تفسير سورة سورة محمد

أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

فتح الرحمن في تفسير القرآن

أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي (ت 928 هـ)

الناشر

دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ)

الطبعة

الأولى

عدد الأجزاء

7

المحقق

نور الدين طالب

نبذة عن الكتاب

آية رقم ١
سُوْرَةُ مُحَمَّدْ - ﷺ -
وتسمى: سورةَ القتال، مدنية بإجماع، وقيل: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ الآية نزلت بمكة في وقت دخول النّبيّ - ﷺ - فيها عام الفتح، أو سنة الحديبية، وما كان مثل هذا، فهو معدود في المدني؛ لأنّ المراعى في ذلك إنّما هو ما كان قبل الهجرة أو بعدها، وآيها: ثمان وثلاثون آية، وحروفها: ألفان وثلاث مئة وتسعة وأربعون حرفًا، وكلمها: خمس مئة وتسع وثلاثون كلمة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾.
[١] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ ﴿وَصَدُّوا﴾ نفوسهم وغيرهم.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: شرعِ الله وطريقِه الّذي دعا إليه، وهو الإسلام، وخبر المبتدأ.
﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أبطلها، فلم يقبلها، وهي ما فعلوا من إطعام الطّعام وصلة الأرحام، والإشارة في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى أهل مكّة الذين أخرجوا رسول الله - ﷺ -.
* * *
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)﴾.
[٢] ثمّ أشار إلى الأنصار أهل المدينة الذين آووه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مبتدأ أيضًا ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ يعني: القرآن.
﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وسمي دينُ محمّد حقًّا؛ لأنّه لا يردُ عليه النسخ، وخبر المبتدأ.
﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ سترها بالإيمان.
﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ حالَهم؛ بتوفيقه.
* * *
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣)﴾.
[٣] ﴿ذَلِكَ﴾ الواقع من الضلالة والهدى ﴿بِأَنَّ﴾ أي: بسبب أن.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ الشيطانَ.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو القرآن.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الضرب.
﴿يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ أي: يذكر لهؤلاء النَّاس قصصَ أمثالهم؛ ليتعظوا بهم.
* * *
﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾.
[٤] ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في المحاربة ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ مصدر بمعنى الفعل؛ أي: فاضربوا الرقاب ضربًا، المعنى: إذا لقيتموهم، فاقتلوهم، وعَيَّنَ من أنواع القتل أشهرَه وأعرفه، فذكره.
﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم فيهم القتل، وأوهنتموهم به.
﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ أي: فَأْسِروهم، واحتفظوا بهم حتّى لا يُفلتوا منكم، ولما قوي الإسلام، نزل:
﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ أي: تمنون عليهم منًّا بإطلاقهم بعد أسرهم.
﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾ أي: تفادوهم فداء؛ أي: أنتم مخيرون في ذلك.
﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ﴾ أي: أصحابها.
﴿أَوْزَارَهَا﴾ سلاحها، فيمسكوا عن الحرب، وأصل الوزر: ما يحمله الإنسان.
واختلفوا في حكم الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وبقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وهو قول أبي حنيفة، وذهب آخرون إلى أنّها محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يسترقهم، أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض، أو يفاديهم بالمال، أو بأسارى المسلمين، وهو قول الشّافعيّ ومالك وأحمد؛ لأنّه
— 310 —
عمل به رسول الله - ﷺ -، والخلفاءُ بعده، ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتّى يدخل أهل الملل (١) كلّها في الإسلام، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى بن مريم -عليه السّلام-.
وجاء في الحديث عن النبي - ﷺ -: "الجهادُ ماضٍ منذُ بعثني الله إلى أن يُقاتل آخر أُمتي الدجَّالَ" (٢).
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ فأهلكهم بغير قتال.
﴿وَلَكِنْ﴾ أمركم بالقتال ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ليختبر المؤمنين بالكافرين؛ بأن يجاهدوهم، فيستوجبوا (٣) الثّواب، والكافرين بالمؤمنين؛ بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم؛ ليرتدع بعضهم عن الكفر.
﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (قُتِلُوا) بضم القاف وكسر التاء من غير ألف بينهما؛ يعني: الشهداء، وقرأ الباقون: بفتح القاف والتاء وألف بينهما (٤)؛ يعني: المجاهدين.
(١) في "ت": "الملك".
(٢) رواه أبو داود (٢٥٣٢)، كتاب: الجهاد، باب: في الغزو مع أئمة الجور، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(٣) في "ت": "فيستجيبوا".
(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٨٤).
— 311 —
آية رقم ٥
﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ روي أنّها نزلت يوم أحد، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل.
* * *
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥)﴾.
[٥] ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى الدرجات.
﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم.
* * *
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي: عرفهم منازلَهم فيها.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾.
[٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أي: دينَه.
﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ على أعدائكم.
﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ عند القتال.
* * *
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: تَعِسوا، يدلُّ عليه: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أي: عِثارًا وسقوطًا، ودخلت الفاء للجزاء، وتعطف على تعسوا المحذوف.
آية رقم ٩
﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أبطلها.
* * *
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾.
[٩] ﴿ذَلِكَ﴾ التعسُ والإضلالُ.
﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القرآن وأحكامِه.
﴿فَأَحْبَطَ﴾ أبطلَ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾.
* * *
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾.
[١٠] ثمّ خّوَّف الكفار فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أهلكهم وأموالهم وأولادهم.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ أمثالُ عاقبة المدمَّرِ عليهم إنَّ لم يؤمنوا، توعُّد لمشركي مكّة.
* * *
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾.
[١١] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ من نصر المؤمنين وقهر الكافرين ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليهم وناصرهم ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ يُنجيهم، والمراد: ولاية النصرة، لا ولاية العبودية؛ فإن الخلق كلهم عباده تعالى.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ ليس لهم همة إِلَّا بطونهم وفروجهم، ولا يفكرون في مآلهم ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: موضع إقامتهم.
* * *
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ﴾ أهل (١) ﴿قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْك﴾ أي: أخرجك أهلُها، المعنى: كم رجال هم أشدُّ من أهل مكّة.
﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُم﴾ من إهلاكنا. وتقدم اختلاف القراء في (وَكَأَيِّنْ) في سورة الحجِّ عند قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ قال ابن عبّاس: لما خرج رسول الله - ﷺ - من مكّة إلى الغار، التفت إلى مكّة وقال: "أنت أحبُّ بلاد الله إلى الله، وأحبُّ بلاد الله إليَّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني، لم أخرجْ منك"، فأنزل الله هذه الآية (٢).
* * *
(١) "أهل" زيادة من "ت".
(٢) رواه عبد الرزّاق في "المصنِّف" (٨٨٦٨)، والإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٠٥)، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٠٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يقينٍ من دينه، وهم النّبيّ - ﷺ - والمؤمنون، وخبر (مَنْ):
﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وهم مشركو مكّة ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ المعنى: لا مساواة بين المهتدي والضال.
* * *
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفتها.
﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قرأ ابن كثير: (أَسِنٍ) بقصر الهمزة، والباقون: بمدها (١)؛ أي: غير متغير الطعم والرائحة.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ كلبن الدنيا.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ لم تَدُسْها الأرجل، ولم تدنسها الأيدي؛ لأنّ خمر الدنيا كريهة الطعم عند التناول، وشربها يبعد من الله تعالى؛
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٨٧).
بخلاف خمر الجنَّة. قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (لِلشَّارِبِينَ) بالإمالة بخلاف عنه.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ لا شمعَ فيه ﴿وَلَهُمْ فِيهَا﴾ مع كلّ (١) ذلك.
﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أصناف ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ عطف على الصنف المحذوف؛ أي: ونعيم أعطته المغفرة وسببته، وإلا فالمغفرة إنّما هي قبل الجنَّة.
﴿كَمَنْ﴾ أي: أمثال أهل الجنَّة وهي بهذه الأوصاف كمن.
﴿هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ شديدَ الحر يُسقط فروةَ الوجه عند الشرب.
﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُم﴾ ما في بطونهم من الحوايا؛ من فرط الحرارة، فخرجت من أدبارهم.
* * *
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: المنافقين ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ولا يَعون كلامَك.
﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصّحابة؛ استهزاءً وسخرية.
﴿مَاذَا قَالَ﴾ محمّد ﴿آنِفًا﴾ قرأ البزي عن ابن كثير بخلاف عنه: (أَنِفًا) بقصر الهمزة، والباقون: بمدها (٢)؛ يعني: الآن، ونصبه ظرف؛ أي: وقتًا مؤتنفًا، وذلك أن النّبيّ - ﷺ - كان يخطب، ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من
(١) "كل" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٨٨).
آية رقم ١٧
المسجد، سألوا عبد الله بن مسعود: ماذا قال رسول الله - ﷺ -؟ أي: ما معناه؟ وما نفعه؟ قال ابن عبّاس: "وقد سُئلت فيمن سُئل" (١).
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ بالنفاق ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ في الكفر، فلا يؤمنون.
* * *
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ وهم المسلمون ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ علمًا وبصيرة.
﴿وَآتَاهُمْ﴾ تعالى ﴿تَقْوَاهُمْ﴾ أي: جعلهم متقين.
* * *
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾ وتبدل من (السّاعة) بدلَ اشتمال ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ علاماتُها، وبَعْثُه - ﷺ - من أشراطها، ومن أشراطها: أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل والربا وشرب الخمْرِ، ويقل الرجال ويكثر النِّساء، حتّى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد (٢).
(١) رواه الطّبريّ في "تفسيره" (٢٢/ ١٦٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٠٥).
(٢) رواه البخاريّ (٨٠)، كتاب: العلم، باب: رفع العلم وظهور الجهل، ومسلم (٢٦٧١)، كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
قال - ﷺ -: "إِذا ضُيِّعت الأمانةُ، فانتظروا السّاعة"، فقيل: كيفَ إضاعتُها؟ قال: "إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله، فانتظرِ السّاعة" (١).
واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَشْرَاطُهَا) كاختلافهم فيهما من قوله (٢): (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ) في سورة الحجِّ [الآية: ٦٥].
﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ فمن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم السّاعة؟ لا ينفعهم ثَمَّ، نحو: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].
* * *
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿فَاعْلَمْ﴾ يا محمدُ ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: دُمْ موحِّدًا.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ليستنَّ بك غيرُك.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ لتغفرَ ذنوبُهم.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ منصرَفكم في الدنيا.
﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ مصيرَكم في الآخرَة إلى الجنَّة أو النّار.
* * *
(١) رواه البخاريّ (٥٩)، كتاب: العلم، باب: من سئل وهو مشتغل في حديثه، فأتم الحديث ثمّ أجاب السائل، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(٢) "قوله" ساقطة من "ت".
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حرصًا على طلب الجهاد: ﴿لَوْلَا﴾ هلَّا.
﴿نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ فيها ذكرُ الجهاد.
﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ مثبتة غير منسوخة الأحكام من الجهاد وغيره.
﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ أي: الأمر به.
﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك، وهم المنافقون.
﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نظَرَ﴾ أي: نظرًا مثل ﴿الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ إذا نزل به، وعاين الملائكة؛ بغضًا لك، وخوفًا منك ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ وعيد بمعنى: فويل؛ أي: قَرُبَ منهم ما يكرهون.
* * *
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ استئناف، والخبر محذوف؛ أي: هما خير لهم، والقول المعروف: هو الأمر المرضي.
﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جَدَّ ولزمَ فرضُ القتال، وجواب (إذا) محذوف؛ أي: كذبوا.
﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ في إظهار الإيمان والطاعة إذا جد أصحاب أمر القتال.
﴿لَكَانَ﴾ الصدق ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ من الكراهة والكذب.
* * *
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾.
[٢٢] ثمّ التفت من الغيبة إلى الخطاب لضرب من الإرهاب، فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أي: فلعلّكم ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أمرَ هذه الأُمَّة، وقيل: معناه: إنَّ أعرضتم عن الحق.
﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي، والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام.
﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ بالقتل والعقوق ووأد البنات، المعنى: فهل يتوقع منكم إِلَّا الإفساد وتقطيع الأرحام؟ قال البغوي (١): نزلت في بني أمية وبني هاشم. قرأ نافع: (عَسِيتُمْ) بكسر السين، والباقون: بفتحها (٢)، وقرأ رويس عن يعقوب: (تُوُلِّيتُم) بضم التاء والواو وكسر اللام، والباقون: بفتحهن (٣)، وقرأ يعقوب: (تَقْطَعُوا) بفتح التاء وإسكان القاف وفتح الطاء
(١) في "تفسيره" (٤/ ١٦٠).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨١)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٢).
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٢).
آية رقم ٢٣
مخففة، [والباقون: بفتحهن، وقرأ يعقوب: (تَقْطَعُوا) بفتح التاء وإسكان القاف وفتح الطاء مخففة] (١)، والباقون: بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددة (٢).
* * *
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿أُولَئِكَ﴾ المفسدون ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ لإفسادهم.
﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن استماع الحق ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: بصائرهم عن طريق الهداية.
* * *
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ فيعرفون الحق، والتدبر: النظر إلى ما يؤول إليه الكلام، فلما لم يتدبروا، أضرب عنهم، فقال: ﴿أَمْ﴾ أي: بل ﴿عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ المعنى: قلوبهم مقفلة، فلا يتدبرون، ولا يعون، ونكرت القلوب إرادة بعض القلوب (٣)، وهي قلوب المنافقين وأعداء الدِّين.
* * *
(١) ما بين معكوفتين سقط من "ت".
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٦٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٣) "إرادة بعض القلوب" زيادة من "ت".
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾.
[٢٥] ونزل في اليهود الذين كفروا بمحمد - ﷺ -، وهم يعرفونه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ (١) أي: رجعوا إلى الكفر.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ في التوراة، وهو أن محمدًا حق ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه﴾ [البقرة: ٨٩] ﴿الشَّيْطَانُ﴾ مبتدأ، خبره ﴿سَوَّلَ﴾ زَيَّنَ ﴿لَهُمْ﴾ أعمالَهم ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (وَأُمْلِي لَهُمْ) بضم الهمزة وكسر اللام، فأبو عمرو يفتح الياء على ما لم يسم فاعله، ويعقوب يسكنها على وجه الخبر من الله سبحانه عن نفسه أنّه يفعل ذلك، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة واللام، وقلب الياء ألفًا (٢)؛ أي: أطال الشيطان لهم المدة، ومد لهم في الأمل.
* * *
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿ذَلِكَ﴾ الإضلالُ ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾
(١) انظر: "تفسير الطّبريّ" (٢٢/ ١٧٩)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ١١٩).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و "تفسير البغوي" (٤/ ١٦٠ - ١٦١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٤ - ١٩٥).
آية رقم ٢٧
وهم المشركون: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ التعاون على عداوة محمّد - ﷺ -، وتثبيط النَّاس عن الجهاد معه، قالوا ذلك سرًّا، فأظهره تعالى بقوله:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (إِسْرَارَهُمْ) بكسر الهمزة مصدر أَسَرَّ، وقرأ الباقون: بفتحها، جمع سِرّ (١).
* * *
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿فَكَيْفَ﴾ يعملون.
﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ظهورهم بمقامع الحديد.
قال ابن عبّاس: "لا يُتَوَفَّى أحدٌ على معصية، إِلَّا تضرب الملائكةُ وجهَه ودُبُرَهُ" (٢).
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٥).
(٢) انظر: "الكشَّاف" للزمخشري (٤/ ٣٢٩).
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿ذَلِكَ﴾ التوفِّي ﴿بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ من كتمان نعته -عليه السّلام- ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ أي: أبغضوا العمل بما يرضيه. قرأ أبو بكر عن عاصم: (رُضْوَانَهُ) بضم الراء، والباقون: بكسرها (١).
﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أبطلها لذلك.
* * *
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أظنَّ المنافقون.
﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ يعرفوا نفاقهم.
* * *
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ أي: لو أردنا، لدللناك على المنافقين.
﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بعلامتهم.
* * *
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٤)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٦/ ١٩٥).
آية رقم ٣١
قال ابن عبّاس (١): قال أنس: ما أُخفيَ على النّبيّ - ﷺ - شيء من أمر المنافقين بعد نزول هذه الآية (٢).
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ فحواه، المعنى: أنك تعرفهم فيما يعرضون به من تهجين أمرك وأمور المسلمين، فكان لا يتكلم عنده - ﷺ - منافق إِلَّا عرفه، والأكابر يعرفون صدق المريد من كذبه بسؤاله وكلامه.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ فيجازيكم بها.
* * *
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ لنعاملنكم معاملة المختبرين؛ بأن نأمركم بالجهاد والقتال ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ والمراد: علم الظهور؛ أي: نبلوكم حتّى يظهر ما نخبر به عنكم من أفعالكم؛ من جهاد وصبر وغيرهما ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ نظهرها بسبب طاعتكم وعصيانكم (٣). قرأ أبو بكر عن عاصم: (وَلَيَبْلُوَنَكمْ حَتَّى يَعْلَمَ)، (وَيَبْلُوَ) بالياء في الثلاثة؛ لقوله تعالى: (وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)، وقرأهن الباقون: بالنون، لقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ
(١) قوله: "ابن عبّاس" سقط من "ت".
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٥٢)، وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ١٦١)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٣٠).
(٣) في "ت": "إبائكم".
لأَرَيْنَاكَهُمْ) (١)، وقرأ رويس عن يعقوب: (وَنَبْلُو) بإسكان الواو؛ أى ونحن نبلو، وقرأ الباقون: بفتحها ردًّا على قوله: (حَتَّى نَعْلَمَ) (٢).
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)﴾.
[٣٢] ونزل فيمن عصى الله وكره الإسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ هم قريظة والنضير.
﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ بكفرهم وبصدِّهم.
﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يبطلها، فلا يرون لها ثوابًا.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ بالمعاصي والكفر.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٥ - ١٩٦).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٦٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٦).
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾.
[٣٤] ونزل في أصحاب القَليب ومَنْ جرى مجراهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ويدلُّ بمفهومه على أنّه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه.
* * *
﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ لا تضعفوا ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي: لا تدعوا إلى الصلح ابتداءً إذا لقيتم الكفار. قرأ حمزة، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (السِّلْمِ) بكسر السين، والباقون: بفتحها (١)، وهما لغتان بمعنى.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْن﴾ الغالبون ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصرة.
﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ ينقصكم ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: ثواب أعمالكم.
* * *
﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ باطل وغرور، لا ثباتَ لها، فلا
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٥).
آية رقم ٣٧
تهنوا في الجهاد بسببها ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ الفواحشَ.
﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ ثوابَ إيمانكم وتقواكم ﴿وَلَايَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُم﴾ جميعَها، بل الزَّكاة المفروضة، وهي ربع العشر، فَطَيِّبوا أنفسَكم.
* * *
﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ يُلِحّ عليكم ﴿تَبْخَلُوا﴾ بها ﴿وَيُخْرِجْ﴾ البخل ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾ أحقادَكم ومعتقداتكم السوء. قرأ يعقوب: (وَنُخْرِجْ) بالنون، والباقون: بالياء (١).
* * *
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، ونافع: بتسهيل الهمزة بين بين، وقرأ الكوفيون، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: بتحقيق الهمزة بعد الألف، وروي عن ورش: (هَآنْتُمْ) مدًّا بلا همزة، وعنه وجه ثان (هَئَنْتُمْ) بهمزة مقصورة بين الهاء والنون؛ مثل: سَأَلْتُم، وروي عن قنبل: كالوجه الثّاني عن ورش، أصلها أَأَنْتُمْ، قلبت الهمزة الأولى هاء؛ كقولهم هَرَقْتُ، وأَرَقْتُ (٢).
(١) انظر: "مختصر القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ١٤١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٢ و ٦٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" =
— 328 —
﴿هَؤُلَاءِ﴾ أصلُه: أولاء، دخلت عليه هاء التنبيه، وهو في موضع النِّداء، يعني: أنتم يا هؤلاء المخاطبون، ثمّ استأنف فقال:
﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما فرض عليكم.
﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ بالزكاة المفروضة، و (يَبْخَلُ) رفع؛ لأنّ (مَنْ) هذه ليست بشرط؛ لاستئنافك ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ﴾ بالصدقة والمفروض، و (يَبْخَلْ) جزم، لأنّ (مَنْ) هذه شرط، جوابه ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ﴾ رفعٌ أيضًا.
﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: عليها، المعنى: جزاءُ بخله مختص به.
﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ عنكم وعن صدقتكم ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عن الطّاعة ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ خيرًا منكم، وهم الأنصار.
﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ في البخل والتولي ونحوهما، بل يكونوا خيرًا منكم، وأطوعَ لله، والله أعلم.
* * *
= لابن الجزري (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٨).
— 329 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

20 مقطع من التفسير