تفسير سورة سورة الحج
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب
أوضح التفاسير
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ت 1402 هـ)
الناشر
المطبعة المصرية ومكتبتها
الطبعة
السادسة، رمضان 1383 ه - فبراير 1964 م
ذهب المفسرون إلى أن المراد بها: قطعة دم جامدة والذي أراه أن المراد بالعلقة: واحد الحيوانات المنوية، التي يتخلق منها الجنين بأمر الله تعالى؛ وتجمع على «علق» قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ﴿ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ﴾ قطعة لحم صغيرة؛ قدر ما يمضغ في الفم ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أي تامة الخلقة، وغير تامتها ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ﴾ أي نثبت في الأرحام ما نشاء ثبوته؛ وما لم نشأ إبقاءه: أسقطته الأرحام. فليس كل من حملت أنتجت
-[٤٠١]- ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ هو وقت استيفاء الجنين مدته في الرحم ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ﴾ كمال قوتكم؛ وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين (انظر آية ٢١ من سورة الذاريات) ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أردئه؛ وهو الكبر المؤدي إلى الهرم والخرف ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ أي لينسى ما عرفه، ويجهل ما علمه؛ لذهاب عقله، ومزيد كبره ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ قال عكرمة: من قرأ القرآن: لم يصر إلى هذه الحالة نفعنا الله تعالى بكتابه، وكتبنا من أحبابه، وشفعه فينا، وجعله حجة لنا لا علينا ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ ساكنة يابسة ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ﴾ بالمطر، أو بالسقيا من ماء المطر نفسه - المنساب في الأنهار والآبار - وذلك بعد وضع البذر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحركت لطلوع النبات ﴿وَرَبَتْ﴾ انتفخت وارتفعت ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ من كل صنف حسن، سار للناظرين
﴿هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ﴾ كما أنشأ الخلق ابتداء، وأماتهم ﴿يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ويبعثها يوم القيامة للحساب والجزاء؛ فتعالى الله الخالق ما يريد، الفاعل ما يشاء
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٤٠٢]- ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ رجع إلى كفره: يائساً من رحمة الله تعالى؛ وبذلك يكون قد ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ بفوات ما أمله فيها، وأراده منها خسر ﴿الآخِرَةَ﴾ لأن الله تعالى لم يعدها إلا للمتقين؛ و ﴿ذلِكَ﴾ الخسران ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الواضح؛ الذي لا خسران بعده
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ بحبل ﴿إِلَى السَّمَآءِ﴾ أي إلى السقف؛ لأن كل ما علاك فهو سماء ﴿لْيَقْطَعْ﴾ أي ثم ليختنق ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ أي «هل يذهبن كيده» لنفسه بالاختناق؛ الأمر الذي يغيظه: وهو ظنه بأن الله تعالى لن يرزقه، أو بأن الله تعالى لن ينصر رسوله؛ وقد نصره في الدنيا: بنصره، ورفعة شأنه، وإعلاء دينه؛ وفي الآخرة: بالمقام المشهود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى
-[٤٠٣]- ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ﴾ كل هؤلاء يسجدلله تعالى. أي يطيعه، ويخضع لأوامره. أو هو سجود على الحقيقة: يتمثل في ظل هذه الأشياء ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ أي ويسجد له كثير من الناس؛ وهم المؤمنون ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي وجب عليه؛ لكفره، وفسوقه عن أمر ربه ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ يشقه بالكفر ﴿فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ أي ليس له من مسعد يرتفع به إلى مصاف المؤمنين، ويدفع عنه ما كتبه عليه أحكم الحاكمين
وإنما يهن الله تعالى من استوجب الشقاء والمهانة، وارتضى لنفسه خسة الكفر، وذلة الجهل؛ وأبى رفعة الإيمان، وعزة العلم
هذا ولا يعقل أصلاً أن المولى الكريم يهين من لا ذنب له، ولا إثم عليه؛ بعد أن رفعه وكرمه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ وقد اعتاد أكثر المفسرين - سامحهم الله تعالى - على أن يذهبوا في مثل هذه المعاني مذاهب شتى؛ يأباها العدل السماوي، وتنبو عنها الحكمة الإلهية؛ ويتسترون وراء معان فخمة ضخمة؛ هي في الواقع عين الحقيقة، ولب الشريعة. وإلا فمن ذا الذي ينكر أنه تعالى يفعل ما يريد؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ أو أن الأمر أمره، والخلق خلقه؟ وأن الجميع ملك له وعبيد؟ إن من ينكر هذا أو بعضه؛ فإنه واقع في الكفر لا محالة: لأنه قد أنكر ما لا يصح الإيمان إلا به إنما الذي ننكره، ونحارب من أجله، ونلقى الله تعالى عليه: أنه تعالى ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ﴾ وأنه جل شأنه لا يظلم الناس، ولكن الناس ﴿كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فإذا أهان الله تعالى عبداً؛ فإنما يعاقبه بهذه الإهانة على ظلم نفسه؛ بالرضا بالكفر، والركون إليه قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.
لذا أتبع الله تعالى ذلك بذكر خصومة المؤمنين والكافرين، وما يؤول إليه حال كل منهم. قال تعالى:
-[٤٠٤]- ليظهر مبلغ ما يحيق بهم من آلام لا توصف: فإن الإنسان لا يحتمل أدنى ألم - مهما قل - يلم بما في بطنه؛ فما بالك - عافاني الله تعالى وإياك - بالحميم في الجحيم؛ يصب فوق الرؤوس؛ فيصهر ما في البطون
هذا ولم يؤاخذ الله تعالى أحداً من خلقه على الهم بالمعصية ما لم يرتكبها، ولا بالشروع فيها ما لم يأتها؛ إلا في المسجد الحرام: فإن من يهم فيه بالذنب: كمن يقترفه وذلك لأن الإنسان يجب عليه أن يكون في الحرم طاهر الجسم، نقي القلب، صافي السريرة، خالصاً بكليتهلله، طامعاً في مغفرته، مشفقاً من غضبه وإن من ينتهك حرمة الملك بمعصيته في حماه، وداخل بيته: أجرأ على المعصية ممن يرتكبها بعيداً عنه وحقاً إن من تهجس نفسه بالسوء؛ وهو في داخل الحرم الآمن: لجدير بالجحيم، والعذاب الأليم
-[٤٠٥]- ليتعارفوا، ويتحابوا، ويتبادلوا الآراء العامة؛ التي تعود بالنفع على الأمة الإسلامية في سائر أقطار المعمورة ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ﴾ الذي أصابه بؤس وشدة
والتفث في اللغة: الوسخ. أي وليزيلوا وسخهم ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ من الهدايا والضحايا ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ﴾ يطوفوا طواف الإفاضة؛ الذي هو من واجبات الحج ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ القديم؛ وهو البيت الحرام. وسمي بالعتيق: لأنه أول بيت وضع للناس. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾
أي مكان وجوب نحرها. والضمير للأنعام
-[٤٠٦]- ﴿التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ أي إنه تعالى لن يصل إليه، ولن يقبل من ذلك إلا ما أريد به وجهه جل شأنه؛ فذلك وحده هو المقبول المجزى عليه أما ما أريد به التظاهر والتفاخر والرياء والاستعلاء: فهو مردود على فاعله موزور عليه غير مأجور
بعد أن بيّن تعالى مساوىء القتال الظالم، الغير المتكافىء، والقائم على الإثم والضلال: عرفنا أن الحروب والقتال: ليست شراً كلها؛ بل منها ما يقوم بسبب مشروع: يؤجر المرء ويثاب عليه. قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي لولا ما شرعه الله تعالى لأنبيائه والمؤمنين من عباده؛ من قتال أعدائه: أعداء الدين؛ لشاعت الفوضى، وعمت الإباحية؛ و ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ جمع صومعة؛ وهي مكان العبادة. وهي للنصارى كالخلوة عند متعبدي المسلمين لهدمت ﴿بَيْعٌ﴾ وهي كنائس النصارى ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ كنائس اليهود ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ المسلمين. وكلها معابد: واجب العناية بها، والاحترام لها؛ وذلك لأنها جميعاً ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ بالعبادة ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ أي من ينصر دينه، ويدفع عن أوليائه؛ لأنه تعالى لا يحتاج إلى نصرة أحد، والكل مفتقر إلى نصرته وهذه الآية الكريمة خاصة بالحروب، وحاجة الكون إليها، وأنها ضرورة من ضرورات الحياة، ولازمة من لوازم العمران. (انظر آية ٢٥١ من سورة البقرة)
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
-[٤٠٧]- ﴿أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي أهلكناها بسبب كفرها ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ أي وكم من بئر متروكة لا ينتفع بها؛ بسبب هلاك أهلها وإفنائهم كم من عظيم ﴿مَّشِيدٍ﴾ رفيع طويل متين
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وكم من قرية ﴿أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ أمهلتها ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ كافرة. والمراد بالقرية فيما تقدم: أهلها ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب والاستئصال ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ المرجع؛ فأعاقب الكفار أشد العقاب
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
والذي أراه في معنى هذه الآية: أن يكون التمني على ظاهره. أي ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى﴾ لأمته الإيمان ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي﴾ سبيل ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ يمحوه ويذهبه من قلوب أوليائه ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ بأن يجعلها مقبولة لدى من سبقت لهم الحسنى، وحازوا المقام الأسنى أما ما ذهب إليه أكثر المفسرين فباطل مردود؛ لا يستسيغه عقل مؤمن، ولا يقبله قلب سليم وهو زعمهم بأن الرسول الكريم - الذي لا ينطق عن الهوى - نطق بلسانه؛ حين بلغ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ قائلاً: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. هذه القالة التي لا ينطق بها مؤمن فضلاً عن سيد المؤمنين؛ الذي هدانا لتوحيد رب العالمين وقد استدلوا على قولهم الباطل بأحاديث واضحة البطلان، بادية الخسران وقد نبه إلى ذلك بعض فضلاء الأمة: قال ابن إسحق في حديث الغرانيق: هو من وضع الزنادقة. وقال أبو بكربن العربي: إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له. وقال القاضي عياض: إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم؛ وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون؛ المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٤٠٩]- ﴿لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ على من بغى عليه ﴿ذلِكَ﴾ النصر المستمد من الله تعالى؛ لأنه وحده القادر القاهر، العفو الغفور؛ ومن قدرته تعالى أنه:
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يبطشون ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ أي بالمؤمنين الذين يتلون عليهم القرآن ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم﴾ أيها الكافرون المكذبون ﴿بِشَرٍّ مِّن ذلِكُمُ﴾ التكذيب، وإيذاء المؤمنين ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ أمثالكم من ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أو يكون المعنى: «قل أفأنبئكم» أيها المؤمنون «بشر من ذلكم» أي هل أخبركم بما هو شر من بطش هؤلاء الكفار، وإنكارهم لما جئتم به من الحق «النار وعدها الله» أمثالهم من «الذين كفروا»
-[٤١١]- وجبروته - سلط الله تعالى عليه بعوضة أهلكته؛ إذلالاً له، واستخفافاً بأمره، وتحقيراً لشأنه؛ فتعالى الله الملك الحق، الجبار المتكبر
﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ الذباب ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ الأصنام التي يعبدونها. أو «الطالب» العابد الكافر: لعجزه عن حماية آلهته من الذباب «والمطلوب» الصنم المعبود: لعجزه عن حماية نفسه
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وجاهد النفس والشيطان واعصهما
وإن هما محضاك النصح فاتَّهم
﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ اختاركم ﴿حَرَجٍ﴾ ضيق ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ﴾ الجأوا إليه واحتموا بفضله وعنايته، وثقوا به
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تم عرض جميع الآيات
72 مقطع من التفسير