم حرّ النار، ولا شرابا يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا وقيل «البرد» النوم، وأنشد:
فلو شئت حرّمت النّساء سواكم... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا «٣»
وعن بعض للعرب: منع البرد البرد «٤». وقرئ: غساقا، بالتخفيف والتشديد: وهو ما يغسق، أى: يسيل من صديدهم وِفاقاً وصف بالمصدر. أو ذا وفاق. وقرأ أبو حيوة:
وفاقا، فعال من وفقه كذا كِذَّاباً تكذيبا، وفعال في باب فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره، وسمعنى بعضهم أفسر آية فقال لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله.
وقرئ بالتخفيف، وهو مصدر كذب، بدليل قوله:
فصدقتها وكذبتها... والمرء ينفعه كذابه «٥»
وهو مثل قوله أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً يعنى: وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا. أو تنصبه بكذبوا، لأنه يتضمن معنى كذبوا، لأنّ كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه: وكذبوا بآياتنا، فكاذبوا مكاذبة. أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة. أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر، فيبلغ فيه أقصى جهده. وقرئ: كذابا، وهو جمع كاذب، أى: كذبوا
(١). قوله «والحقب الذي وراء التصدير» في الصحاح «التصدير» : الحزام، وهو في صدر البعير، والحقب عند الثيل. وفيه «الثيل» : وعاء قضيب البعير. (ع)
(٢). قوله «لابثين فيها حقيبين» لعله حقبين من حقب بالكسر كجحدين من جحد: إذا كان ضيقا قليل الخير فيهما، أفاده الصحاح. (ع)
(٣). تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٢٩٤ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٤). قوله «منع البرد البرد» أى: منع البرد النوم. (ع)
(٥). الكذاب- ككتاب-: مصدر مضاف لفاعله. وصدقتها وكذبتها- بتخفيفها- بمعنى: قلت لها قولا صادقا تارة، وقولا كاذبا تارة أخرى. أو قلت لها: أنت صادقة تارة، وأنت كاذبة تارة. والضمير لنفسه أو صاحبته مثلا. وعلل ذلك بأن الكذب قد ينفع.
— 689 —
بآياتنا كاذبين، وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال: رجل كذاب، كقولك: حسان، وبخال، فيجعل صفة لمصدر كذبوا، أى: تكذيبا كذابا مفرطا كذبه، وقرأ أبو السمال: وكل شيء أحصيناه، بالرفع على الابتداء كِتاباً مصدر في موضع إحصاء وأحصينا في معنى كتبنا، لالتقاء الإحصاء، والكتبة في معنى الضبط والتحصيل. أو يكون حالا في معنى: مكتوبا في اللوح وفي صحف الحفظة. والمعنى: إحصاء معاصيهم، كقوله: أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وهو اعتراض. وقوله فَذُوقُوا مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، وهي آية في غاية الشدّة، وناهيك بلن نزيدكم، وبدلالته على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة. وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهدا على أنّ الغضب قد تبالغ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه الآية أشدّ ما في القرآن على أهل النار» «١».
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣١ الى ٣٦]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥)
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦)
مَفازاً فوزا وظفرا بالبغية. أو موضع فوز. وقيل: نجاة مما فيه أولئك. أو موضع نجاة. وفسر المفاز بما بعده. والحدائق: البساتين فيها أنواع الشجر المثمر. والأعناب:
الكروم. والكواعب: اللاتي فلكت ثدييهن «٢»، وهن النواهد. والأتراب. اللدات:
والدهاق: المترعة. وأدهق الحوض: ملأه حتى قال قطني. وقرئ: ولا كذابا، بالتشديد والتخفيف، أى: لا يكذب بعضهم بعضا. ولا يكذبه. أولا يكاذبه. وعن على رضى الله عنه أنه قرأ بتخفيف الاثنين جَزاءً مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً كأنه قال: جازى المتقين بمفاز. وعَطاءً نصب بجزاء نصب المفعول به. أى: جزاهم عطاء.
وحِساباً صفة بمعنى: كافيا. من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي. وقيل. على حسب أعمالهم. وقرأ ابن قطيب: حسابا، بالتشديد، على أنّ الحساب بمعنى المحسب، كالدرّاك بمعنى المدرك.
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩)
(١). أخرجه ابن أبى حاتم والثعلبي من رواية جسر بن فرقد السبخى عن الحسن سألت أبا برزة الأسلمي فذكره وجسر ضعيف. ورواه الطبراني والبيهقي في الشعب موقوفا.
(٢). قوله «فلكت ثديهن» في الصحاح: «فلك ثدي الجارية تفليكا» وتفلك: استدار. (ع)
قرئ: رب السماوات. والرحمن: بالرفع، على: هو رب السماوات الرحمن. أو رب السماوات مبتدأ، والرحمن صفة، ولا يملكون: خبر. أو هما خبران. وبالجر على البدل من ربك، وبجر الأوّل ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره لا يَمْلِكُونَ. أو هو الرحمن لا يملكون.
والضمير في لا يَمْلِكُونَ لأهل السماوات والأرض، أى: ليس في أيديهم مما يخاطب به الله ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك، فيزيدون فيه أو ينقصون منه. أو لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب، إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه. ويَوْمَ يَقُومُ متعلق بلا يملكون، أو بلا يتكلمون.
والمعنى: إنّ الذين هم أفضل الخلائق «١» وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه وهم الروح والملائكة لا يملكون التكلم بين يديه، فما ظنك بمن عداهم من أهل السماوات والأرض؟
والروح: أعظم خلقا من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين. وقيل: هو ملك عظيم ما خلق الله بعد العرض خلقا أعظم منه. وقيل: ليسوا بالملائكة، وهم يأكلون. وقيل:
جبريل. هما شريطتان: أن يكون المتكلم مأذونا له في الكلام. وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى «٢»، لقوله تعالى وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى.
[سورة النبإ (٧٨) : آية ٤٠]
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
مَرْءُ
هو الكافر لقوله تعالى نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً
والكافر: ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم، ويعنى اقَدَّمَتْ يَداهُ
من الشر، كقوله وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ،
(١). قوله «إن الذين هم أفضل الخلائق» تفضيلهم على البشر مذهب المعتزلة، ومذهب أهل السنة تفضيل البشر عليهم: والظاهر أن الروح كالملك في هذا الخلاف، فتدبر. (ع)
(٢). قال محمود: «وقف الشفاعة على شرطين... الخ» قال أحمد: يعرض بأن الشفاعة لا تحل على مرتكبي الكبائر من الموحدين، وقد صرح بذلك في مواضع تقدمت له، ويتلقى ذلك من أنها مخصوصة بالمرتضين، وذوو الكبائر ليسوا مرتضين. ومن ثم أخطأ فان الله عز وجل ما خصهم بالايمان والتوحيد وتوفاهم عليه، إلا وقد ارتضاهم لذلك، بدليل قوله تعالى وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ فجعل الشكر بمعنى الايمان المقابل للكفر، مرضيا لله تعالى، وصاحبه مرتضى.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

7 مقطع من التفسير