تفسير سورة سورة المطففين

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تفسير السمعاني

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)

الناشر

دار الوطن، الرياض - السعودية

الطبعة

الأولى، 1418ه- 1997م

المحقق

ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم

نبذة عن الكتاب

لأبي المظفر السمعاني (ت: 489)، وهو من التفاسير النافعة القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، فعقيدة المؤلف ومباحثه العقدية هي أهم ما تميز به هذا التفسير، فقد اهتمَّ فيه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والردِّ على أهل البدع والأهواء، ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فما من آية في القرآن اتخذها أهل البدع والأهواء دليلاً لنصرة مذهبهم، أو صرفوها عن ظاهرها وأوَّلوها، إلا رأيته متصدياً لهم، مبطلاً لبدعهم، ومنتصراً لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد أكثر من ذلك على مدار تفسيره كله، بالإضافة إلى ترجيحه بين الأقوال، والاستشهاد بالشعر على المعاني اللغوية، إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها تفسيره، ويؤخذ عليه ذكره لكثير من الأحاديث دون بيان حكمها صحةً وضعفاً، أو عزوها إلى مصادرها.
وقد طبع في ستة مجلدات بدار الوطن بالسعودية، وحققه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وأبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم.

مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة المطففين وهي مدنية قال ابن عباس : هي أول سورة نزلت بالمدينة، قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة، وهم أخبث الناس كيلا ووزنا، فأنزل الله تعالى هذه السورة، فاستقاموا، فهم أوفى الناس كيلا ووزنا إلى ( اليوم )١.
١ - في ((ك)) : يوم القيامة..
آية رقم ١
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ الويل: هُوَ الدُّعَاء بالشدة والهلاك.
وَعَن السّديّ هُوَ وَاد فِي جَهَنَّم، يسيل فِيهِ صديد أهل النَّار.
وَقَوله: ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ هم الَّذين لَا يُوفونَ الْكَيْل وَالْوَزْن ويبخسون.
قَالَ الزّجاج: سمى مطففا، لِأَنَّهُ لَا يطف بِهَذَا الْفِعْل بالشَّيْء الطفيف أَي: الْيَسِير وَقد بَينا أَنَّهَا نزلت فِي أهل الْمَدِينَة، وَقيل: نزلت فِي أبي جُهَيْنَة، كَانَ رجلا من أهل الْمَدِينَة لَهُ صَاعَانِ يَكِيل بِأَحَدِهِمَا على النَّاس أَي: عَن النَّاس وَيُقَال: اكتلت على فلَان أَي: استوفيت مَا عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿يستوفون﴾ أَي: يستوفون حُقُوقهم على الْكَمَال، وَقيل: يستوفونه راجحا.
آية رقم ٢
وقوله :( يستوفون ) أي : يستوفون حقوقهم على الكمال، وقيل : يستوفونه راجحا.
آية رقم ٣
وَقَوله: ﴿وَإِذا كالوهم﴾ كالوا لَهُم.
وَكَذَلِكَ: ﴿أَو وزنوهم﴾ أَي: وزنوا لَهُم.
[قَالَه] أَبُو عُبَيْدَة والأخفش وَالْفراء - والأخفش هُوَ سعيد بن [مسْعدَة]، وَهُوَ الْأَخْفَش الْكَبِير - وَقَالَ الْفراء: هُوَ لُغَة حجازية سَمِعت بَعضهم بِمَكَّة يَقُول: إِذا
— 177 —
﴿أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون (٤) ليَوْم عَظِيم (٥) يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين (٦) ﴾. صدر النَّاس أَتَيْنَا التَّاجِر، فكال الْمَدّ والمدين إِلَى الْعَام الْمقبل أَي: كال لنا.
و ﴿يخسرون﴾ أَي: ينقصُونَ.
— 178 —
آية رقم ٤
وَقَوله: ﴿أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون﴾ أَي: أَلا يستيقنوا أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: خمس بِخمْس: مَا نقص قوم الْعَهْد إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم عدوهم، وَمَا حكم قوم بِغَيْر مَا أنزل الله إِلَّا فَشَا فيهم الْفقر، وَمَا ظَهرت فيهم الْفَاحِشَة إِلَّا فَشَا فيهم الْمَوْت، وَمَا نَقَصُوا من الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا منعُوا النَّبَات وأجدبوا بِالسِّنِينَ، وَمَا منع قوم الزَّكَاة إِلَّا حبس عَنْهُم الْقطر.
وَعَن مَالك بن دِينَار قَالَ: دخلت على جَار لي أعوده، وَقد نزل بِهِ الْمَوْت، فَجعلت ألقنه كلمة الشَّهَادَة، وَهُوَ يَقُول: جبلان من نَار، جبلان من نَار.
فَمَا زَالَ يَقُول حَتَّى مَاتَ، فسالت عَنهُ؟ قَالُوا: كَانَ لَهُ مكيال وميزان يطفف بهما.
وَقيل فِي قَوْله: ﴿أَلا يظنّ﴾ يَعْنِي: أَنهم لَا يعْملُونَ عمل من يظنّ أَنهم مبعوثون.
آية رقم ٥
وَقَوله: ﴿ليَوْم عَظِيم﴾ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة.
سَمَّاهُ عَظِيما لعظم مَا فِيهِ وشدته.
آية رقم ٦
وَقَوله: ﴿يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾ روى ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يقومُونَ مائَة سنة على رُءُوس قُبُورهم "، وَعَن بعض الصَّحَابَة: ثلثمِائة سنة، وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: يقومُونَ ألف عَام فِي الظلمَة.
وروى حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أَيُّوب، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾ قَالَ: " يقومُونَ حَتَّى يبلغ الرشح
— 178 —
﴿كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين (٧) ﴾. أَطْرَاف آذانهم ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحُسَيْن بن النقور، أخبرنَا أَبُو طَاهِر المخلص.
أخبرنَا ابْن بنت منيع - هُوَ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ - أخبرنَا أَبُو نصر التمار، أخبرنَا حَمَّاد بن سَلمَة، الحَدِيث.
خرجه مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي نصر التمار، وَذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ، وَذكر أَنهم يقومُونَ حَتَّى يبلغ الرشح أَنْصَاف آذانهم، وروى سليم بن عَامر، عَن الْمِقْدَاد بن الْأسود أَن النَّبِي قَالَ: " تدنى الشَّمْس من رُءُوس الْخَلَائق، حَتَّى تكون على قدر ميل من رُءُوسهم " قَالَ سليم: فَلَا أَدْرِي أَرَادَ ميل الْمسَافَة أم ميل الَّذِي يكتحل بِهِ - قَالَ: " فتصهرهم الشَّمْس، فيكونون فِي الْعرق على قدر أَعْمَالهم، فَمنهمْ من يَأْخُذهُ الْعرق إِلَى كعبيه، وَمِنْهُم إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُم إِلَى حقوه، وَمِنْهُم من يلجمه إلجاما، وَوضع رَسُول الله يَده على (فَمه) ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن الْعرق يذهب فِي الأَرْض سبعين ذِرَاعا " وَالله أعلم.
— 179 —
آية رقم ٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين﴾ كلا ردع وزجر وتنبيه، كَأَنَّهُ يَقُول: لَيْسَ الْأَمر كَمَا تَزْعُمُونَ فَارْتَدَعُوا.
وَقَوله: ﴿إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه كتاب الْأَعْمَال، وَالْآخر: أَنه أَرْوَاح الْكفَّار، وَالْأَظْهَر هُوَ الأول.
— 179 —
﴿وَمَا أَدْرَاك مَا سِجِّين (٨) كتاب مرقوم (٩) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (١٠) الَّذين يكذبُون بِيَوْم الدّين (١١) وَمَا يكذب بِهِ إِلَّا كل مُعْتَد أثيم (١٢) إِذا تتلى عَلَيْهِ﴾.
وَقَوله: ﴿لفي سِجِّين﴾ هُوَ فعيل من السجْن، قَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: هُوَ الأَرْض السفلي فِيهَا إِبْلِيس وَذريته.
وَعَن مُجَاهِد: صَخْرَة تَحت الأَرْض السَّابِعَة تقلب، وَيجْعَل تحتهَا كتاب الْفجار.
وَعَن الحبر أَنه قَالَ فِي قَوْله: ﴿إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين﴾ : هُوَ روح الْكَافِر تقبض ويصعد بِهِ إِلَى السَّمَاء، فتأبى السَّمَاء أَن تقبله، ثمَّ يهْبط بِهِ إِلَى الأَرْض، فتأبى الأَرْض أَن تقبله، فيهبط بِهِ تَحت الْأَرْضين، فَيجْعَل تَحت خد إِبْلِيس.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي: " أَن الفلق جب فِي جَهَنَّم مغطى، والسجين جب فِي جَهَنَّم مَفْتُوح ".
— 180 —
آية رقم ٨
وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا سِجِّين﴾ قَالَ الزّجاج: لم يُعلمهُ رَسُول الله حَتَّى أعلمهُ الله.
آية رقم ٩
وَقَوله: ﴿كتاب مرقوم﴾ أَي كتاب الْفجار، وَقَالَ بَعضهم: كتاب مرقوم يرجع إِلَى السجين، وَالأَصَح مَا بَينا.
آية رقم ١٠
قَوْله: ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ قد بَينا.
آية رقم ١١
وَقَوله: ﴿الَّذين يكذبُون بِيَوْم الدّين وَمَا يكذب بِهِ إِلَّا كل مُعْتَد أثيم إِذا تتلى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أساطير الْأَوَّلين﴾ أَي: أباطيل الْأَوَّلين وأكاذيبهم.
آية رقم ١٢
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١:وقوله :( الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) أي : أباطيل الأولين وأكاذيبهم.
آية رقم ١٣
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١:وقوله :( الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) أي : أباطيل الأولين وأكاذيبهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم﴾ أَي: غلب على قُلُوبهم.
قَالَ الْفراء: استكثروا من الْمعاصِي والذنُوب فأحاطت بقلوبهم.
وروى الْقَعْقَاع بن حَكِيم، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن العَبْد إِذا أَخطَأ خَطِيئَة نكتت فِي قلبه نُكْتَة، فَإِن هُوَ نزع واستغفر وَتَابَ صقلت، وَإِن عَاد زيد فِيهَا حَتَّى يغلق قلبه، فَهُوَ
— 180 —
﴿آيَاتنَا قَالَ أساطير الْأَوَّلين (١٣) كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون (١٥) ثمَّ إِنَّهُم لصالوا الْجَحِيم (١٦) ثمَّ﴾. لرين الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث الشريف أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ الزَّيْنَبِي، أخبرنَا أَبُو طَاهِر المخلص، أخبرنَا الْبَغَوِيّ، أخبرنَا زغبة، عَن اللَّيْث، عَن ابْن عجلَان، عَن الْقَعْقَاع بن حَكِيم الحَدِيث.
وَيُقَال: ران أَي: غطى وغشى، وَهُوَ قريب من الأول.
قَالَ الْحسن: هُوَ الذَّنب على الذَّنب حَتَّى يسود قلبه، وروى نَحْو هَذَا عَن مُجَاهِد.
— 181 —
آية رقم ١٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يؤمئذ لمحجوبون﴾ فِي الْآيَة دَلِيل على أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ الله تَعَالَى، وَقد نقل هَذَا الدَّلِيل عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ - رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا - قَالَ مَالك: لما حجب الله الْفجار عَن رُؤْيَته دلّ أَنه ليتجلى للْمُؤْمِنين حَتَّى يروه.
وَمثل هَذَا رَوَاهُ الرّبيع بن سُلَيْمَان، عَن الشَّافِعِي، قَالَ الرّبيع: قلت للشَّافِعِيّ: أيرى الله بِهَذَا؟ فَقَالَ: لَو لم أوقن أَن الله يرى فِي الْجنَّة لم أعبده فِي الدُّنْيَا.
وَقد رُوِيَ هَذَا الدَّلِيل عَن (أَحْمد بن يحيى بن ثَعْلَب الشَّيْبَانِيّ ابْن عَبَّاس).
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لَو عرف الْمُؤْمِنُونَ أَنهم لَا يرَوْنَ الله فِي الْآخِرَة، لانزهقت أَرْوَاحهم فِي الدُّنْيَا.
وَفِي الْآيَة أبين دَلِيل من حَيْثُ الْمَعْنى على مَا قُلْنَا، لِأَنَّهُ ذكر قَوْله: {كلا إِنَّهُم عَن
— 181 —
﴿يُقَال هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون (١٧) كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين (١٨) وَمَا أَدْرَاك مَا عليون (١٩) كتاب مرقوم (٢٠) يشهده المقربون (٢١) إِن الْأَبْرَار لفي نعيم (٢٢) على الأرائك ينظرُونَ (٢٣) تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم﴾. رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون) فِي حق الْكفَّار عُقُوبَة لَهُم، فَلَو قُلْنَا: إِن الْمُؤمنِينَ يحجبون، لم يَصح عُقُوبَة الْكفَّار بِهِ.
وَقد ذكر الْكَلْبِيّ فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: أَن الْمُؤمنِينَ يرونه فِي الْجنَّة، ويحجب الْكفَّار.
وَعَن الْحُسَيْن بن الْفضل قَالَ: كَمَا حجبهم فِي الدُّنْيَا عَن توحيده، كَذَلِك فِي الْآخِرَة عَن رُؤْيَته.
— 182 —
آية رقم ١٦
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِنَّهُم لصالوا الْجَحِيم﴾ أَي: لداخلوا الْجَحِيم.
آية رقم ١٧
وَقَوله: ﴿ثمَّ يُقَال هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ يُقَال لَهُم ذَلِك على طَرِيق التوبيخ وَالتَّعْبِير.
آية رقم ١٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين﴾ قَالَ الْفراء: ارْتِفَاع بعد ارْتِفَاع.
وَقَالَ كَعْب: يقبض روح الْمُؤمن فيصعد بِهِ إِلَى السَّمَاء، فتتلقاه الْمَلَائِكَة إِلَى أَن تبلغ السَّمَاء السَّابِعَة، فَيُوضَع تَحت الْعَرْش.
يُقَال: إِن الْكتاب هُوَ كتاب الْأَعْمَال، وَقد بَينا أَنه أظهر الْقَوْلَيْنِ، وَالْمعْنَى: أَنه يوضع فِي أَعلَى الْأَمْكِنَة إِظْهَارًا لخسة عمل الْفجار.
آية رقم ١٩
وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا عليون﴾ قَالَ الزّجاج: لم يدر حَتَّى أعلمهُ الله.
آية رقم ٢٠
وَقَوله: ﴿كتاب مرقوم يشهده المقربون﴾ أَي كتاب مَكْتُوب، أَو كتاب عَلَيْهِ عَلامَة الْقبُول، يشهده الْمَلَائِكَة، وَقيل: يشهده مقربو كل سَمَاء.
آية رقم ٢١
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٠:وقوله :( كتاب مرقوم يشهده المقربون ) أي كتاب مكتوب، أو كتاب عليه علامة القبول، يشهده الملائكة، وقيل : يشهده مقربو كل سماء.
آية رقم ٢٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ أَي: فِي نعيم الْجنَّة.
آية رقم ٢٣
وَقَوله: ﴿على الأرائك ينظرُونَ﴾ الأرائك جمع أريكة، وَهِي السرر فِي الحجال كَمَا بَينا.
آية رقم ٢٤
وَقَوله: ﴿تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم﴾ أَي: بهجة النَّعيم وحسنها.
وَهُوَ
— 182 —
( ﴿٢٤) يسقون من رحيق مختوم (٢٥) ختامه مسك وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ (٢٦) ومزاجه من تسنيم (٢٧) عينا يشرب بهَا المقربون (٢٨) إِن﴾. مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾.
— 183 —
آية رقم ٢٥
وَقَوله: (يسقون من رحيق مختوم) روى مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود، وَسَعِيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا: الرَّحِيق هُوَ الْخمر وَقيل: هُوَ الشَّرَاب الَّذِي لَا غش فِيهِ.
وَقَوله: ﴿مختوم﴾ أَي: لم تمسسه الْأَيْدِي.
آية رقم ٢٦
وَقَوله: ﴿ختامه مسك﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير: آخِره رَائِحَة الْمسك، وطعمه طعم ألذ الْأَشْرِبَة.
وَعَن جمَاعَة من الْمُفَسّرين أَنهم قَالُوا: إِذا بلغ آخر الشّرْب وجد رَائِحَة الْمسك وَالْمعْنَى: أَن الشَّرَاب الَّذِي يكون فِي الدُّنْيَا يكون فِي آخِره الكدر، وَمَا تكرههُ النَّفس، فَذكر الله تَعَالَى أَن شراب الْآخِرَة على خِلَافه.
وَقَرَأَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - " خَاتِمَة مسك " وَقَرَأَ عِيسَى بن عمر " خاتِمة مسك " بِكَسْر التَّاء، وَقيل فِي معنى قَوْله تَعَالَى: " خاتَمَهُ مسك " بِفَتْح التَّاء أَي: (طينته) مسك وَفِي قَوْله: " خاتِمَهُ مسك " بِكَسْر التَّاء أَي: آخِره وعاقبته.
وَقَوله: ﴿وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ أَي: فليتبادر المتبادرون، والمنافسة إِظْهَار شدَّة الطّلب، وَقيل: هِيَ الْمُسَابقَة إِلَى التَّحْصِيل.
آية رقم ٢٧
وَقَوله: ﴿ومزاجه من تسنيم﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وعلقمة عَن ابْن مَسْعُود: هُوَ أشرف شراب لأهل الْجنَّة يشربه المقربون صرفا، ويمزج للأبرار، وَمثله رَوَاهُ مَنْصُور عَن مَالك بن الْحَارِث.
وَقيل فِي التسنيم: هُوَ عين تتسنم على أهل الْجنَّة من الغرف، وَقيل: هُوَ عين من مَاء.
آية رقم ٢٨
وَقَوله: ﴿عينا يشرب بهَا المقربون﴾ قد بَينا، وَنصب عينا بِمَعْنى: أَعنِي عينا، أَو أُرِيد عينا.
— 183 —
﴿الَّذين أجرموا كَانُوا من الَّذين آمنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مروا بهم يتغامزون (٣٠) وَإِذا انقلبوا إِلَى أهلهم انقلبوا فكهين (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِن هَؤُلَاءِ لضالون (٣٢) وَمَا أرْسلُوا عَلَيْهِم حافظين (٣٣) فاليوم الَّذين آمنُوا من الْكفَّار يَضْحَكُونَ (٣٤) ﴾.
وَقَوله: ﴿بهَا﴾ أَي: مِنْهَا.
— 184 —
آية رقم ٢٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين أجرموا﴾ هم الْكفَّار.
وَقيل: هَذَا فِي قوم مخصوصين من قُرَيْش، مِنْهُم أَبُو جهل والوليد بن الْمُغيرَة، وَالْأسود بن عبد يَغُوث، وَالنضْر بن الْحَارِث وَغَيرهم.
وَقَوله: ﴿كَانُوا من الَّذين آمنُوا يَضْحَكُونَ﴾ قيل: إِنَّه فِي قوم مخصوصين من الْمُؤمنِينَ مِنْهُم خباب وبلال وَأَبُو ذَر وعمار وَغَيرهم من فُقَرَاء الصَّحَابَة.
آية رقم ٣٠
وَقَوله: ﴿وَإِذا مروا بهم يتغامزون﴾ أَي: يشيرون بالأعين والحواجب.
آية رقم ٣١
وَقَوله: ﴿وَإِذا انقلبوا إِلَى أهلهم انقلبوا فاكهين﴾ أَي معجبين بأفعالهم.
وَقيل: طيبين الْأَنْفس مستبشرين.
وَالْعرب تَقول: رجل فكه وفاكه إِذا كَانَ ضحوكا طيب النَّفس.
آية رقم ٣٢
وَقَوله: ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِن هَؤُلَاءِ لضالون﴾ أَي: أخطأوا الْحق وَطَرِيق الرشد وَاتبعُوا الْبَاطِل.
آية رقم ٣٣
وَقَوله: ﴿وَمَا أرْسلُوا عَلَيْهِم حافظين﴾ أَي مَا أرْسلُوا عَلَيْهِم ليحفظوا أَعْمَالهم.
أَي مَا أرسل الْكفَّار على الْمُؤمنِينَ، وَالْمعْنَى: أَنهم مَا وكلوا بِالْمُؤْمِنِينَ ليحفظوا عَلَيْهِم مَا يَفْعَلُونَ.
وَقيل: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْمُنَافِقين.
وَقيل: إِنَّهَا نزلت فِي أبي جهل وَأَصْحَابه.
وَقَوله: ﴿من الَّذين آمنُوا﴾ على رضى الله عَنهُ وَأَصْحَابه.
وَهُوَ قَول بعيد.
آية رقم ٣٤
وَقَوله: ﴿فاليوم الَّذين آمنُوا﴾ هم الْمُؤْمِنُونَ من أَصْحَاب الرَّسُول.
— 184 —
﴿على الأرائك ينظرُونَ (٣٥) هَل ثوب الْكفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) ﴾.
وَقَوله: ﴿من الْكفَّار يَضْحَكُونَ على الأرائك ينظرُونَ﴾ فِي بعض التفاسير إِن للجنة كوى إِلَى أهل النَّار مَتى شَاءَ أهل الْجنَّة فتحُوا الكوى ونظروا إِلَى النَّار وَضَحِكُوا مِنْهُم.
وَقد بَينا معنى الأرائك من قبل.
— 185 —
آية رقم ٣٥
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤:وقوله :( فاليوم الذين آمنوا ) هم المؤمنون من أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم.
وقوله :( من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون ) في بعض التفاسير إن للجنة كوى إلى أهل النار متى شاء أهل الجنة فتحوا الكوى ونظروا إلى النار وضحكوا منهم. وقد بينا معنى الأرائك من قبل.

آية رقم ٣٦
وَقَوله: ﴿هَل ثوب الْكفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أَي هَل جوزي الْكفَّار مَا كَانُوا - أَي بِمَا كَانُوا - يَفْعَلُونَ.
— 185 —

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿إِذا السَّمَاء انشقت (١) وأذنت لِرَبِّهَا وحقت (٢) وَإِذا الأَرْض مدت (٣) ﴾.
تَفْسِير سُورَة الكدح
وَهِي مَكِّيَّة، وَالله أعلم
— 186 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

36 مقطع من التفسير