تفسير سورة سورة المؤمنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي (ت 756 هـ)
الناشر
دار القلم
عدد الأجزاء
11
المحقق
الدكتور أحمد محمد الخراط
نبذة عن الكتاب
الكتاب مرجع رئيسي في بابه، وموسوعة علمية حوت الكثير من آراء السابقين، اهتم فيه مصنفه بالجانب اللغوي بشكل كبير أو غالب، فذكر الآراء المختلفة في الإعراب، إضافة إلى شرح المفردات اللغوية، كذلك أوجه القراءات القرآنية، كما أنه ألمح إلى الكثير من الإشارات البلاغية، وذكر الكثير من الشواهد العربية فقلما نجد صفحة إلا وفيها. شاهد أو أكثر
الثاني: أنه وإنْ سُلِّمَ أنَّها صُيِّرَتْ ألفاً فلا نُسَلِّم أنَّ حَذْفَها لسكونِها وسكونِ الدالِ في ألأصل، بل حَذْفُها لساكنٍ محققٌ في اللفظِ وهو الفاء مِنْ «أفلح»، ومتى وُجد سببٌ ظاهرٌ أُحيل الحُكْمُ عليه دونَ السبب المقدر.
وقال ابن عطية: «وهي قراءةٌ مردودةٌ». قلت: ولا أدري كيف يَرُدُّونها مع ثبوتِ مِثْلِها في القرآن بإجماع وهما الآيتان المتقدمتان؟ وقال الزمخشري: «وعنه أي عن طلحةَ» أَفْلَحُ «بضمةٍ بغير واو، اجتزاءً بها عنها كقوله:
| ٣٤٠١ - فلَوْ أنَّ الأَطِبَّا كانُ حَوْلي | ........................... |
وقد اختلف النَّقَلَةُ لقراءةِ طلحة: هل يُثَبِتُ للواوِ صورةً؟ ففي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي» اللوامح «:» وحُذِفَتْ الواوُ بعد الحاءِ لالتقائِهما في الدَّرج، وكانت الكتابةُ عليها محمولةً على الوصلِ نحو: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ [الشورى: ٢٤]. قلت: ومنه ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: ١٨]، ﴿صَالِ الجحيم﴾ [الصافات: ١٦٣].
و «قد» هنا للتوقُّع. قال الزمخشري: «قد: نقيضَةُ» لَمَّا «، هي تُثْبِتُ المتوقَّعَ و» لَمَّا «تَنْفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقِّعين لهذه البشارةِ، وهي للإِخبار بثباتِ الفَلاحِ لهم فَخُوطبوا بما دَلَّ على ثباتِ ما تَوَقَّعوه».
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| ٣٤٠٢ - المُطْعِمُون الطعامَ في السَّنَة ال | أزمةِ والفاعلون للزكواتِ |
وناقشه الشيخ فقال: «يجوز أَنْ مصدراً وإنما جُمِعَ لاختلافِ أنواعِه».
والثاني: أنَّ المضافَ إليه لا يَعْمل فيما قبلَ المضاف، ولفسادِ المعنى أيضاً.
الخامس: أَنْ يُجْعل صلةً لحافظين. قال الزمخشري: «مِنْ قولِك: احفَظْ عَلَيَّ عِنَانَ فرسي»، على تضمينِه معنى النفي كما ضُمِّن قولُهم: «نَشَدْتُك
قال الشيخ بعدما ذكَرْتُه عن الزمخشري: «وهذه وجوهٌ متكلَّفَةٌ ظاهرٌ فيها العُجْمَةُ» قلت: وأيُّ عُجْمَةٍ في ذلك؟ على أنَّ الشيخَ جعلها متعلقةً ب «حافظون» على ما ذكره مِنَ التضمين. وهذا لا يَصِحُّ له إلاَّ بأَنْ يرتكبَ وجهاً منها: وهو التأويلُ بالنفيِ ك «نَشَدْتُك الله» لأنه استثناءٌ مفرغ، ولا يكونُ إلاَّ بعد نفيٍ أو ما في معناه.
السادس: قال أبو البقاء: «في موضعِ نصبٍ ب حافِظُون» على المعنى؛ لأنَّ المعنى: صانُوها عن كل فَرْجٍ إلاَّ عن فروجِ أزواجِهم «. قلت: وفيه شيئان، أحدهما: تضمين» حافظون «معنى صانُوا، وتضمينُ» على «معنى» عن «.
قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ » ما «بمعنى اللاتي. وفي وقوعها على العقلاءِ وجهان، أحدهما: أنها واقعةٌ على الأنواعِ كقوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ﴾ أي: أنواعَ. والثاني: قال الزمَخشري:» أُريد من جنسِ العقلاءِ ما يَجْري مجرى غيرِ العقلاءِ وهم الإِناثُ «. قال الشيخ:» وقوله: «وهم» ليس بجيدٍ؛ لأنَّ لفظَ «هم» مختصٌّ بالذكورِ، فكان ينبغي أَنْ يقولَ: «وهو» على لفظ «ما». أو «وهُنَّ»
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقرأ الأخَوان «على صلاتِهم» بالتوحيد. والباقون «صَلَواتهم» بالجمع. وليس في المعارج خلافٌ والإِفرادُ والجمعُ كما تقدَّم في «أمانتهم» و «أماناتهم». قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: كيف كرَّرَ ذِكْرَ الصلاةِ أولاً وآخراً؟ قلت: هما ذِكْران مختلفان، وليس بتكريرٍ، وُصِفُوا أولاً بالخشوعِ في صلاتهم، وآخِراً بالمحافظةِ عليها». ثم قال: «وأيضاً فقد وُحِّدَتْ أولاً ليُفادَ الخُشوعُ في جنسِ الصلاةِ أيَّ صلاةٍ كانَتْ، وجُمعت آخراً لتُفادَ المحافظةُ على أعدادِها، وهي الصلواتُ الخمسُ والوِتْرُ والسُّنَنُ الراتبةُ».
قلت : وهذا إنما يَتَّجِهُ في قراءةِ غير الأخَوين. وأمَّا الأخوانِ فإنهما أُفْرِدا أولاً وآخراً. على أن الزمخشريَّ قد حَكَى الخلافَ في جَمْعِ الصلاة الثانية وإفرادِها بالنسبة إلى القراءة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| ٣٤٠٣ - فجاءت به عَضْبَ الأَديمِ غَضَنْفَراً | سُلالةَ فَرْجٍ كان غيرَ حَصِيْنِ |
| ٣٤٠٤ - خَلَقَ البَرِيَّةَ مِنْ سُلالةِ مُنْتِنٍ | وإلى السُّلالَةِ كلِّها سَنعودُ |
قوله: ﴿مِّن طِينٍ﴾ في «مِنْ» وجهان، أحدهما: أنها لابتداءِ الغايةِ. والثاني: أنها لبيانِ الجنسِ. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بين» مِنْ «ومِنْ» ؟ قلت الأُوْلى للابتداءِ، والثانيةٌ للبيانِ كقولِه: ﴿مِنَ الأوثان﴾. قال الشيخ: «ولا تكونُ للبيان؛ إلاَّ إذا قلنا: إنَّ السُّلالةَ هي الطينُ. أمَّا إذا قُلْنا: إنه مِنْ أُنْسِل من الطين ف» مِنْ «لابتداءِ الغاية».
وفيما تتعلَّق به «مِنْ» هذه أوجهٌ، أحدُها: أنَّها تتعلَّقُ بمحذوفٍ إذ هي صفةٌ ل «سُلالة». الثاني: أنَّها تتعلَّقُ بنفس «سُلالة» ؛ لأنها بمعنى مَسْلولة. الثالث: أنها تتعلَّقُ ب «خَلَقْنا» لأنها بدلٌ مِن الأولى، إذا قلنا: إن السُّلالةَ هي نفسُ الطين.
قوله: ﴿فِي قَرَارٍ﴾ يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالجَعْل، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «نُطْفَة». والقَرار: المستقَرُّ وهو مَوْضِعُ الاستقرارِ. والمرادُ بها الرَّحِمُ. ووُصِفَتْ ب «مَكِيْن» لمكانةِ التي هي صفةٌ المُسْتَقِرِّ فيها، لأحدِ معنيين: أمَّا على المجازِ كطريقٍ سائر، وإنما السائرُ مَنْ فيه، وإمَّا لمكانتِها في نفسِها لأنها تمكَّنَتْ بحيث هي وأُحْرِزَتْ.
قوله: ﴿عِظَاماً﴾ قرأ العامَّةُ «عِظاماً» و «العظام» بالجمع فيهما. وابن عامر وأبو بكر عن عاصم «عَظْماً» و «العظم» بالإِفراد فيهما. والسُّلمي والأعرج والأعمش بإفرادِ الأول وجَمْعِ الثاني. وأبو رجاء ومجاهد وإبراهيم ابن
| ٣٤٠٥ - كُلوا في بَعْضِ بطنِكُم تَعِفُّوا | ..................... |
| ٣٤٠٦ - لا تُنْكِروا القَتْلَ وقد سُبِيْنا | في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شُجينا |
| ٣٤٠٧ - به جِيَفُ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها | فبِيْضٌ وأمَّا جِلْدُها فصَلِيْبُ |
| ٣٤٠٨ - ولأنتَ تَفْرِيْ ما خَلَقْتَ وبَعْ | ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي |
وكان الشيخُ، سُئِل عن ذلك. فأجاب بأنَّ اللامَ غالباً تُخَلِّص المضارعَ للحال، ولا يمكنُ دخولُها في «تُبْعثون» لأنه مخلِّصٌ للاستقبال لعملِه في الظرف المستقبل. واعترض على نفسِه بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ [النحل: ١٢٤] فإنَّ اللامَ دَخَلَتْ على المضارع العاملِ في ظرفٍ مستقبلٍ وهو يومُ القيامة. وأجاب بأنه خَرَجَ هذا بقوله «غالباً» أو بأنَّ العاملَ في يوم القيامة مقدرٌ، وفيه نظرٌ لا يَخْفى؛ إذ فيه تهيئةٌ العاملِ للعملِ وقَطْعُه عنه.
و «بعد ذلك» متعلقٌ ب «مَيِّتون» ولا تَمْنَعُ لامُ الابتداءِ من ذلك.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وجعل أبو البقاءِ هذه الهمزةَ أصليةً فقال:» والهمزةُ على هذا أصلٌ مثل «حِمْلاق» وليسَتْ للتأنيثِ إذ ليس في الكلام مثلُ [حِمْراء والياءُ أصلٌ إذ ليس في الكلام «سنأ» ] يعني: مادة سين ونون وهمزة. وهذا مخالِفٌ لِما تَقَدَّمَ مِنْ كونِها بدلاً من زائدٍ ملحقٍ بالأصل. على أن كلامَه محتملٌ للتأويلِ إلى ما تقدَّم، وعلى هذا فَمَنْعُ الصرفِ للتعريف والتأنيث؛ لأنها اسمُ بُقعةٍ بعينها،
وقال الزمخشري: «طُوْرُ سيناء وطور سينين: لا يخلوا: إمَّا أن يُضافَ فيه الطورُ إلى بقعةٍ اسمُها سيناء، وسينون، وإمَّا أَنْ يكونَ اسماً للجبلِ مركباً مِنْ مضافٍ ومضافٍ إليه كامرىء القيس وبعلبك، فيمَنْ أضاف. فَمَنْ كَسَرَ سينَ» سيناء «فقد مَنَعَ الصرفَ للتعريفِ والعجمةِ، أو التأنيثِ، لأنها بقعة وفِعْلاء لا تكون ألفه للتأنيث كعِلْباء وحِرْباء. قلت: وكونُ ألفِ فِعْلاء بالكسر ليست للتأنيث هو قولُ أهل البصرة، وأمَّا الكوفيون فعندهم أن ألفها تكون للتأنيثِ، فهي عندهم ممنوعةٌ للتأنيثِ اللازم كحمراء وبابها. وكسرُ السين من» سِيْناء «لغةُ كِنانة.
وأمَّا القراءة الثانية فألِفُها للتأنيث، فَمَنْع الصرف واضحٌ. قال أبو البقاء:» وهمزتُه للتأنيث إذ ليس في الكلامِ فَعْلال بالفتح. وما حكى الفراء مِنْ قولهم: ناقةٌ فيها خَزْعال «لا يَثْبُتُ، وإنْ ثبت فهو شاذٌّ لا يُحمل عليه».
كذا قال بعضُهم. وفيه نظرٌ؛ إذ لقائلٍ أَنْ يقولَ: لا نُسَلِّم أن عينَ «سيناء» ياءٌ، بل هي عينُها نونٌ وياؤُها مزيدةٌ، وهمزتُها منقلبةٌ عن واوٍ كما قُلِبت السَّناء، ووزنها حينئذٍ فِيْعال، وفِيْعال موجودٌ في كلامِهم كمِيْلاع وقِيْتال مصدرُ قاتلَ.
قوله «تنبُتُ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو، «تُنْبِتُ» بضمِّ التاءِ وكسرِ الباءِ. والباقون بفتح التاء وضم الباء. فأمَّا الأولى ففيها ثلاثةٌ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ «أنبت» بمعنى نَبَتَ فهو مما اتَّفق فيه فَعَل وأَفْعَل وأنشدوا لزهير:
| ٣٤٠٩ - رأيتُ ذوي الحاجات عند بيوتهِم | قَطِيْناً لها حتى إذا أَنْبَتَ البقلُ |
٣٤١٠ -..........................
وقول الآخر:
٣٤١١ - نَضْربُ بالسَّيْفِ ونرْجُو بالفَرَجْ... وأما القراءةُ الأخرى فواضحةٌ، والباءُ للحال من الفاعل أي: ملتسبةً بالدُّهْن، يعني: وفيها الدهن.
وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز «تُنْبِتُ» مبنياً للمفعول، مِنْ أنبتها الله. و «بالدهن» حالٌ من القائمِ مقامَ الفاعلِ أي: ملتسبةً بالدهن.
وقرأ زر بن حبيش «تُنْبِتُ الدُّهْنَ» مِنْ أَنْبَتَ، وسقوطُ الباء هنا يَدُلُّ على زيادتها في قراءة مَنْ أثبتها. والأشهب وسليمان بن عبد الملك «بالدِّهان» وهو جمع دُهْن كرُمْح ورِماح. وأمَّا قراءة أُبَي «تُثْمر»، وعبد الله «تَخْرج» فتفسيرٌ لا قراءةٌ لمخالفة السواد.
والدُّهْنُ: عُصارة ما فيه دَسَمٌ. والدَّهْن بالفتح المَسْح بالدُّهن مصدرٌ دَهَن يَدْهُنُ، والمُداهَنَةُ مِنْ ذلك؛ كأنه يَمْسَح على صاحبه ليقِرَّ خاطرُه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
و «إنْ» في قوله: ﴿وَإِن كُنَّا﴾ مخففةٌ. واللامُ فارقةٌ. وقيل: «إنْ» نافيةٌ، واللامُ بمعنى «إلاَّ»، وقد تقدَّم ذلك غيرَ مرة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
٣٤١٢ - أرسلْتَ فيها مُصْعباً ذا إقحامِ... وقد جاء» بعث «على ذلك كقولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ [الفرقان: ٥١].
قوله: ﴿أَنِ اعبدوا﴾ يجوز أَنْ تكونَ المصدريةَ أي: أَرْسَلْناه بأَنِ اعبدوا أي: بقوله اعبدوا، وأَنْ تكونَ مفسِّرةً.
قلت: ولقائلٍ أَنْ يقولَ: هذا جوابٌ بنفس الواقعِ، والسؤالُ باقٍ/؛ إذ يَحْسُنُ أن يُقال: لِمَ لا يُجْعَلْ هنا قولُهم أيضاً جوباً لسؤالِ سائلٍ كما في نظيرتَيْها لو عكس الأمر؟.
قلت: يعني أنه إذا توالَى شرطٌ وقسم أُجيب سابقُهما، والقَسَمُ هنا متقدِّمٌ فينبغي أَنْ يُجَابَ ولا يجابَ الشرطُ، ولو أُجيب الشرطُ لاختلَّتْ القاعدةُ إلاَّ عند بعضِ الكوفيين، فإنَّه يُجيب الشرطَ وإنْ تأخَّر. وهو موجودٌ في الشعر.
الثالث: أنَّ ﴿أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ مُؤَولٌ بمصدرٍ مرفوع بفعلٍ محذوفٍ، ذلك الفعلُ المحذوفُ هو جوابُ «إذا» الشرطيةِ، وإذا الشرطيةُ وجوابُها المقدَّرُ خبرٌ ل «أنَّكم» الأولى، تقديرُه: يَحْدُث أنكم مُخْرَجون.
الرابع: كالثالثِ في كونِه مرفوعاً بفعلٍ مقدرٍ، إلاَّ أنَّ هذا الفعلَ المقدَّرَ خبرٌ ل «أنَّ» الأولى، وهو العاملُ في «إذا».
الخامس: أنَّ خبر الأولى محذوفٌ لدلالةِ خبرِ الثانيةِ عليه، تقديرُه: أنكم تُبْعَثُون، وهو العاملُ في الظرف، وأنَّ الثانية وما في حَيِّزِها بدلٌ من الأولى، وهذا مذهبُ سيبويه.
السادس: أنَّ ﴿أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ مبتدأٌ، وخبرُه الظرفُ مقدَّماً عليه، والجملةُ خبرٌ عن «أنكم» الأولى، والتقديرُ: أيَعِدُكم أنَّكم إخراجُكم كائنٌ أو مستقرٌ وقتَ موتِكم. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ في «إذا» «مُخْرَجُون» على كلِّ قولٍ؛ لأنَّ ما في حيِّز «أنَّ» لا يعمل فيما قبلها، ولا يعمل فيها «مِتُّم» لأنه مضافٌ إليه، و «أنَّكم» وما في حَيِّزه في محلِّ نصبٍ أو جرّ بعد حَذْفِ الحرفِ، إذ الأصلُ: أيَعِدُكم بأنَّكم. ويجوزُ أَنْ لا يُقَدَّرَ حرفُ جرّ، فيكونُ في محلِّ نصبٍ فقط نحو: وَعَدْتُ زيداً خيراً.
| ٣٤١٣ - فهيهاتَ هيهاتَ العَقيقُ وأهلُه | وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُواصِلُهْ |
| فهيهاتَ هيهاتَ العَقيقُ وأهلُه | .......................... |
وقال ابن عطية:» طَوْراً تلي الفاعلَ دون لامٍ، تقول: هيهات مجيءُ زيدٍ أي: بَعُدَ، وأحياناً يكون الفاعلُ محذوفاً عند اللام كهذه الآيةِ. التقديرُ: بَعُدَ الوجودُ لِما تُوْعدون «. ولم يَسْتَجْوِزْه الشيخُ ومن حيث قولُه حُذِفَ الفاعلُ، والفاعلُ لا يُحْذَفُ. ومن حيث إن فيه حَذْفَ المصدرِ وهو الوجودُ وإبقاءَ معمولِه وهو» لِما تُوعدون «. وهيهاتَ الثاني تأكيدٌ للأولِ تأكيداً لفظياً. وقد جاء غيرَ مؤكَّدٍ كقوله:
| ٣٤١٤ - هيهات مَنْزِلُنا بنَعْفِ سُوَيْقَةٍ | كانت مباركةً على الأيام |
| ٣٤١٥ - هيهاتَ ناسٌ مِنْ أُناسٍ ديارُهُمْ | دُقاقٌ ودارُ الآخرين الأوانسُ |
٣٤١٦ - هيهاتَ مِنْ مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤه... قال القيسي شارحُ» أبيات الإِيضاح «:» وهذا مِثْلُ قولِك: بَعُدَ بُعْدُه؛ وذلك أنه بنى من هذه اللفظةِ فَعْلالاً، فجاء به مجيءَ القَلْقَال والزَّلْزال.
والألفُ في «هيهات» غيرُ الألفِ في «هيهاؤه»، وهي في «هيهات» لامُ الفعلِ الثانيةُ كقاف الحَقْحَقَة الثانية، وهي في «هيهاؤه» ألف الفَعْلال الزائدة «.
وفي هذه اللفظةِ لغاتٌ كثيرةٌ تزيد على الأربعين، وأذكر هنا مشهورَها وما قُرِىء به: فالمشهورُ هَيْهات بفتح التاءِ من غيرِ تنوينٍ، بُني لوقوعِه موقعَ
و» هَيْهاتٍ «بالكسر والتنوين، وبها قرأ عيسى وخالد بن إلياس، وبالكسرِ من غير تنوين، وهي قرءاةُ أبي جعفرٍِ وشَيْبة، وتروى عن عيسى أيضاً، وهي لغة تميم وأسد. وهَيْهاتْ بإسكانِ التاء، وبها قرأ عيسى أيضاً وخارجة عن أبي عمرو والأعرج. وهَيْهاهْ» بالهاء آخراً وصلاً ووَقْفاً. و «أَيْهاتَ» بإبدال الهاء همزة مع فتح التاء، وبهاتين قرأ بعضُ القرَّاء فيما نقل أبو البقاء. فهذه تسعُ لغاتٍ قد قُرِىء بهن، ولم يتواتَرْ منها غيرُ الأولى.
ويجوز إبدالُ الهمزةِ من الهاء الأولى في جميعِ ما تقدَّم فيَكْمُل بذلك ستَ عشرةَ لغةً. و «إيهان» بالنون آخراً، و «أيهى» بالألفِ آخراً. فَمَنْ فَتَح التاءَ قالوا فهي عنده اسم مفرد. ومَنْ كسرها فهي عنده جمعٌ تأنيثٍ كزَيْنبات وهنِْدات
وقالوا: مَنْ فتح تاء «هيهات» فحقُّه أَنْ يكتبَها هاء لأنها في مفرد كتمرة
واختلف القراءُ في الوقفِ عليها: فمنهم مَنْ اتَّبع الرسمَ فَوَقَفَ بالهاءِ وهما الكسائيُّ والبزيُّ عن ابن كثير. ومنهم مَنْ وَقَفَ بالتاءِ، وهم الباقونَ. وكان ينبغي أَنْ يكونَ الأكثرُ على الوقفِ بالهاءِ لوجهين، أحدُهما: موافقةُ الرسمِ. والثاني: أنهم قالوا: المفتوح اسمٌ مفردٌ أصله هَيْهَيَة كزَلْزَلة وقَلْقَلَة من مضاعفِ الرُّباعي. وقد تقدَّم: أنَّ المفردَ يُوقف على تاء تأنيثِه بالهاء.
وأمَّا التنوينُ فهو على قاعدةِ تنوينِ أسماء الأفعال: دخولُه دالٌّ على التنكيرِ، وخروجُه دالٌّ على التعريف. قال القَيْسِيُّ: «مَنْ نَوَّن اعتقد تنكيرَها وتَصَوَّر معنى المصدرِ النكرةِ كِأنه قال: بُعْداً بُعْداً. ومَنْ لم ينوِّنْ اعتقد تعريفَها وتَصَوَّر معنى المصدرِ المعرفةِ كأنه قال: البُعْدَ البُعْدَ فجعل التنوينَ دليلَ التنكيرِ وعدمَه دليلَ التعريفِ». انتهى. ولا يُوجد تنوينُ التنكير إلاَّ في نوعين: أسماءِ الأفعال وأسماءِ الأصوات نحو: سيبويهِ وسيبويهٍ، وليس بقياسٍ: بمعنى أنه ليس لك أَنْ تُنَوِّن منها ما شِئْتَ بل ما سُمِع تنوينُه اعَتُقِد تنكيرُه. والذي يُقال في القراءاتِ المتقدمةِ: إنَّ مَنْ نَوَّن جعله للتنكيرِ كما تقدَّمَ، ومَنْ لم يُنَوِّنْ جَعَلَ عدَم التنوينَ للتعريفِ. ومَنْ فَتَحَ فللخِفَّةِ وللإِتْباع، ومَنْ كَسَرَ فعلى أصلِ التقاءِ الساكنين، ومن ضم فتشبيهاً بقبلُ وبعدُ، ومَنْ سَكَّن فلأنَّ أصلَ البناءِ السكونُ، ومَنْ وقف بالهاءِ فإتْباعاً للرسم، ومن وقف بالتاءِ فعلى الأصلِ سواءً كُسِرت
وقال ابنُ عطية فيمَنْ ضَمَّ ونَوَّن: «إنه اسمٌ معربٌ مستقلٌ مرفوعٌ بالابتداءِ، وخبرُه» لِما تُوْعَدون «أي: البعدُ لوعدكم كما تقول: النُّجح لسَعْيك». وقال الرازي في «اللوامح» :«فأمَّا مَنْ رَفع ونَوَّنَ احتمل أَنْ يكونا اسمين متمكنين مرفوعين [بالابتداء]، خبرُهما من حروف الجر بمعنى: البُعْدُ لِما تُوعدون. والتكرارُ للتأكيد. ويجوز أَنْ يكونا اسماً للفعل. والضمُّ للبناء مثل: حَوْبُ في زَجْرِ الإِبل، لكنه نَوَّنه نكرةً». قلت: وكان ينبغي لابنِ عطيةَ ولأبي الفضل أن يَجْعلاه اسماً أيضاً في حالةِ النصبِ مع التنوين، على أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الفعلِ.
قرأ ابنُ أبي عبلةَ «هَيْهات هَيْهات ما تُوْعدون» من غير لامِ جرٍّ. وهي واضحةٌ مؤيِّدَةٌ لمدَّعي زيادتِها في قراءةِ العامَّة.
و «ما» في «لِما تُوْعدون» تحتمل المصدريةَ أي: لِوَعْدِكم، وأَنْ تكونَ بمعنى الذي، / والعائدُ محذوفٌ أي: تُوْعَدُوْنَه.
قوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ جملةٌ مفسِّرةٌ لما ادَّعَوْه مِنْ أَنْ حياتَهم ما هي إلاَّ كذا. وزعم بعضُهم أنَّ فيها دليلاً على عدمِ الترتيبِ في الواو، إذ المعنى: نحيا ونموتُ إذ هو الواقعُ. ولا دليلَ فيها؛ لأنَّ الظاهرَ مِنْ معناها: يموت البعض مِنَّا، ويَحْيا آخرون، وهَلُمَّ جرَّا. يُشيرون إلى انقراضِ العصرِ وخَلْفِ غيرِه مكانَه. وقيل: نموت نحن ويَحْيا أبناؤنا. وقيل: القومُ يعتقدونَ الرَّجْعَةَ أي: نموت ثم نَحْيا بعد ذلك الموتِ.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
والثاني: أنها غيرُ زائدةٍ بل هي نكرةٌ بمعنى شيء أو زمن. و «قليل» صفتُها أو بدلٌ منها. وهذا الجارُّ فيه ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنَّه متعلقٌ بقولِه: {
والثالث من الأوجه المتقدمة: أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ تقديرُه: عَمَّا قليلٍ نُنْصَرُ حُذِف لدلالةِ ما قبلَه عليه. وهو قولُه «رَبِّ انْصُرْني».
وقرىء «لَتُصْبِحُنَّ» بتاءِ الخطابِ على الالتفاتِ، أو على أن القولَ صدرَ من الرسولِ لقومِه بذلك.
| ٣٤١٧ -..................... | من السَّيْلِ والغُثَّاءِ فَلْكَةُ مُغْزَلِ |
قوله: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ﴾ : بُعْداً: مصدرٌ بَدَلٌ من اللفظِ بفعلِه، فناصبُه واجبُ الإِضمارِ لأنَّه بمعنى الدعاءِ عليهم. والأصلُ: بَعُدَ بُعْدَاً وبَعَداً نحو: رَشَدَ رُشْداً ورَشَداً. وفي هذه اللامِ قولان أحدُهما: وهو الظاهرُ أنَّها متعلقةٌ بمحذوفٍ للبيانِ كهي في سَقْياً له وجَدْعاً له. قاله الزمخشري. الثاني: أنها متعلقةٌ ب بُعْداً. قاله الحوفي. وهذا مردودٌ؛/ لأنه لا يُحْفَظُ حَذْفُ هذه اللامِ ووصولُ المصدرِ إلى مجرورِها البتةَ، ولذلك منعوا الاشتغالَ في قولِه ﴿والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: ٨] لأنَّ اللام لا تتعلَّقُ ب «تَعْساً» بل بمحذوفٍ، وإن كان الزمخشريُّ جَوَّزَ ذلك، وسيأتي في موضِعه إنْ شاءَ الله تعالى.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهي قراءةُ الشافعيِّ «تَتْرَىً» بالتنوين. وباقي السبعةِ «تترى» بألفٍ صريحةٍ دونَ تنوينٍ. وهذه هي اللغةُ المشهورةُ، فَمَنْ نَوَّن فله وجهان، أحدُهما: أنَّ وَزْنَ الكلمةِ فَعْل كفَلْس، فقوله: «تَتْرَىً» كقولك: نَصَرْتُه نَصْراً. وَوَزْنُه في قراءتِهم فَعْلاً. وقد رُدَّ هذا الوجهُ بأنَّه لم يُحْفَظْ جَرَيانُ حركاتِ الإِعرابِ على رائِه، فيُقال: هذا تَتْرٌ ومررت بتَتْرٍ نحو: هذا نَصْرٌ، ورأيت نصراً، ومررتُ بنصرٍ. فإذا لم يُحْفَظْ ذلك بَطَلَ أَنْ يكونَ وزنُه فَعْلاً. الثاني: أن ألفَه للإِلحاقِ ب جَعْفر كهي في أَرْطى وعَلْقى فلمَّا نُوِّن ذَهَبَتْ لالتقاءِ الساكنين. وهذا أقربُ مِمَّا قبلَه، ولكنه يلزمُ منه وجودُ ألفِ الإِلحاقِ في المصادرِ وهو نادرٌ، الثالث: أنها للتأنيثِ كدعوى. وهي واضحةً فتحصَّلَ في ألفِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها بدلٌ من التنوينِ في الوقفِ. الثاني: أنها للإِلحاق. الثالث للتأنيث. واخْتُلف فيها: هل هي مصدرٌ كدعوى وذكرى، أو اسمُ جمعٍ كأسرى وشتى، كذا قالهما الشيخ. وفيه نظرٌ، إذ المشهورُ أنَّ أسرى وشَتَّى جمعا تكسيرٍ لا اسما جمعٍ. وفاؤُها في الأصلِ واوٌ؛ لأنَّها من المُواترة والوِتْر، فقُلِبَتْ تاءً كما قُلِبَتْ تاءً في تَوْارة وتَوْلج
واختلفوا في مَدْلُولِها: فعن الأصمعيِّ: واحداً بعد واحد، وبينهما مُهْلَة. وقال غيره: هي من المُواترة وهي التتابُعُ بغير مُهْلة. وقال الراغب: «والتواتُرُ: تتابُعُ الشيءِ وِتْراً وفرادى. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ والوَتِيْرَة: السَّجِيَّةُ والطريقة. يقال: هم على وَتيرةٍ واحدةٍ. والتِرَةُ: الذَّحْلُ. والوَتيرة: الحاجزُ بين المَنْخِرَيْن.
قوله: ﴿أَحَادِيثَ﴾ قيل: هو جمعُ» حديث «ولكنه شاذٌّ. وقيل: بل هو جمعُ أُحْدُوْثَة كأُضْحُوكة. وقال الأخفش:» لا يُقال ذلك إلاَّ في الشَّرِّ. ولا يُقال في الخير. وقد شَذَّتِ العربُ في أُلَيْفاظ فجمعوها على صيغة مَفاعيل كأَباطيل وأَقاطيع «. وقال الزمخشري:» الأحاديث تكونَ اسمَ جمعٍ للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم «. قال الشيخ:» وأَفاعيل ليس من
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قوله: ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| ٣٤١٨ - إنَّ الذين غَدَوْا بِلُبِّك غادَروا | وَشَلاً بعينِك لا يَزال مَعيناً |
وأمَّا قراءة الباقين ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنها على حذف اللام أي: ولأَِنَّ هذه، فلمَّا حُذِف الحرفُ جرى الخلافُ المشهورُ. وهذه اللامُ تتعلَّقُ ب «اتَّقون». والكلامُ في الفاءِ كالكلامِ في قوله: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠]. والثاني: أنها منسوقَةٌ على «بما تَعْملون» أي: إنيِّ عليمٌ بما تَعْملون وبأنَّ هذه. فهذه داخلةٌ في حَيِّز المعلومِ. والثالث: أنَّ في الكلام حَذْفاً تقديره: واعلموا أنَّ هذه أمَّتُكم.
| ٣٤١٩ -.................... | كأنني ضاربٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ |
الثاني: أن تكونَ «ما» مصدريةً فينسَبِكُ منه ومِمَّا بعدَها مصدرٌ هو اسم «أنَّ» و «نُسارع» هو الخبرُ. وعلى هذا فلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ «أنْ» المصدريةِ قبل «نُسارع» ليصِحَّ الإِخبارُ، تقديرُه: أَنْ نسارعَ. فلمَّا حُذِفَتْ «أنْ» ارتفعَ المضارعُ بعدَها. والتقديرُ: أَيَحْسَبون أنَّ إِمْدادَنا لهم من كذا مسارعةٌ منَّا لهم في الخيرات. والثالث: أنها مُهَيِّئَة كافَّةٌ. وبه قال الكسائي في هذه/ الآية وحينئذٍ يُوقف على «وَبَنِين» لأنه قد حَصَل بعد فِعْلِ الحُسْبانِ نسبةٌ مِنْ مسندٍ ومسندٍ إليه نحو: حَسِبْتُ أنَّما ينطلق عمروٌ، وأنما تقومُ أنت.
وقرأ يحيى بنُ وَثَّاب «إنما» بكسرِ الهمزة على الاستئنافِ، ويكونُ
وعن أبي بكرة المتقدمِ أيضاً «يُسارَع» بالياء مبنياً للمفعول و «في الخيرات» هو القائمُ مَقامَ الفاعل. والجملةُ خبرُ «أنَّ» والعائدُ محذوفٌ على ما تقدَّم وقرأ الحسن «نُسْرع» بالنون مِنْ «أَسْرَعَ» وهي ك «نُسارع فيما تقدَّم.
و ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ إضرابٌ عن الحُسْبانِ المُسْتفهمِ عنه استفهامَ تقْريعٍ، وهو إضرابُ انتقالٍ.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله: ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هذه الجملةُ حالٌ مِنْ فاعل «يُؤْتُوْن»، فالواوُ للحال.
قوله «أنَّهم» يجوزُ أن يكونَ التقديرُ: وَجِلةُ مِنْ أنَّهم، أي: خائفةٌ مِنْ رجوعِهم إلى ربهم. ويجوزُ أن يكون «لأنَّهم» أي: سَبَبُ الوجَلِ الرجوعُ إلى ربهم.
قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ في الضمير في «لها» أوجهٌ، أظهرها: أنَّه يعودُ على «الخيرات» لتقدُّمِها في اللفظ. وقيل: يعودُ على الجنة. وقيل: على
وقال الزمخشري: «أي فاعلون السَّبْقِ لأجلها أو سابقونَ الناسَ لأجلها». قال الشيخ: «وهذان القولان عندي واحدٌ». قلت: ليسا بواحدٍ إذ مرادُه بالتقدير الأول أَنْ لا يُقَدَّرَ للسَّبْقِ مفعولٌ البتةَ، وإنما الغرضُ الإِعلامُ بوقوعِ السَّبْقِ منهم غيرِ نَظَرٍ إلى مَنْ سَبقوه كقولِه: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ﴿وَكُلُواْ واشربوا﴾ [البقرة: ١٨٧] «يعطي ويمنع» وغرضُه في الثاني تقديرُ مفعولٍ حُذِف للدلالةِ، واللام للعلة في التقديرين.
وقال الزمخشري أيضاً: «أو إياها سابقون أي: ينالونها قبل الآخرة، حيث عُجِّلت لهم في الدنيا». قلت: يعني أنَّ «لها» هو المفعولُ ب «سابقون» وتكون اللامُ قد زِيْدَتْ في المفعولِ. وحَسَّن زيادتَها شيئان، / كلٌّ منهما لو انفرد لاقتضى الجوازَ: كونُ العاملِ فرعاً، وكونُه مقدَّماً عليه معمولُه. قال الشيخ: «ولا يَدُل لفظُ» لها سابِقُون «على هذا التفسيرِ لأنَّ سَبْقَ الشيءِ
وقال الزمخشري أيضاً: «ويجوز أَنْ يكونَ» وهم لها سابقون «خبراً بعد خبرٍ، ومعنى» وهم لها «كمعنى قوله:
٣٤٢٠ - أنت لها أحمدُ مِنْ بينِ البَشَرْ... يعني أنَّ هذا الوصفَ الذي وَصَفَ به الصالحين غيرُ خارجٍ من حَدِّ الوُسْعِ والطاقةِ». فتحصَّل في اللامِ ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنَّها بمعنى «إلى». الثاني: أنها للتعليلِ على بابِها. الثالث: أنَّها مزيدةٌ. وفي خبرِ المبتدأ قولان، أحدُهما: أنه «سابِقون» وهو الظاهرُ. والثاني: أنه الجارُّ كقولِه:
أنت لها أحمدُ مِنْ بينِ البَشَرْ...
وقال ابن عطية: و» حتى «حرفُ ابتداءٍ لا غيرُ. و» إذا «والثانيةٌ التي هو جوابٌ تمنعان مِنْ أَنْ تكونَ» حتى «غايةً ل» عامِلُون «. قلت: يعني أن الجملةَ الشرطيةَ وجوابَها لا يَظْهر أَنْ تكونَ غايةً ل» عامِلون «. وظاهرُ كلامِ
والجُؤَار: الصُّراخُ مطلقاً. وأنشد الجوهري:
| ٣٤٢١ - يُراوِحُ مِنْ صَلَواتِ المَلِيْ | كِ طَوْراً سُجوداً وطَوْراً جُؤارا |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وأمَّا على الثاني وهو تَعَلُّقُه ب «سامِراً» فيجوزُ أن يكونَ الضميرُ عائداً على ما عادَ عليه فيما تقدَّم، إلاَّ النكوصَ لأنهم كانوا يَسْمُرُون بالقرآن وبالرسول أي: يجعلونَهما حديثاً لهم يَخُوضون في ذلك كما يُسْمَرُ بالأحاديث، وكانوا يَسْمُرُون في البيتِ، فالباء ظرفيةٌ على هذا، و «سامِراً» / نصبٌ على الحالِ: إمَّا مِنْ فاعل «تَنْكِصُون»، وإمَّا مِنَ الضمير في «مُسْتَكْبرين».
وقرأ ابنُ مسعود وابنُ عباس وأبو حيوة وتروى عن أبي عمرٍو «سُمَّراً» بضمِّ الفاءِ وفتحِ العين مشددةً. وزيد بن علي وأبو رجاء وابن عباس أيضاً «سُمَّاراً» كذلك، إلاَّ أنَّه بزيادةِ ألفٍ بين الميمِ والراء، وكلاهما جمعٌ ل «سامِِر». وهما جمعان مَقيسان ل «فاعِل» الصفةِ نحو: ضُرَّب وضُرَّاب في ضارِب. والأفصحُ الإِفرادُ؛ لأنه يقعُ على ما فوق الواحِد بلفظ الإِفرادِ تقول: قومٌ سامِرٌ. والسَّامِرُ مأخوذٌ من السَّمَرِ وهو سَهَرُ الليلِ، مأخوذٌ من السَّمَرِ وهو ما يقعُ على الشجر من ضوءِ القمر، فيجلِسُون إليه يتحدثون مُسْتَأْنِسين به. قال الشاعر:
| ٣٤٢٢ - كأَن لم يكُنْ بين الحَجونِ إلى الصَّفا | أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكةَ سامِرُ |
قوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قرأ العامَّةُ بفتح التاءِ وضمِّ الجيمِ، وهي تحتمل وجهين، أحدهما: أنَّها مِن الهَجْرِ بسكونِ الجيمِ، وهو القطع والصَّدُ، أي: تهجُرُون آياتِ الله ورسولَه وتَزْهَدون فيهما، فلا تَصِلُونهما. الثاني: أنها من الهَجَرِ بفتحها وهو الهَذَيانُ. يقال: هَجَر المريضُ هَجَراً أي هذى فلا مفعولَ له. ونافع وابن محيصن بضم التاءِ وكسرِ الجيم مِنْ أهجر إهْجاراً أي: أَفْحَشَ في مَنْطِقِه. قال ابن عباس: «يعني سَبَّ الصحابةِ». زيد بن علي وابن محيصن وأبو نهيك بضمِّ التاءِ وفتحِ الهاء وكسرِ الجيمِ مشددةً مضارعَ هَجَّر بالتشديد. وهو محتمِلٌ لأَنْ يكونَ تضعيفاً للهَجْر أو الهَجَر أو الهُجْر. وقرأ ابن أبي عاصم كالعامَّةِ، إلاَّ أنَّه بالياءِ من تحتُ وهو التفاتٌ.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
واللَّجاجُ: التَّمادِي في العِناد في تعاطي الفعلِ المزجورِ عنه. ومنه اللَّجَّة بالفتح لتردُّد الصوت كقوله:
٤٣٢٣ - في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاناً عن فُلِ... ولُجَّة البحرِ لتردُّدِ أمواجه. ولُجَّةُ الليلِ لتردُّدِ ظَلامِه. واللَّجْلَجَةُ تردُّدُ الكلامِ، وهو تكريرُ لَجَّ. ويقال: لَجَّ وأَلجَّ.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾. وقرىء تَصِفُون، بتاء الخطابِ. وهو التفاتٌ.
قوله: ﴿فتعالى﴾ عطفٌ على معنى ما تَقَدَّم كأنه قال: عَلِمَ الغيبَ فتعالى كقولِك: زيدٌ شجاعٌ فَعَظُمَتْ منزلتُه أي: شَجُعَ فعَظُمَتْ. أو يكونُ على إضمارِ القولِ أي: أقول: فتعالى اللهُ.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
الثالث: قال ابنُ عطية: «حتى» في هذه المواضع حرفُ ابتداءٍ. ويُحتمل أَنْ تكونَ غايةً مجردةً بتقديرِ كلامٍ محذوفٍ. والأولُ أَبْيَنُ؛ لأنَّ ما بعدها هو المَعْنِيُّ به المقصودُ ذِكْرُه «. قال الشيخ:» فَتَوَهَّمَ ابنُ عطية أن «حتى» إذا كانت حرفَ ابتداءٍ لا تكونَ غايةً، وهي وإنْ كانَتْ: حرفَ ابتداءٍ، فالغايةُ معنًى لا يُفاريقها، ولم يُبَيِّنْ الكلامَ المحذوفَ المقدَّرَ «. وقال أبو البقاء:» حتى «غايةٌ في معنى العطفِ». وقال الشيخ: «والذي يَظْهر لي أن قبلها جملةً محذوفةً تكون» حتى «غايةً لها يَدُلُّ عليها ما قبلها. التقديرُ: فلا أكونُ كالكفارِ الذين تَهْمِزُهم الشياطينُ ويَحْضُرونهم، حتى إذا جاء. ونظيرُ
| ٣٤٢٤ - فيا عَجَبا حتى كُلَيْبٌ تَسُبُّني | ......................... |
قوله: ﴿رَبِّ ارجعون﴾ في قوله» ارْجِعُون «بخطابِ الجمع ثلاثةُ أوجهٍ، أجودُها: أنه على سبيلِ التعظيمِ كقولِ الشاعر:
| ٣٤٢٥ - فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكمُ | وإن شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدا |
| ٢٣٢٦ - ألا فارْحَمُوني يا إلَهَ محمدٍ | ........................... |
الثاني: أنه نادى ربَّه، ثم خاطب ملائكةَ ربِّه بقوله:» ارْجِعُون «ويجوز على هذا الوجهِ أَنْ يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: يا ملائكةً ربي، فحذف
الثالث: أنَّ ذلك يَدُلُّ على تكريرِ الفعل، كأنه قال: ارْجِعُون ارْجِعون ارْجِعون. نقله أبو البقاء. وهو يُشْبِهُ ما قالوه في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] أنه بمعنى: أَلْقِ أَلْقِ ثُنِّي الفعلُ للدلالةِ على ذلك، وأنشدوا قولَه:
| ٣٤٢٧ - قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حبيبٍ ومَنْزِلِ | ........................ |
| ٣٤٢٨ - ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطِلُ | ......................... |
قوله: ﴿بَرْزَخٌ﴾ البَرْزَخْ: الحاجِزُ بين المتنافِيَيْنِ. وقيل: الحِجابُ بين
قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ﴾ الأنسابُ: جمعُ نَسَب وهو القَرَابةُ مِنْ جهةِ الوِلادة، ويُعَبَّر به عن التواصلِ، وهو في الأصلِ مصدرٌ. قال الشاعر:
| ٣٤٢٩ - لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً | اتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقِع |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قلت: فجعل الشيخُ الجارُّ والمجرورَ البدلَ دون «خالدون» والزمخشريُّ جعل جميع ذلك بدلاً، بدليلِ قولِه بعد ذلك: «أو خبرٌ بعد خبرٍ ل» أولئك «أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ». وهذان إنما يليقان ب «خالدون»، وأمَّا «في جهنم» فمتعلِّقٌ به، فيحتاج كلامُ الزمخشريِّ إلى جوابٍ. وأيضاً فيصير «خالدون» مُفْلتاً. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ الموصولُ نعتاً لاسمِ الإِشارة وفيه نظرٌ؛ إذ الظاهرُ كونُه خبراً له.
قوله: ﴿كَالِحُونَ﴾ الكُلُوح: تَشْميرُ الشَّفَةِ العليا، واسترخاءُ السُّفْلى. وفي الترمذي: تَتَقَلَّصُ شَفَتُه العليا، حتى تبلغَ وسطَ رأسِه، وتَسْتَرْخي السفلى
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| ٣٤٣٠ - كُلِّفَ مِنْ عَنائِهِ وشِقْوَتِهْ | بنتَ ثمانِيَْ عَشْرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| ٣٤٣١ - إنِّي أتاني حديثٌ لا أُسَرُّ به | مِنْ عَلْوَ لا كَذِبٌ فيه ولا سُخْرُ |
والياءُ في» سِخريَّاً «و» سُخْريَّاً «للنسبِ زِيْدَتْ للدلالةِ على قوةِ الفعل، فالسُّخْرِيُّ أقوى من السُّخْر، كما قيل في الخصوص: خصوصيَّة، دلالةً على قوةِ ذلك، قال معناه الزمخشري.
و «كم» في موضعِ نصبٍ على ظرفِ الزمانِ أي: كم سنة. و «عددَ» بدلٌ مِنْ «كم» قاله أبو البقاء: وقال غيره: إن «عد سنين» تمييز ل «كم» وهذا هو الصحيحُ.
وقرأ الأعمش والمفضل عن عاصم «عَدَداً» منوناً. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أَنْ يكونَ «عدداً» مصدراً أُقيم مُقام الاسمِ، فهو نعتٌ تقدَّم على المنعوت. قاله صاحب «اللوامح». يعني أن الأصل: «سنين عدداً» أي: معدودة، لكنه يُلتزم تقديمُ النعتِ على المنعوتِ، فصوابُه أن يقول: فانتصبَ حالاً. هذا مذهبُ البصريين. والثاني: أنَّ «لَبِثْتُم» بمعنى عَدَدْتُم. فيكون نصبُ «عدداً» على المصدر و «سنين» بدلٌ منه. وقال صاحب «اللوامح» أيضاً: «وفيه بُعْدٌ؛ لعدم دلالة اللُّبث على العدد». والثالث: أنَّ «عدداً» تمييزٌ ل «كم» و «سنين» بدلٌ منه.
قوله: ﴿وَأَنَّكُمْ﴾ يجوز أَنْ يكونَ معطوفاتً على ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ فيكونُ
قوله: ﴿لاَ تُرْجَعُونَ﴾ هو خبر «أنَّكم». وقرأ الأخوان «تَرْجِعُون» مبنياً للفاعل. والباقون مبنياً للمفعول. وقد تقدَّم أنَّ «رَجَعَ» يكون لازماً ومتعدياً. وقيل: لا يكون إلاَّ متعدِّياً والمفعولُ محذوفٌ.
الثاني: من الوجهين الأولين: أنَّ جوابَ الشرطِ» قولُه لا بُرْهانَ له به «كأنه فَرَّ مِنْ مفهومِ الصفةِ لِما يلزمُ مِنْ فسادِه فَوَقَعَ في شيءٍ لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةِ شعرٍ، وهو حَذْفُ فاءِ الجزاءِ من الجملةِ الاسميةِ، كقوله:
| ٣٤٣٢ - مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُها | ........................ |
قوله: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ﴾ الجمهور على كسرِ الهمزةِ على الاستئنافِ المُفيد للعلمِ. وقرأ الحسنُ وقتادةُ» أنه «بالفتح. وخَرَّجَه الزمخشري على أَنْ يكنَ خبر» حِسابُه «قال: ومعناه: حسابُه عدمُ الفلاحِ. والأصلُ: حسابُه أنه لا يُفلح هو، فوضع» الكافرون «في موضع الضمير، لأن مَنْ يَدْعُ في معنى الجمع وكذلك» حِسابُه أنه لا يُفلح «في معنى: حسابهم أنهم لا يُفْلحون» انتهى. ويجوزُ أَنْ يكونَ ذلك على حَذْفِ حرفِ العلةِ أي [ل] أنَّه لا يُفْلح. وقرأ الحسن «لا يَفْلح» بفتح الياءِ واللام، مضارعَ فَلَح بمعنى أفلح، فَعَل وأَفْعَل فيه بمعنىً. والله أعلم، وهو يقول الحقَّ ويَهْدي السبيلَ.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
97 مقطع من التفسير