تفسير سورة سورة آل عمران
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي (ت 1412 هـ)
وقوله تعالى :﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ يعني نزل عليك القرآن يا محمد بالحق، أي لا شك فيه ولا ريب بل هو منزل من عند الله، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيداً. وقوله :﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله والأنبياء، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد ﷺ وإنزال القرآن العظيم عليه، وقوله :﴿وَأَنزَلَ التوراة﴾ أي على موسى بن عمران، ﴿والإنجيل﴾ أي على عيسى بن مريم عليهما السلام، ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن، ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ : أي في زمانهما، ﴿وَأَنزَلَ الفرقان﴾ : وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك. وقال قتادة والربيع : الفرقان هاهنا القرآن، واختار ابن جرير أنه مصدر هاهنا لتقدم ذكر القرآن في قوله :﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ وهو القرآن. وأما ما روي عن أبي صالح : أن المراد بالفرقان هاهنا التوراة، فضعيف أيضاً، لتقدم ذكر التوراة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ : أي يوم القيامة، ﴿والله عَزِيزٌ﴾ أي منيع الجناب عظيم السلطان، ﴿ذُو انتقام﴾ : أي ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ولهذا قال الله تعالى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي إنما يأخذون منه المتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه. فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى :﴿ابتغاء الفتنة﴾ أي الإضلال لأتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقول :﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقول :﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
وقوله تعالى :﴿وابتغاء تَأْوِيلِهِ﴾ أي تحريفه على ما يريدون، وقال مقاتل والسدي : يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن، وقد قال الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت :« قرأ رسول الله ﷺ :﴿هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. إلى قوله :﴿أُوْلُواْ الألباب﴾ فقال :» إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم « وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الآية ومسلم في كتاب القدر من صحيحه وأبو داود في السنة من سننه ثلاثتهم عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت :» تلا رسول الله ﷺ هذه الآية :﴿هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله :﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب﴾ قالت : قال رسول الله ﷺ :« فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم » «.
وروى أحمد عن أبي أمامة » عن النبي ﷺ في قوله تعالى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال :« هم الخوارج »، وفي قوله تعالى :﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال :« هم الخوارج »، وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفاً من كلام الصحابي، ومعناه صحيح فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ ( غنائم حنين ) فكأنهم رأوا - في عقولهم الفاسدة - أنه لم يعدل في القسمة ففاجأوه بهذه المقالة، فقال قائلهم وهو ( ذو الخويصرة ) - بقر الله خاصرته - إعدل فإنك لم تعدل، فقال رسول الله ﷺ :« لقد خبت وخسرت. إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني » ! فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب في قتله، فقال :« دعه فإنه يخرج من ضئضىء هذا - أي من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم » ثم كان ظهورهم أيام ( علي بن أبي طالب ) رضي الله عنه وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونِحل كثيرة منتشرة، ثم انبعثت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ في قوله :« » وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة «، قالو : ومن يا رسول الله؟ قال :» من كان على ما أنا عليه وأصحابي «
وروى الحافظ أبو يعلى، عن حذيفة عن رسول الله ﷺ أنه ذكر :« إنّ في أمتي قوماً يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدَّقل يتأولونه على غير تأويله ».
وقوله تعالى :﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل على الجلالة كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : التفسير على أربعة أنحاء، فتفسير لا يعذر أحد في فهمه وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله، وقال رسول الله ﷺ :« إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به »، وقال عبد الرزاق : كان ابن عباس يقرأ :﴿وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون آمنا به﴾، وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك ابن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله، وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود :﴿إن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولن آمنا به﴾ واختار ابن جرير هذا القول.
ومنهم من يقف على قوله تعالى :﴿والراسخون فِي العلم﴾ وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال : أنا من الراسخين الذي يعلمون تأويله، وقال مجاهد : والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال محمد بن جعفر بن الزبير : وما يعلم تأويله الذي أراد ما أراد إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد. فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضاً فنفذت الحجة، وظهر به العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس فقال :« اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » ومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال : التأويل يطلق ويراد به في لقرآن معنيان، أحدهما : التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه؛ ومنه قوله تعالى :﴿وَقَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله :﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد. فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عزّ وجلّ؛ ويكون قوله ﴿والراسخون فِي العلم﴾ مبتدأ و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبره.
وقوله تعالى - إخباراً عنهم - أنهم يقولون آمنا به أي المتشابه ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ أي الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد، كقوله :﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢]، ولهذا قال تعالى :﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة، وقد قال ابن أبي حاتم بسنده : حدَّثنا عبد الله بن يزيد - وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ أنَساً وأبا أمامة وأبا الدرداء - أن رسول الله ﷺ سئل عن الراسخين في العلم فقال :« من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم »، وقال الإمام أحمد بسنده : سمع رسول الله ﷺ قوماً يتدارؤون فقال :« إنما هلك من كان قبلكم بهذا؛ ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما أنزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضاً فلا تكذبوا بعضه ببعض. فما علمتم منه فقولوا به، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه ».
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :« نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر - قالها ثلاثاً - ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه جل جلاله » وقال ابن المنذر في تفسيره عن نافع بن يزيد قال : الراسخون في العلم المتواضعون لله المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم. ثم قال تعالى عنهم مخبراً أنهم دعوا ربهم قائلين :﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم. ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيماناً وإيقاناً ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الوهاب﴾.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت :« كان رسول الله ﷺ كثيراً ما يدعو :» يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك «. قلت : يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال :» ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه. أما تسمعي قوله :﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوهاب﴾ « وعن سعيد بن المسيب عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ من الليل قال :» لا إله إلا أنت سبحانك أستغفرك لذنبي، واسألك رحمتك، اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة. إنك أنت الوهاب «.
وقوله تعالى :﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي يقولون في دعائهم إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلاً بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقال تعالى :﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد﴾ [آل عمران: ١٩٦]، وقال هاهنا :﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي بآيات الله، وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه :﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ الله شَيْئاً وأولئك هُمْ وَقُودُ النار﴾ أي حطبها الذي تسجر به وتوقد به كقوله :﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية. وعن أم الفضل :« أن رسول الله ﷺ قام ليلة بمكة، فقال :» هل بلغت «؟ يقولها ثلاثاً، فقام عمر بن الخطاب - وكان أوَّاهاً - فقال : اللهم نعم، وحرصت وجهدت، ونصحت فاصبر، فقال النبي ﷺ :» ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير «. قالوا : يا رسول الله فمن أولئك؟ قال :» أولئك منكم، أولئك هم وقود النار « ».
وقوله تعالى :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، قال ابن عباس : كصنيع آل فرعون، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد والضحَّاك وغير واحد، ومنهم من يقول : كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة والدَّأب - بالتسكين والتحريك أيضاً كَنَهر ونَهْر - وهو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال : لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس :
| كدأبك من أم الحويرث قبلها | وجارتها أم الرباب بمأسل |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
والقول الثاني : أن المعنى في قوله تعالى :﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين﴾ أي يرى الفئة المسلمة الفئة الكافرة ﴿مِّثْلَيْهِمْ﴾ أي ضعفيهم في العدد ومع هذا نصرهم الله عليهم، والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير، فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول والله أعلم، لكن وجَّه ابن جرير هذا وجعله صحيحاً، كما تقول : عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجاً إلى ثلاثة آلاف كذا قال. وعلى هذا فلا إشكال، لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال : ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى : في قصة بدر :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ [الأنفال: ٤٤] فالجواب : أن هذا كان في حالة، والآخر كان في حالة أخرى، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا﴾ الآية. قال : هذا يوم بدر، قد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وحبُّ البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد ﷺ ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث :« تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة » وحب المال كذلك، تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات فهذا ممدوح محمود شرعاً، وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقول، وحاصلها : أنه المال الجزيل كما قاله الضحاك وغيره، وقيل : ألف دينار، وقيل : ألف ومائتا دينار، وقيل : اثنا عشر ألفاً، وقيل : أربعون ألفاً، وقيل : ستون ألفاً، وقيل : غير ذلك.
وحب الخيل على ثلاثة أقسام : تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزواً عليها، فهؤلاء يثابون وتارة تربط فخراً ونِواء لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر. وتارة للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر، كما سيأتي الحديث بذلك إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى :﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية، وأما المسوّمة : فعن ابن عباس رضي الله عنهما المسومة الراعية، والمطهمة الحسان، وقال مكحول : المسومة الغرة والتحجيل، وقيل : غير ذلك. وقوله تعالى :﴿والأنعام﴾ يعني الإبل والبقر والغنم، ﴿والحرث﴾ يعني الارض المتخذة للغراس والزراعة. وقال الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة عن النبي ﷺ قال :« خير مال امرىء له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة » المأمورة الكثيرة النسل، والسكة النخل المصطف، والمأبورة الملقحة.
ثم قال تعالى :﴿ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ أي إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة، ﴿والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب﴾ أي حسن المرجع والثواب، قال عمر بن الخطاب : لما نزلت ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات﴾ قلت : الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت :﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم لِلَّذِينَ اتقوا﴾ الآية، ولهذا قال تعالى :﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم﴾ أي قل : يا محمد للناس أؤخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا، من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة؟ ثم أخبر عن ذلك فقال :﴿لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولاً، ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا، ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله﴾ أي يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبداً، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت :« من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ، من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر » وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول : يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال : نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. وقال ابن جرير، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال : سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول : يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود رضي الله عنه، وعن أنس بن مالك قال : كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وعن غالب القطان : قال : أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية :﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم * إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾. ثم قال الأعمش : وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ قالها مراراً. قلت : لقد سمع فيها شيئاً فغدوت إليه فودعته ثم قلت : يا أبا محمد إني سمعتك تردد هذه الآية، قال : أوما بلغك ما فيها؟ قلت : أنا عندك منذ شهر لم تحدثني! قال : والله لا أحدثك بها إلى سنة؛ فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة، قلت : يا أبا محمد قد مضت السنة. قال : حدثني أبو وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :« يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عزّ وجلّ : عبدي عهد إليّ، وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة ».
وقوله تعالى :﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد ﷺ الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ، فمن لقي الله بعد بعثة محمد ﷺ بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال تعالى :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية، وقال في هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل منه عنده في الإسلام :﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعدما قامت عليه الحجة بإرسلا الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال :﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي بغي بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق بتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقاً، ثم قال تعالى :﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله﴾ أي من جحد ما أنزل الله في كتابه ﴿فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه ويعاقبه على مخالفته كتابه.
وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنَّة في غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله تعالى :﴿قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى :﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١]، وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه ﷺ بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم امتثالاً لأمر الله له بذلك، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :« والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار » وقال ﷺ :« بعثت إلى الأحمر والأسود »، وقال :« كان النبي بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل﴾ أي تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاء.
وقوله تعالى :﴿وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ أي تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء :﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة. عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال :« اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ».
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ثم قال تعالى :﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي باتباعكم الرسول ﷺ، يحصل لكم هذا من بركة سفارته، ثم قال تعالى آمراً لكل أحد من خاص وعام :﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول فإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي تخالفوا عن أمره، ﴿فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه، حتى يبايع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسولن بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين﴾ [آل عمران: ٨١] الآية، إن شاء الله تعالى.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقوله تعالى إخباراً عن أم مريم أنها قالت :﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ أي عوذتها بالله عزّ وجلّ من شر الشيطان، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام، فاستجاب الله لها ذلك. عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ :» ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مسه إياه إلا مريم وابنها «، ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم :﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ :» ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم « ثم قرأ رسول الله ﷺ :﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
عن جابر « أن رسول الله ﷺ أقام أياماً لم يطعم طعاماً، حتى شقّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال :» يا بنية هل عندك شيء آكله فإني جائع؟ « قالت : لا والله - بأبي أنت وأمي - فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت : والله لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جمعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً - أو حسيناً - إلى رسول الله ﷺ، فرجع إليها فقالت : بأبي أن وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك، قال :» هلمي يا بنية «، قالت : فأتيته بالجفنة فكشفت عنها فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليها بهتُ وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصليت على نبيّه، وقدمته إلى رسول الله ﷺ فلما رآه حمد الله، وقال :» من أين لك هذا يا بنية «؟ قالت : يا أبت ﴿هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فحمد الله، وقال :» الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً وسئلت عنه قالت : هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب «
وقوله تعالى :﴿وَسَيِّداً﴾ قال أبو العالية حليماً وقال قتادة : سيداً في العلم والعبادة، وقال ابن عباس : السيد الحليم التقي، وقال ابن المسيب : هو الفقيه العالم، وقال عطية : السيد في خُلُقه ودينه، وقال ابن زيد : هو الشريف، وقال مجاهد : هو الكريم على الله عزّ وجلّ.
وقوله تعالى :﴿وَحَصُوراً﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد أنهم قالوا : الذي لا يأتي النساء، وعن أبي العالية والربيع بن أنس : هو الذي لا يولد له ولا ماء له، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا، ثم قرأ سعيد ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾، ثم أخذ شيئاً من الأرض فقال : الحصور من كان ذكره مثل ذا.
وقد قال « القاضي عياض » في كتابه « الشفاء » : اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان ﴿حَصُوراً﴾ ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوباً أو لا ذَكر له، بل قد أنكر هذا حذَّاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا : هذه نقيصة وعيب لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها كأنه حصور عنها، وقيل : مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل : ليست له شهوة في النساء، وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها، إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله عزّ وجلّ كيحيى عليه السلام، ثم هي في حق من قدر عليها - وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه - درجة عليا، وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن، وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن، بل قد صرح أنها ليست من حظوط دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره فقال :« حبب إليّ من دنياكم ».
قوله تعالى :﴿وَنَبِيّاً مِّنَ الصالحين﴾، هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، كقوله لأم موسى :﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ [القصص: ٧]. فلما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة، أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر، ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر وامرأتي عَاقِرٌ قَالَ﴾ : أي الملك، ﴿كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر، ﴿قَالَ رَبِّ اجعل لي آيَةً﴾ أي علامة أستدل بها على وجود الولد مني، ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ أي إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح، كما في قوله :﴿ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾، ثم أمره بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحا، فقال تعالى :﴿واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بالعشي والإبكار﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وفي البخاري :« كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام » ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع الركوع والسجود، والدأب في العمل لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره الله وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدراين، بما أظهر الله فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولداً من غير أب، فقال تعالى :﴿يامريم اقنتي لِرَبِّكِ واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ أما القنوت فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى :﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] وقال مجاهد : كانت مريم عليها السلام تقوم حتى تتورم كعباها، والقنوت هو طول الركوع في الصلاة، يعني امتثالاً لقول الله تعالى :﴿يامريم اقنتي لِرَبِّكِ﴾ قال الحسن : يعني اعبدي لربك ﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ أي كوني منهم : ثم قال لرسوله بعدما أطلعه على جلية الأمر :﴿ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ أي نقصه عليك، ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي ما كنت عندهم يا محمد، فتخبرهم عن معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك، كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم، حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها وذلك رغبتهم في الأجر.
قال ابن جرير عن عكرمة : ثم خرجت أم مريم بها، يعني بمريم في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى عليهما السلام - وهم يومئذٍ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة - فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة فإني حررتها، وهي أنثى ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي فقالوا : هذه ابنة إمامنا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة - وصاحب قرباننا فقال زكريا : ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فقالوا : لا تطيب أنفسنا هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها. وقد ذكر عكرمة والسدي وقتادة أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك إلى ان يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت في جرية الماء فهو كافلها فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت، ويقال : إنه ذهب صاعداً يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيّهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿عِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ نسبة إلى أمه حيث لا أب له، ﴿وَجِيهاً فِي الدنيا والآخرة وَمِنَ المقربين﴾ أي له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله :﴿وَيُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً﴾ أي يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه :﴿وَمِنَ الصالحين﴾ أي في قوله وعمله له علم صحيح وعمل صالح. وقال ابن ابي حاتم : عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال :« لم يتكلم في المهد إلا ثلاث، عيسى وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر » فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله عزّ وجلّ، قالت في مناجاتها :﴿رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ؟ تقول : كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغياً حاشا لله! فقال لها الملك عن الله عزّ وجلّ في جواب ذلك السؤال ﴿كَذَلِكَ الله يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ أي هكذا أمرُ الله عظيم لا يعجزه شيء، وصرح هاهنا بقوله :﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾، ولم يقل يفعل كما في قصة زكريا، بل نص هاهنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ذلك بقوله :﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي فلا يتأخر شيئاً، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة كقوله : و ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ [القمر: ٥٠] أي إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح البصر.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغد، ﴿إِنَّ فِي ذلك﴾ أي في ذلك كله، ﴿لآيَةً لَّكُمْ﴾ أي على صدقي فيما جئتكم به، ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة﴾ أي مقرراً لها ومثبتاً، ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال : لم ينسخ منها شيئاً، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه، كما قال في الآية الأخرى :﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] والله أعلم. ثم قال :﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم، ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ * إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ أي أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ قال : مع أمة محمد ﷺ، وهذا إسناد جيد، ثم قال تعالى مخبراً عن ملأ بني إسرائيل، فيما هموا به من الفتك بعيسى عليه السلام، وإرادته بالسوء والصلب، حين تمالؤا عليه ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان - وكان كافراً - أن هنا رجلاً يضل الناس، ويصدهم عن طاعة الملك، ويفسد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك، مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زنية، حتى استثاروا غضب الملك بعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به تجاه الله تعالى من بينهم، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل ﴿عيسى﴾ فأخذوه وأهانوه وصلبوه ووضعوا على رأسه الشوك، وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجّى نبيه ورفعه من بين أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعناداً للحق ملازماً لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد، ولهذا قال تعالى :﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له :( قسطنطين ) فدخل في دين النصرانية قيل : حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل : جهلاً منه، إلا أنه بدَّل لهم دين المسيح وحرَّفه وزاد فيه نقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح ( دين قسطنطين ). إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثنتي عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه طائفة الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيده الله عليهم لأنه أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفاراً عليهم لعائن الله، فلما بعث الله محمداً ﷺ فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، فكانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ قد صدقوا النبي الأمي العربي خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته مما قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك لكان قد نسخ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمداً ﷺ من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائماً منصوراً ظاهراً على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيّهم عن ربهم عزّ وجلّ في قوله :
وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ويستفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جداً لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءاً مفرداً، ولهذا قال تعالى :﴿وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ إلى يَوْمِ القيامة ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا والآخرة وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾، وكذلك فعل بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه أو أطراه من النصارى، عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤]، ﴿وَأَمَّا الذين آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿والله لاَ يُحِبُّ الظالمين﴾.
ثم قال تعالى :﴿ذلك نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ والذكر الحكيم﴾ أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، هو مما قاله تعالى وأوحاه إليك، ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم :﴿ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الحق الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ * مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [ الآية : ٣٤-٣٥ ] وهاهنا قال تعالى :﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ...﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله ﷺ :« أسلما »، قال : قد أسلمنا. قال « إنكما لم تسلما فأسلما » قالا : بلى، قد أسلمنا قبلك، قال :« كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير » قالا : فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة ( آل عمران ) إلى بضع وثمانين آية منها. ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها إلى أن قال : فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك، فقالوا : يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، ثم انصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا : يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للإستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا النبي ﷺ، فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفانا فيها في أموالنا فإنكم عندنا رضا، فقال رسول الله ﷺ :« ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين »، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذٍ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجِّراً فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه وشماله فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، فقال :« اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه »
وقال البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال :« جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل فوالله لئن كان نبياً فلاعَنَّاه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال :» لأبعثن معكم رجلاً أميناً، حق أمين « فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال :» قم يا أبا عبيدة بن الجراح «، فلما قام قال رسول الله ﷺ :» هذا أمين هذه الأمة « وفي الحديث عن ابن عباس » قال قال أبو جهل قبّحه الله : إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته. قال فقال :« لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً » «.
والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع لأن الزهري قال : كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله ﷺ، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى :﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] الآية. وقال أبو بكر بن مردويه، عن جابر :» قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال : فغدا رسول الله ﷺ فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال : فقال رسول الله ﷺ :« والذي بعثني بالحق لو قالا : لا لأمطر عليهم الوادي ناراً » قال جابر : وفيهم نزلت :﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾.
ثم قال تعالى :﴿إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق﴾ أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد، ﴿وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم * فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي عن هذا إلى غيره، ﴿فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين﴾ أي من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد، والله عليم به وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده، ونعوذ به من حلول نقمته.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
« بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين و ﴿ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ».
ثم قال تعالى :﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ أي متحنفاً عن الشرك قاصداً إلى الإيمان، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾، وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة :﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ﴾ [ الآية : ١٣٥ ] الآية ثم قال تعالى :﴿إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه وهذا النبي والذين آمَنُواْ والله وَلِيُّ المؤمنين﴾، يقول تعالى : أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه ﴿وهذا النبي﴾ يعني محمداً ﷺ والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم. عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :« إن لكل نبي ولاية من النبيين وإن وليي منهم - أبي وخليل ربي عزّ وجلّ - ابراهيم عليه السلام »، ثم قرأ :﴿إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه وهذا النبي والذين آمَنُواْ﴾ الآية، وقوله :﴿والله وَلِيُّ المؤمنين﴾ أي ولي جميع المؤمنين برسله.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم، قال الله تعالى :﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان، بما ينزله على عبده ورسوله ﷺ من الآيات البينات، والدلائل القاطعات والحجج الواضحات، وإن كتمتم أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد النبي الأمي، في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين. وقوله :﴿أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ يقولون لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلموه منكم، ويساوونكم فيه، يمتازون به عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجوكم به عند ربكم، أي يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم فتقوم به عليكم الدلالة وترتكب الحجة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى :﴿قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي الأمور كلها تحت تصرفه وهو المعطي المانع، يمنُّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصرف التام، ويضل من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة البالغة ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، أي اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يُحدُّ ولا يُوصف، بما شرف به نبيكم محمداً ﷺ على سائر الأنبياء، وهداكم به إلى أكمل الشرائع.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
الحديث الأول : عن أبي ذر قال : قال رسول الله ﷺ :« » ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم « قلت : يا رسول الله من هم؟ خسروا وخابوا، قال : وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات قال :» المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان « ».
الحديث الثاني : عن عدي بن عميرة الكِندي قال :« خاصم رجل من كِنْدة يُقال له امرؤ القيس بن عامر رجلاً من حضرموت إلى رسول الله ﷺ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبيّنة فلم يكن له بيّنة، فقضى على امرىء القيس باليمين، فقال الحضرمي : أمكنته من اليمين يا رسول الله؟ ذهبت ورب الكعبة أرضي، فقال النبي ﷺ :» من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله عزّ وجلّ وهو عليه غضبان «، وتلا رسول الله ﷺ :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾، فقال امرؤ القيس : ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال :» الجنة « قال : فاشهد أني قد تركتها له كلها ».
الحديث الثالث : عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ :« من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان »، قال : فجاء الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه فقال : كان في هذا الحديث، « خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله ﷺ في بئر كانت لي في يده فجحدني، فقال رسول الله ﷺ :» بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه «، قال : قلت : يا رسول الله ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر، فقال رسول الله ﷺ :» من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان «، قال : وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ »
الحديث الرابع : قال أحمد، عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال :« » إن لله تعالى عباداً لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم «، قيل :» ومن أولئك يا رسول الله؟ قال :« متبرىء من والديه راغب عنهما، ومتبرىء من ولده، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم » «.
الحديث الخامس : عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رجلاً أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت هذه الآية :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الآية.
الحديث السادس : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :» ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده ورجل حلف على سلعة - بعد العصر - يعني كاذباً، ورجل بايع إماماً فإن أعطاه وفى له وإن لم يعطه لم يف له «.
فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين الله وبين خلقه، في أداء ما حملوه من الرسالة، وإبلاغ الأمانة فقاموا بذلك أتم القيام ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وقوله تعالى :﴿ولكن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي ولكن يقول الرسول للناس : كونوا ربانيين، قال ابن عباس : أي حكماء علماء حلماء، وقال الحسن : فقهاء، وعن الحسن أيضاً : يعني أهل عبادة وأهل تقوى، وقال الضحاك في قوله :﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً، تَعْلمون : أي تفهمون معناه، وقرىء تعلّمون بالتشديد من التعليم، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تحفظون ألفاظه، ثم قال الله تعالى :﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَاباً﴾ أي ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، ﴿أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ ؟ أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله ومن دعا إلى عبادة غير الله، فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال :﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ؟ وقال إخباراً عن الملائكة :﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين﴾ [الأنبياء: ٢٩].
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
حديث آخر : وعن جابر قال رسول الله ﷺ :« لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بح، وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني » وفي بعض الأحاديث :« لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي » فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد، لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الربّ جلّ جلاله لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلاّ له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصوص به، صلوات الله وسلامه عليه.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ثم قال تعالى :﴿قُلْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني القرآن، ﴿وَمَآ أُنزِلَ على إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي من الصحف والوحي، ﴿والأسباط﴾ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - وهو يعقوب - الاثني عشر، ﴿وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى﴾ يعني بذلك التوراة والإنجيل، ﴿والنبيون مِن رَّبِّهِمْ﴾ وهذا يعم جميع الأنبياء جملة، ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ يعني بل نؤمن بجميعهم، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله.
ثم قال تعالى :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية. أي من سلك طريقاً سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه، ﴿وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح :« من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ثم قال تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَباً وَلَوِ افتدى بِهِ﴾، أي من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبداً، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهباً فيما يراه قربة، كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جدعان - وكان يقري الضيف ويفك العاني ويطعم الطعام - هل ينفعه ذلك؟ فقال :« لا! إنه لم يقل يوماً من الدهر : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين »، وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضاً ذهباً ما قبل منه كما قال تعالى :﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقال :﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]، وقال :﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦]، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهباً، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها. عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال :« يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال فيقول : نعم، فيقول الله : قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك ».
طريق آخر : وقال الإمام أحمد، عن أنس قال قال رسول الله ﷺ :« يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له : يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول : أي رب خير منزل، فيقول : سل وتمن، فيقول : ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار، لما يرى من فضل الشهادة، ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له : يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول : يا رب شر منزل، فيقول له : أتفتدي مني بطلاع الأرض ذهباً؟ فيقول : أي رب نعم، فيقول : كذبت قد سألتك أقل من ذلك وايسر فلم تفعل فيرد إلى النار »، ولهذا قال :﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقال ابن جريج، عن ابن عباس : كان إسرائيل عليه السلام - وهو يعقوب - يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عَرْقاً، ولا يأكل ولد ما له عَرْق، فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استناباً به واقتداء بطريقه، وقوله :﴿مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة﴾ أي حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، ﴿قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنها ناطقة بما قلناه، ﴿فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب مِن بَعْدِ ذَلِكَ فأولئك هُمُ الظالمون﴾ أي فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائماً، وأنه لم يبعث نبياً آخر يدعوا إلى الله تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرنا ﴿فأولئك هُمُ الظالمون﴾، ثم قال تعالى :﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ أي قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، ﴿فاتبعوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ أي اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى :
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل : سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها، وقيل : لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون، قال قتادة : إن الله بَكَّ به الناس جميعاً، فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها، وقال شعبة عن إبراهيم : بكة البيت والمسجد، وقال عكرمة : البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة، وقال مقاتل بن حيان : بكة موضع البيت وما سوى ذلك مكة. وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة ( مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، وأم القرى، والقادس لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والحاطمة، والرأس، والبلدة، والبنية، والكعبة ).
وقوله تعالى :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظمه وشرفه، ثم قال تعالى :﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقاً بجدار البيت حتى أخَّره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال :﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة، وقال ابن عباس في قوله :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي فمنهم مقام إبراهيم والمشاعر، وقال مجاهد : أثر قدميه في المقام آية بينة، وقال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة :
| وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة | على قدميه حافياً غير ناعل |
ففي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة :« لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا »، وقال يوم فتح مكة :« » إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة : لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها «، فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال :» إلا الإذخر « وعن أبي شريح العدوي أنه قال : لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة ائذن لي ايها الأمير أن أحدثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به : إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال :» إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له : إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الغائب «، فقيل لأبي شريح : ما قال لك عمرو؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فارا بخربة. وعن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :» لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة «
وقوله تعالى :﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ هذه أول آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل بل هي قوله :﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والأول أظهر، وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعاً ضرورياً، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع، لحديث أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله ﷺ فقال :« » أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا «، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ :» لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم «، ثم قال :» ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه « وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله ﷺ فقال :» « أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج »، فقام الأقرع بن حابس فقال : يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال :« لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع » «.
وأما الاستطاعة فأقسام : تارة يكون الشخص مستطيعاً بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :» قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال : من الحاج يا رسول الله؟ قال :« الشعث التفل »، فقام آخر فقال : أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال :« العج والثج »، فقام آخر فقال : ما السبيل يا رسول الله، قال :« الزاد والراحلة » وعن أنَس « أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله تعالىّ :﴿مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فقيل : ما السبيل؟ قال :» الزاد والراحلة « وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ :» تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له « وقال رسول الله ﷺ :» من أراد الحج فليتعجل « وروى وكيع بن الجراح عن ابن عباس قال :﴿مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال :» الزاد والبعير «.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
روى الإمام أحمد عن مجاهد : أن الناس كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس معه محجن، فقال : قال رسول الله ﷺ :« يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ولو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم »
وقال الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله ﷺ :« من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه » وفي الحديث الصحيح عن جابر قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عزّ وجلّ » وعن أنَس قال :« كان رجل من الأنصار مريضاً فجاءه النبي ﷺ يعوده فوافقه في السوق فسلم عليه، فقال له :» كيف أنت يا فلان «؟ قال بخير يا رسول الله أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ :» لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف « ».
وقوله تعالى :﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ قيل :﴿بِحَبْلِ الله﴾ أي بعهد الله كما قال في الآية بعدها :﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس﴾
وروى ابن مردويه عن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :« إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه ».
وقوله تعالى :﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :« إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً : يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاَّه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثاً : قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ».
وقوله تعالى :﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن، وإحن، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم صاروا إخواناً متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله؛ متعاونين على البر والتقوى. قال الله تعالى :﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢-٦٣] إلى آخر الآية. وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان. وقد امتن عليهم بذلك رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم، بما فضَّل عليهم في القسمة بما أراده الله، فخطبهم فقال :« يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي!! وكنتم متفرقين فألفكم الله بي! وعالة فأغناكم الله بي!؟ » فكلما قال شيئاً قالوا : الله ورسوله أمنُّ.
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره : أن هذه الآية نزلت في شأن ( الأوس والخزرج )، وذلك أن رجلاً من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الإتفاق والألفة، فبعث رجلاً معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا ونادوا بشعارهم، وطلبو أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول :« أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهرركم؟ » وتلا عليهم هذه الآية فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح رضي الله عنهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وروى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال :« والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم »، ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ البينات﴾ الآية. ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين، في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم.
روى الإمام أحمد عن أبي عامر ( عبد الله بن يحيى ) قال : حججنا مع ( معاوية بن أبي سفيان )، فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال : إن رسول الله ﷺ قال :« إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة - وهي الجماعة - وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به ».
وقوله تعالى :﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ؟ قال الحسن البصري : وهم المنافقون، ﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وهذا الوصف يعم كل كافر، ﴿وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني الجنة ماكثون فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً.
ثم قال تعالى :﴿تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها عليك يا محمد ﴿بالحق﴾ أي نكشف ما الأمر عليه من الدنيا والآخرة، ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي ليس بظالم لهم، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور، لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحداً من خلقه، ولهذا قال تعالى :﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي الجميع ملك له وعبيد له، ﴿وإلى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وفي مسند أحمد وجامع الترمذي من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه قال : قال رسول الله ﷺ :« أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عزّ وجلّ » وهو حديث مشهور، وقد حسنَّه الترمذي، وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات، بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، وفي الحديث :« وجعلت أمتي خير الأمم ».
وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها هاهنا : عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :« أعطيت سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً »، فقال أبو بكر رضي الله عنه : فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب من حافات البوادي.
حديث آخر : قال الإمام أحمد، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال النبي ﷺ :« عرضت عليّ الأمم بالموسم فراثت عليّ أمتي، ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم، قد ملؤا السهل والجبل، فقال : أرضيت يا محمد؟ فقلت : نعم! قال : فإن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون »، فقام عكاشة بن محصن فقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال :« أنت منهم »، فقام رجل آخر فقال : أدع الله أن يجعلني منهم، فقال :« سبقك بها عكاشة » «.
حديث آخر : ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة حدثه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« » يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر «، قال أبو هريرة : فقام عكاشة بن حصين الأسدي يرفع نمرة عليه، فقال : يا رسول الله : ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ :» اللهم اجعله منهم «، ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله، فقال :» سبقك بها عكاشة « ».
حديث آخر : عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال :« » عرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي؛ فقيل لي هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي : انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم، فقيل لي : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب «، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ، وقال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال :» ما الذي تخوضون فيه؟ « فأخبروه، فقال :» هم الذي لا يرقون ولا يستقرون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون «، فقام عكاشة بن محصن فقال : ادع الله أن يجعلني منهم، قال :» أنت منهم «، ثم قام رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم، قال :» سبقك بها عكاشة « ».
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن عاصم في كتاب السنن، عن محمد بن زياد : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي عزّ وجلّ ».
حديث آخر : قال الإمام أحمد : عن عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال : أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالكديد - أو قال بقديد - فذكر حديثاً وفيه ثم قال :« وعدني ربي عزّ وجلّ أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب، وإني لأرجوا أن لا يدخلوها حتى تبوؤا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة »، قال الضياء : وهذا عندي على شرط مسلم.
حديث آخر : قال عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن قتادة عن النضر بن أنَس عن أنَس قال :« قال رسول الله ﷺ :» إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف «، قال أبو بكر رضي الله عنه. زدنا يا رسول الله، قال :» والله هكذا «، قال عمر : حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر : دعني وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا. قال عمر : إن الله إن شاء أدخل خلقه الجنة بكف واحد، فقال النبي ﷺ :» صدق عمر « هذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به عبد الرزاق. قال الضياء : وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني عن قتادة عن أنَس عن النبي ﷺ قال :» « وعدني ربي ان يدخل الجنة من أمتي مائة ألف »، فقال له أبو بكر : يا رسول الله زدنا، قال :« وهكذا »، وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قلت : يا رسول الله زدنا، فقال عمر : إن الله قادر على أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة، فقال رسول الله ﷺ :« صدق عمر »، هذا حديث غريب من هذا الوجه.
حديث آخر : عن أنَس عن النبي ﷺ قال :« » يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً «، قالوا : زدنا يا رسول الله، قال :» لكل رجل سبعون ألفاً «، قالوا : زدنا، وكان على كثيب، فقالوا : فقال :» هكذا « وحثا بيديه، قالوا : يا رسول الله : أَبْعد اللَّهُ من دخل النار بعد هذا » «.
حديث آخر : قال الإمام أحمد بسنده عن ابن بريدة عن أبيه، أن النبي ﷺ قال :« أهل بالجنة عشرون ومائة صف. هذه الأمة من ذلك ثمانون صفاً ».
حديث آخر : قال الطبراني عن أبي هريرة :« لما نزلت :﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين * وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ [الواقعة: ٣٩-٤٠] قال رسول الله ﷺ :» أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة « ».
حديث آخر : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال :« نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناس لنا في تبع، غداً لليهود، وللنصارى بعد غد ».
فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾، فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا المدح، كما قال قتادة : بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها رأى من الناس دَعَة، فقرأ هذه الآية :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ثم قال :( من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها )، رواه ابن جرير، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى :﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] الآية، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى :﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب﴾ أي بما أنزل على محمد، ﴿لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ أي قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.
ثم قال تعالى مخبراً عباده المؤمنين ومبشراً لهم : أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين فقال تعالى :﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾، هكذا وقع فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة ( بني قينقاع ) وبني النضير وبني قريظة كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك، ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ثم قال تعالى : مخبراً عن الكفرة المشركين بأنه ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ الله شَيْئاً﴾ أي لا ترد عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم، ﴿وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، ثم ضرب مثلاً لا ينفقه الكفار في هذه الدار فقال :﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي برد شديد قاله ابن عباس، وقال عطاء : برد وجليد :﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ أي نار وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد ولا سيما الجليد يحرق الزروع والثمار كما يحرق الشيء بالنار، ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي فأحرقته يعني بذلك الصعقة إذا نزلت على حرث قد آن جذاذه أو حصاده فدمرته، وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه، فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا كما يذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه، وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقال ابن أبي حاتم : قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن هاهنا غلاماً من أهل الحيرة حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتباً! فقال : قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى :﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي تمنوا وقوعكم في المشقة.
ثم قال تعالى :﴿قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى :﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله تعالى :﴿هَآأَنْتُمْ أولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرون لكم من الإيمان فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطناً ولا ظاهراً، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ﴾ أي ليس عندكم من شيء منه شك ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة، عن ابن عباس :﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ﴾ أي بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ والأنامل أطراف الأصابع، قاله قتادة.
وقال الشاعر :
وما حملت كفاي أنملي العشرا... وقال ابن مسعود والسدي : الأنامل الأصابع، وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه كما قال تعالى :﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ وذلك أشد الغيظ والحنق، قال الله تعالى :﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعل كلمته ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم، ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها.
ثم شرع تعالى في ذكر قصة أُحُد وما كان فيها من الإختبار لعباده المؤمنين، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وبيان الصابرين فقال تعالى :﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ...﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وتهيأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه، وأمَّر على الرماة ( عبد الله بن جبير ) أخا بني عمرو ابن عوف، والرماة يومئذ خمسون رجلاً فقال لهم :« انضحوا الخيل عنا ولا تؤتين من قبلكم، والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم »، وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، وأعطى اللواء ( مصعب بن عمير ) أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله ﷺ بعض الغلمان يومئذٍ وأخر آخرين حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين، وتهيأ قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائة فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل ( خالد بن الوليد ) وعلى الميسرة ( عكرمة بن أبي جهل )، ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقوله تعالى :﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ الآية. قال البخاري، قال عمر : سمعت جابر بن عبد الله يقول : فينا نزلت :﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ الآية قال : نحن الطائفتان ( بنو حارثة ) و ( بنو سلمة )، وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى :﴿والله وَلِيُّهُمَا﴾.
وقوله تعالى :﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ﴾ أي يوم بدر، وكان يوم الجمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله وحزبه، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فيهم فارسان وسبعون بعيراً والباقون مشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدوّ يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة، والخيول المسوَّمة والحلي الزائد. فأعز الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيّض وجه النبي وقبيله وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتناً على عباده المؤمنين وحزبه المتقين، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي قليل عددكم لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العَدَد والعُدَد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى :﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً﴾ [التوبة: ٢٥]. وقال الإمام أحمد، عن سماك قال : سمعت عياضاً الأشعري، قال : شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء. وقال عمر : إذا كان قتالاً فعليكم أبو عبيدة، قال : فكتبنا إليه أنه قد جأش إلينا الموت واستمددناه، فكتب إلينا إنه قد جائني كتابكم تستمدونني وإني أدلكم على من هو أعز نصراً، وأحصن جنداً، الله عزّ وجلّ فاستنصروه، فإن محمداً ﷺ قد نصر في يوم بدر في أقل من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني. قال : فقاتلناهم فهزمناهم أربع فراسخ، قال : وأصبنا أموالاً فتشاورنا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة. و ( بدر ) محلة بين مكة والمدينة تعرف ببئرها منسوبة إلى رجل حفرها يقال له ( بدر بن النارين ) قال الشعبي : بدر بئر لرجل يسمى بدراً، وقوله :﴿فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي تقومون بطاعته.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
( القول الثاني ) : إن هذا الوعد متعلق بقوله :﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وذلك يوم أُحُد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك، لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف لأن المسلمين فروا يومئذٍ، وقوله تعالى :﴿بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ يعني تصبروا على مصابرة عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري، وقوله تعالى :﴿وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا﴾، قال الحسن وقتادة : أي من وجههم هذا، وقال مجاهد وعكرمة : أي من غضبهم هذا. وقال ابن عباس : من سفرهم هذا، ويقال : من غضبهم هذا، وقوله تعالى :﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ﴾ أي معلمين بالسيما. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضاً في نواصي خيولهم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الآية ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال : بالعهن الأحمر، وقال ابن عباس رضي الله عنه : أتت الملائكة محمداً ﷺ مسوّمين بالصوف فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف، وقال قتادة وعكرمة :﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي بسيما القتال. وعن ابن عباس قال : كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عدداً ومدداً لا يضربون. وقوله تعالى :﴿وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييباً لقلوبكم وتطميناً، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال :
ثم قال تعالى :﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا﴾ أي أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين، فقال :﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً﴾ أي ليهلك أمة ﴿مِّنَ الذين كفروا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ﴾ أي يرجعوا ﴿خَآئِبِينَ﴾، أي لم يحصلوا على ما أملوا، ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له فقال تعالى :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾، أي بل الأمر كله إليّ، كما قال تعالى :﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠]، وقال :﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقال :﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقال محمد بن إسحاق في قوله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم. ثم ذكر بقية الأقسام فقال :﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال :﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي يستحقون ذلك، قال البخاري : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله ﷺ يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم حتى أنزل الله تعالى :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ الآية. وقال البخاري أيضاً، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعوا على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع وربما قال : إذا قال :« سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد : اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف » يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر :« اللهم العن فلاناً وفلاناً » لأحياء من أحياء العرب حتى أنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ الآية.
وقال الإمام أحمد : عن أنَس رضي الله عنه أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أُحُد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال :« كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عزّ وجلّ » فأنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
وقال ابن جرير : عن قتادة قال : أصيب النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول :« كيف بقوم فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ؟ » فأنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ الآية.
ثم قال تعالى :﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ الآية، أي الجميع ملك له وأهلهما عبيد بين يديه، ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ أي هو المتصرف فلا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وهذا يحتمل معنيين، أحدهما : أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث شاء الله عزّ وجلّ، وهذا أظهر، والثاني : أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السماوات تحت العرش وعرضها، كما قال الله عزّ وجلّ :﴿عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السماوات والأرض وبين وجود النار، والله أعلم.
ثم ذكر تعالى صفةَ أهل الجنة فقال :﴿الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ والضرآء﴾ أي في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال :﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤]، والمعنى : أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر، وقوله تعالى :﴿والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس﴾، أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم، وقد ورد في بعض الآثار :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال :« ليس الشديد بالصُرَعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » وقال الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :« » أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله «، قالوا : يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال :» اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالَكَ من مالِكَ إلا ما قدمت، وما لوارثك إلا ما أخرت « قال : وقال رسول الله ﷺ :» ما تعدون الصرعة فيكم! قلنا الذي لا تصرعه الرجال، قال :« لا، ولكن الذي يملك نفسه عن الغضب »، قال : وقال رسول الله ﷺ :« أتدرون ما الرقوب » قلنا الذي لا ولد له، قال :« لا، ولكن الرقوب الذي لا يقدم من ولده شيئاً » «.
حديث آخر : قال الإمام أحمد، عن سهل بن معاذ بن أنَس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال :» من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء «.
حديث آخر : عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى :﴿والكاظمين الغيظ﴾ أن النبي ﷺ قال :» من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله جوفه أمناً وإيماناً «.
فقوله تعالى :﴿والكاظمين الغيظ﴾ أي لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم ويحتسبون ذلك عند الله عزّ وجلّ، ثم قال تعالى :﴿والعافين عَنِ الناس﴾ أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال ولهذا قال :﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ فهذا من مقامات الإحسان. وفي الحديث :» ثلاث أقسم عليهن، ما نقص مال من صدقة وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله « وروى الحاكم في مستدركه، عن أُبيّ بن كعب، أن رسول الله ﷺ قال :» ومن سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعطِ من حرمه، ويصلْ من قطعه « وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ :» إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ يقول : أين العافون عن الناس، هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحق على كل امرىء مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة «.
وعن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال :« عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال : أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلم رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون » وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال :« قال إبليس : يا رب وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله تعالى : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿وَيَمْحَقَ الكافرين﴾ أي فإنهم إذا ظفروا بغواً وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، ثم قال تعالى :﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين﴾، أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة :﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ﴾ [ الآية : ٢١٤ ]. وقال تعالى :﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] الآية، ولهذا قال هاهنا :﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين﴾ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء.
وقوله تعالى :﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ أي قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتحترقون عليه وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال :« لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف »، ولهذا قال تعالى :﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني الموت شاهدتموه وقت حد الأسنة واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال، والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل، وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس، كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة الذئب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمَّم رسول الله ﷺ وهو مغطى بثوب حبرة : فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبّله وبكى، ثم قال : بأبي أن وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين : أما الموتة التي كتب عليك فقد متها، وروى الزهري : عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال : اجلس يا عمر، قال أبو بكر : أما بعد من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى :﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾ إلى قوله ﴿وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾، قال : فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها. وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرقت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض.
وقوله تعالى :﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي من كان عمله للدنيا فقط ناله منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها وما قسم له في الدنيا كما قال تعالى :﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقال تعالى :﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ [الإسراء: ١٨-١٩] ولهذا قال هاهنا :﴿وَسَنَجْزِي الشاكرين﴾ أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم. ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد، ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قيل معناه : كم من نبي قتل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير، وهذا القول هو اختيار ابن جرير. وقد عاتب الله بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمداً قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال فقال لهم :﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾، أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم و ﴿انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ﴾ وقيل : وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
عن ابن مسعود قال : إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر، أنه ليس منا أحد يريد الدنيا حتى أنزل الله :﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾، فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ وعصوا ما أمروا به أفرد النبي ﷺ في تسعة، سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وهو عاشرهم ﷺ، فلما أرهقوه قال :
وقال البخاري عن البراء قال :» لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي ﷺ حبشاً من الرماة وأمر عليهم ( عبد الله ابن جبير )، وقال :« لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ». فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن. وقد بدل خلاخلهن فأخذوا يقولون : الغنيمة الغنيمة، فقال عبد الله بن جبير : عهد إليَّ النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلاً، فأشرف أبو سفيان فقال : أفي القوم محمد، فقال :« لا تجيبوه »، فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال :« لا تجيبوه »، فقال أفي القوم ابن الخطاب، فقال : إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال له : كذبت يا عدو الله، أبقى الله لك ما يحزنك؛ قال أبو سفيان : اعل هبل فقال النبي ﷺ :« أجيبوه »، قالوا : ما نقول؟ قال :« قولوا : الله أعلى وأجل »، قال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبي ﷺ :« أجيبوه »، قالوا : ما نقول؟ قال :« قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم »، قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر، والحرب سجال؛ وستجدون مُثْلة لم آمر بها ولم تسؤني «
وقوله تعالى :﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قال ابن إسحاق : انتهى أنَس بن النضر عم أنَس بن مالك إلى ( عمر بن الخطاب ) و ( طلحة بن عبد الله ) في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال : ما يخليكم؟ فقالوا : قتل رسول الله ﷺ، قال : فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه؛ ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه - وقال البخاري عن أنَس بن مالك أن عمه يعني ( أنَس بن النضر ) غاب عن بدر فقال : غبت عن أول قتال النبي ﷺ لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ ليَرينَّ الله ما أجد، فلقي يوم أحد فهزم الناس، فقال اللهم إن أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون؛ فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال : أين يا سعد إني أجد ريحح الجنة دون أحد، فمضى فقتل فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم.
وقوله تعالى :﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ﴾ أي صرفكم عنهم إذ تصعدون أي في الجبال هاربين من أعدائكم، ﴿وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ﴾ أي وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب، ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ﴾ أي وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة، قال السدي : لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها، فجعل الرسول ﷺ يدعو الناس :
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال :« جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلاً - ( عبد الله بن جبير ) قال : ووضعهم موضعاً، وقال :» إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم «، قال، فهزموهم، قال : فلقد والله رأيت النساء يشتددن على جبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله : الغنيمة أي قوم الغنيمة! ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ قال عبد الله بن جبير : أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا : إنا لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً فأصابوا منا سبعين. وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً. قال أبو سفيان : أفي القوم محمد أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ ثلاثاً - قال فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب، أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه، فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا وكفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال : كذبت والله يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد أبقى الله لك ما يسوؤك، فقال : يوم بيوم بدر، والحرب سجال. إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز يقول : اعل هبل، فقال رسول الله ﷺ :» ألا تجيبوه «؟ قالوا : يا رسول الله ما نقول؟ قال :» قولوا الله أعلى وأجل «، قال : لنا العزى ولا عزى لكم، قال رسول الله ﷺ :» ألا تجيبوه؟ « قالوا : يا رسول الله وما نقول؟ قال :» قولوا مولانا ولا مولى لكم « ».
وقد روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال : رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ يعني يوم أحد، وفي الصحيحين، عن أبي عثمان النهدي قال : لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ إلا طلحة بن عبيد الله وسعد عن حديثهما.
وثبت في الصحيحين من حديث ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال :« رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام، وعن أنَس بن مالك : أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار واثنين من قريش، فلما أرهقوه قال :» من يردهم عنا وله الجنة - أو هو رفيقي في الجنة - «، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضاً فقال :» من يردهم عنا وله الجنة « فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه :» ما أنصفنا أصحابنا « وقال أبو الأسود عن عروة ابن الزبير قال :» كان ( أُبيّ بن خلف ) أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ، فلما بلغت رسول الله ﷺ حلفته قال :« بل أنا أقتله إن شاء الله »، فلما كان يوم أُحُد أقبل ( أُبيّ ) في الحديد مقنعاً وهو يقول : لا نجوتُ إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله ( مصعب بن عمير ) أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ بنفسه فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبي بن خلف من فرجه بين سابغة الدرع والبيضة وطعنه فيها بحربته فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له : ما أجزعك إنما هو خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله ﷺ :« بل أنا أقتل أُبيًّا »، ثم قال : والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون «
وذكر محمد بن إسحاق قال :« لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه ( أُبيّ بن خلف ) وهو يقول : لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم : يا رسول الله يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله ﷺ :» دعوه «، فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم كما ذكر لي : فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتقاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انفضَّ، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مراراً ».
وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ :« اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله ﷺ - وهو حينئذ يشير إلى رباعيته - واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله » وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت :« كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال : ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث، قال : كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلاً يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه - وأراه قال حميَّة - فقلت : كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت : يكون رجلاً من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفاً لا أعرفه فإذا هو ( أبو عبيدة بن الجراح ) فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله ﷺ :» عليكما صاحبكما يريد طلحة « وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله قال : وذهبت لأنزع ذلك من وجهه، فقال ( أبو عبيدة ) : أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ، فأزمَّ عليها بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع فقال : أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال، ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، ووقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتماً، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا ( طلحة ) في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه »
وقوله تعالى :﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ﴾ أي فجزاكم غماً على غم، كما تقول العرب : نزلت ببني فلان، نزلت على بني فلان، وقال ابن جرير : وكذا قوله :﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل. قال ابن عباس : الغم الأول بسبب الهزيمة وحين قيل قتل محمد ﷺ، والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ :« اللهم ليس لهم أن يعلونا »، وعن عبد الرحمن بن عوف : الغم الأول بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل : قتل محمد ﷺ كان ذلك عندهم أشد وأعظم من الهزيمة. وقال السدي : الغم الأول بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني بإشراف العدو عليهم. وقال محمد بن إسحاق :﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ﴾ أي كرباً بعد كرب من قتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قتل نبيكم، فكان ذلك متتابعاً عليكم غماً بغم. وقال مجاهد وقتادة : الغم الأول سماعهم قتل محمد، والثاني ما أصابهم من القتل والجراح. وقوله تعالى :﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ﴾ أي على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم ﴿وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ﴾ من الجراح والقتل قاله ابن عباس والسدي ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ سبحانه وبحمده، لا إله إلا هو جل وعلا.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وروينا عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ قال : نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حواري رسول الله ﷺ ووزيريه وأبوي المسلمين، وقد روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر :
وقوله تعالى :﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾، أي إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾، وقوله تعالى :﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الذي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ وهذه الآية كما تقدم من قوله :﴿وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ١٢٦]، ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال :﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾، وقوله تعالى :﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، قال ابن عباس ومجاهد : ما ينبغي لنبي أن يخون، وقال ابن أبي حاتم، عن ابن عباس : فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا : لعل رسول الله ﷺ أخذها فأنزل الله :﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي يخون. وقال ابن جرير، عن ابن عباس، أن هذه الآية :﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس : لعل رسول الله أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله :﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة﴾، وعنه قال : إتهم المنافقون رسول الله ﷺ بشيء فُقد، فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك. ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنّة بالنهي عن ذلك أيضاً في أحاديث متعددة. قال الإمام أحمد عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي ﷺ قال :« أعظم الغلول عند الله ذراع في الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض - أو في الدار - فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً فإذا قطعه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة ».
( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن جبير قال : سمعت المستورد بن شداد يقول، سمعت رسول الله ﷺ يقول :« من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليس له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال ».
( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد :« استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فجاء فقال : هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال :» ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول : هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، وإن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر «، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال :» اللهم هل بلغت «؟ ثلاثاً ».
( حديث آخر ) : قال أبو عيسى الترمذي، عن معاذ بن جبل قال :« بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال :» أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول :﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة﴾ لهذا دعوتك فامض لعملك « ».
( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال :« قام فينا رسول الله ﷺ يوماً فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال :» لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول : يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول : يا رسول الله أغثني، فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول : يا رسول الله أغثني، فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك « أخرجه الشيخان.
وقوله تعالى :﴿أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير﴾ أي لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، ومن استحق غضب الله وألزمه به فلا محيد له عنه ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير، وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن كقوله تعالى :
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقال ابن إسحاق : حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرآناً، بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زماناً، وأنزل الله تعالى :﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وقد قال مسلم في صحيحه، عن مسروق قال : سألنا عبد الله عن هذه الآية :﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فقال : أما إنا قد سالنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال :« أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال : هل تشتهون شيئاً؟ فقالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يا رب نريد أن تردَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ».
( حديث آخر ) : عن أنَس، أن رسول الله ﷺ قال :« ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى مما يرى من فضل الشهادة ».
( حديث آخر ) : عن جابر قال، قال لي رسول الله ﷺ :
( حديث آخر ) : عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ :« لما أصيب إخوانكم يوم أُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عزّ وجلّ : أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآيات :﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وما بعدها ».
( حديث آخر ) : عن طلحة بن خراش الأنصاري قال :« سمعت جابر بن عبد الله قال : نظر إليّ رسول الله ﷺ ذات يوم فقال :» يا جابر مالي أراك مهتماً؟ « قلت : يا رسول الله استشهد أبي وترك ديناً عليه، قال، فقال :» ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحاً « قال علي : والكفاح المواجهة. » قال سلني أعطك قال : أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب عزّ وجلّ إنه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون، قال : أي رب فأبلغ من ورائي فأنزل الله :﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً﴾ الآية « ».
وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثاً فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضاً فيها وتأكل من ثمارها وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة ( أصحاب المذاهب المتبعة ) فإن الإمام أحمد رحمه الله رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، عن مالك بن أنَس الأصبحي رحمه الله، عن الزهري عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ :« نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه » قوله :« يعلق » أي يأكل.
وقوله تعالى :﴿فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله﴾ إلىآخر الآية : أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم، نسأل الله الجنة. وقال محمد بن إسحاق :﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم. قال السدي : يؤتى الشهيد بكتاب فيه يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم إذا قدم. قال سعيد بن جبير : لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا : يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم - أي ربهم - أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشرا بذلك، فذلك قوله :﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنَس في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله ﷺ يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم. قال أنَس : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع :« أن بلِّغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ».
ثم قال تعالى :﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين﴾، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلاً ذكر به الأنبياء وثواباً أعطاهم الله إياه إلا ذكر الله ما أعطى المؤمنين من بعدهم.
وقوله تعالى :﴿الذين استجابوا للَّهِ والرسول مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ القرح﴾ هذا كان يوم ( حمراء الأسد ) وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لا تمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلداً، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه لما سنذكره، فانتدب المسلمون على ما بهم ما الجراح والإثخان طاعة لله عزّ وجلّ ولرسوله ﷺ، وعن عكرمة أنه : لما رجع المشركون عن أحد قالوا : لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغوا ( حمراء الأسد ) فقال المشركون : نرجع من قابل، فرجع رسول الله ﷺ، فكانت تعد غزوة فأنزل الله تعالى :﴿الذين استجابوا للَّهِ والرسول مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ القرح لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
وفي الحديث :« إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل » وقد قال الإمام أحمد، عن عوف ابن مالك أنه حدثهم، « أن النبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر : حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي ﷺ :» ردوا عليّ الرجل « فقال :» ما قلت «؟، قال :» قلت حسبي الله ونعم الوكيل « فقال النبي ﷺ :» إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل : حسبي الله ونعم الوكيل « ».
قال تعالى :﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ أي لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم، ورد عنهم بأس من أراد كيدهم فرجعوا إلى بلدهم :﴿بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ مما أضمر لهم عدوهم، ﴿واتبعوا رِضْوَانَ الله والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. عن ابن عباس في قول الله :﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ﴾، قال ( النعمة ) أنهم سلموا، و ( الفضل ) أن عيراً مرت في أيام الموسم فاشتراها رسول الله ﷺ فربح فيها مالاً فقسمه بين أصحابه. وقال مجاهد في قوله الله تعالى :﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم﴾ قال هذا أبو سفيان قال لمحمد ﷺ موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فقال محمد ﷺ :« عسى »، فانطلق رسول الله ﷺ لموعده حتى نزل بدراً فوافقوا السوق فيها فابتاعوا، فذلك قول الله عزّ وجلّ :﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ الآية، قال : وهي غزوة بدر الصغرى.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ثم قال تعالى :﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب﴾ أي لا بد أن يعقد شيئاً من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوّه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك ( يوم أحد ) الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله ﷺ، وهتك به ستار المنافقين، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ، ولهذا قال تعالى :﴿حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب﴾، قال مجاهد : ميز بينهم يوم أحد، وقال قتادة : ميز بينهم بالجهاد والهجرة، وقال السدي : قالوا : إن كان محمد صادقاً فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر به فأنزل الله تعالى :﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب﴾ أي حتى يخرج المؤمن من الكافر روى ذلك ابن جرير. ثم قال تعالى :﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب﴾ أي أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك، ثم قال تعالى :﴿وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾. كقوله تعالى :﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧] الآية. ثم قال تعالى :﴿فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ أي أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ أي لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه، ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة فقال :﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة﴾، قال رسول الله ﷺ :
( حديث آخر ) : عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال :« إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان ثم يلزمه يطوقه يقول. أنا مالك أنا كنزك ».
( حديث آخر ) : عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال :« ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه يفر منه فيتبعه فيقول : أنا كنزك »، ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله :﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة﴾.
وقال العوفي، عن ابن عباس : نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير، والصحيح الأول وإن دخل هذا في معناه، وقد يقال : إن هذا أولى بالدخول والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله تعالى :﴿وَللَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض﴾ أي ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله عزّ وجلّ. فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي بنياتكم وضمائركم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار﴾، يقول تعالى تكذيباً لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم، أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته فتقبلت منه أن تنزل نار من السماء تأكلها، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، قال الله عزّ وجلّ :﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات﴾ أي بالحجج والبراهين، ﴿وبالذي قُلْتُمْ﴾ أي وبنار تأكل القرابين المتقبلة، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ ؟ أي فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل، ثم قال تعالى مسلياً لنبيّه محمد ﷺ :﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بالبينات والزبر والكتاب المنير﴾ أي لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل، الذين كذبوا مع ما جاءوا به من البينات، وهي الحجج والبراهين القاطعة ﴿والزبر﴾ وهي الكتب المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين ﴿والكتاب المنير﴾ أي والواضح الجلي.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿وَما الحياة الدنيا إِلاَّ مَتَاعُ الغرور﴾ تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة كما قال تعالى :﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا * والآخرة خَيْرٌ وأبقى﴾ [الأعلى: ١٦-١٧] وقال :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ [القصص: ٦٠]، وفي الحديث :« والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع إليه » وقال قتادة : هي متاع متروكة أوشكت - والله الذي لا إله إلا هو - أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى :﴿لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله تعالى :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات﴾ [البقرة: ١٥٥] إلى آخر الآيتين، أي لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً﴾، يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسلياً لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمراً لهم بالصفح والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى :﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور﴾، قال ابن أبي حاتم، عن أسامة بن زيد : كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال تعالى :﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً﴾، قال : وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم.
وكان رسول الله ﷺ، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى :﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً﴾ الآية، وقال تعالى :
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقد روي أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقال له : لئن كان كل امرىء منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعين!! فقال ابن عباس : ما لكم وهذه، وإنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس :﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ الآية، وقال ابن عباس : سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه. وفي رواية عن أبي سعيد الخدري : أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله ﷺ كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ، فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت :﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ الآية.
وقد روى ابن مردويه عن محمد بن ثابت الأنصاري أن ( ثابت بن قيس الأنصاري ) قال : يا رسول الله والله لقد خشيت أن أكون هلكت، قال : لمَ؟ قال : نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال رسول الله ﷺ :
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وعن عيسى عليه السلام أنه قال : طوبى لمن كان قيله تذكراً، وصمته تفكراً، ونظره عبراً. وقال مغيث الأسود : زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها، وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعاً من بين أصحابه. وقال ابن المبارك : مرّ رجل براهب عند مقبرة ومزبلة فناداه فقال : يا راهب إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر : كنز الرجال، وكنز الأموال. وعن ابن عمر : أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين فيقول : أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول :﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وقال بعض الحكماء : من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة. وقال بشر الحافي : لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه، وعن عيسى عليه السلام أنه قال : يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضعيفاً، واتخذ المساجد بيتاً، وعلم عينيك البكاء، وجسدك الصبر وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد.
وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته فقال :﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥-١٠٦]، ومدح عباده المؤمنين :﴿الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾، قائلين :﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ أي ما خلقت هذا الخلق عبثاً، بل بالحق لتجزي الذين أساءوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل، فقالوا :﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي عن أن تخلق شيئاً باطلاً، ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل؛ يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم، ثم قالوا :﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي يوم القيامة لا مجير لهم منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم، ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ أي داعياً يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ، ﴿أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ أي يقول آمنوا بربكم فآمنا أي فاستجبنا له واتبعناه أي بإيماننا واتباعنا نبيك، ﴿رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي استرها، ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فيما بيننا وبينك، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار﴾ أي ألحقنا بالصالحين، ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ﴾ قيل : معناه على الإيمان برسلك، وقيل : معناه على ألسنة رسلك، وهذا أظهر. ﴿وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة﴾ أي على رؤوس الخلائق، ﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد﴾ أي لا بد من الميعاد الذين أخبرت عنه رسلك وهو القيام يوم القيامة بين يديك.
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده فقال البخاري رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله ﷺ مع أهلة ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب﴾ الآيات، ثم قام فتوضأ واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح.
وعن عطاء قال :« انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت : يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا، قال : قول الشاعر ( زر غباً تزدد حباً )، فقال ابن عمر : ذرينا أخبرينا بأعجب ما رأيتيه من رسول الله ﷺ !؟ فبكت وقالت : كل أمره كان عجباً، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي ثم قال » ذريني أتعبد لربي عزّ وجلّ «، قالت، فقلت : والله إني لأحب قربك، وإني أحب أن تعبد ربك، فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى بلّ لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح، قالت، فقال : يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال :» ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب﴾ «، ثم قال :» ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها « ».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيب... عن أم سلمة قالت : يا رسول الله، لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى :﴿فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى﴾ إلى آخر الآية، وقالت الأنصار : هي أول ظعينة قدمت علينا، ومعنى الآية أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا ما سألوا مما تقدم ذكره فاستجاب لهم ربهم، عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى :﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقوله تعالى :﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى﴾ هذا تفسير للإجابة أي قال لهم مخبراً أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يوفي كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى، وقوله :﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ أي جميعكم في ثوابي سواء، ﴿فالذين هَاجَرُواْ﴾ أي تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، ﴿وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾ أي ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجأوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال :﴿وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي﴾ أي إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده كما قال تعالى :﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى :﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾ [البروج: ٨]، وقوله تعالى :﴿وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾ وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيحين أن رجلاً قال :« يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال :» نعم «، ثم قال :» كيف قلت «؟ فأعاد عليه ما قال، فقال :» نعم، إلا الدين قاله لي جبريل آنفاً «، ولهذا قال تعالى :﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقوله :﴿ثَوَاباً مِّن عِندِ الله﴾ أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلاً كثيراً كما قال الشاعر :
| إن يعذب يكن غراماً وإن يع | طِ جزيلاً فإنه لا يبالي |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما قرأ سورة ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعند البطاركة والقساوسة بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم، وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه، وقال :« إن أخاً لكم بالحبشة قد مات فصلّوا عليه » فخرج إلى الصحراء فصفهم وصلى عليه، وروى ابن أبي حاتم، عن أنَس بن مالك قال : لما توفي النجاشي، قال رسول الله ﷺ :« استغفرا لأخيكم »، فقال بعض الناس : يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت :﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ﴾ الآية. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد :﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ يعني مسلمة أهل الكتاب، وقال عباد بن منصور : سألت الحسن البصري عن قول الله :﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله﴾ الآية، قال : هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ﷺ فاتبعوه وعرفوا الإسلام فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين، للذي كانوا عليه من الإيمان قبل محمد ﷺ، واتباعهم محمداً ﷺ.
وقوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ قال الحسن البصري : أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذلك قال غير واحد من علماء السلف، وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات وقيل : انتظار الصلاة بعد الصلاة قاله ابن عباس ويشهد له حديث :« ألا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات!! إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط » وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : أقبل عليّ أبو هريرة يوماً فقال : أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية؟ ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ قلت : لا، قال : أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها فعليهم أنزلت :﴿اصبروا﴾ أي على الصلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُواْ﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُواْ﴾ في مساجدكم، ﴿واتقوا الله﴾ فيما عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وعن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ :« » ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟ « قلنا : بلى، يا رسول الله، قال :» إسباغ الوضوء في أماكنها وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط « وقيل : المراد بالمرابطة هاهنا ( مرابطة الغزو ) في نحور العدو، وحفظ ثغور الإسلام، وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك وذكر كثرة الثواب فيه، فروى » البخاري في صحيحه « عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال :» رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها «.
( حديث آخر ) : روى مسلم عن سلمان الفارسي عن رسول الله ﷺ أنه قال :» رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان «.
( حديث آخر ) : عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال :« من مات مرابطاً في سبيل الله أجري عليه عمله الصالح الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع الأكبر ».
( طريق أُخرى ) : قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال :« من مات مرابطاً وقي فتنة القبر وأمن من الفزع الأكبر، وغدا عليه ريح برزقه من الجنة وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة ».
( طريق أُخرى ) : قال الترمذي، عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، قال : سمعت عثمان وهو على المنبر يقول إني كتمتكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني ثم بدا لي أن أحدثكموه ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول :« رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل ».
( حديث آخر ) : قال الترمذي : مرّ سلمان الفارسي بشرحبيل بن السمط وهو في مرابطة له وقد شق عليه وعلى أصحابه فقال : ألا أحدثك يا ابن السمط بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال : بلى، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« رباط يوم في سبيل الله أفضل - أو قال خير - من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وقي فتنة القبر ونمي له عمله إلى يوم القيامة ».
( حديث آخر ) : قال أبو داود :« عن سهل بن الحنظلة أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة مع رسول الله ﷺ، فجاء رجل فارس فقال : يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشياههم، فتبسم النبي ﷺ وقال :» تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله «، ثم قال :» من يحرسنا الليلة «؟ قال أنَس بن أبي مرثد : أنا يا رسول الله، قال :» فاركب «، فركب فرساً، فجاء إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ :» استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا تغز من قبلك الليلة «، فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعيتين، فقال :» هل أحسستم فارسكم «؟، فقال رجل : يا رسول الله ما أحسسناه، فثوّب بالصلاة، فجعل النبي ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته، قال :» أبشروا فقد جاءكم فارسكم «، فجعلنا ننظر في خلال الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء، حتى وقف على النبي ﷺ فقال : إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرتني، فلما أصبحنا طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحداً، فقال له رسول الله ﷺ :» هل نزلت الليلة «؟ قال : لا، إلا مصلياً أو قاضي حاجة، فقال له :» أوجبتَ فلا عليك أن لا تعمل بعدها « ».
( حديث آخر ) : قال الترمذي، عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :» عينان لا تَمَسُّهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله «.
( حديث آخر ) : روى البخاري في » صحيحه « عن أبي هريرة، قال، قال رسول الله ﷺ :» تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة. وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع « فهذا آخر ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام، ولله الحمد على جزيل الأنعام، على تعاقب الأعوام والأيام.
| يا عابد الحرمين لو أبصرتنا | لعلمت أنك في العبادة تلعب |
| من كان يخضب خده بدموعه | فنحورنا بدمائنا تتخضب |
| أو كان يتعب خيله في باطل | فخيولنا يوم الصبيحة تتعب |
| ريح العبير لكم ونحن عبيرنا | رهج السنابك والغبار الأطيب |
| ولقد أتانا من مقال نبينا | قول صحيح صادق لا يكذب |
| لا يستوي غبَّار خيل الله في | أنف امرىء ودخان نار تلهب |
| هذا كتاب الله ينطق بيننا | ليس الشهيد بميت لا يكذب |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
121 مقطع من التفسير