تفسير سورة سورة الأنعام
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب
أوضح التفاسير
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ت 1402 هـ)
الناشر
المطبعة المصرية ومكتبتها
الطبعة
السادسة، رمضان 1383 ه - فبراير 1964 م
-[١٥١]- ﴿إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ لا يأبهون بها، ولا يلتفتون إليها؛ وأي معجزة أكبر أو أجل من القرآن؟ وأي برهان أقوى من رسالة محمد عليه الصلاة والسلام؟ ذلك اليتيم الذي آواه الله، والضال الذي هداه، والعائل الذي أغناه والأمي الذي أخرس بفصاحة ما جاء به البلغاء والفصحاء، وتحدى بآياته أساطين البيان
﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾ فتعالى الخالق المبدع المصور؛ الذي هدانا برسول من أنفسنا، نأنس إليه، ونلتمس غنى الدارين من يديه ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم﴾
-[١٥٢]- لخلطنا عليهم ﴿مَّا يَلْبِسُونَ﴾ على أنفسهم؛ بأن يقولوا على الملك الذي أنزلناه في صورة رجل ﴿مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
-[١٥٣]- ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم﴾ بتعريضها للجحيم والعذاب الأليم ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بمحمد؛ رغم معرفتهم له كمعرفتهم لأبنائهم
هذا وقد ظهر في زماننا هذا قوم من غلاة الزنادقة ينكرون البعث، ويقولون بالتعطيل وفي الواقع أن عقولهم وقلوبهم هي المعطلة؛ وسيرون غداً حينما تلتهمهم النيران، ويحل بواديهم الخسران؛ من أضل سبيلاً، وأسوأ قيلا (انظر مبحث التعطيل بآخر الكتاب)
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر وتفكر ﴿وَالْمَوْتَى﴾ الكفار؛ سماهم موتي: لأن حالهم كحالهم ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ يوم القيامة، ويوقفهم على النار؛ فيقولون: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
وقد شغف أناس كثيرون من علماء الحيوان والنبات بدراسة هذه الأمم - من الحيوان والطير - فرأوا عجباً يضيق بصنعه بنو الإنسان فإنك لو أردت أن ترى آية في الاختراع، وغاية في الإبداع؛ لما وجدت أروع ولا أبدع من لوح الشمع الذي يصنعه النحل بنفسه؛ فإن الرسام المبدع لا يكاد يستطيع أن يرسم بأدواته وأقلامه ما رسمه النحل بتوفيق من ربه؛ وناهيك باختياره للورود والأزهار التي يرتشف منها الرحيق الذي يحوله - بقدرة ربه وإلهامه - إلى شراب مختلف الطعوم والألوان
هذا عدا النظام الدقيق الذي تسير عليه مملكة النحل؛ مما تعجز أساطين العقول البشرية عن الإتيان بمثله؛ فسبحان من خلقه وسخره، وأوحى إليه بأمره؛ فاستمع إلى وحي ربه؛ شأن فضلاء بني الإنسان
ولو تأملت إلى مملكة النمل، وما هي عليه من نظام محكم دقيق، لصغرت أمامك نفسك، وهانت عليك حكمتك وتدبيرك؛ فقد ثبت أنه من خير الأمم المنظمة؛ التي تدبر حيانها ومعيشتها، وتحفظ في يومها لغدها، وتثابر في عملها حتى تنال مرادها؛ وترى النمل إذا نزلت به نازلة، أو اجتاحته جائحة؛ لا تفتر عزيمته، ولا تنهار قوته؛ بل يعتبر النمل نفسه وحدة لا تتجزأ، وأنه يجب التضحية بالفرد لمصلحة المجموع؛ فكما يدفع الإنسان عن نفسه - ما يصيبه في هذه الحياة - بيده أو بأي عضو من أعضائه، ويضحي بزهرة أبنائه في سبيل الدفاع عن أرضه ووطنه؛ فكذلك النمل يضحي ببعضه في سبيل حياة باقية؛ فتراه إذا دهمه مطر أو سيل
والذي يبدو أن الله تعالى خلق هذه المخلوقات وأبدع هذه الكائنات؛ لخدمة بني الإنسان ومنفعته الخاصة؛ ولا تقف هذه المنافع عند المنفعة المادية فحسب، بل هناك منافع أدبية وتعليمية لا حد لها؛ فالمؤمن الصادق الإيمان يجب عليه أن يقلد هذه الأمم - التي هي دونه في الخلقة، وفوقه في الخلق - فلا يعيش لنفسه فقط، ولا يقصر جهده على ما يعود عليه وحده بالمنفعة؛ بل يجب أن يكون كالنحلة: دائب العمل لمصلحة الآخرين؛ فما من شك أن النحل يأكل من الثمار والأزهار ليحفظ نفسه وحياته؛ ولكنه لا يكتفي بهذا القدر؛ بل يسعى جاهداً لتوفير القوت والشراب لغيره
وكذلك النمل: فإن تدبيره لمعايشه؛ يفوق تدبير كثير من المخلوقات؛ فإن مثابرته وكده، وتضحية بعضه في سبيل بعضه؛ كل ذلك سخره الله تعالى ليستفيد منه بنو الإنسان ما يجعلهم أهلاً للخلافة في هذه الأرض؛ ليعمروها بالخير والبر فتبارك الخالق البارىء المصور؛ الهادي للحيوان، والمنعم على الإنسان فليتدبر ذلك من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (انظر آية ٦٩ من سورة النحل) ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ﴾ ما تركنا في اللوح المحفوظ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ لم نثبته ونبينه ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ يوم القيامة ﴿يُحْشَرُونَ﴾ يجمعون؛ فيقتص للجماء من القرناء؛ بل يقتص من بني الإنسان، ما فعله بالحيوان (انظر آية ٤٠ من سورة النبأ)
-[١٥٧]- طريق النعيم المقيم
وعند الآخرين بمعنى: أخبروني ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ الذي توعدكم به في الدنيا ﴿أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ﴾ القيامة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ ليكشف ما حل بكم. والمعنى: هل يوجد عندئذ من يستطيع أن يمنعكم من عذاب الله تعالى، أو أن يدفع عنكم بأسه
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أي بما أخذه منكم ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
-[١٥٨]- «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ذهب بعضهم إلى تفضيل الملك على الرسول؛ بدليل هذه الآية. والآية الكريمة لا يؤخذ منها التفضيل؛ بل المراد نفي الأفعال الخارقة للعادة، والتي لا تتأتى إلا من الملائكة عليهم الصلاة والسلام ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾ ما أتبع فيما أقول وأعمل ﴿إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ من ربي ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى﴾ الكافر ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ المؤمن ﴿أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذلك فتؤمنون
يعبدونه ويتضرعون إليه ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي صبحاً ومساءاً ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يطلبون مرضاته تعالى؛ ولا يبتغون شيئاً من أعراض الدنيا
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أي يقوله، ويتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره وفي قراءة ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ الحاكمين
-[١٥٩]- وأين تسقط، وكم مرة تدور في الهواء، وكم مرة تتقلب على الأرض عند سقوطها ﴿وَلاَ حَبَّةٍ﴾ من الحبوب؛ كالبر والشعير والذرة والعدس ونحوه؛ إلا يعلم كيف تنبت، ومتى تنبت، ومن يجتنيها، ومن يأكلها؛ وقد تحمل الحبة من قطر إلى قطر، وتجوب البحار والأنهار؛ جرياً وراء آكلها؛ حتى تستقر في جوف من كتبت له، وزرعت من أجله؛ فتعالى الخالق الرازق، العليم الحكيم ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ مكتوب ﴿مُّبِينٌ﴾ بيّن واضح؛ وهو اللوح المحفوظ: كتب فيه لتعلمه الملائكة الموكلون بانفاذ أوامره تعالى
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى﴾ وهو انقضاء آجالكم (انظر آية ٤٢ من سورة الزمر) ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم عليه
-[١٦٠]- المؤمنين به
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قال «أعوذ بوجهك» فلما نزل ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك» فلما نزل ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: «هذا أهون وأيسر». وقد ذهب بعض مفسري هذا العصر إلى أن قوله تعالى: ﴿عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ هو ما يلقى من الطائرات، من قنابل ومهلكات، وقوله: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ هو الديناميت الذي يدسه الأعداء في باطن الأرض؛ يدل على ذلك ما بعده: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ولم يقل ويذيقكم بأسه. وهو قول ظاهر التكلف، بادي التعسف. والمعنى المراد من الآية: ﴿عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ هو الصواعق - التي أهلك الله تعالى بها كثيراً من مكذبي الأمم قبلنا - وما تلقيه البراكين من الأحجار والحمم. وقوله: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ هو الخسف والزلازل؛ أعاذنا الله تعالى من نقمته، بمنه ورحمته
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿لَعِباً وَلَهْواً﴾ سخرية واستهزاء ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ خدعتهم بزخرفها وبهرجها؛ فانقادوا إليها، وتمسكوا بها؛ وتركوا الآخرة وما يوصل إليها وراء ظهورهم ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ عظ بالقرآن، أو بالدين ﴿أَن تُبْسَلَ﴾ مخافة أن تبسل. والبسل: الحبس، والفضيحة، والهلاك. والبسل: أيضاً الإعجال والشدة. وأصل الإبسال: المنع ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ وإن تقدم كل فداء؛ والعدل: المثل ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ﴾ حبسوا، أو فضحوا، أو أهلكوا ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ ماء شديد الحرارة
-[١٦١]- عبادة الأصنام؛ ونكون ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ﴾ أضلته ﴿الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ﴾ بإغوائهم وتزيينهم؛ وصيرته ﴿حَيْرَانَ﴾ لا يدري ما هو فاعل، وماذا تكون عاقبته؟ ﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾ رفقة خيرون؛ يتمنون نجاته من زلته وتخليصه من سقطته ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ قائلين له ﴿ائْتِنَا﴾ أي ارجع عن غيك، وتعال في زمرتنا. فلا يجيبهم إلى ما يطلبونه، ولا يتبعهم إلى الهدى ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ الإسلام، والتوفيق إليه ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ وما عداه فهو ضلال ووبال
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿كُنَّ﴾ هي في الواقع تقريب لأذهاننا؛ لنعلم أنه تعالى لا يعجزه مطلب، ولا يؤده شيء - مهما عظم - وفي الحقيقة أنه تعالى إذا أراد شيئاً: كان؛ بغير افتقار للفظ ﴿كُنَّ﴾ فتعالى القادر المقتدر ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ﴾ القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. وقيل: «الصور» جمع صورة؛ كبسر وبسرة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[١٦٢]- ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ﴾ من كل الكواكب التي ظننتها رباً ﴿فَلَمَّآ أَفَلَتْ﴾ غابت وامحى ضوؤها؛ وأثبت إبراهيم لقومه بذلك أن الله المعبود: يجب أن يكون أكبر من كل شيء، وأنه يجب ألا يطرأ عليه التغير، ولا يجوز له الأفول حينذاك انتقل إبراهيم من الاستدلال إلى التقرير، ومن الاستقراء إلى التوثيق والتثبت؛ وواجه قومه بما يجب أن يواجههم به؛ قائماً بالدعوة المطلوبة منه والمرسل بها ﴿قَالَ يقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ به الله تعالى في العبادة
﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بشرك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أو هو الظلم نفسه ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ من العذاب في الدنيا، والأمن بالنجاة من النار في الآخرة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[١٦٤]- ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ تبدون منها ما يروق لكم من الأحكام، وتخفون كثيراً مما يثقل عليكم؛ وهو خطاب لليهود ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى﴾ ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ دعهم واتركهم ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ باطلهم الذي يخوضون فيه
-[١٦٥]- ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ﴾ آلهتكم؛ وقد كنتم تقولون عنها: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ﴾ أي في استحقاق عبادتكم ﴿شُرَكَآءَ﴾ لله ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي تشتت جمعكم ﴿وَضَلَّ﴾ غاب ﴿عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا من شفاعتها لكم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[١٦٦]- ﴿انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ﴾ كيف يكون فجاً؛ لا طعم فيه، ولا لون له، ولا رائحة انظروا بعد ذلك إلى نضجه؛ بعد أن تتحول مرارة الثمرة إلى حلاوة، ويابسها إلى طراوة، وخضرتها إلى احمرار أو اصفرار؛ حتى تلذ في الطعم، وتلين في القضم، وتسهل في الهضم؛ وهذا كله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
كما قالوا: ﴿لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ﴾ ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ كما قالوا ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا﴾ ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾ جمع قبيل؛ أي أفواجاً. كما قالوا ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ أي إنا لو أجبناهم لما سألوا، وحققنا لهم كل ما اقترحوا ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ إيمانهم؛ فليلجأوا إلى ساحته، وليهرعوا إلى طاعته
﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ يرضوا بما أوحت به الشياطين ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ ليكتسبوا. والاقتراف: ارتكاب الإثم
﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون. والخرص: الكذب، والتخمين
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ظلمات الكفر والجهل والخطيئة. (انظر آية ١٧ من سورة البقرة) ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ أي من هذه الظلمات. وكيف يخرج منها وهو لم يحاول الخروج، ولم يسع إليه، ولم يفكر فيه؟ ﴿كَذلِكَ﴾ كما زين للمؤمنين إيمانهم ﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وقد زين الله تعالى للمؤمنين أعمالهم، وللكافرين أعمالهم؛ بعد عرض الإيمان عليهم جميعاً: فآمن المؤمنون، وكفر الكافرون يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ فترى أن التزيين قد حصل بعد عدم الإيمان
أي يزيده على ضلاله الذي اختاره لنفسه وارتضاه ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ الحرج: شدة الضيق والانقباض ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ﴾ أي يتصعد فيها؛ وهو كناية عن بعد منال الإيمان، وعن تكلفه ما لا يطيقه، أو هو كناية عن الضيق الذي يأخذ بتلابيبه من كل جانب ﴿كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ العقاب والغضب ﴿عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بالله، ولا يصدقون برسله
في الجنة، أو دركات في النار ﴿مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ من خير أو شر (انظر آية ٣١ من سورة الأحقاف)
-[١٧٢]- ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ ليهلكوهم بهذا الجرم والإثم ﴿وَلِيَلْبِسُواْ﴾ ليخلطوا ﴿عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ فلا يعرفون ما أحله الله تعالى مما حرمه ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ ولكنه تعالى تركهم وشأنهم: خلق لهم عقولاً يفكرون بها، وبعث لهم رسلاً يهدونهم إلى ما ينفعهم، وأنزل عليهم كتباً يستضيئون بنورها، ويسيرون على هديها، وأبان لهم فيها ما يضرهم وما ينفعهم ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ﴾ ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ﴿فَذَرْهُمْ﴾ دعهم يا محمد واتركهم ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ وما يختلقون من باطلهم من جملة افترائهم وكفرهم أن ﴿الأَنْعَامِ﴾ على الأنعام والحرث التي وهبها الله تعالى لهم، وأحلها لمن شاء من عباده
من الأجنة والألبان ﴿خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ قيل: هي البحائر والسوائب؛ كانوا يخصون الذكران وحدهم بشرب ألبانها وأكل أولادها ﴿وَإِن يَكُنْ﴾ الجنين ﴿مَّيْتَةً فَهُمْ﴾ نساءً ورجالاً ﴿فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ يأكلونه جميعاً ﴿سَيَجْزِيهِم﴾ ربهم ﴿وَصْفَهُمْ﴾ أي سيجزيهم عقوبة كذبهم وافترائهم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم﴾ خلق لكم وأبدع ﴿جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ حدائق ذات أفنان وظلال ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ أي ثمره الذي يؤكل؛ يختلف في الطعم؛ فهذا حلو، وهذا حامض، وهذا من ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً﴾ في الخلقة والشكل والأغصان والأوراق ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطعم ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ﴾ أي زكاته ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بدون تأخير؛ فقد وجب حق الفقير بالحصاد. وقيل: المراد بحقه: التصدق من الحب والثمار على الفقراء؛ وهو حق ثابت: مأمور به، مثاب عليه، معاقب على تركه وهل يجوز لك - أيها المؤمن الكريم - أن تنعم وعيالك برزقالله؛ دون أن تؤتي منه عيال الله؟ وهل يجوز لك - أيها المؤمن الرحيم - أن تبيت مطمئن النفس، ممتلىء البطن؛ والفقير بجوارك طاوي الكشح، متطلع إليك، حانق عليك؟
وقد تغالى بعض الصوفية؛ فقال: إن لكل نعمة حقاً، وأن مرتب الموظف يستحق حقه يوم قبضه؛ الذي هو «يوم حصاده».
-[١٧٣]- ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ في حبس الزكاة عن أربابها، والحقوق عن أصحابها؛ إذ أن هذا هو منتهى الإسراف في البخل أو أريد بالإسراف: الخطأ في العطية؛ بأن يعطي من لا يستحق. وزعم قوم من المفسرين - أثابهم الله تعالى - أن الإسراف: مجاوزة القدر في الإعطاء؛ حتى يجحف صاحب المال بنفسه. وهو قول غير مستساغ؛ إذ أنه لا سرف في الخير وقد فاتهم أن الله تعالى أعقب ذلك بقوله ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وما من أحد يؤمن ب الله واليوم الآخر يستطيع أن يقول: إن الباذل ماله في سبيل مرضاتالله؛ مستوجب لغضبالله، والحرمان من محبته؛ وهو جل شأنه القائل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾.
يقول الله تعالى:
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فانظر - يا رعاك الله - كيف عبر تعالى بقوله: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وتأمل واعلم أن للمال حقاً في أعناقنا؛ يأمرنا الله تعالى بأدائه لأربابه وانظر لمبلغ هذا النظام، الذي وضعه خالق الأنام؛ ومدى إنصافه وحسنه، والفائدة التي تعود على المعطى قبل العاطي، وعلى المنفق قبل المنفق عليه: نتملك الأرض فتنبت لنا من خيراتها، بغير حول لنا ولا قوة؛ بل بقدرته تعالى وإرادته ويأمرنا الرزاق الوهاب لسائر هذه النعم أن نعطي الفقير حقه فيها - ولو شاء لجعله المالك لها، ونحن الفقراء إلى قليل العطاء - فنأبى إلا أن نشح ونبخل؛ فنورد أنفسنا النيران، ويحل بوادينا الخسران فانظر بربك أيها المنصف لو أن الخلائق عملت بإرشاد الخالق
-[١٧٤]- وأخرجت ما في ذمتها من الصدقات والزكاة؛ لما بقي على ظهرها إنسان يشتكي الفقر والحرمان؛ ولحل الوئام مكان الخصام، والوفاق مكان الشقاق وإذا نظرت - بعين التدبر - إلى معظم الجرائم لوجدت أن السبب الأول؛ بل السبب الأوحد فيها هو المال والمال وحده: يتمتع الغني بسائر ضروب التمتع، ويكسر قلب الفقير بما يظهره من نفيس الملبس، ولذيذ المطعم، وفاره المركب فيدفعه الفقر، والحقد، والجوع إلى ارتكاب السرقة، والنهب، والسلب، والقتل ويعلم الله تعالى وحده أن تبعة هذه الآثام لا تقع على الجاني؛ بل على المجنى عليه فليبادر من يتقي الله ويخشاه، ويحذر عقاب آخرته وشقاء دنياه؛ وليخرج ما في عنقه من زكاة ماله، وصدقات أوجبها عليه ربه؛ عن طيب خاطر وصفاء نية؛ ففي هذا النعيم الأكبر، والخير الأوفر
-[١٧٥]- أي ذكر اسم غير الله تعالى عليه؛ وسمي «فسقاً» لأنه خروج عن طاعة الله تعالى، وإعلاء لاسم غير اسمه، في موضع يجب ذكر اسمه تعالى فيه؛ وقد كانوا في الجاهلية يذبحون على النصب، ويذكرون اسم آلهتهم. ويقاس عليه ما يفعله الآن جهلة العوام من تسمية الأولياء عند الذبح؛ خاصة في الموالد التي يقيمونها
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إلى أكل شيء من هذه المحرمات؛ كأن أوشك على الهلاك جوعاً، ولم يجد ما يتبلغ به سوى ميتة، أو لحم خنزير، أو دماً، أو ذبيحة أُهل لغير الله بها؛ فله أن يتناول منها القدر الذي يسد رمقه فحسب؛ ولا يزيد فيبلغ بما يأكل حد الشبع؛ وبشرط أن يكون ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على أحد من جماعة المسلمين: كأن يكون قاطعاً للطريق، أو مبتغياً لإثم؛ وأوشك من جوعه على التلف؛ فإنه ليس له أن يتمتع برخصة الله تعالى؛ إلا أن يتوب وينيب؛ كما أنه ليس له أن يأخذ برخصة الإفطار في رمضان وقصر الصلاة؛ في حالة السفر ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معتد على آخر؛ بأن يختطف قوته من هذا المأكول الحرام المحلل. أو هو ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ متلذذ بما يأكل؛ بغير ضرورة ملحة ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ متجاوز حاجته التي تدفع عنه الموت
أشرك فهو راض عن هذا الشرك؛ ولو لم يرضه ﴿مَآ أَشْرَكْنَا﴾ وهي حجة الكافرين والمعاندين في سائر العصور: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ يحاجون بذلك ربهم؛ وحجته تعالى قائمة عليهم؛ وله تعالى الحجة البالغة: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك التكذيب ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقالوا مثل قولهم ﴿حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا﴾ عذابنا ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾ بأن الله تعالى راضٍ عن
-[١٧٦]- شرككم وشرك آبائكم؟ ﴿وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ تكذبون
انظر آيتي ٢٠٠ من سورة الشعراء، و٢٨ من سورة التكوير)
-[١٧٧]- فيهما؛ وبذلك تضيق صدورهما؛ لذلك أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان في حدود الطاقة البشرية؛ بغير ما ظلم ولا غبن ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ﴾
أي إذا حكمتم بين الناس، أو أديتم شهادة؛ فاحكموا بينهم وأدوا الشهادة بالعدل ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المحكوم عليه أو المشهود ضده ﴿ذَا قُرْبَى﴾ وذلك عهد الله تعالى عهد به إليكم ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾ لتؤجروا، وتذوقوا حلاوة الطاعة وعزها، وتتجنبوا مرارة المعصية وذلها (انظر آية ١٤ من سورة لقمان)
﴿وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ﴾ أي عن دراسة هذه الأمم لكتابيها ﴿لَغَافِلِينَ﴾ لأنهما لم ينزلا بلساننا، ولا بلغتنا، ولم نؤمر باتباعهما. فأنزل الله القرآن قطعاً لهذه الحجة؛ ومنها يعلم أن الله تعالى لا يؤاخذ من لم يصلهم كتاب، ولم ينذرهم رسول؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾
-[١٧٨]- آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أسوأه
بل كان أول الهادمين للشرك، المستدلين على الوحدانية بالعقل والمنطق والتدبر (انظر الآيات ٧٦ وما بعدها من هذه السورة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تم عرض جميع الآيات
160 مقطع من التفسير